الملف الشخصي
الاسم: Samer Haidar ALMajali
القائمة
بحث

حداثيون بلا حداثة
21 نيسان, 2008

لا تُفهَمُ الحداثة إلا في أحضان الابتكار ، هذا ما نبهني إليه بكل تواضع أحد الأصدقاء ، مشيرا إلى أن خبرته في ميادين الفكر والسياسة ما زالت محدودة وغضة . ثم أتبع ملاحظته هذه بجملة من التعليقات التي طالت بعض تجليات الحداثة والحداثيين في واقعنا الراهن .

صديقي يقول أن الحداثيين يعيشون وهما كبيرا سببه تنطعهم وغرقهم في مُسلَّمات كبَّلَتْ أدمغتهم حتى الثمالة . فكثيرون منهم يشكون من الموروث الذي يقف التعلّق به الزائد عن الحد حاجزا دون تقدمنا ومسايرتنا لركب الإنسانية ، لكنهم مع ذلك يمارسون نفس التعلّق هذا بنظرياتهم الصلدة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، فهم متمترسون خلف قوالب جامدة ، جاءوا بها من الخارج أو من الداخل ، هذا لا يهم ، فآلية العمل في رؤوسهم خطية ذات بعد واحد ، لا تقبل النقاش أو المحاورة .

هم والآخرون وجهان لعملة واحدة ، جميعهم مطبوعون بنفس السمات والخصائص و إن اختلفت الصورة الخارجية فقط . جوهر عقيم غير قادر على الخروج من براثن التقليد عند طائفة ، والتبعية عند طائفة أخرى . المسلمات كثيرة ، والمصطلحات صلبة غير قابلة للتفكيك ، تُلقى عليك المصطلحات مرة واحدة كجلمود صخر حطه السيل من علٍ ، والمطلوب منك إما أن تكون مع وإما أن تكون ضد .

ثم ضرب هذا الصديق المتواضع مثلا بالنقاش الدائر حاليا حول الليبرالية ، وقد أصبحت قضية ساخنة وموضوعا متداولا عند الخاصة والعامة ، علما بأنه لا ليبرالية واضحة المعالم في كل ما يجري حاليا على ساحتنا الأردنية . فقال إنها – أي الليبرالية – في حقيقتها ليبراليات ومدارس فكرية متعددة تفسر العلاقة بين الإنسان والسوق والدولة . فيها اتجاهات كثيرة تنتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ضمن نطاق لا يخرج عنها . يراها بعض أصحابها نهاية للتاريخ والصراع البشري حين يصبح الإنسان سيد نفسه بلا قيد يوقفه عند حد ، ويراها آخرون نزعة فردية تهب الإنسان كل إمكانيات الحركة والتطور لكن ضمن إطار مجتمعي يتكافل فيه الناس ويقيلون عثرات بعضهم . تضمحل الدولة إلى حدها الأدنى في بعض صورها فتصبح مجرد حارس قضائي هدفه فك الاشتباكات والمنازعات ، وتبقى قوية تفرض إرادة الأغلبية في صور أخرى .

أما عندنا وكما يطرحها الحداثيون فهي كلمة واحدة تؤدي معنى جامدا ذا سمعة سيئة لأن دعاتها اقتبسوا الواقع كما هو ولم يحاولوا تفكيكه تمييزا لطيبه من خبيثه . ربما – والكلام لصديقي – تكمن المشكلة في أن إعجابنا بالشيء يجعلنا لا نرى عيوبه ، وكرهنا إياه يعمينا عن حسناته ، واستشهَدَ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم " حبك الشيء يعمي ويصم " . هذا المنهج المنغلق الرافض للتفكيك سمة يظهر أثرها على طرفي المعادلة المؤتلفة-المتناقضة في آن معا ، بعض التراثيين وبعض الحداثيين ، فهم في حقيقة الأمر عقل واحد يعمل مستخدما نفس الآلية ، والذي يختلف فقط هو الصور التي يبرزها إلى العلن .

ثم انتقل صديقي إلى الديمقراطية وأبدى إعجابه بفهمي جدعان الذي اعتبرها " تكنولوجيا سياسية " لا تستلزم منك أن تأخذها منهجا اعتقاديا يفرض إرادة الشعب ولا شيء غيره ، ولا تستثني كذلك أي خلفية إيمانية أو اعتقاديه يقوم عليها بنيان الدولة والأمة ، وهي كذلك ليست معادلة رياضية لا تحتمل إلا صورة واحدة . إنها تكنولوجيا يمكنك استخدامها لتحترم رأي الأغلبية في أي شأن مطروح للنقاش والمداولة . لكننا وياللاسف ما زلنا تائهين بين من يريدون اقتباسها بشكلها المطبَّق في الديمقراطيات الغربية من جهة ، ومن يرونها كفرا بواحا مخرجا من الملة من جهة أخرى .

هل سبق لك أن عرفت حداثة تطبق على نفسها ذات المنهج الذي يطبقه أعداؤها – يقصد غير الحداثيين – على أنفسهم ؟ هذا ما سألني إياه صديقي مختصرا كل الكلام الذي سبق وشمل الليبرالية والديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان والإسلام السياسي وكل ما تستجد به قرائحنا من كلام كبير . وأردف قائلا هذه سمة كبرى من سمات التخلف ، فمنهج التفكير في أي عملية بناء وتحديث هو الأساس ، أما النظريات والمشاريع فهي نتيجة المنهج السليم لا مقدماته .

نريد منهجا تصحيحيا لا يبقي ولا يذر ، منهجا قادرا على التفكيك والاقتباس والتأصيل ، يخضع كل شيء ضمن اجتهاد البشر للمناقشة والتقييم ، فنحن بصدد مشروع نهضوي ، والنهضة لا يصنعها الذين يحبون على أربع ولا الذين يريدون السير في الهواء بلا أقدام راكزة فوق سطح الأرض .

ملاحظة : صديقي هذا شخص خيالي والكلام لم يدر إلا ضمن رأسي .

بواسطة kalamfekalam 05:52 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba