الموريسكيو ، أو المسلمون الصغار ، هم العرب الذين آثروا البقاء في وطنهم الأندلس بعد سقوط آخر حكم عربي فيها .. حكم بني الأحمر في نهاية القرن الخامس عشر للميلاد . هؤلاء المسلمون تعرضوا خلال مدى زمني يقرب من مئة وعشرين عاما إلى أقسى أشكال الاضطهاد والتنكيل على يد محاكم التفتيش ، قبل أن يصدر قانون قسري أجبر من تبقى منهم ونجا من هذه المحاكم على مغادرة اسبانيا إلى الشواطئ المغربية ، وذلك في التاسع من نيسان من عام ألف وستمائة وتسعة للميلاد ، أي قبل أربعمائة عام من يومنا هذا بالتمام والكمال .
صفحة الأندلس التي كان الموريسكيو آخر سطورها ، بدأت قبل ذلك بألف عام ، برسالة الإسلام وعنفوان الدعاة الأوائل ، الذين تحرك في صدورهم شوقهم إلى الجنة ، وقادهم فهمهم العميق لمضمون الرسالة إلى تجاوز المضيق والتوغل في شبه الجزيرة الأيبيرية ، اسبانيا والبرتغال ، قبل أن يوقف زحفهم شارل مارتل في بلاط الشهداء ، التي أجمع دارسو التاريخ على أنها لو انتهت إلى غير ما انتهت إليه ، لكان القرآن اليوم يتلى في باريس ، وتُدرّس أحكامه في كامبردج وأكسفورد .
هناك في اسبانيا والبرتغال ، تلاقحت الحضارات فأثمرت ابن رشد والإدريسي والحسن بن الهيثم وموسى بن ميمون ، وتصارعت في نفس الوقت فكانت نتيجتها محاكم التفتيش والموريسكيو . وهنا وجه المفارقة ! أن تعطي الآخر وتأخذ منه ، لكنك في كل الحالات لا تملك أن تتجنب الصراع معه .. صراع القيم والمبادئ ، بل صراع الفهم والفكر وتفسير الوجود ، هذا النوع من الصراع الذي يقود حتما إلى المواجهة والعداء ، مهما تفاءل المتفائلون وادعوا أن نظرية صراع الحضارات ليس لها مكان في إعراب التاريخ ومسيرته . ما علينا .. فالتاريخ يقرأ بحقبه ومدده المتطاولة ، وإذا سلمنا بخطية التاريخ فعلينا أن نؤمن بالتراكم والبناء ، والأهداف والغايات الكبرى . وكما كان صِدام في القدس وشواطئ الشام انتهى بطرد الصليبيين ودحرهم ، عبر عمل دائب طويل ، لا يعرف أكثر العامة بل المثقفين من رموزه إلا نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي ، متجاهلين بناء صلبا وقف عليه هؤلاء العمالقة .. بناء أسسه رجال عظام من أمثال مودود ونجم الدين ايلغازي وغيرهما . كما كان هذا الصدام موجودا ، وتراكمت فيه جهود القادة المخلصين وصولا إلى قمة الانجاز ، فقد حدث في الأندلس شيء شبيه بهذا ، مع تبدل الأدوار وتغير اللاعبين .
فمظاهر المقاومة الاسبانية ، عبر القوط وغيرهم من أهل اسبانيا ، لم تهدأ يوما واحدا منذ اللحظة الأولى التي رست فيها مراكب المسلمين على الشواطئ الاسبانية . وعملية ( التحرير ) التي أثمرت بعد ثمانمائة عام كان لها بذورها وروحها التي لم تمت أبدا في صدور الاسبان برغم فرقتهم وشتاتهم وأزماتهم العاصفة . فكما عبر المسلمون المضيق فانشئوا دولة وبنوا حضارة ، فقد عبر القوط مضيقا صعبا ، قل فيه المدد والعون ، وغدوا خلاله فلولا منهزمة ، خسرت كل شيء ، الأرض والمال والسلاح ، إلا شيئا واحدا ، هو روح المقاومة في صدور مجموعة صغيرة من الرجال ، لم يتعد عددهم ثلاثين رجلا ، كانوا نواة المقاومة ، وآباءها الحقيقيين .
يحدثنا التاريخ عنهم فيقول أن جيوش المسلمين لما تتبعت فلول القوط التجأ الناجون منهم ، وكان دون الثلاثمائة عددا ، إلى صخرة حصينة في الشمال الغربي من اسبانيا تقع في أعلى قمم جبال كنتبرية . هذه الصخرة ما زالت تسمى حتى اليوم باسم " صخرة بلاي " نسبة إلى قائد المجموعة المعتصمة بالموقع الحصين الوعر . فلما عجز المسلمون عن الوصول إليهم حاصروهم مدة طويلة ، فقضى أكثر المحاصرين جوعا وعطشا ، ولم يبق إلا بلاي ومعه ثلاثون رجلا ثبتوا برغم صعوبة أوضاعهم . وطال الحصار حتى أعيا المسلمين أمر هذه المجموعة فتركوهم وقالوا : ثلاثون علجا ما عسى أن يكون أمرهم . واحتقروهم ثم بلغ أمرهم - أي المجموعة المحاصرة - إلى أمر عظيم ، فتحولوا من فلول مطاردة إلى دولة مستقرة ، جمعت شتات الجيوب الأخرى ، وأذكت الكفاح المسلح ضد المسلمين طيلة تواجدهم في الأندلس .
هذه هي القصة بإجمال ، قصة القرون الطويلة التي ابتدأت بـ " ثلاثون علجا ما عسى أن يكون أمرهم " ، وانتهت بـ " ابك مثل النساء ملكا مضاعا ،،،،،، لم تحافظ عليه مثل الرجال " ومأساة الموريسكيو .
تلك قصة الروح والعزيمة والمقاومة والإرادة ، نتعلمها من الطرف المقابل فلا بأس في ذلك ، ونجدها في تاريخنا أيضا إن أردنا أن نقرأ هذا التاريخ بعيون واعية وقلوب مؤمنة ، مبتعدين عن ترهات السياسيين ودهاقنة الفضائيات أصحاب الحسابات الدقيقة التي لا يتمسكون بأهدابها الا عندما يتعلق الأمر بمشروع حقيقي للمقاومة والعزة .
فتبا للذين يقرأون التاريخ من ذيله ، وسحقا للذين لا يعرفون القراءة أصلا .....
المحرقة التي تتعرض لها غزة ، على يد الصهاينة ومن آزرهم من عتاة الإجرام والوحشية ، ومن غض الطرف عن أفعالهم من بني جلدتنا وذوي أرحامنا ، تُبرزُ صراعا داخل الجسد الواحد ( إن كان بقي ثمة وحدة ) بين المقاومة - من حيث هي فكرة - وشرعيتها ومنطقها الذي تستند إليه ، وأولئك الذين يقفزون فوق الفكرة ويجعلونها وراء ظهورهم ، فيختصرون طريقهم ويجملون موقفهم بالنيل من المقاومين ورموزهم ورميهم بشتى أنواع التهم والنقائص .
موقف جدير بالوقوف عنده ، ليس من أجل الدفاع عن المقاومين ، وهذا شرف في حد ذاته ، ولا من أجل كيل الاتهامات وتعرية مواقف المتخاذلين ، وإنما من أجل استخراج العلل الكامنة في النفوس ، والتذكير بأن الذي يحدث ليس وليد الساعة ولن يتوقف عند غزة أو غيرها .
البارز جدا عند هؤلاء البعض ( وما أكثر البعض في حالتنا ) أنهم يتجنبون الطعن في فكرة المقاومة ، لا حبا فيها ، ولا حرصا على الاحتفاظ بهذا الخيار ، وإنما تجنبا للإدانة المباشرة التي ستظهرهم على حقيقتهم وتعري زيفهم وتخاذلهم ونكوصهم عن الإتيان بأضعف أنواع الإيمان ، الإيمان القلبي ، الذي هو مناط النية ، وما أقبح بعض النوايا لو تم الكشف عن مخزونها .
لهذا السبب تراهم لا يقدمون حلا لمعضلة ، يتباكون على الشهداء حينا ، ويتحدثون عن الحسابات الخاطئة حينا آخر . ناسبين هذه الحسابات الخاطئة – من وجهة نظرهم - إلى ارتباط المقاومة بمشروع خارجي ، زعما منهم أن رموز المقاومة يطمحون الى تحقيق غايات شخصية وتكريس أنفسهم كزعماء أو قادة على حساب الشهداء والدم المسفوح . وهنا تبدأ رحلة الشخصنة مع هؤلاء ، والنيل من فلان وعلان ، وتسمع عبارات على شاكلة ( مقاومو فنادق الخمس نجوم ، ومجاهدو الخطب والحناجر ) فيبدو على أوضح صورة منطقهم المتهافت ، وغياب وعيهم وتخبطهم ، وعجزهم عن الانتصار لمبدأ الحرية والعزة على أقل تقدير . وهم معذورون في ذلك على كل حال ، لأن جو الشخصنة هو الجو الذي تعيشه الأمة كلها منذ زمن بعيد ، فالأشخاص هم الفلك الذي تدور فيه الأشياء ، قبل الأفكار وقبل المبادئ الراسخة .
فكيف لمثل هؤلاء أن تستوعب رؤوسهم فكرة أن هناك من يقاوم ويقدم التضحيات الجسيمة من أجل هدف سام نبيل ، ومن أجل تحرير شعبه من ربقة الظلم والاحتلال ، ونيل إحدى الحسنيين ، النصر أو الشهادة . يرون مواكب الشهداء أمامهم بالمئات ، وقادة المقاومة وأبناؤهم وزوجاتهم هم أول الشهداء وأكثرهم اصطلاء بحمم السماء وبراكين الأرض ، لكن ظنهم لا يتزعزع ، ويبقون مصرين على تقديم سوء الظن والشك في النوايا .
ولاعجب في ذلك ، ولنكن صرحاء مع أنفسنا وأكثر تفصيلا في بيان الصورة ، فكيف يمكن الخروج من شخصنة المواقف وجل ما يعيشه هؤلاء من حولهم غارق في عالم الاشخاص . الاوطان قادة والمذاهب الدينية أئمة وطرق العبادة شيوخ . فهم على المستوى السياسي يعيشون في أوطان يدور كل منها في فلك الزعيم الأوحد الذي يتعامل معه شعبه على قاعدة ( ما شئت لا ما شاءت الأقدار ) وهو نفسه القائد الملهم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. دول ليست أكثر من كيانات خاضعة لعصبيات مستولية تخضع لمشيئتها البلاد ورقاب العباد . أما على مستوى التدين والعبادة فأكثر ما ننتظره هو مهدي منتظر يتم النصر على يديه بخارقة من خوارق الطبيعة ، وليس عبر عمل مستمر ورغبة في التقدم والنهوض . أما المذاهب فهي آراء جامدة وشيوخ توقفت عندهم منذ زمن بعيد قدرتنا على الاجتهاد . ولا يخفاكم ما عانته الأمة من صراعات طويلة بين هؤلاء وأولئك ، من أشاعرة وحنابلة وشافعية وغيرهم ، كل فرقة تنتصر لرأي شيخها وتذود عنه ، فكان حالنا أن الحق يعرف بالرجال ، وليس كما هو واجب بأن الرجال يعرفون بالحق . حتى كتب التاريخ التي تتحدث عن العصور الذهبية للأمة تبرز الانجاز باسم القادة العظام في فترتهم ، ولا تتناول بالبحث تفاصيل الانجاز والقاعدة البشرية التي ارتكز عليها .
هؤلاء في ظل تضاؤل قيمتهم وشعورهم بالدونية في أوطانهم ، يصعب عليهم التصديق بأن هناك أشياء في الدنيا قد تحكمها فكرة ومبدأ ، وليس شخصا وقرارات فردية .
هذا هو داء الشخصنة قديمه وحديثه ، ما زال فاعلا حتى الساعة مقيدا فكر هؤلاء من حيث يشعرون ولا يشعرون . فهم في حقيقتهم - وان لبسوا لبوس المدنية والحضارة وارتقوا ذرى الشهادات العلمية - نتاج مجتمع مهزوم متخلف ما زال عاجزا عن عبور قنطرة التبعية والقهر والاستبداد ، وما زال غير قادر على استيعاب الاختراق الذي تحققه المقاومة لنظمه وعاداته . لذلك يكون الآخر الذي لا يوافق هواهم متهما ، فهو دائما طامع أو صاحب مشروع أو دمية بيد الآخرين .
ثم يلتقي هذا العامل ، أي دورانهم في فلك الأشخاص وبعدهم عن الموضوعية ، مع شعورهم بالعجز والدونية والتخاذل ، فيلجئون من حيث لا يعلمون إلى الحيل اللاشعورية ، التي يواري العاجز فيها عجزه والناقص نقيصته بالتشكيك في أصحاب الانجاز والناجحين ، فيقلل من شأنهم ويتهمهم بما شاء . وهذه الحيل الشعورية هي عيوب نفسية راسخة عندهم ، يعرفها علماء النفس جيدا ولا داعي هنا للاستفاضة في شرح تفاصيلها .
خلاصة القول ، أن محرقة غزة لم تكشف جبن عدونا ودناءة معدنه ، فهذا شيء نعرفه منذ زمن طويل . لكنها كشفت بشكل أوضح مستوى ( التنبلة ) الذي وصل اليه الكثيرون منا ، نتيجة تراكمات القرون وعقدهم النفسية المترسخة . فهل الى خروج من سبيل ؟ وهل يقتنع التنابلة بأن المحرقة قادمة اليهم ان لم يغيروا طريقة تفكيرهم وتقييمهم للأمور ؟
كل يغني على ليلاه ويروي أحداث الرابية بحسب موقعه من الحدث . لا وجود للشهود الموضوعيين ، ولاشيء إلا صورة ضبابية ومزيد من وجهات النظر المتطرفة ، التي يشتد فيها الغلو والإنكار ، فتؤدي إلى شيء واحد لا غير .. فك اللحمة وفصل الشارع عن الموقف الرسمي عبر مساحة من الشكوك والاتهامات المتبادلة . لكن الأهم من بحثنا عن طبيعة الذي حدث بالضبط ، وان كان هذا مهما جدا وتترتب بناء عليه حقوق شخصية للذين شملتهم دائرة العنف ، الأهم من ذلك هو أن نسأل لماذا حدث هذا الصدام ؟ وعند أي مرحلة من التطورات الداخلية المرتبطة بالعدوان على غزة كانت أحداث الرابية ؟
مع بشاعة العدوان الهمجي على قطاع غزة ، وتفنن الصهاينة في أساليب القتل والتدمير مستخدمين آلة البطش الرهيبة بأسلحتها الفتاكة وقنابلها المحرمة دوليا ، الآلة التي لا تفرق بين طفل وشيخ أو رجل وامرأة ، ومع ازدياد الاستنكار العالمي – على المستوى الشعبي بالطبع – لمحرقة القرن الحادي والعشرين ، وشعور الصهاينة بالمأزق الحقيقي الذي وضعوا أنفسهم فيه أمام صمود المقاومة التي أثبتت أنها قد خططت للمعركة جيدا واستطاعت أن تفاجئ المعتدين بتكتيكات حربية غير متوقعة وصواريخ قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي حتى مدى خمسين كيلو مترا ، وأسلحة أخرى لم يحسب حسابها الإسرائيليون مثل بعض أنواع القذائف القادرة على أن تطال المروحيات وتؤدي شكلا من أشكال الدفاع الجوي . في خضم هذا كله كانت الفورة الشعبية في الأردن على أشدها ، وكان منظر الدماء وأشلاء القتلى وجثث الأطفال فوق ما يمكن أن يتحمله إنسان صاحب ضمير حي يسكن أقصى بقاع الأرض ، فما بالكم بالأردنيين وهم أشقاء الشعب الفلسطيني دما وروحا وترابا ، وبينهم من وشائج الرحم والقربى والمصير ما يجعل الوجع واحدا والجرح نازفا في الضفتين .. هنا كانت إسرائيل تحس بأنها تخسر معركتها سياسيا وإنسانيا ، وتفقد مؤيديها قبل معارضيها وتخضع لضغوط شتى ، أهمها وعلى رأسها التلميحات الأردنية بإمكانية إعادة النظر بالعلاقات مع إسرائيل .
هذه التلميحات فهمها البعض على أنها وسيلة ضغط لا أكثر لجأت إليها الحكومة الأردنية لثني إسرائيل عن عدوانها ، وفهمها آخرون على أنها تهديدات جدية وموقف صارم يتخذه الأردن تجاه العدوان . وفي كلا الحالتين كان ما يلفت النظر هو التلاحم بين الموقفين الرسمي والشعبي ، في سابقة أنذرت بمجهول ينتظر هذه العلاقات . خصوصا إذا علمنا أن هذا التلاحم والضغط الشعبي هو المبرر الوحيد الذي يمكّن الأردن من اتخاذ قرار سيادي كهذا القرار ، أو على الأقل أن يستخدمه ورقة ضغط يلوح بها متى شاء . فلا موازين القوى المرحلية ، ولا العمق العربي ، ولا غيرهما يستطيع أن يمنح الأردن غطاء لاتخاذ قرار من هذا النوع . فقط الجبهة الداخلية الموحدة النابضة على قلب رجل واحد ، كانت الورقة الوحيدة التي تمتلكها الحكومة نحو مزيد من الخطوات الجريئة في هذا الخصوص .
عند هذه المرحلة كان لا بد من العبث وضرب الجبهة الداخلية ، من أجل سلب الحكومة الأردنية خياراتها وفصلها عن الشارع الملتحم معها ، وتخفيف الضغط على إسرائيل بما يمكنها من الاستمرار في عدوانها وتنفيذ مخططاتها . وقد بدأ ذلك منذ فترة على شبكة الانترنت بتوزيع صور لمتظاهرين يحرقون العلم الأردني ، وادعى ناشرو الصور أن عملية الحرق هذه تمت خلال مظاهرات داخل الأردن ، ليتضح فيما بعد أن هذه الصور مأخوذة من مظاهرات جرت في العراق قبل عدة سنوات ، يوم تظاهر البعض هناك ضد الأردن بأهداف ودوافع مذهبية . وأمثلة هذا كثير مما يتم تداوله وما تلوكه بعض الألسنة ، دون أن تدري هذه الألسنة ما تسببه إثارة النعرات من فرقة وشتات في مرحلة نحن أحوج ما نكون خلالها إلى التضامن .
ثم كانت مظاهرة الرابية ، وهي التعبير الشعبي الأقل تنظيما والعفوي بكل المقاييس . نقول عفويا مقارنة بمهرجانات تضامنية أخرى كالتي جرت في ستاد عمان أو في طبربور ، مهرجانات أشرفت عليها أحزاب وجهات مرخصة كانت قادرة على ضبط النظام وعلى التعبير عن انفعالاتها بشكل حضاري . أما الرابية فقد كانت عفوية تماما وبالتالي كانت مجالا خصبا للعابثين والباحثين عن قلاقل ومصادمات تخرج بالمظاهرة عن أهدافها ، وتمكن هؤلاء العابثين من اختلاق صدام بين الحكومة والمتظاهرين ، تحقيقا لأهداف خفية .
هنا يبرز السؤال الكبير : لماذا وقعت قوات الدرك في الفخ ؟ ومن هو المسئول عن قرار أهوج باستخدام العنف والإفراط فيه ضد المتظاهرين ؟ وهل عبث العابثون بالطرفين فنجحت مكيدتهم وحققوا أغراضهم ؟
هناك الكثير من الأسئلة التي لا بد من الإجابة عليها بكل هدوء وتوازن ، إذا أردنا أن نحافظ على تماسكنا ونحقق كشعب انجازا من نوع طرد السفير الإسرائيلي من ربوع بلدنا الحبيب . إذا أردنا أن نطهر هذا البلد فعلينا أن نطهر أنفسنا أولا كأفراد ونرمي وراء ظهورنا كل نعراتنا وأسباب فرقتنا وشتاتنا ، عندها نستحق الانجاز ونتمكن من دعم بلدنا وأخوتنا على أرض فلسطين الطاهرة .
في متجر العطور ، حيث الجو عابق بنسائم عطرية لينة تجوب الفضاء شهية مبهجة ، والأصناف مرتبة فوق الرفوف بعناية بالغة ، بأشكال وأحجام وألوان متعددة ، والبائع متأنق كعريس في ليلة زفافه ، يتحدث بصوت خفيض ، من ورائه موسيقى ناعمة ، يناسب إيقاعها هدوء المكان ووداعته .. هناك وقف مازن يتحدث إلى البائع ، منتقلا وإياه من رف إلى رف ، ومن صنف إلى صنف ، حتى وقع اختياره على صنف محدد ، فهمَّ بدفع ثمنه ومغادرة المكان .....
رآها مقبلة من باب المتجر ، تتجه نحو البائع الآخر ، على وجهها مسحة من الجدية ، وفي خطواتها ما يوحي بأن الأرض لم تُبسط إلا لتسهيل طريقها وإيصالها إلى مقصدها . قلَّبت عينيها في المكان ، ووقفت غير بعيد منه فاستطاع أن يصغي إلى حديثها ، ويميز سيلا من الغنج والدلال اقتحم مسمعه ....
" ماذا لديكم من أصناف جديدة ؟ "
" عندنا ما تحبين وتشتهين يا آنستي ، هل تريدين عطرا خفيفا فواحا ؟ أم ترغبين بعطر قوي مُركز ؟ "
" أعطني شيئا قويا نافذا إلى الأعماق " ....
نفذت الكلمات إلى أعماقه هو ، فساد الكون من حوله سكون رهيب ، وانسحبت كل الأشياء من خلفية الصورة تاركة إياه وحيدا في مأزقه . حدثها في نفسه قائلا : ( ما حاجتكِ إلى العطر النافذ وكل ما فيكِ يجتاح الأعماق فيحيلها إلى لهيب وحمم ؟!! ) . أخذ ينظر مشدوها .. إلى لوحة مليئة بالرموز والإيحاءات ، أو تمثال أجادت يد صانعه نحت التفاصيل وإبراز مكامن الجمال . أذهله كل شيء فيها .. قوامها متناسق يخلو من الزوائد إلا قليلا مما استقر في الأرداف والنهدين ، فتكورت ، الأرداف كقبة عاجية يحار الناظر في إدراك بديع هندستها ، والنهدان كصقرين متوثبين للانقضاض في أقرب لحظة . وجهها مستدير صفحته صافية تميل إلى الامتلاء ، أنفها دقيق وشفتاها تنفرجان قليلا في الوسط . شعرها يميل إلى القصر ، منحن إلى الخارج عند نهايته . بياض يديها وساقيها مثل بياض غمامة عابرة في سماء صيفية . ملابسها على المقاس أو تحت المقاس بدرجة ، تضيَقُّ فتعتصر جسدا يتفجر فتنة وإغراء .. تنورة بيضاء أقصر من الركبتين قليلا ، وقميص أسود انحل زره العلوي فكشف مساحة لا بأس بها من النهدين ، و شفّت نهايته عن بياض بطنها . كانت تتحرك بعناية كمن يحسب كل خطوة قبل أن يخطوها ، طلبت من البائع أن يرش لها عطر أحد الأصناف على طرف معصمها ، فلما رفعت معصمها إلى أنفها ، برز إبطها مثل مغارة جليدية بكر لم تطأها قدم إنسان . أما مكمن الفتنة الحقيقي وسر الجذب الرهيب فكان عينيها ، ليس في اتساعهما ولا في شدة البياض وعمق السواد في البؤبؤين فحسب ، وإنما فيما هو أهم وأخطر ، في النظرة المستسلمة .. الآثمة ، وداعي الغواية الذي يمتد منهما فيعتصر جسد الرائي وبقايا عقله ، مستخدما من الجبروت ما لا تستطيعه أمة من المحاربين الأشداء .
كان المشهد فوق احتماله ، أخذت دقات قلبه تتسارع ، وانطلق النبض متفجرا في الشرايين . احمرَّ وجهه وبدت أرنبة أنفه مثل جمرة مشتعلة جاوزت حرارتها حرارة باطن الشمس . غاص في التفاصيل الدقيقة ثم تجاوزها فولج إلى ما استكن بعيدا عن الأنظار . امتزج عالمه الخارجي بعالمه الداخلي فسرح خياله بغير رقيب ، وأنشأ عالما جديدا خاصا به هو ، عالما أعمق وأمتع من عالم بجماليون الخرافي ، فهو خالقه وباعث الروح فيه في آن معا ... عالما خلف الجدران ، حدد عمقه واتساعه ، وأثاثه ومكان السرير فيه ... عالما غير مستطاع إلا في الأحلام العاجلة والسيناريوهات المحترقة ، فيه أبواب مغلقة ، وجدران ضبابية ، وسجائر ، وخمور ، وموسيقى شرقية ، وملابس ، وعناق ، وقُبَل ، وكلام ناعم هامس . لقد انشأ في ذهنه رواية كاملة ، أحداثها تجري ضمن لحظة تم اقتطاعها من فم الزمان ، فلا قبل لها ولا بعد .. لحظة دائرية ، عند نهايتها تكمن بدايتها ، أرادها كالأزل أو أطول منه قليلا .
في غمرة انشغاله التفتت باتجاهه ، فرأت شعاع عينيه مصوبا إليها ، يخترقها من أعلاها حتى أسفلها .. تفاجأت للوهلة الأولى ، ثم تظاهرت بعدم الاكتراث فتابعت حديثها مع البائع وطلبت منه أن يلف لها زجاجة عطر وقع اختيارها عليها . غادرت المتجر بعد دقائق معدودة فمشى وراءها وتبعها كظلها من شارع إلى شارع ومن رصيف إلى رصيف . كان يتحرك حركة آلية ، ويتبع غريزته مثل ذئب تئن أضلاعه تحت وطأة الجوع والحرمان . لقد خبر كثيرا من النساء قبل هذا اليوم ، غير أن هذه المرأة استفزت فحولته بشكل مختلف . رأى فيها زمنا جديدا ، لا يشبه الماضي الذي ألفه في صباه ، زمنا يعج بالتناقضات ، بالعري الفاضح مختلطا بالفضيلة الساذجة .. يطلان من نفس المكان ، يتزاحمان عبر نفس الأثير ، يتجاوران وكأن كلا منهما يستمد قوته من الآخر . لم تعد الأشياء تسمى بأسمائها الحقيقية ، الفضيلة اختلطت بالتجارة ، والعهر تحول إلى فن ، والأجساد ملقاة على قارعة الطريق .. سوق نخاسة كأسواق العصور الوسطى ، غير أن تجاره اليوم متأنقون ، يحملون شهادات عليا ويتحدثون لغات أجنبية ، وجواريه كذلك ، يعرفن شروط اللعبة جيدا ، يتقن قولبة الأشياء واللعب على الحبال ، فَيَسْتَعْبِدْنَ من حيث يُسْتَعْبَدْن . انه يتخبط ضائعا ، يدرك حقارة ما يفعله في هذه اللحظة ، لكنه أضعف من أن يقاوم تيارا جائحا كالذي يعتصره الآن ، فليمش مع التيار إذن ، وليدفن رأسه بين الرؤوس .
