العالم الأول والعالم الثالث وما بينهما ، مسافات يمكن الانتقال بينها جغرافيا خلال ساعات معدودة بكل سهولة ويسر ، لكن الانتقال الذهني والعبور الحقيقي يتطلب أشياء كثيرة جدا يضيق عن الإحاطة بها هذا المقال ، لكننا مضطرون إلى تناول جزء يسير يتعلق بالتجربة الإنسانية التي هي مناط التغيير الحقيقي في كل زمان ومكان .
ويكاد الدمع يهمي عابثا ............ ببقايا كبرياء الألم
ذاك هو حال المنتمي إلى أمة لم يعد لها منبر للسيف أو للقلم ، وهو قبل ذلك شعور الإنسان المطلق القادر على بلوغ التمام وقد أيقن بلا شك أو مداراة انه عاجز . فالأرض هناك أخذت كل زينتها وازدانت بأبهى حللها عندما وقف على أديمها إنسان شامخ كريم حقق منهج الخلافة وأعلى بنيان الإنسانية .
إنسان شامخ كريم .. هذا هو سر الحضارة وعامل نمائها . فأول ما يواجهك هناك في مدينة ملبورن الاسترالية التي أقمنا فيها لمدة عشرة أيام هو القيمة العليا للفرد والإمكانات المتاحة له من اجل العمل والعمل والإنتاج . أنت من حيث كونك أنسانا تشكل رقما صعبا لا يمكن تجاوزه وعلاقتك بالمجتمع والتنظيمات من حولك علاقة واضحة منظمة ، صدقوني أن البحث في أصلك وعرقك وعمرك ومعتقدك أمر غير ذي جدوى وتحاشيه عمل غير مصطنع بل هو جبلة جبل عليها الناس في ذلك المكان ، فالمهم انك موجود فوق تلك الأرض وانك تعمل وتحترم الآخرين وتتقيد بالقوانين الموضوعة والمطبقة بحرفيتها عليك وعلى السكان أجمعين .
تمشي في الشارع مثلا فلا تلتقي عينك بأعين أخرى مصممة على البحلقة والنظر المريب ، قد تبدأ أنت البحلقة – كما حصل مع كاتب الكلمات بطبعه الذي غلب التطبع – فتكتشف أن لا أحد يدري بك أو يهتم بنظراتك النافذة المتفحصة ، حتى وان التقت عينك بعين أخرى فهو حادث عابر غير مستفز ولا مثير للسخط والاشمئزاز لان اللقاء لن يدوم أكثر من جزء من الثانية تستنتج بعده أن الشخص المقابل ماض في طريقه إلى شيء آخر غير آبه بك ولا بنظراتك ، هذا النقطة مهمة كثيرا لأنها تعني أن الناس غير مشغولين بما لا يفيد ويستهلك الوقت ، كل ينظر إلى نفسه أولا ويهتم بوقته وواجباته قبل أن يهتم بالآخرين وشؤونهم .
في الشارع كذلك أمر آخر ذو شأن عظيم .. أحد عشر يوما لم نبق فيها شارعا رئيسيا أو زقاقا إلا دخلناه فلم نسمع خلال ذلك صوت منبه " زامور " سيارة . نظام عجيب وتقيد بقوانين السير وهدوء لم أعهد مثله أبدا وصل بي إلى درجة الشعور بالغربة الصوتية ، لا أصوات أبدا ولا أشخاص حانقين يكثرون الضغط على المنبه ويرغون ويزبدون ويشتمون ويلعنون ، هل نحن على كوكب الأرض ؟ أم أن السيارات هناك غير مجهزة بهذه الأداة المهمة ؟ لا أدري ، لكنني متأكد أن شوارع ملبورن أضيق من شوارعنا والسيارات هناك كثيرة جدا ، لكن السائق مرتاح جدا . لماذا ؟ الجواب عندكم .
مفارقات كثيرة في الشوارع ، منها نظافتها وخلوها من الأوساخ والقاذورات ، تكاد لا تجد ورقة ملقاة في الشارع ، نظافة ورعاية واهتمام بالمنظر العام وآلات غريبة الشكل متوسطة الحجم تذرع الأمكنة جيئة وذهابا تنظف أرصفة وشوارع لم تعرف من القذارة شيئا لا قبل التنظيف ولا بعده .
الآن سأصدمكم فقد وجدت هناك شارعا ممتلئا بالنفايات والأوراق ، انه الشارع الذي يقع فيه المسجد الذي قررنا أن نصلي الجمعة فيه والذي غالبية سكانه من أصول عربية وإسلامية .
أمر محزن ، أليس كذلك ؟
أما نظام المواصلات فحدث ولا حرج ، فنظام المترو يصل إلى أدق الأمكنة وأضيق الزوايا ، انه نظام نقل مجاني مرتبط بمحطات غير متباعدة فتستطيع الصعود أو النزول عند كل تقاطع في المدينة ، الأوقات محددة و محسوبة بالدقائق ، والتعامل مع النظام سهل وسلس بحيث أن غريبا مثلي استطاع أن يذهب إلى كل مكان في ملبورن بأقصر الطرق وأقل الأوقات ، فلم احتج شيئا سوى خارطة صغيرة عليها كل المعالم المهمة وموقعها من محطات المترو بدقة وضبط .
هنا نتوقف فنقول ، أن كل ما تحدثنا عنه سابقا من راحة للسائقين ونظافة في الشوارع وفعالية في نظام المواصلات وغيرها من الأمور التي لم أرها كالتأمين الصحي والضمان الاجتماعي ، كل ذلك هو خدمات تقدمها الدولة بعد أن تكون قد استوفت الضرائب المستحقة على المواطنين ، فكل شخص هناك يدفع ما مجموعه 35% من صافي دخله كضرائب ، هذه النسبة عالية بلا شك لكنني لم أجد شخصا واحدا يتذمر منها ، فالكل هناك يحس بالرضا تجاهها ، ربما لأن مستوى الدخل عال أصلا ولأن نوعية الخدمات المقدمة للمواطنين تبرر هذه النسبة وتعكس حرص السلطات على راحة المواطن ورفاهيته .
ولكم هنا أن تقارنوا بين ضرائبنا وضرائبهم ومستوى خدماتنا ومستوى خدماتهم لتعلموا أن ضرائبنا مهدرة وهي لا تقدم لنا شيئا حقيقيا رغم ارتفاع نسبتها وتدني مستوى دخل الفرد السنوي .
هذه مقتطفات بسيطة استطعت أن الم بها خلال عشرة أيام قضيتها هناك ، وهي بلا شك مظاهر مادية بحتة تعكس حالة حضارية مبهرة وتترجم المثل الاسترالي الذي يقول أن الكمال له ثمن . نعم فالقضية من أساسها هي سعي نحو الكمال وتسخير لكل الإمكانات المادية في هذا السبيل وصولا إلى مجتمع متكامل وحالة من الراحة والرفاهية ، إنها بالضبط خلافة الله في الأرض لولا ما يكتنفها من نقص روحاني واضح .
فالحضارة هي حالة على المستوى الجماعي يعيشها الناس ويسعدون بها وهي واجب تؤديه الجماعة والفرد على حد سواء ، فالجانبان مترابطان إلى ابعد الحدود . الحضارة هي سيطرة الإنسان على الأشياء خدمة للغاية العظمى التي وجد من اجلها ألا وهي عبادة الله ، فان فهم العبادة على أنها طقوس مجردة وحركات يؤديها فقط يكن قد أخل بجانب مهم من جوانبها ألا وهو عمارة الأرض وخدمة الكون من حوله . وان فهم العبادة على أنها مجرد انجازات علمية وضرائب تدفع دون التزام بعلاقة متينة مع الخالق الذي اوجد كل شيء يكن أيضا قد اخل بجانب مهم من جوانب العبادة .
