قضية المواطنة في الوطن العربي ، بما يفرضه هذا الارتباط الحتمي بين كلمتي المواطنة والوطن ، كانت العنوان العريض للندوة الفكرية السنوية لمنتدى الفكر العربي التي عُقدت قبل أسبوعين في الرباط ، والتي حفلت بمناقشات جادة ألقت الضوء على أهم تجليات المواطنة في واقعنا العربي الراهن .
قيمة هذا النوع من النقاشات تكمن في تهيئتها الأساس السليم والمنطلق الصالح لبناء المفهوم على أرض الواقع والخروج به من ويلاته ومصائبه المتراكمة ، فثمة نقاشات أكاديمية نحتاجها ( بمقدار ) من أجل البناء على أرضية فكرية ثابتة ، وثمة توصيات عملية وجرأة في رد الأمور إلى أسبابها الحقيقية ، فتحت المجال واسعا من أجل تناول ما يعتبره البعض محرمات غير مسموح ولوجها أو حتى مجرد النظر إليها من بعيد .
وهنا في موضوع المحرمات تبرز واحدة من أهم القضايا التي يُعْزى إليها قمع كل شكل من أشكال الممارسة الوطنية الحقة ، ويُلقى بسببها المواطن العربي في غياهب التخلف وجحيم الاستبداد .
استبداد الداخل :
فبحسب مشروع إعلان المواطنة العربي المنبثق عن الندوة ، كان أحد أهم الأسباب المسئولة عن عدم توفر الحد الأدنى من حقوق الأفراد والجماعات في سبيل بناء مجتمعات مواطنة سليمة ، هو استبداد الداخل ، بما يعنيه هذا الاستبداد من تضييق وكبت حريات ومصادرة للحقوق السياسية وغياب لمؤسسات المجتمع المدني وشيوع الفساد وممارسة الاضطهاد . هذا السبب إذا قرناه بالسببين الآخرين الذين أشار إليهما الإعلان : أطماع الخارج وازدهار ثقافة العنف والتطرف ، سنجد أنه المؤثر الأكبر الذي ينصهر فيه السببان الآخران ويستمدان مقومات وجودهما من خلاله .
فالبناء السليم المتماسك لا تهزه الأعاصير مهما كانت عاتية ، وهو قادر بتماسك لبناته وترابط أجزائه على مقاومة العوامل الخارجية من جهة ، واجتثاث أسباب العفن الداخلي والقضاء عليها من جهة أخرى . أما كبت الحريات ومحاصرة الإنسان بخطوط حمراء تكثر فيه الآلهة ويشتد فيها الوعيد ويأخذ فيها التنزيه أقصى مداه ، هذه العوامل بالذات هي الحاضن الحقيقي لثقافة العنف ، والمسبب الرئيسي لهشاشة البناء وتبعيته للآخر .
الممنوع والممتنع :
لكن استبداد الداخل لا يتوقف عند هذا الحد ، فهو ليس معادلة خطية ذات بعد واحد تنطلق من نقطة وتنتهي في النقطة المقابلة ، بل أن هناك استبدادا داخليا أخطر بمليون مرة من استبداد السلطة الحاكمة وأجهزتها البوليسية ، انه استبداد الإنسان على نفسه بكثرة مسلماته وعجزه عن نزع القداسة والأفكار المسبقة عن ما يفترض فيه أن يكون محلا للنقاش وموضعا لإعادة التقييم .
هنا علينا أن نميز بين الممنوع والممتنع ، فالممنوع هو ما تفرضه السلطة الحاكمة على أتباعها ، أما الممتنع فهو ما يفرضه على الإنسان جهله وبلادته وجبنه ونظره إلى أوضاعه بعين الاستسلام والرضا مهما ساءت الأحوال وتردت ، انه ثمرة تربية قائمة على السلبية والخضوع وهو عامل مثبط يقتل كل طاقة قادرة على التقييم والمساءلة والتغيير ، فيجعل العالم مجموعة من الحتميات التي لا نستطيع أن نقوم إزاءها بأي عمل ذي قيمة .
فاعلية التعليم :
هذا الكلام يقودنا مباشرة إلى البعد الرابع من أبعاد خطة العمل التي اقترحها المشروع من أجل تفعيل المواطنة في الوطن العربي ، أقصد نشر منهج التفكير العقلاني وثقافة التسامح وذلك بمحاربة الخرافات والأمية التي تصل نسبتها إلى 50% في أقطار الوطن العربي . هذا الكلام جميل جدا ، لكن طابعه العمومي يحثنا على الاهتمام بجزئيات بعينها من أجل محاربة الجهل والتخلف وتقليل مساحة الممتنع بإطلاق الفكر من عقاله ونشر منهج التفكير العقلاني النقدي ، ما نقصده هنا ضرورة العمل على ثلاثة خطوط متوازية اكتفى هذا البعد بالإشارة إلى واحد منها هو محاربة الأمية .
أما الخطان الآخران فهما ، أولا : الاهتمام بمخرجات التعليم وتنمية روح البحث العلمي ، وثانيا : الاهتمام بالتعليم الذاتي الذي لا يحده عمر أو درجة علمية . فأوطاننا لا ينقص أبناءها شهادات أو درجات علمية ، فهي موجودة بكثرة وسبلها سهلة متيسرة . المشكلة تكمن في ما نسميه بالعامية " ختم العلم " أي التوقف عن القراءة والاستزادة من المعارف بمجرد الحصول على الشهادة الجامعية المطلوبة . فالعلم ليس نظريات تدرس ثم يمتحن الطالب فيها في نهاية العام الدراسي فإما أن يرسب أو ينجح ويُلقى به في سوق العمل بعد أن يكون قد مزق كتب الامتحان وألقى بها في أقرب مكب للنفايات . العلم شيء أهم من هذا بكثير ، انه عملية مستمرة من الاطلاع والبحث بهدف تكوين موقف من الحياة وقضاياها الكبيرة والصغيرة . المطلوب هو تنمية روح التعليم الذاتي والعمل عليها بهدف صنع عقل متفتح واع ، يثق بنفسه ويقبل الآخر ويخضع الدنيا كلها لسلطان أفكاره وينابيع معرفته .