دخلت ممرا ضيقا يصل بين شارعين رئيسيين ، فدخل وراءها . هناك التفتت إليه فجأة ، وقالت بعينين تقطران شررا :
" أنت يا هذا ، ألا تخجل من نفسك ؟ " .
" ولم الخجل أيتها الحلوة ؟ هل فعلت ما يضايقك ؟ " .
" انك تتبعني منذ خرجت من متجر العطور ، هل تظن أني غافلة عنك ؟ " .
" حاشا لعينيكِ الجميلتين أن تغفلا " .
" دعني وشأني إذن " .
" ليس قبل أن تدعيني أنت ... ".
" ما هذه البجاحة ؟ أنا لا أعرفك أصلا " .
" هكذا أنتن معشر النساء ، تقتلن القتيل ثم تمشين في جنازته . تلقين البذور في الأرض ثم تلمن السماء إن سقتها فأنبتت وأزهرت " .
" ما قصدك ؟ " .
" تعرفين قصدي تماما ، غير أنكِ مثل غيركِ .. متناقضة أو غائبة عن الوجود " .
" كفاك افتراء وانظر إلى نفسك أيها العربيد المنطلق من عقاله ، لا يرعى حرمة ولا يقيم وزنا لخلق قويم أو شهامة ... " .
" وهل رعيتِ أنتِ حرمة نفسكِ بهذا اللباس الفاضح ؟ " .
" هذا شأن شخصي ليس لك به علاقة من قريب أو بعيد ، لكنّ أمثالك يبحثون عن مسوغ من أي نوع كي يبرروا لأنفسهم دناءة أفعالهم . أكثركم كذلك ، تحشرون أنفسكم في زاوية ضيقة لمجرد خاطر أو هاجس يلوح من بعيد . تتخلون عن وقاركم وترمون مبادئكم وراء ظهوركم أمام شهوة عابرة . تتصيدون الهفوة وربع الهفوة ، بل أنكم لستم بحاجة إلى هفوات كي يسيل لعابكم وراء أول طريدة . تتعلمون وتحملون أعلى الشهادات ، لكن نظرتكم إلى المرأة لا تتغير ، جسد ومتعة ، ورحم وذرية . ثم إنكم أنتم أصل التناقض .. تبيحون لأنفسكم هتك أعراض الآخرين .. فان اقترب الآخرون منكم أو من بيوتكم ثرتم وحرقتم العالم من حولكم " .
" تتحدثين عن هفوات ، والأجدر بكِ أن تقولي جرائم . لا أدري بأي منطق أفسر كلامكِ المعوج . تريدين من الرجل أن يخرج من ثوبه الإنساني أو يغدو ملاكا كي لا يسقط في آلاف الشراك التي يواجهها كل يوم . لعلك تتحدثين بلغة زميلتكِ التي تقول " كن صديقي " ، هذا أسخف كلام سمعته في حياتي ، ليس لأني عاجز عن اتخاذكِ صديقة أو زميلة ، بل لأنكن تقتلن أسباب الصداقة في مهدها ، إذ تطلبن من الرجل .. الإنسان ، ما هو فوق طاقته . احتشمي وترفعي عن الابتذال ، عندئذ نستطيع أن نكون أصدقاء " .
" توقف عن اعتبار نفسك مركز الوجود ، وانظر لي كشريك وليس كتابع ، ثم عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك ، عندئذ قد تعتبرني صديقة " .
" تحلمين يا هذه ، تريدين أن ترضي غروركِ الأنثوي وتبرزي ما لذ وطاب من مفاتن جسدك ، دون أن تدفعي ثمنا مقابل ذلك ، انك تلقين الحمل كله على الطرف الآخر ، وتستمتعين بلعب دور الضحية البريئة ، بينما أنت في حقيقتكِ منغمسة في الإثم ، خالقة لاجوائه . لا أريد أن أعمم كي لا أكون ظالما ، لكن انظري الى الكثير من بنات جنسك ، ممن أغوتهن الكاميرات وعشقن الظهور أمام الجماهير الساذجة ، انهن ديكورات هدفها تلميع الصورة وجذب الانظار ، يجري ذلك على حساب كرامتهن فيطعن ويندمجن في اللعبة . ان كنت لا ترين بشاعة الصورة فأنت عمياء أو مخادعة " .
" بل أنت المخادع أيها الذئب البشري "
" أنا ذئب بشري ! أيتها الأفعى الماكرة " .
" يا لوقاحة عينك ! " .
" ملابسكِ أوقح " .....
عند هذه المرحلة كان صوتهما قد علا كثيرا ، فتجمع المارة حولهما وكثر المتطفلون . مرت دورية شرطة بالمكان فعرفوا تفاصيل الذي يجري من الجمهور . اقتادوه من رقبته ، سأله الشرطي :
" ما اسمك أيها الوغد ؟ " .
" مازن " .
" لقد وقعت في شر أعمالك ، سوف تبحث عن الرحمة ولن تجدها " .
ألقوا به في السيارة بعد أن قيدوا يديه . أخذوه إلى المخفر وتناوبوا على توجيه الصفعات والركلات إليه . ألقوه في النظارة فزكمت انفه رائحة العفونة والعرق المنبعث من الأجساد التي ازدحم بها المكان . أما هي فكانت قد وصلت إلى بيتها ، فبدلت ثيابها وفتحت زجاجة العطر الجديدة ، تأهبا لمشوار المساء .....
دخل البيت منهكا .. يعلو وجهه شحوب ، وسياط شمس آب اللهاب قد أحرقت ما تبقى من لون سحنته القديم ، ألقى بمجموعة من الأوراق فوق الطاولة وأشعل سيجارة على عجل ، احمرت جمرة السيجارة آخذة نفس لون عينيه المتوهجتين ، زفر زفرة أو زفرتين ثم خلع حذاءه وألقى به إلى ركن الغرفة البعيد ، لاعنا الدنيا وأهلها وحظه العاثر .....
- طمن يا أبا مهدي ، هل توصلتم إلى شيء ؟؟
- طمن !! لا تحلمي بالطمأنينة بعد هذا اليوم .. لقد اختفى مثل جني ماكر ، لم نجن من ورائه غير الخسارة والإفلاس .
- وماذا يقول أهله ؟ والشرطة ألا تعرف عنه شيئا ؟
- أحسبكِ تظنينه غبيا ، يترك وراءه أثرا يقودنا إليه . لقد مضى بأحلامنا ورحل .
- أحلامنا يا أبا مهدي .. اييه .. لطالما أوقدت لنا شموعا وسقيت لنا آمالا ، يبدو أن الآمال لا تتحقق بهذا السهولة .
- بل يبدو أن الآمال تنفر منا وتكره لقاءنا ، إنها تعاقبنا أشد العقاب لمجرد أننا تجرأنا على لمسها من بعيد .
- إذن قم وافعل شيئا ، ألست الرجل المجرب الخبير بأمور الحياة ؟ هل تركت ظهرك مكشوفا إلى هذا الحد ؟ لقد أخذت قرضا من البنك يستهلك قسطه الشهري معظم راتبك ، ثم أقنعتني ببيع مصاغي الذهبي كله ، واستغنيت عن تحويشة العمر فألقيتها بين يديه . ماذا أنت فاعل الآن ؟ رسوم الجامعة لمهدي ستستحق بعد أيام قليلة ، ورمضان بالأبواب ، ومصاريف البيت والأولاد لا ترحم .....
- كفاني شقاء بالله عليك ، انك تزيدين همومي وتلقين ثقلا فوق رأسي بكلامكِ هذا . لقد وقع الناس كلهم في نفس الحفرة التي وقعنا فيها ، وقادتهم طموحاتهم المجنونة إلى شر نتيجة .
- والعمل ؟؟؟
- العمل أن ننتظر فرج الله ، فهو لن يترك عباده .
يدخل مهدي الغرفة في هذه اللحظة ويقول :
- لن يترك عباده .. هكذا نحن دائما يا أبي نستجلب المصائب إلى أنفسنا ثم نطلب من الله أن يخرجنا منها ، أين كانت عقولنا التي وهبنا الله إياها يوم انطلت علينا هذه الحيل ؟ كيف نصدق أن السماء ستمطر ذهبا وفضة ونحن جالسون في بيوتنا ؟
- لا تتجرأ على أبيك يا ولد .
- دعيه يا أم مهدي فهو يتكلم بروح الشباب الذي لم يجرب المسؤولية بعد . ستتزوج في المستقبل يا مهدي ، وسوف تثقل كاهلك المسؤوليات والطلبات ، ستمر بك لحظات ضعف ويأس ، وتذهب إلى فلان وعلان وتطرق أبواب البنوك باحثا عن قرض يمكنك من أداء واجباتك . ستعرف ما معنى أن تعجز عن زرع السعادة في قلوب أطفالك وتحاسب نفسك ألف مرة على نظرات عيونهم مشتهية ما هو فوق طاقتك . سيعضك الغلاء بنابه وترتفع الأسعار ، الطعام .. المحروقات .. الفواتير .. الأجور ، فتفيض تعاستك ويزداد حرمانهم . ستعلم حينها أن أحدا في هذه الدنيا لا يعبأ بك وببيتك ، لا الأقارب ولا الجيران ولا الأصدقاء ولا الحكومة ، الكل يجري وراء مصلحته الخاصة ، عندها سوف تتعلق بأي حلم يعرض لك وستجري وراءه بكل طاقتك ، حتى لو كان داخلك يعلم أنه حلم كاذب .
- ولكن ثمة عقل يحكم مسيرتنا في الحياة ويمكننا من التعايش مع الصعاب وترويض الأحلام إن شطت وبغت على المعقول ، ثم إننا متدينون ومتعلمون يا أبي ، وفي العلم والدين ما يعصم الإنسان من شر نفسه وشر الحياة من حوله .
- ربما نكون كذلك ، ولكن شهوات الإنسان تطغى أحيانا حتى على علمه وتدينه ، خصوصا إذا عانى الحرمان في سابق حياته ، أو انزلق في المغريات والاستهلاك ..
- ها أنت قلتها ، المغريات والاستهلاك ، نجاري المجتمع فنلقي أذنا لهذا وذاك ، ونقرر بملء إرادتنا أن يكون مثلهم ، فقاعة صابون تنطوي على فراغ في داخلها برغم بريقها الخارجي . هل المسألة مجرد مسؤولية ورغبات ملحة ؟ ألسنا ننافس الآخرين في مظاهرهم يا أبي ؟ ألا ننظر بعين فارغة إلى سيارة فلان وأثاث بيت علان ، والى الجارة التي عندها في البيت خادمتان ترطنان بكلام لا نفهمه . لقد سمعتك قبل قليل تقول لأمي أن الأحلام تعاقبنا لمجرد لمسنا إياها من بعيد ، هذا صحيح يا أبي ، فهي لا تكتفي بأن تمتنع عن التحقق ، بل إنها تعاقبنا وتتركنا في حال نزدري فيها أنفسنا وننظر إلى ذواتنا بعين اللوم والتقريع . هل تعلم لماذا ؟ لأنها ليست أحلام الممكن ، ولا رغبات الستر ، إنها سلم من مائة درجة أردنا أن نقفز فوقه مرة واحدة ، بغير إعداد صحيح أو حساب لما تنطوي عليه المغامرة .
- لقد أثقلت على أبيك وعليَّ يا ولد .
- هذا لأنني مكتو بالنار مثلكما تماما . لن أسجل في الجامعة هذا الفصل ، يمكنني تأجيل الدراسة فصلا أو فصلين ، وسأبحث عن عمل مؤقت ، ريثما نجد حلا يخرجنا من هذا المأزق .
- لن تفعل ذلك حتى لو اضطررت إلى بيع ثيابي من أجلك .
- سامحني يا أبي لكنني لن أقف متفرجا عليك في هذه المحنة .
- لا تظن نفسك قد كبرت إلى الحد الذي يمكنك من تنفيذ مشيئتك علي ، لقد تركتك تتكلم براحتك لأنني واثق برجاحة عقلك وسلامة منطقك ، أما دراستك فهي شيء آخر ، شيء له الصدارة على جميع الأولويات ، فاتركني الآن ولا تستعجل في اتخاذ أي قرار ، أنا بحاجة إلى أن أختلي بنفسي قليلا .