خلاصة القول أن مشاعر الحسرة والخيبة تتولد عند الفرد المسلم كلما عاين وجه الحضارة وتلمس الفرق بين زيف الاستهلاك الذي يحياه هنا ، والانجاز الحقيقي والتقدم المادي هناك .
وأخص الفرد المسلم بكلامي لأنه يعيش دائما بين واقع رديء وحلم جميل .
أما الواقع الرديء فهو احتلال البلاد وانتهاك أعراض العباد و ظلم ذوي القربى وانعدام قيمة الإنسان والفشل الذريع على كافة الصعد العلمية والصناعية والإنتاجية .
بينما الحلم الجميل هو ما يبثه في نفسه إيمانُه الراسخ بأنه حامل الرسالة الخالدة التي هي مفتاح فهم الإنسان للكون من حوله ، والمحركُ الأعظم من أجل العمل والبناء .
عوامل متضادة متنافرة تدور في دماغه بين روحانيات جميلة وواقع مؤسف .
أما السياسة والدين فهما حاضران بقوة يرسمان كل معالم الصورة ويدخلان في أدق تفاصيلها .
ولنقل شيئا عن هذين العاملين :
نحن برغم جميع بلاوينا ما نزال بخير من الناحية الدينية على المستوى الشخصي ، وهناك إيمان راسخ بأن لدينا من المقومات ما يؤهلنا لأن نعود فنتبوأ مركز الصدارة في العالم من جديد .
لكن حتى في تديننا هناك بعض المشاكل :
- هناك جهل بالنظرة الكونية للإسلام التي تجعل من كل إنسان مهما اختلف عرقه أو زمانه مسلما محتملا ، بمعنى أن الآخر محكوم عليه بالشر الأبدي والعداوة الحتمية ، وإنما سبَّبَ هذه النظرة انغلاقنا وخوفنا والظلم الذي مورس علينا من قبل المستعمر والمحتل . لقد أوقعتنا ظروفنا السيئة وتحول الدين من روح إلى شعائر ، أوقعتنا هذه العوامل في نظرة عنصرية تختصر الدين في مجموعة من الناس بدلا من أن تسعى إلى نشره والولوج به إلى أصقاع العالم المختلفة .
وعليه فقد باتت التجربة الحضارية الغربية في نظرنا تجربة عرقية تمثل أناسا آخرين ، نخشاها كما نخشاهم ، وتخلو في نظرنا من قيمتها الإنسانية التي تجعل لنا نصيبا منها كوننا بشرا أولا وأخيرا .
- الإغراق والمبالغة في الربط بين النجاح على الصعيد الروحاني والنجاح على الصعيد المادي ، فنحن متصوفون إلى أقصى الحدود في تديننا ونظن أن السماء قد تمطر علينا ذهبا وفضة فيما لو كنا أشخاصا طيبين نؤدي فروضنا الدينية ونطبق كل ما أمرنا به وننتهي عن كل ما نهينا عنه .
وبرغم أهمية العبادة والالتزام بالتدين قلبا وقالبا وهذه غاية كبرى من غايات الإنسان في الوجود ، إلا أن تجارب الدهر أثبتت لنا أنْ لا تلازم بين الجانبين ، فنحن قد نكون في أسمى حالاتنا الروحانية لكننا في المقابل لن نظفر من القوة العسكرية والاقتصادية ومقومات الحضارة بنصيب . علينا أن نحسن استغلال الأسباب ونتمرغ بتراب هذه الأرض التي منها وجدنا واليها معادنا كي نكون أحرارا راضين عن أنفسنا .
وأنقل هنا فهم مالك بن نبي للآية الكريمة " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " بأن المقصود بالصالحين في هذه الآية هم الأكفاء الذين يحسنون اتخاذ الأسباب والقادرون على صنع الحضارة وخدمة الإنسان بغض النظر عن تقواهم أو الدين الذي ينتسبون إليه .