جلس على الشرفة وحيدا ، حتى أم مهدي لم تجرأ على الاقتراب منه ، تذكر أحداث يومه الطويل .. كان العشرات من الناس يتجمعون عند مبنى الشركة ، هبوا جميعا إلى هناك ، شيبا وشبابا ، كان بينهم نساء بلغن من العمر عتيا ورجال مضغ الدهر أشداقهم من الهرم . حتى الأطفال حضروا إلى المكان ، بعضهم محمولين على أيدي أمهاتهم وآخرون أكبر قليلا جاءوا بهدف التسلية والمتابعة . أما الشباب وهم أغلبية الحاضرين فبدوا متعبين لشدة اليأس الذي سكن وجوههم وأثقل كواهلهم .
كانت الشمس عمودية والأرض تلتهب تحت أقدام الجمع الغفير . في مثل هذه المواقف تجد كثيرا من الناس وقليلا من الآراء المفيدة . مشى أبو مهدي بين الجمع المنتظر ، ثمة همهمات وأحاديث جانبية غير مفهومة ، ورجل وقف غير بعيد يرغي ويزبد دون أن يقاطعه أحد حتى وصل إلى قوله :
- حتى لو قبضوا عليه فلن يجدوا معه شيئا سوى جواز سفره ومبلغ زهيد من المال ، هكذا حصل مع كل أقرانه .
- ماذا تقول ؟ والملايين التي أودعها الناس عنده ، أين يذهب بها ؟
- لعله هرَّبها إلى الخارج ، أو فعل ما هو أدهى من ذلك وأمر ...
- ما هو الأدهى من ذلك وأمر ؟؟؟
- أن لا تكون معه أصلا ، وسيطرت عليها المافيا العالمية المتخصصة في هذا النوع من الأعمال
- يعني ....
- يعني أنه حتى لو قُبِضَ عليه فلن يكون قادرا على إعادة أموالنا إلينا .
حوقل بعض الرجال واستغفروا وأبدى بعضهم الآخر جزعا لا مثيل له . أحد الذين يعرفهم أبو مهدي أخذ يهذي بكلام غير مفهوم ويحرك جسمه وأطرافه حركات طائشة كأعمى في وسط مشاجرة مفروضة عليه . ثار بعض الشباب وأخذوا يقذفون مبنى الشركة بسيل من الحجارة ثم تقدموا يبغون خلع الباب واقتحام المكان ، عند هذه اللحظة تدخل رجال الشرطة وبدا الموقف متجها إلى ما لا تحمد عقباه . قرر عندها أن يعود إلى البيت فلا فائدة ترجى من البقاء هنا لحظة واحدة .
كان يتساءل في نفسه : هل من المعقول أن يحصل شيء سيء لكل هؤلاء الناس في نفس الوقت ؟ كيف يمكن التصديق أنهم جميعا ضحايا لشخص أو مجموعة من الأشخاص ؟ ألم يكن من الممكن تلافي المصيبة الجماعية ؟ إنهم يقولون أن الموت مع الجماعة رحمة ، لكنه لا يحس بأي نوع من الرحمة رغم أن المئات يشاركونه مصابه . ماذا يستطيع أن يفعل ، هل يتربص به فيقتله ولو بعد حين ؟ هل يبقى في بيته فيغلق على نفسه بابه أبد الدهر ؟ هل يتمسك بأهداب الأمل ويقول أن الفرج قادم في الطريق لا محالة . كان يدرك بحكم تجاربه السابقة أن دروس الحياة قاسية ، إنها لا تجاملنا ولا تترك لنا مجالا للهروب أو المناورة . هو الآن أمام درس حقيقي ، يتجرعه رغما عنه ورغما عن سنوات عمره التي ظنها ستشفع له وتحميه من الوقوع في موقف كهذا .
مرت أيام قليلة بعد ذلك .. لقد طرأت عليه تغيرات جديدة ، عرفها هو في نفسه ولمسها الآخرون من حوله ، كان ينظر من بعيد ويحس صقيعا رهيبا يلف رأسه . أصبح عصبيا يثور لأتفه الأسباب ويلقي الشتائم على الذين من حوله بغير حساب . تشاجر مع أبي محمد الدكنجي لمجرد أن هذا الأخير ذكّره بالدين المتراكم ، ومزق عقد العمل الذي جاء به مهدي بعد أن اتفق مع أحد الشركات على العمل لديهم بدوام جزئي . أما الغضب الحقيقي و ( دبش ) الكلام الجارح فكان يلقيه في وجه أم مهدي فيكثر من لومها وتقريعها والانتقاص من شأنها ، بل انه أصبح ميالا لتكسير حاجيات البيت ورميها من النافذة في بعض الأحيان . كان سيلا عارما من الغضب ، وشخصية جديدة غير تلك التي لازمت أبا مهدي أكثر من خمسين عاما .
نقطة ايجابية واحدة فقط طرأت عليه ، لقد أصبح ملازما لصلاة الجماعة في المسجد ، وبالذات صلاة الفجر . كان يحس بطمأنينة تغمره عند دخوله المسجد ، وحلاوة تسكن جوارحه مع سماع التلاوة . سمع الشيخ في أحد الصلوات يرتل بعضا من آيات سورة البقرة ، كان من بينها قوله تعالى " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون " فأحس قشعريرة سرت في جسده ، ومعنى جديدا تفتقت عنه الحروف ، لقد سمع نفس الآية مرات كثيرة قبل ذلك ، غير أنها هذه المرة مختلفة ووقعها له شأن آخر .
لكن تعاسته كانت تعود إليه بمجرد العودة إلى البيت ، وكان خروجه من حالته الراهنة يبدو بعيد المنال .
وفي أحد الأمسيات بلغه نبأ يقول أن الشرطة قد ألقت القبض على المجرم الفار ، لكنها عادت وأفرجت عنه بعد أن لم تجد ما يستوجب الاستمرار في حبسه .. تملكه حنق رهيب وغيض كاد يشق أضلاع صدره فيملأ العالم صراخا وعويلا .. هل تضيع حقوق العباد بهذه السهولة ؟ هل يفلت الجاني فيخطر أمام عينيه ليلا ونهارا ؟ من يثأر لأحلامه ؟ من يعيد إليه تقديره لنفسه واحترامه لها ؟ من وكيف ولماذا ، مئات الأسئلة ماج بها دماغه وارتجت لها جنبات روحه ، فاتخذ قراره الرهيب ....
خرج من البيت متجها إلى بيت الجاني .. النصاب القذر سيلقى جزاءه العادل على يدي ، سيخرج المارد الذي طالما قمعته في أحشائي ، فليكن ثأرا لنفسي وكرامتي وقوت أولادي . لقد أمضيت عمري هادئا وديعا لم أغضب أحدا ولم أعتد على حق إنسان . كل أبناء جيلي كذلك ، لقد تربينا على حب السلامة والاستسلام للأقدار . لن استمر في احتلال حيز الضحية ولن أسمح للآخرين بأن يستأسدوا على أشلائي . هذا العمر مضى هدرا ، كدا وشقاء ورضا بأقل القليل ، فلما تاقت النفس إلى حلم جميل جاء هذا الوغد فألقى جمرة لا تنطفئ في قلبي وزرع خنجرا مسموما في أم رأسي .
كان قد قطع نصف المسافة ماشيا على الأقدام حين لاحت أمام وجهه صورة ابنه مهدي .. ما أروع هذا الشاب ، انه رجل حقيقي وصاحب عقل راجح ورأي سديد . لقد بلغ من العمر عشرين عاما فلم يأتني يوما بالمتاعب التي يأتي بها الشباب لوالديهم ، ولا أحسست أن مراهقا طائشا يعيش في بيتي . حتى كلامه تلك المرة ، كان صوابا وحقا برغم قسوته وجفافه . لقد ربيته على الجرأة والمواجهة وكأنني أردت له يتمم ما كان ناقصا في أبيه . سيتخرج بعد سنتين ، كلي ثقة أنه لن يعدم وسيلة تمكنه من تذليل مصاعب حياته . لقد تعبنا عليه أنا وأمه فلم يذهب تعبنا هدرا وكان أحسن استثمار في حياتنا . رائعة أمه كذلك ، لقد قسوت عليها كثيرا في الأيام الأخيرة فلم تقابلني بغير الصبر والابتسام في وجهي ، هي الأخرى استثمار مهم في حياتي ، وامرأة ليس لها مثيل .
تشابكت الصور في رأسه ، في حياته أشياء جميلة لم يخسرها بعد ، مهدي وأمه وصلاة الفجر ، باتت ترن في أذنه كلمة قريب .. قريب .. قريب . لكن على الجهة المقابلة ما زال المارد يتحرق شوقا لإتمام المهمة وإفراغ رصاص المسدس في رأس الرعديد الجبان . ما زال يمشي باتجاه الهدف والغيظ يسكنه ، ورغبة الانتقام تشتعل في قلبه . هل أقتحم عليه بيته ؟ هل انتظره حتى يخرج ؟ لكن ما ذنب زوجتي وأولادي ؟ لماذا أضاعف مأساتهم ألف ضعف ؟ هكذا يفكر الجبناء ، امض ولا تتردد . قريب .. قريب .. قريب . طال مسيره ، كان من المفترض أن يصل منذ وقت طويل . ها هو أمام الباب فيفتح له مهدي ..
- أين كنت يا أبي لقد أقلقتنا عليك ؟
علم في اليوم التالي أن شخصا آخر قد قام بتنفيذ المهمة التي كان يعتزم هو القيام بها .
هنالك شخصية اسمها ( زيطة ) في رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ .. شخصية قل أن يظفر المرء بمثلها ، تبعث على الغثيان والقرف وتثير فيك كل ما في العالم من مظاهر الاشمئزاز . تسكن مرتعا للديدان والقذارة ، ظاهرها أسود من قلة النظافة وهجران أسبابها ، وباطنها أشد سوادا بسبب ما يسكنها من حقد على الوجود وغل تجاه الجنس البشري برمته ، وغرائز بهيمية تطفح إلى العلن بلا عقل يلجمها أو يبقيها طي الكتمان .
شخصية زيطة برغم احتلالها حيزا هامشيا في بنيان الرواية ، إلا أنها تحتمل أوجها متعددة من التفسير والفهم ، مما يجعل من التوقف عندها ، ومحاولة فك بعض أسرارها وما ينطوي عليه الترميز من خلالها ، عملية غنية خلاقة ، قد تقودنا إلى اكتشاف بعض مجاهيل واقعنا المستترة ، وسمات مجتمعاتنا الغائبة عن مدى أبصارنا . خصوصا إذا توقفنا ودققنا بنوعية العمل الذي كان يمتهنه زيطة .. فقد كان متخصصا في صنع العاهات للشاذين والمتسولين ، العاهات الكاذبة طبعا ، من عمى وكساح وأيد وأرجل مقطوعة ، كل ذلك بمهارة فائقة ، تعادل أو تجاوز مهارة أطباء ألـ ( plastic surgery ) في وقتنا الراهن .
هل هناك أشخاص أو قوى متخصصة في صنع العاهات وقلب الخلقة الطبيعية لشخص أو مجموعة من الأشخاص إلى خلقة ذات عاهة بينة تستجلب العطف والإشفاق بل والتقزز في بعض المواقف ؟ هذا الأمر يبدو غير معقول وعصيا على فهم الفطرة السوية للإنسان . غير أن خروجنا على التعريف التقليدي للعاهة قد يمكننا من الولوج إلى عالم حقيقي قائم واقعا لا مجازا ، نشاهده بأم أعيننا ونعيشه كل يوم ، عالم يشابه بطريقة أو بأخرى ذاك العالم الذي وصفه نجيب محفوظ عبر شخصية زيطة وزبائنه في الخرابة .
وهنا تكمن قيمة الرمز وتبرز أهمية القراءة الذاتية للشخصية .
إذا اعتبرنا العاهة عيبا خَلْقيا أو نفسيا يقعد بصاحبه عن ممارسة الحياة بشكل طبيعي ويثنيه عن النهوض بأعبائها وتحقيق المنجزات التي تشعره بالرضا تجاه نفسه وتمكنه من التناغم مع إيقاع الحياة المستمر إلى قيام الساعة . عندئذ يمكننا أن نعد الكثيرين ممن يصنفون في عداد الأشخاص الطبيعيين عاهات حقيقية ، بل يمكننا أن نرى مجتمعات بأكملها تعاني عاهات لا حصر لها وتنكص عن أن تكون شيئا ذا قيمة في سلم الوجود برغم اكتمال أسباب النجاح لها لو سلمت من عاهاتها المتجذرة . مقرين رغم ذلك بأن بعض أصحاب العاهات استطاعوا بالإرادة والعزيمة تحقيق منجزات خالدة في سجل البشرية ، لكننا هنا نتحدث عن القاعدة العامة وليس عن الاستثناء .
حين يعيش الفرد والمجتمع حرمانا حسيا حقيقيا إلا ما اتصل منه بحاجاته البهيمية ، فتكثر هلاوسه الذاتية أو المفروضة عليه من خلال عمليات غسيل دماغ مستمرة ، ويصدّق بالنتيجة أنه في خير ونعيم برغم كل ما يعانيه من بؤس وشقاء . وحين يترسخ في وجدان هذا المجتمع أنه غير قادر بطبيعته على مقاومة الصعوبات التي تعترض سبيله ، ويرى نفسه في منزلة دون منزلة الآخرين ، ويتلقى بالإيحاء أو التصريح ما يفيد عجزه عن إدارة شؤون حياته العامة ، وحاجته المستمرة إلى مصدر للإلهام والفيض والعطاء . بل حين يأخذ فتاتا من حقه البين الواضح على شكل هبات وأعطيات ومكرمات ، تستوجب عليه أن يلهج لسانه طوال حياته بالشكر والثناء لمصدر الإحسان المتدفق وينبوع العطاء الغزير .
وحين يكون مؤتمِرا بأوامر لا تقبل النقض أو النقاش ، أوامر تملي عليه مواقفه وعواطفه وردود فعله ، وحين يعجز عن التعبير عن مكنوناته وتغدو ثقافته مجرد حركات سمجة وجمل من النفاق والتزلف محفوظة عن ظهر قلب ، عند هذه المرحلة يكون المجتمع برمته قد أصبح عاهة حقيقية وتردى إلى أدنى درجات الوجود .
لا فرق هنا إن تحدثنا عن فرد واحد أو مجموعة من البشر فالطريقان يؤديان إلى بعضهما ، وزيطة يمارس مهمته على الصعيدين ، مستمتعا بنتائج عمله العبقري وقدرته الفذة على قلب أدمغة الناس وإدخالها منطقة العجز والنكوص .
أما من هو زيطة ؟ فهذا شأن آخر ، ولعله هنا ليس شخصا اعتباريا ، وإنما هو عمل مؤسسي ممنهج تشترك في انجازه جهات كثيرة .. أجهزة إعلامية مسيرة ، قوى بوليسية مرعبة ، مجموعة من الموروثات البالية ، تتعاون كلها على الفرد منذ لحظة الولادة فترعى غرسها بكل همة وتتعهده إلى أن تتأكد من أنه سيكون عاهة حقيقية في مستقبله حياته .
ما هو همُّ الفرد في هكذا نوع من المجتمعات ؟ انه لا يخرج عن سلسلة أكل .. شرب .. نام .. هتف ، وركزوا على ( هتف ) كثيرا ، فالسلسلة لا يمكن أن تكتمل بدونها .
نسيت القول أن آخر ظهور لزيطة في الرواية كان عندما ألقي القبض عليه وهو يقوم بنبش المقابر بهدف سرقة الحاجات الثمينة التي تدفن مع أصحابها من الأموات . هذا يبدو منطقيا جدا ، ففي عالم زيطة يستوي الأحياء بالأموات ويلتقي العالمان في نقطة واحدة ، فلا يمكن التمييز بينهما .
أكل .. شرب .. نام .. هتف ، إن كنت من هؤلاء فاحذر على نفسك كثيرا ، واعلم أنك لست بريئا ، لأنك قد تكون إصبعا في يد زيطة ، تمارس عملا متقنا في ترسيخ عاهة نفسك وعاهات الآخرين من حولك .
للحديث بقية قد تأتي إن سلِمَتْ من الدكتور زيطة ......
فاز باراك اوباما أخيرا بالمنصب الرئاسي . هذا الأمريكي ذو الأصول الأفريقية ، الذي جاء أبوه وربما جده - على أبعد تقدير - من أحد السواحل الشرقية للقارة الأفريقية ، والذي أثبت بامتياز قدرة الديمقراطية الأمريكية على أن تكون صادقة مع نفسها ، معبرة عن رأي الأغلبية ، بعيدا عن مآخذنا الأخرى تجاهها ، ووقوعنا تحت ظلمها الفاحش ومكاييلها الخرقاء .
الذي نتحدث عنه هنا هو الولايات المتحدة الأمريكية ، كبلد وحضارة ومكونات انصهرت في بعضها فكانت جديرة بأن ينظر إليها من زواياها المختلفة ، التجربة الإنسانية .. البنيان الحضاري .. التكوين الديموغرافي .. الابستومولوجيا الفاعلة .. وأخيرا وليس آخرا الجانب السياسي والقوة العسكرية .
حين نستطيع فصل هذه المكونات عن بعضها ، فنتغاضى قليلا عن كبريائنا المهزوم ، يمكن لنا أن نتعلم شيئا مهما قد يساهم في إخراجنا من وحل الواقع الذي نعانيه . اوباما اخترق حواجز كثيرة ، حواجز من جهتنا نحن لا من جهته هو ، تخيلناها نحن العرب ستقف حجر عثرة أمام نجاحه بفعل إسقاطنا لواقعنا نحن على الواقع الأمريكي ، إسقاطا ليس له من أساس منطقي يدعمه سوى عجزنا نحن عن رؤية العالم بموضوعية وعقل راجح . فقد راهن البعض على أن ( أمريكا !! ) لن تسمح لابن مهاجر أسود بأن يتبوأ منصب الرئاسة فيها .
أمريكا هذه التي ننظر إليها بالمجمل ، ونصفها بأنها الشيطان الأكبر ، ونرى كل ما يأتي منها مشوها ومشكوكا فيه ، علمتنا درسا واقعيا في الديمقراطية ، وقيمة الإنسان من حيث هو نفسه فقط ، لا من حيث الانتماء الفئوي الضيق ، والعشيرة والحزب ولون البشرة وتاريخ الجد السابع عشر .
نتمنى أن يساهم فوز اوباما في تعرية واقعنا أمام أنفسنا كأفراد ، بل كذلك كأنظمة وسيطة ما زالت قوانينها راسخة في أعماق وجداننا المتوارث . أشياء كثيرة تبعث على الإحباط ، عشائرنا المقسومة إلى أصلاء ولفايف . مدننا المقسومة كذلك إلى عائلات عريقة ، وأخرى وافدة حتى لو مضى مئة عام أو أكثر على إقامتها في المكان . مقاييس المشيخة المتوارثة عندنا بالنسب والعصبية حتى لو أثمرت أفرادا على غير هدى أو صفات قيادية . المناصب المقتصرة حصريا على ابن فلان وحفيد علان من الناس .
هل يا ترى سنجرؤ على المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان ، ونصلح أنفسنا كأفراد قبل أن نلقي بألف لعنة على أنظمة سياسية فاسدة حرمتنا من امتيازات لا نستحقها ؟ أمريكا عاثت في الأرض فسادا ، لكنها لم تجرؤ يوما على أن تصادر إرادة الإنسان في داخلها ، ولا حرمت مواطنا أمريكيا من التعبير عن رأيه مهما كان متطرفا وقاسيا .
أمريكا سمحت لحلم عمره أكثر من خمسة أربعين عاما أن يتحقق . انه الحلم الذي عبر عنه مارتن لوثر كينج في أحد خطبه بقوله " إنني أحلم اليوم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون يوما في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم ، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم " . هذه المرة تطابقت إرادة الأمريكان بالتغيير مع تحقيق الأحلام التي بدت في يوم من الأيام شبه مستحيلة .
لا نعول كثيرا على الديمقراطيين وباراك اوباما في تحقيق العدالة تجاه قضايانا نحن العرب ، فقد عاشوا حلمهم وحققوه لأنفسهم هم فقط . فهل سنتمكن يوما ما من تحقيق أحلام كثيرة مشابهة لأحلامهم ؟ أم أن أحلامنا ستبقى مصادرة من أدمغتنا ، محجورا عليها حتى لو كانت لا تخرج عن كونها أحلام يقظة لا أكثر ولا أقل ؟
قررت اليوم أن أبقى في البيت ، لم أذهب إلى الدوام و ( حَلَقْتُ ) لكل المسؤوليات الملقاة على عاتقي ، أحب أن يسكنني شيء من التهتك بعد أن أمضيت شطرا من العمر حاملا سلم الحياة بالعرض . لن أرى اليوم كل الأشياء المرعبة التي أصادفها في عملي . أهم رعب هو الروتين والوجوه المتجهمة وتحية الصباح التي تعتبر ترفا لا لزوم له . ثمة أشخاص أثريون في الشركة التي أعمل بها ، بعضهم جاء إلى الشركة قبل أن أولد ، وبعضهم الآخر جاءها أعزبا ومكث فيها حتى التحق به أحد أبنائه موظفا في نفس الشركة . مكان كئيب يبحث على الإحباط ، وهواجس شتى تسكنني كلما دخلت ذلك المكان ، أهمها : هل هناك في حقيقة الأمر من يقدّر قيمة خدماتنا للشركة ؟
كلما خطر هذا الهاجس على بالي تذكرت رواية ( الأم ) لمكسيم غوركي ، ففيها وصف دقيق لاستغلال أصحاب العمل وجشعهم ونهمهم إلى الربح المادي على حساب العمال البسطاء . هؤلاء العمال البسطاء هم الذين يحققون الانجاز فعلا ، وعليهم تقع مسؤولية الإنتاج والمضي بالشركة خطوات واسعة إلى الأمام . لكنهم لا يأخذون من حقهم إلا فتاتا لا يقيم أود يومهم ، بينما يظفر أولئك الكسالى أصحاب الكروش المنتفخة بكل شيء ، ويبددون ثرواتهم تحت أقدام العاهرات وبنات الطريق . هذه مفارقة عجيبة ، يكدح مئات الناس البسطاء ويعرقون وتنحني ظهورهم ثمنا لنزوة ( برجوازي ) متعجرف ، ورغبة غانية سلكت أيسر الطرق من أجل الكسب السريع المغموس بالوضاعة وخسة النفس .
ما علينا .. فالصورة تتكرر وان اختلف الشخوص وتعددت الأماكن ، غير أن حدتها في حالتنا نحن تبدو أقل مما تصفه رواية ( الأم ) ، وان كان المبدأ واحدا ، والظلم واقعا في الحالتين .
أخطر ما في نوع العمل الذي نمارسه ، هو الكذب وتلبيس الطواقي . لن تستطيع أبدا في مجتمع مريض كالذي نعيش فيه أن تحقق حجم المبيعات الذي يطلبه منك صاحب العمل إن كنت ذا ورع واستقامة . هنالك عالم كامل تدور أحداثه تحت الطاولة ، هنالك غش وخداع وفهلوة . كل الأطراف يضحكون على بعضهم ، البايع والشاري ، لذلك لم يفتح الله بينهما . والنتيجة أن ليس ثمة انجاز حقيقي في مجتمعاتنا ، ولا تنمية ولا تقدم ، ذلك برغم الكم الهائل من الأموال المستثمرة ، وعشرات المشاريع ومئات الشركات التي تقدم لك فوق ما يخطر ببالك من خدمات .
الجلوس في البيت أفضل من معاناة ما سبق وغيره وغيره ، هنالك رغبة عارمة بي لأن أتوحد ، وأعمل بقول أبي العلاء المعري :
تَوَحَّدْ فإن الله ربك واحد
ولا ترغبنْ في عِشرة الرؤساء
قد يكون من الأجدى أن يحادث المرء شباك غرفته أو وسادة رأسه ، أو يستحضر ابن الفارض قليلا فيستمع منه عن زفرات العشق ولوعة الفراق . قد يكون محظوظا فيحظى بحلم جميل قبيل إفاقته من النوم بقليل ، حلم يملأ عليه نهاره شوقا وطربا . ألم أقل لكم سابقا أننا حين نحلم فإننا نكون قد عقدنا مصالحة مع الزمن .
هذا الواقع يرهقنا كثيرا . الآن فقط عرفت معنى القول الذي مفاده أن معظم الفلاسفة يموتون بعد ولادة طفلهم الأول بقليل . يبدو أن سبب ذلك هو أنهم يصبحون مجبرين على مجابهة الواقع فيفقدون استقلاليتهم ، ويخسرون توحدهم تحت ضغط لقمة العيش ومسؤولية الأطفال . طبعا أنا لست فيلسوفا وأحمد الله أنني قادر على تأمين حياة كريمة لأطفالي وزوجتي ، غير أن الشيء بالشيء يذكر ، وفي الكلام معنى مفيد .
حتى كتابة هذه السطور لم أغادر بيتي . الدخان يكاد أن ينفذ ، أنا مجبر على الخروج الآن ، وممارسة هوايتي السرطانية . كل الطرق تؤدي إلى روما ، وسنموت جميعا يوما ما ، لكن الأفضل أن نموت بعد أن نكون قد استنفذنا كل الإمكانيات المتاحة في هذه الحياة . سحقا لهذه الحياة التي لا نمل منها ولا نيأس من محاولاتنا المتكررة لجعلها جميلة ، رغم ما يكتنفها في كل خطوة من يأس وإحباط .
سحقا ومرحبا .
نحاول جميعا توفير الوقت ، اختصاره وتعليبه واستغلال كل ( فانية ) منه ، اولئك الذين يبددون اوقاتهم هم الأولى بالمحاكمة وسحب الرخصة الزمنية منهم .
من المفارقات العظيمة أن الموت يكمن خلف الباب ينتظر الاذن بالانقضاض . الموت هذا هو فناء الزمن .. لا أكثر من ذلك ولا أقل .
منذ القديم حاول الأنسان مقاومة الزمن والالتفاف عليه ، باحثا عن ترياق سحري يلجم هذه المركبة ويخفف من غلوائها في المسير . أحد الخطط الجهنمية التي ارتكبها الانسان أنه تقمص لبوس الألوهية ، فلما عجز عن أداء الدور أرتضى أن يكون نصف اله أو ثلث . حتى هذه لم تجد نفعا ، فطفق يبحث عن حل آخر .
علامات الزمن .. الشمس والقمر ، وسيلتاه من أجل التعبير عن وجوده ، هو لا يكل ولا يمل ، وهما لا يفنيان ويؤديان المهمة باقتدار . يأتيان ثم يذهبان ثم يأتيان من جديد ، يتبادلان المراكز ، فيلج هذا في ذاك ، ويمتزج ذاك في هذا . فلنحملهما المسؤلية اذن ، ولنصنع زمن الأساطير والخرافات .