والقرآن بمجمله لا يغفل جانبا على حساب الجانب الآخر ، فهو حين يأمرنا بالاعتصام بحبل الله فانه يطلب منا إعداد ما نستطيعه من أسباب القوة والظفر . أما الركون إلى حالة التصوف هذه فمرفوض جملة وتفصيلا .
ونتيجة النجاح على صعيد والفشل على الصعيد الآخر هي حالة من الفصام الواضح أمام أي حضارة أخرى , سبب الفصام أن المسلم يستشعر جانبي واجبه الديني فيحس بالتناقض عند نجاحه في جانب وفشله في الجانب الآخر ، فيلقي باللوم على المجهول ويظن أن نجاحه في مسألة العبادة كفيل بنجاحه في معركة الحضارة لولا ما يحاك حوله من مؤامرات وفتن .
لكن الحقيقة غير ذلك فالأسباب التي تخلى عنها هو وأحسن استغلالها الآخرون جعلتهم يتقدمون عليه ويصنعون الانجاز والرقي ويسعون نحو السيطرة عليه وعلى غيره كمظهر مهم من مظاهر القوة ، هذه الأسباب والانجاز من بعدها عوامل مادية بحتة تؤدي إلى طريق واحد هو الحضارة المادية والعمران ، سواء كان الباني مسلما أو غير ذلك .
ثمة أمر أخير مؤثر في قيمة الفرد عندنا وجاعل من طريقة تفكيره طريقة غير واثقة ومرتبطة دائما بالسياسة وشكل الدولة دون مراعاة للفردية والشخصية الذاتية . أنها ألف وثلاثمائة عام من التردي السياسي عاشها الفرد المسلم متحملا كل أشكال الكبت والضغط على أعصابه وإنسانيته ، هذا التردي السياسي ارتبط بشكل الدولة والحكم واستَغَلَ الدين أبشع استغلال في خدمة أنظمة الحكم ومصالحها ، لقد عشنا دهرا طويلا خاضعين لما يمكن أن نسميه " العلمانية المستترة " أي تهميش دور الدين الحقيقي في خدمة الدولة والمجتمع والاهتمام فقط بجوانبه الفردية ، أو – وهو الأخطر – تطويع نصوصه وثوابته في خدمة رجال الحكم والسياسة .
دائما كانت قيمة الفرد في الحضيض وأقصى ما يمكن أن يتخذه من إجراء هو أداء بيعة يقبل خلالها يد الحاكم المنتظر طواعية أو منقادا إليها بحد السيف . لقد استغل مفهوم الخلافة أبشع استغلال ومورس عن طريقه أشكال فظيعة من الاضطهاد وباسم الدين وهو من ذلك براء .
فالدين الذي جاء كي يعلي من شأن الفرد من حيث هو إنسان وقيمة مطلقة ، ضغط على الإنسان واستغل في خدمة هذه الدولة أو تلك ، لقد عشنا عصرا من التقدم العلمي والنهضة ، لكنني لا اعرف في تاريخنا عصرا كانت قيمة الإنسان فيه محترمة وعالية إلا عصر النبوة و الخلافة الراشدة وهو عصر قصير قصير .
هذا غيض من فيض الحشرجات التي في الصدور ، وهي أفكار غير مرتبة تتلى بصوت عال لعل النقاش يثريها ويساهم في صياغتها بأسلوب أكثر جمالا وترابطا . آملا أن لا نكون قد خرجنا كثيرا عن الموضوع في جزئه الثاني ، فالجانب الوصفي ليس هو المقصود لأن معظم الذين سيقرأون هذا المقال على اطلاع أعمق من اطلاعي بتفاصيل الحياة الغربية وثقافتها ونهضتها ، وإنما هي آفاق يفتحها الحديث عن الآخرين بما يذكرنا بأنفسنا وتقصيرها .