كل الأساطير التي أخترعها الأنسان تكمن في فكرة واحدة تقول : اذا كان مكتوبا عليك أن تموت ، فلنأمل اذن بأن تعود الى الحياة مرة أخرى . هكذا يفعل الفرقدان فيشرقان من جديد . حل توفيقي جميل لم يبارح ساحة الخيال والأحلام .
أمس تحدثت عجوز طاعنة في السن عن ذكرياتها أيام الصبا ، حملتنا معها الى حيث سالت دموعها الغزيرة . ترى أي سر تحمله قدرتنا على التذكر ؟ وأي مكان ذاك الذي نخبيء فيه أزمنة مديدة ؟ كيف تأسرنا الذكريات ويمارس الزمن الفاني سطوته على ذواتنا ؟ أي باعث يحشرج الصوت ويخرج الدمعة من مكمنها ؟ كيف تجحظ العينان فتمدان كفا تصافح وتعانق ؟ لماذا نعجز عن الحركة ونتوقف عن توليد الأفكار حين نستحضرك أيها الزمن ؟ من الذي يستحضر اللآخر .. نحن أم أنت ؟؟
الموت وراء الباب ، اولئك الذين لا يفقهون شيئا هم الذين يخشون انقضاضته المفاجئة . ليتهم يدركون - ويا عجبا - أن توالد الثواني يصنع الحياة ، أما توقفها عن الحركة فيصنع الخلود .
في عالم الأحلام نعبر عن رغباتنا المكبوتة بشكل أفضل ، نصنع أمجادا ونحقق انتصارات ونعانق ألف حبيبة . لي روضة يانعة أرتادها كل ليلة ، أقطف من أزهارها ما شئت ، وأخلص في صداقتي لطيورها . صادفت فيها ذات مرة العبد الصالح فهمس لي بكلمات أعذب من تراتيل داوود . نسيت كل كلامه بعد ذلك ، فقد غادرت الروضة وعدت الى سباتي العميق .
لن تقهر الزمن الا ان واجهته بكل ثبات وشجاعة ، يظن نفسه يسلبك شبابك وقوتك ، يتغلغل في شرايينك ويحطم مفاصلك . الحقيقة غير ذلك ، فهو يستنفذ نفسه ويأكل اجزاءه مع كل نفس يتنفسه . انه سائر نحو الفناء ، سيكون ذبيحا يوما ما . ما أشبه الزمن بالنار .
من بركات الأزمة الاقتصادية العالمية أنها كشفت عن مواهب اقتصادية فذة وجمهرة عظيمة من المحللين الذين لا تخفى عليهم شاردة ولا واردة في عالم المال وأسواقه . فعلاوة على العدد الهائل من المقالات التحليلية ، شاهدت بالأمس برنامجا حواريا تحدث الضيف خلاله بإسهاب عن واقع الأزمة وتداعياتها ، اكتشفت خلال الحديث أن الضيف طبيب بشري ، وأن لا علاقة له بعالم الاقتصاد من قريب أو بعيد .
عجبا لهذا الواقع ، واقع مثقفي الدرجة الثالثة وما أكثرهم في كل زمان ومكان . زمان كان يلزم أحد هؤلاء المثقفين أن يلقي بيتين من شعر أحمد مطر أو يسرد حديثا سطحيا عن سيرة المناضل تشي غيفارا ، كي " يَهُتَّ " عليك بعلو كعبه المعرفي وانتسابه إلى عالم الثقافة والمثقفين .
اليوم أضيفت أشياء جديدة ، باتوا يتحدثون عن الليبرالية الكينزية وعن ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة . أصبحت الأحاديث المتخصصة مشاعا لكل من هب ودب ، فقدت المعلومة عذريتها وأصبحت بغيا مقدسة يرتادها كل الباحثين عن الطهرانية المزعومة ، فلا عجب إن وجدتنا دائما في أدنى درجات السلم الحضاري .
خلال كتابة هذه السطور وردني النبأ الفاجع ، رحيل المبدع محمد طمليه . قرأت له كثيرا ، وأهم شيء استوقفني مما له علاقة بحديثنا السابق هو اعترافه في غير مقال بأنه لا يفهم شيئا في عالم السياسة . هكذا يكون المثقف وهكذا تكون الموضوعية والثقة بالنفس . لماذا يسيطر على أغلبنا هاجس " أبو العرّيف " الذي لا تفوته شاردة ولا واردة من قضايا الكون . بعض الناس يستمتعون بلعب هذا الدور ويصرون عليه إصرارا مجحفا . وأدين هنا بنقطتين الأولى للصديق عاطف الفراية فقد قرأت له في أحد المرات شيئا عن أحد هؤلاء وقد أنبرى للحديث عن الكوميديا الإلهية فجاء خلال حديثه بعجب عجاب . والثانية للصديق هشام غانم الذي نبهني ذات مرة إلى انتشار ظاهرة ( المداخلاتية ) في ندواتنا ونشاطاتنا الثقافية .
خلاصة القول أن البعض يهمه أن يتكلم فقط ، حتى لو كان كلامه حشوا أو دون درجات الحشو بمراحل . على فكرة ، الكتابة الالكترونية كشفت الكثير من عيوبنا واستهتارنا بقيمة الكلمة ، فقد أصبح الفضاء مفتوحا والصوت قادرا على أن يصل إلى أكبر عدد من المستمعين . أصبح البعض وكأنهم في سباق مع الزمن ، يلوكون مقالات بعدد حبات المطر ، يأتون خلالها بما شئت من الأخطاء النحوية والإملائية ، ناهيك عن الفضائح المعرفية . بعضهم يخطئ حتى في كتابة العنوان ولا يقوم بأدنى مراجعة لما اقترف من ذنب بحق نفسه وحق الإنسانية من حوله . آراء وآراء وآراء ، وأحكام مطلقة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، من أين يأتون بكل هذه الثقة في ما يطلقونه من أحكام ؟ ثقة لا يكاد يبلغها إلا أولو العزم من الرسل . إذا كان صاحب الكلمة نفسه مستهترا بكلمته وقيمتها ، فلمَ يُلامُ القارئ أو المستمع ؟ أجزم أن ما قاله إبراهيم عيسى في أحد برامجه صحيح تماما ، فقد قال أننا نعيش في زمن لا يقدر قيمة الكلمة فيه إلا جهة واحدة ، إنها الأجهزة الأمنية ، ولا شيء غيرها .
نعود إلى موضوع الأزمة المالية العالمية ، بعض الناس عندنا يطيب لهم أن يتحدثوا عنها بأسلوب لا يخلو من الشماتة ويستبشرون خيرا منذرين بقرب انهيار العالم الرأسمالي . ويزيد القضية تعقيدا أن بعضهم يربط الشأن الداخلي بالشأن الخارجي فيتحدث عن سقوط مدرسة الليبراليين الجدد هنا وهناك . نترك هذا الكلام بدون تعليق لأننا لا نشك في أن النظام الرأسمالي بصيغته المتوحشة كما نظَّرَ لها فون هايك وفريدمان وتبنى تطبيقها مارجريت تاتشر ورونالد ريغان وجيل من التلامذة بعدهم ، هذا النظام يحمل في داخله بذور الهلاك والفناء ، ولا قدرة له على الاستمرار طويلا في ظل تفاقم الفوارق الطبقية وسيطرة أقلية شرهة على قطاع المال والأعمال .
السؤال المهم هنا : ما الذي سيتغير عندنا حتى لو سقط ألف غرب رأسمالي وقام مكانه ألف نظام آخر ؟؟ هل سنكون قادرين على احتلال حيز من التاريخ نبني خلاله وجودنا ونشارك بفعالية في رفد مسيرة الإنسانية ؟ أم أننا سنبقى منفعلين فقط ؟ أفئدتنا هواء وتغشى وجوهنا النار . داخليا : هل رحيل فلان ومجيء علان سيغير من واقعنا شيئا ؟ هل المشكلة مشكلة أشخاص ؟ أم هي مشكلة طريقة حياة وأسلوب تفكير ؟ لماذا نخلط الأمور ببعضها ونبني قصورا في هواء خانق حاجب للنور وأشعة الحقيقة ؟ أتمنى أن نكف لحظة واحدة عن التنظير ، وننقد واقعنا نقدا حقيقا بأن يخرجنا من غياهب العمى والضلال .
فليكف المستنجدون بماركس عن الاستمرار في حفرياتهم التاريخية التي أكل الدهر عليها وشرب ، وليحذر مروجو العولمة من أن يكونوا جسر عبور إلى عالم هو في حقيقته مجموعة من جمهوريات الموز الدائرة في فلك القطب الأوحد .
كما هي العادة ، وربما فوق العادة هذه المرة ، كانت تصريحات الشيخ يوسف القرضاوي التي حذر فيها من تنامي المد الشيعي وعمليات التبشير المنظمة المدعومة من إيران في أكثر من بلد عربي ذي أغلبية سنية ، محط اهتمام شريحة عريضة من المحللين السياسيين وكتاب الأعمدة اليومية . وكانت شخصية الشيخ ، قبل آرائه ، حاضرة بقوة وطغيان في ثنايا التحليلات والآراء المطروحة.
هكذا تعودنا ، فالشيخ القرضاوي شخصية جدلية تثير حولها كما كبيرا من الاختلاف والنقاش ، وهذا لا يعيبها أبدا ، لكن الملفت في هذه القضية بالذات أن ثمة تغيرا كبيرا قد حصل في موقف طائفة من المحللين تجاه القرضاوي ، فأصبحنا في حيرة من أمرنا ، نضرب أخماسا بأسداس محاولين تفسير الهدف الذي من أجله انقلبت موازين البعض فانتقلوا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في تعاطيهم مع شخصية شيخنا الجليل . ولنترك آلة الزمن تتحدث ، فالقرضاوي تحول – في أعين هؤلاء – فجأة وبقدرة قادر ، من شيخ تسيره الآلة الإعلامية التي يسيطر عليها ( فسطاط الممانعة ) كما درج الدارجون على الإشارة إلى المحور الذي تتزعمه إيران والى جانبها سوريا وقطر وحماس وحزب الله ، إلى عالم وسطي وحجة بل إلى مرجع إسلامي عظيم ورمز للاعتدال . فانقلب الخطاب من شاتم ومبغض إلى مبجل ومعظم . كل هذا لأن المواقف هنا تطابقت والمصالح اتحدت ، فغدا من الضروري أن يلجأ هؤلاء إلى بلورة الموقف من جديد ، والإمعان في مديح الشيخ والثناء عليه ، كما تم سابقا الإمعان في انتقاصه ووضعه في خانة لا تلاءم قدره ومكانة أمثاله من العلماء .
الهوى الشخصي الذي يسيطر على هكذا نوع من المحللين ، وغياب الموضوعية والأمانة الأدبية والشفافية ، عوامل كفيلة بأن تجعلهم يسلكون مسلك التطرف في إبداء الآراء واتخاذ المواقف . فهم أشبه ما يكونون بمؤلفي المسرحيات الذين يتكئون على الشخصيات ويبدلون ملامحها بحسب أهوائهم الشخصية رغبة منهم في خدمة الفكرة التي تسكن رؤوسهم . إنهم يمعنون في إظهار الخير وإحاطته بهالة أسطورية إن تطلب الموقف ذلك ، أو إبراز الشر وتضخيمه إن كان ثمة داع يتطلب التضخيم والإثارة .غير أن هذا الفعل وإن كان مطلوبا في حالة التأليف وبناء العوالم الخيالية ، فهو لا يلاءم الواقع ولا يمكن بناء عليه تحليل الواقع والنظر إليه نظرة موضوعية تهدف إلى تعريته قبل الشروع في إصلاحه . إنهم أصحاب الأفكار المسبقة والأحاديات الراسخة التي لا تحتمل النقض والتي يدور الكون كله في فلكها خدمة لها وتأكيدا على صحتها ومشروعيتها !!
قد يكون للسياسة أصولها ومن ضمنها أن صديق الأمس عدو اليوم ، وعدو الأمس صديق اليوم . لغة المصالح تفرض نفسها كثيرا ، غير أن الذي نتحدث عنه اليوم هو شيء آخر غير السياسة وغير ما يقدمه الإعلام الموجه الذي يلتزم بخط واحد ووجهة نظر حرفية لا يمكنه الخروج عنها . ما نتحدث عنه هو ما ينبني في نفس القارئ والمستمع إلى هذا النوع من المحللين عندما يرى تبدل المواقف وانتقال أصحابها من خندق إلى خندق مقابل بعد أن قاموا سابقا هم أنفسهم بتلغيم المسافة الفاصلة بين الخندقين . ما نتحدث عنه هو ثقة المواطن في إعلامه وقدرته على الفهم ، إن كان يراد له – أصلا - أن يفهم شيئا .
هذا الذي يفعله هؤلاء لا يمكن أبدا إدراجه في خانة المرونة ، فالمرونة تتطلب الالتزام بالقاعدة الذهبية الواردة عن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام والتي تقول : أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما , وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما . المرونة هي ما يمكن تعلمه من شعرة معاوية التي كان حريصا على أن لا تنقطع أبدا .
نعود إلى الشيخ القرضاوي نفسه ، حرصا على أن لا يوضع الكلام السابق في غير محله ، فذنب هذا الشيخ أنه يختار دائما وبملء أرادته الوقوف في المنطقة المؤثرة - ولكن الحساسة – تجاه قضايا الأمة . حرص القرضاوي على أن يبين موقفه الداعم للعمليات الاستشهادية في فلسطين ، وحرص كذلك على التأكيد على مشروعية المقاومة في العراق وفي كل أرض محتلة . حرص شأنه شأن أقرانه وسابقيه من الأشاعرة على إقامة مصالحة بين العقل والنقل ، فلا يشتط العقل في تحكمه بالنصوص ، ولا تبالغ الأفهام الجامدة المتعالية على التاريخ في فرض فهم أحادي للنص . من هنا نفهم زيارته التي قام بها إلى نظام طالبان أيام قرر هذا النظام تفجير عدد من التماثيل الأثرية التي أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث الحضاري الإنساني ، ونفهم زياراته السابقة لإيران ومحاولته التقريب بين المذاهب الإسلامية المختلفة بما فيها المذهب الجعفري ، هذه الزيارة بالذات كان أصحابنا الذين نتحدث عنهم قد البسوها ثوبا سياسيا واستخدموها حجة في مهاجمة الشيخ والانتقاص من قدره . نفهم من كل هذا لماذا كان وما زال لهذا الشيخ منتقدون كثر ، الغرب من جهة ، المنهمكون في قضايا أكل الدهر عليها وشرب من جهة ثانية ، وأصحابنا الذين بدلوا مواقفهم تجاهه من جهة ثالثة ، الشيعة من جهة رابعة ، وغيرهم كثر .
من الصعب أن تكون وسطيا بحق ، وتتكلم من فوق أقوى منبر يتحلق حوله المستمعون ، ثم لا يكثر أعداؤك وناهشو لحمك . هذا هو الشيخ يوسف القرضاوي .
ما بين مصطلح شاذ لا يمُتُّ إلى معاجم العربية بصلة ، أُريدَ من خلاله التغطية على قحط لغوي شامل وضعف في مبنى المقال وعبارته ، وفكرة متعالية أقامت الكاتبة خلالها نفسها حكما على النوايا والسرائر بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، ما بين هذين الشذوذين كان مقال السيدة زليخة أبو ريشة في جريدة الغد ، الذي حمل عنوان " المتدهدهون " ، وكانت هذه الوقفة .
ثمة مشكلة كبيرة تلازم نفرا من الكتاب الذين تعودوا التطرق لمظاهر التدين عند بسطاء الناس وعامتهم ، المشكلة تكمن في عجزهم عن تجديد خطابهم ومواكبة الزمن الذي تتغير معطياته يوما بعد يوم ، وتكرارهم موضوعا واحدا لا يتغير أبدا ، يتحركون خلاله ضمن ثالوث معروف هو فحوى نقدهم ومرمى سهامهم : الإسلام السياسي ، اللحية والثوب القصير ، وحجاب المرأة . محاور ثابتة لا يتوانون عن مهاجمتها والغمز واللمز من جهتها ، ضمن حملة لا تهدأ أبدا ، وتكرار ممل الى أبعد الحدود .
مشكلة تكرار الأفكار هذه ، تدل على جعبة خاوية من الموضوعات التي تستحق الطرح ، سببها تكلس في البنيان الفكري الذي يبدو أنه سكن منذ زمن بعيد منطقة من الوعي ، فلم يعد قادرا على مغادرتها . هذه المشكلة تقدح في مسألة الثقافة أصلا ، فما دام الزمن متوقفا عند هؤلاء النفر من الكتاب ، والموضوعات لا تتغير ، والتجديد معدوما ، هذه الصورة البائسة تجعل من الكاتب ( حكواتيا ) لا أكثر ، يحدثك حديثا تحفظه عن ظهر قلب ، تعرف مبتدأه ومنتهاه ، وتدرك من أول كلمة مراميه وأغراضه .
هذا من ناحية التكرار ، أما من ناحية فحوى الحديث ، فلعل الكثيرين يتفقون مع صاحبة المقال في أن بعض الذين يتمظهرون بمظاهر الدين والسنة يسيئون بتصرفاتهم ولهاثهم وراء مصالحهم الشخصية إلى الدين والمتدينين .
قد يخفي الحجاب وراءه ما لا يعلمه إلا الله ، وقد يتسربل بالدشداشة أشد الناس نفاقا وعتوا ، وقد يطالب بتطبيق الشريعة من لا يقيم أبسط المبادئ الأخلاقية في حياته الشخصية . غير أن هذا لا يمنع أن لهذه المظاهر قدسية خاصة ، وأن في مقابل المسيء محسنين كثرا ، وأن بعضها إن لم يكن فرضا فهو يمثل مرتقيات في طريق التدين والقرب من الله .
فيجدر بمن يريد أن يقترب من هذه المظاهر نقدا أو إصلاحا ، أن يُظهر موقفه كاملا ، فلا يكتفي بإبراز الجانب المظلم مع حشو كلامه بمصطلحات الهمز واللمز والتحقير والغمز ، ثم يترك ما تبقى فريسة للظنون والشكوك . كان يجدر كذلك بالكاتبة التي يبدو أنها لا تعرف الفرق بين القراءة والتلاوة ومدلول كل واحدة منهما ، كما بدا ذلك واضحا في حديثها عن ( الأشرطة المسجلة التي عليها ألوان من القراءات القرآنية ) ، وهذا جهل فاضح لا يمكن رده إلى مجرد المخزون اللغوي المجدب في المقال . نقول كان عليها أن تكون أكثر حرصا عند تناول هذا الموضوع ، وأن تعلم أن نسبة الأصوات القبيحة إلى تلاوة القرآن – حتى لو افترضنا جدلا أن في السوق أشرطة تتلو القرآن بصوت غير جميل – عمل يخلو من توقير هذا الكتاب العزيز واحترامه .
يضاف إلى ذلك أن القرآن ليس مجرد كتاب جمالي يتأمله المسلم من أجل الاستمتاع فقط ، فهو وان كان جماليا إلا أنه قبل ذلك كتاب تشريع وعظة واعتبار ، ووسيلة يتفكر الإنسان من خلالها في عظمة الخالق وهيمنته على سنن الكون ومجرياته .
عيدية السيدة زليخة للقراء في ثاني أيام الشهر الفضيل لم تكن في محلها ، وهي ب ( تهويشها ) وتركها مساحة كبيرة للظن وتأويل الكلمات المستخدمة في غير مكانها الصحيح ، تفتح مجالا واسعا للخطر الذي حذَّرَتْ هي منه ، أي خطر التكفيريين الذين يبحثون بطبيعتهم عن هكذا أسلوب مبهم ومساحات غائمة ليطلقوا بناء عليها سهام تكفيرهم ومبررات أحكامهم .
التكفيريون يفهمون الدين انطلاقا من نظرة مغلقة وجهل بأحكامه وقواعده ، وبعض الكتاب يتعاطون مع الدين أيضا بدون حد أدنى من العلم به والاطلاع على شؤونه . كلا الطرفين يقيم نفسه حكما على النوايا والسرائر ويمعن في وصم الآخرين بشتى ألوان النقائص . كلا النظرتين مغلقة على نفسها ، وأصحابها - في الإتجاهين - يخدمون الهدف نفسه .
الجرأةُ التي اتَّصف بها فيلم " الريس عمر حرب " بما احتواه من مشاهد ساخنة وإيحاءات غريزية تعدت حدود المقبول ، وجعلته يوصَفُ بأنهُ أكثر الأفلام جرأة في تاريخ السينما المصرية ، هذه الجرأة تبدو أقل شأنا بكثير من جرأة الفكرة الأساسية للفيلم ، والرؤية التي حاول العمل أن يقدم من خلالها تصوره لقضايا الوجود الكبرى ، وثنائية الله والإنسان ، وما بين ذلك من عوالم وأحداث .
فكرة الإنسان مسيرا بين جنبات الكون وخاضعا لشروط اللعبة من حيث يدري أو لا يدري ، هي الهاجس الذي طالما راود الإنسان ، وتمحورت حوله اتجاهات التفكير وعبقريات الزمان . غير أن ما قدمه الفيلم مختلف قليلا عَبْرَ خلطِهِ أوراقَ اللعبة من جديد ، ومُحاولتِهِ إلغاءَ المسافة الفاصلة بين كَوْنِ الإله إلها ، والإنسان إنسانا ، والشيطان شيطانا .
المسافات الملغاة تتجلى بوضوح في شخصية الريس عمر حرب ، المتعالية والقادرة على إمساك خيوط اللعبة بدقة وإحكام . الملفت في الشخصية تجسيدها لبعض سمات الألوهية وسلوكها منهج ( الإصطفاء ) عبر وضع خالد – الشاب الذي يعمل في الكازينو – تحت مجموعة من الإختبارات ومراقبة سكناته وحركاته . الريس خلال هذا كله يصنع الاحداث ويبرمج الشخوص فيرسم لهم أدوارا يؤدونها بدقة متناهية ، وَيَمُدُّ خالدَ بنصائح وفلسفة خاصة تحتوي في داخلها توصيفا ( من وجهة نظر المؤلف ) للذات المتعالية التي تَسُنُّ القوانين لتقيِّدَ بها الضعفاء وتحمي الاقوياء . الريس عمر حرب كان بإمكانه أن يكون عازفا مبدعا يملأ العالم جمالا ورقة ، لكنه اختار أن يكون قويا وأن يَنْفُذَ إلى الناس من خلال خوفهم حينا وجشعهم حينا آخر ، مؤكدا أن شعور أي شخص بالأمان الحقيقي لا يتحقق إلا تحت جنابه هو ( الريس ) وضمن سلطته ، واصفا هذه السلطة بأنها أعلى ما تطمح إليه الذات وتزهد عند بلوغها إياها بكل شيء آخر ، بالمال والولد والزوجة وما سواها .
في المشهد الأخير يتركك الفيلم حائرا تجاه شخصية الريس التي تقترب بتسلطها وجبروتها من حدود ( الشيطنة ) ، فيتكون لديك تجاهها شعور مزدوج هو مزيج من الخوف والإنبهار ، ويُجْبَرُ خالد بالنتيجة على الرضوخ للريس وقبول عبوديته والسير تحت إمرته المطلقة . الريس في هذه اللحظة قد يكون إلها أو شيطانا ، أو كليهما معا ، هذا ما تريد القصة أن تقوله ، وهذا كذلك ما لا يهمك ما دمت مجبرا على أن تكون تحت إمرته ، وتحقق ذاتك عبر الاستماع لإرشاداته أو وسوساته . أنت جزء من نظام العالم ( الكازينو ) فلا تملك تجاهه إرادة من أي نوع كان ، محاولتك الإختيار والخروج من ربقة الريس مدعاة لدخولك دوامة الخطر وتعرضك للمهانة وأشد انواع العذاب .
قضايا قلقة تلك التي حاولت القصة ان تدور حولها ، مصدر القلق هذا هو ذات الكاتب وليست ذات المكتوب عنه . فأن يتجسد العالم خاليا من إرادة الإنسان خاضعا لقوة مغرمة بالسلطة والجبروت ، يستوي في ميزانها الخير والشر ، هذه النظرة في أحاديتها وسوداويتها تخلط خلطا واضحا بين ذات الإله القادر المتعال من جهة ، والإله الرحيم الغفور من جهة أخرى ، وكلاهما واحد بطبيعة الحال . المنهج الذي حاولت القصة أن تقدمه عبر شخصية الريس عمر حرب لا يتلاءم وما مُنِحَهُ الإنسان من قدرة على الإختيار ومسؤولية مطلقة عن أفعاله كلها . بل إن دمج الجانبين ، جانب الألوهية وجانب الشيطنة ، في شخصية واحدة ، هو تخبط عقائدي فاضح ، وعودة إلى الأفكار الجبرية القديمة التي ظهرت في القرنين الثاني والثالث للهجرة ، وهو هروب من مسؤولية الإنسان عن أفعاله ، وفهم خاطيء لسنة الله في الكون والإنسان .
الفن رسالة مرتبطة دائما بفهم ما لقضية من قضايا الوجود ، فإن شذَّ الفهم أو سلك منهجا خاطئا ، انقلبت الرسالة قلقا ومعولا هداما للعقل والتفكير . قديما فَصَّلَ أصحاب الذوق والمشاهدة مراحل الإدراك عند الانسان فتسلسوا بها إبتداء من المحسوسات وصولا إلى التمييز ثم إلى العقل والإدراك ، أما ما بعد ذلك فهو مجال الصفاء والمكاشفة . كل إنسان مكلف بحسب مرتقياته ومداركه في عالم الشهادة ، أما عالم الغيب ومحاولة تفسير ما لايُفَسَّرُ من ظواهر الكون ومجرياته فهما المجال الذي تزل فيه الاقدام وتقصر دون بلوغه الأفهام . الإنسان في كل الحالات كادح إلى ربه كدحا فملاقيه ، وما بين الجبر والإختيار يكمن سر عظيم ، هو فوق طاقة أهل الصفاء والمكاشفة ، فما بالكم بمن هم دون ذلك بمراحل .قد تكون شهادة الرجل في أسرته التي ينتمي اليها مجروحة ، غير أن المحبة لا تعرف الصمت ، وجمال العمونيين الذين أصروا مساء أمس الأول على تكريمي كواحد من أبناء هذه الأسرة المتميزة ، جعل هذه الكلمات أقل القليل الذي يستطيع المرء أن يقدمه لبيته الدافيء ومنبره الحر .
تحلقنا حول منسف أردني من الطراز الفاخر ، أصر الباشا سمير الحياري والغالي باسل العكور على أن يكون الطابع أردنيا بحتا ، هما يعلمان أن المغترب يحن الى مثل هذه الطقوس ، وأن للأردنيين عادات وتقاليد لا يخرجون عنها مهما طال بهم السفر ونأت بهم المسافات . كان معنا فايز الفايز وسامي الزبيدي وسميح جبرين وحسن البراري ووائل الجرايشة . امتدت السهرة حتى وقت متأخر ، وحفلت بأحاديث عامة حينا ، وفي الحين الآخر كانت الأحاديث ودية ، دلت تفاصيلها على مدى ترابط هذه الأسرة وقوة وشائجها التي تؤهلها الى مزيد من الابداع والعطاء . ميزة هذا الموقع الألكتروني أنه فتح المجال رحبا لعدد كبير من الأصوات التي كانت تصنف كأغلبية صامتة قبل ظهوره ، خصوصا بين أواسط المغتربين الذين أضاف بعد المسافة الى صمتهم صمتا اضافيا . كان أكثرنا يمارس الأطلاع ومتابعة الأحداث دون أن يكون لفعل الكتابة نصيب من نشاطاته ، وكان للصحافة الورقية جدران اسمنتية يصعب على أي كاتب اختراقها الا من أوتي نصيبا من الحظ وحسن الطالع . قضية أن تتابع الأحداث وتتأثر بها ثم لا تجد منبرا تعبر فيه عن رأيك ليست بالقضية السهلة التي لا تترك آثارها الصعبة في نفس المرء ، فالكتابة فعل نفسي يمارسه الكاتب كي لا يختنق وتتضخم حسراته كبتا وعناء أمام ما يستجد من أحداث على كافة المستويات . ثمة مستوى من الكبت والتحمل لا نستطيع أن نتجاوزه ، فان لم يتوفر المنبر الحر الذي تصل رسالتك من خلاله الى القاريء ، مت كمدا وحسرة ، وضاع رأيك هباء منثورا . عمون كانت هذا المنبر ، فلم تبخل على صاحب قلم بمساحة يبث فيها أشجانه ، ويعبر من خلالها عن رأيه . سألني باسل عن أكثر ما لفت انتباهي في عمان بعد هذه الغيبة الطويلة ، فأجبته بأن طريقة اللباس عند الشباب ذكورا واناثا هي أكثر ما يلفت الإنتباه ويثير العجب . ذكرت له أن فترة التسعينيات كانت فترة الصحوة الدينية في المجتمعات العربية بشكل عام ومن ضمنها الأردن . كان الحجاب مستشريا في الجامعة الأردنية على سبيل المثال وكانت نسبة البنات المحجبات تصل الى حوالي 90% . حتى عند البنات غير المحجبات كان هناك سقف من الأحترام والحشمة لا تستطيع البنت أن تتجاوزه . اليوم اختلف الأمر كثيرا ، هنالك مشاهد كثيرة تخدش الحياء ، هنالك عدوان على قيمنا وأخلاقنا قد تكون الفضائيات ساهمت في حدوثه . كيف استطعنا أن نتعامل مع العولمة والتغيير بهذا الشكل السطحي الفج ؟ لماذا تعلقنا بقشور الحضارة فقط ؟ أسئلة صعبة ربما يستطيع المختصون الأجابة على بعضها وبيان حقائقها . تطرقت أحاديثنا كذلك الى كتاب الأعمدة في الصحافة الأردنية وكيف يعاني الجادون منهم من عزوف القراء عن قراءة مقالاتهم الا قليلا من القراء الذين يبحثون عن المحتوى العميق والتحليل المنطقي . القراء يتجهون الى ما يسمى بالكتابة الساخرة ، لكن مشكلة هذا النوع من الكتابة أن القادرين من فرسانه على التوفيق بين بساطة اللغة والسخرية من جهة ، والمحتوى العميق الذي يدل على سعة اطلاع صاحبه ومقدرته على تطوير نفسه من جهة أخرى ، القادرون على ذلك موجودون لكنهم قليلون ، أما الأكثرون فقد وقعوا في النمطية والتكرار ، وهم يبدون عاجزين عن تطوير كتاباتهم لضعف اطلاعهم وعدم اهتمامهم بتنمية بنيتهم الثقافية . كان الحديث بسيطا بكل المقاييس ، وكانت عفوية الحاضرين وبساطة اللقاء وجماله امتدادا لعفوية عمون نفسها وقدرتها على أن تفتح صدرها للجميع وتستوعب المزيد والمزيد من الكتاب والقراء والمعلقين . عشنا لحظات ممتعة ما بين نقوش فايز الفايز ، وأوجاع سامي الزبيدي التي لم تخف عليَّ في كتاباته الأخيرة ، وعمق حسن البراري في تحليلاته ، وقدرة سميح جبرين على نقل الواقع الى القاريء ونقده نقدا موضوعيا ، وكفاءة وائل الجرايشة في عمله الصحفي وقدرته على الوصول الى المعلومة بسهولة ويسر . تذكرت آخرين من أعمدة عمون الذين لن يغيبوا عن بال قرائها ، هاني العزيزي وحكمة السنين ، الصديق الغالي هشام غانم واللغة الجميلة والتحليلات العميقة . عمونيون كثر ومستوى من الثقافة والجمال تفوقت من خلاله هذه الصحيفة على نفسها ووصلت الى كل قاريء ومتابع . ربما تكون هذه هي أول اليوميات في اجازة هذا العام ، لكنها أغناها وأجملها ، فقد كفت عمون ووفت . أذهلنا الموقع عبر الأثير ، ثم أذهلنا أصحابه على أرض الواقع . شكرا للغاليين سمير وباسل فقد أدركت الآن سر تفوق عمون وتميزها .جلستُ أمس في أحد المقاهي محاولا أن أجد شيئا ذا قيمة في عيون الناس وتعبيرات وجوههم . كان المقهى ممتلئا عن آخره ، بالكاد وجدت طاولة صغيرة في وسط المكان فألقيت عليها فراغي ولهوي ورغبتي في تمعن الوجوه واستقصاء سرائر أصحابها .
تحتاج إلى جهد كبير كي تفهم لغة الوجوه إذا كنت لا تنتمي إلى جيل أصحابها . كان أكثر الجالسين حولي من فئة الشباب اليافع ، من الواضح أن أكثرهم من طلبة المدارس الثانوية أو سنوات الجامعة المبكرة . لا شيء جديدَ في وجوههم يلفت الأنظار ، إنهم ممتلئون فرحا واقبالا على الحياة ، جلساتهم مختلطة ، يضفي تواجد الجنس اللطيف عليها مزيدا من الجاذبية والجمال .
لفتت إنتباهي أحد الصبايا اليافعات ، كانت تسحب دخان أرجيلتها فتبثه في كأس فارغ أمامها ثم تحاول أن تحبسه داخل الكأس بيديها ، أو تنفثه في حين آخر عبر مصاصة بلاستيكية ( شلمونة ) في وجه زميليها الجالسين أمامها . كانت تصرفاتها عبثية إلى أبعد حد ، لكنَّ في عبثيتها ما يبث فيك حنينا من نوع خاص ، ورغبة في العودة إلى أيام الشباب والإستمتاع بطيشه وخفته . هؤلاء الشباب لا يختلفون عنا كثيرا ، هكذا أردت أن أقنع نفسي ، كنا مثلهم لا نعرف قيمة الوقت والسنوات ونحسب أن العمر سيبقى ربيعا زاهي الألوان . كنا كذلك نقوم بنفس التصرفات ، ونعبث بكل شيء حولنا . صحيح أننا لم نكن نخرج من أسوار الجامعة ، ولم نعرف المولات والكوفي شوبات طيلة فترة دراستنا ، إلا أن تعابير المودة والرقة التي تكسو الوجوه عند اشتراك الجنسين في جلسة واحدة هي نفسها ، والحواجز التي كنا نحاول تكسيرها كي نزرع الإطمئنان في نفس الجنس الآخر هي ذات الحواجز . هؤلاء الشباب ليسوا اجرأ منا ولا أكثر إقبالا على الحياة ، هم فقط يمتلكون مقدارا أكبر من الصياعة ، عالمهم منفتح وألوانه أكثر جذبا للأنظار .
حاولت أن اتأقلم مع جلبة المكان وضوضائه ، ضايقتني كثيرا الأصوات المختلطة والضحكات والقهقهات . غير أن ما ضايقني أكثر تلبد الجو بدخان الأراجيل الذي كان يأتي من كل اتجاه . فعلى كل طاولة عدد من الأراجيل بعدد الجالسين عليها ، وهم ينفثون ما لاحصر له من الدخان ذي النكهات المختلفة ، بالليمون والعنب والتفاح والتفاحتين والسوس وغيره وغيره . ما سر تعلق هؤلاء الشباب بالأرجيلة ؟ لماذا أصبحت متطلبا أساسيا لا يمكن الإستغناء عنه في مثل هذه الجلسات ؟ هل يبحثون فعلا عن الكيف ؟ لا أظن أن الأرجيلة تمنح صبية في مقتبل العمر كيفا أو شعورا بالسعادة . الناس يميلون الى التقليد واتباع ما يرون الجمهور مقبلا عليه ، لذلك أصبحت الأرجيلة مظهرا اجتماعيا خاليا من المضمون ، وتقليدا درج عليه الكثيرون . هي صديقة من يحاول أن يسبق مرحلته العمرية ، أو يقتل وقتا هو كتلة من ( اللاشيء ) . الأرجيلة موضة حينا ، وسخط على الدنيا حينا آخر ، وهي كذلك ملجأ لمن يحب أن يرى شكل زفراته ، عندما لا يمتلك الانسان تجاه همومه الا أن يبث زفرات تلو زفرات .
تبدل شعوري تجاه المقهى بعد أن بلغ التلوث الصوتي حده وأطبقت ( عَجّة ) الأراجيل على المكان . كان هناك الكثير من الرواد الواقفين ينتظرون خلو طاولة كي يجلسوا عليها ، قررت أن اشاكسهم وأبقى في مكاني ، هكذا من أجل ( الدقارة ) فقط . على فكرة ليس هذا هو المكان الوحيد المزدحم في عمان ، فكل شيء يعاني من الإزدحام . أصبح الإزدحام ظاهرة يجب دراستها . كلما دخلتَ مطعما وجدتَه ممتلئا ، أو سوقا عاما لم تجد موطيء قدم فيه ، حتى على محطات الوقود تقف في طابور طويل بانتظار أن تملأ سيارتك بالبنزين ، علما بأن أسعار البنزين لا تخفى على أحد منكم ، وأسعار المطاعم أقرب الى النهب منها الى أي شيء آخر . استغرب كثيرا كيف أن وجبة شعبية كالحمص والفلافل تكلف الشخص الواحد أربعة دنانير في عمان الغربية ، ومع ذلك تجد المطاعم مزدحمة ، وعائلات بأكملها جاءت لتناول وجبة العشاء ذات التكلفة الفلكية . صحيح أن هناك نسبة من المغتربين وطبقة من الموسرين ، غير أن هذا لا يفسر الازدحام الهائل الذي تشهده هذه الأماكن . هل يتم تضخيم الصورة البائسة للمواطن الأردني ؟ أم أن عمان خرجت من دائرة المنطق ولم يعد بإمكان المرء أن يفسر أي شيء يجري على أرضها ؟ من المؤكد أن هناك ( يدا خفية ) تدير هذا المجتمع وتحميه من تقلبات الزمان ، هذه اليد الخفية هي رعاية الله ولطفه بعباده ، نحن – معشر المؤمنين – نفهم اليد الخفية هكذا ، ولا ندور حولها دون أن نجرؤ على تسميتها باسمها الحقيقي كما فعل آدم سميث وتلامذته من بعده .
غادرت المقهى أخيرا ، توجهت إلى سيارتي ودخلت في أزمة سير خانقة عند تقاطع الجاردنز مع شارع المدينة المنورة . رغم الزحام الهائل إلا أن مكوثي ضمن الأزمة لم يطل فقد كان رجال السير يؤدون مهمتهم بكل كفاءة واقتدار . ما أجمل منظرهم وهندامهم ، إنهم لا يقارنون أبدا بالذين نراهم في بلدان أخرى . أوقفني أحدهم فجأة ، نبهني بكل أدب وهدوء الى أن الحديث في الهاتف الخلوي ممنوع أثناء القيادة . نظرت إلى وجهه فاذا هو شاب أكبر قليلا من أولئك الشباب الذين رأيتهم في المقهى . سألت نفسي إن كان هذا الشاب قادرا على الاستمتاع بوقته في كوفي شوب عند انتهاء وظيفته ، أو هل تمكنه ظروفه المادية من الخروج وعائلته لتناول وجبة العشاء في أحد المطاعم التي حدثتكم عنها . لم أرد أن أعرف الإجابة على سؤالي ، حتما ستكون مؤلمة . فشكرته على لباقته ومضيت في طريقي ......