وكي لا يبدو الطرح السابق مثاليا ، نقول انه من البديهي أن ليس بالإمكان جعل الناس كلهم على درجة عالية من العلم والثقافة ، غير أن ما نطمح إليه هو الارتقاء بنوعية المتعلمين وزيادة عدد الأفراد الذين يشغرون المساحة التي ترضي طموحنا و تحقق آمالنا .
العقد الاجتماعي :
تكمن جاذبية فكرة العقد الاجتماعي في قابليتها للاستزادة والتطوير ودعوتها إلى مشاركة فئات المواطنين كافة في صياغة العقد الذي تنتظم بناء عليه حياتهم العامة وتتشكل انطلاقا من بنوده سمات وامتيازات السلطة السياسية التي يرونها مناسبة لإدارة الدولة والمجتمع ، انه مصطلح منفتح وحمال أوجه كثيرة من القراءة والتفسير والتأويل تبعا لتطور الزمان ومستجدات كل مرحلة .
وبرغم تعرض هذا المفهوم للنقد واتهامه بالطوباوية والخيال لدى كثير من مفكري عصر النهضة الذين تلوا زمن منظري فكرة العقد الاجتماعي الكبار ( توماس هوبز 1588 – 1678 ، جون لوك 1632 -1704 وجان جاك روسو1712 – 1778 ) فان الفكرة الأساسية في مجملها احتفظت ببريقها وشكلت أساسا قامت عليه معظم الأفكار الديمقراطية الحديثة .
هنا يحق لنا أن نتساءل عن بعض سمات العقد الذي افترض فيه الإعلان بعدا سياسيا قانونيا ينظم العلاقة بين الحكام والمحكومين ، فهذه منطقة مفتوحة للاجتهاد والتنظير ، كل بحسب رؤيته وخلفيته التي ينطلق منها ، وفيها شيء من الخطورة كون فكرة العقد الأساسية قد اختلف واضعوها في بعض أهم سماتها مثل الاختلاف حول أطراف العقد ، وهل يدخل الحاكم طرفا ملتزما بكافة بنود العقد وشروطه ؟ ومبررات اللجوء إلى فكرة العقد كون كل واحد من المفكرين الثلاثة تصور سمات مختلفة للمجتمع الإنساني في حالته الطبيعية ( ما قبل العقد ) .
ثم إن علينا كمسلمين ننطلق من أرضية حضارية عريقة أن نحدد الأطر العامة التي يتناولها العقد في تفاصيله ، ولعل أهمها الإطار الإيماني الذي يشكل نسيج الشعب ويوحد بين أجزائه ، ففكرة العقد إيمانيا موجودة وبكل وضوح في نصوص قرآنية متعددة ، ويكفينا الإشارة هنا إلى قوله تعالى " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " التوبة آية 111 .
أخيرا يبقى تعليق على نقطة وردت في البحث الذي قدمه الدكتور عدنان السيد حسين أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية ، فقد تطرق خلال بحثه إلى نقطة مهمة هي موضوع أهل الذمة في الإسلام ، داعيا إلى تجاوز هذا المفهوم في تطبيقات المواطنة المعاصرة . هذا الكلام جميل من ناحية أنه يربط القديم بالحديث فيفتح الباب على مصراعيه لأن يتجاوز دورنا الاقتباس والتطبيق ، وذلك بسعينا وانطلاقا من الجزئيات إلى إعطاء مفهوم المواطنة أبعادا جديدة ونقله نقلة نوعية إلى الأمام . فنحن نريد أن نضيف إلى هذا الصرح الذي ابتدأ بناؤه بأفلاطون وأرسطو ، مرورا بفلاسفة المدرسة الرواقية ، ثم ما أقره الإسلام ونظمه من علاقة بين الحاكم والمحكوم والمسلمين بمن جاورهم من أهل الذمة والمستأمنين ، وصولا إلى مفكري عصر النهضة ومفاهيم الحرية والليبرالية . فالبناء لم يكتمل بعد ، وفي صورته المطبقة حاليا في الديمقراطيات الغربية عيب خطير ، هو مفهوم الحرية المنفتح الذي لا يترك رمزا أو قيمة معنوية إلا ويطالها تشنيعا وسخرية ، فالمطلوب هو الإضافة والحفر في أعماق تراثنا الفكري نقدا وتأصيلا وتجاوزا من أجل إيجاد ما يساهم بفعالية في إرساء مفهوم مواطنة يقبل الآخر ويحرر البلاد والعباد .
هذه بعض الأفكار المتعلقة بدعوة المشروع إلى تبني فكرة العقد الاجتماعي ، وهي لا تهدف إلى أكثر من فتح المجال للتفكير بمئات التفاصيل الجزئية التي قد تشكل بنود العقد وشروطه ، وصولا إلى صيغة أولية مرضية ، ولا ندعي أن الصيغة – أي صيغة – قد تكون متكاملة ، فليس ثمة مشروع كامل يمكن الوصول إليه في أي شأن عام ، وإنما هي خطوات يتلو بعضها بعضا ، وباب التطوير والابتكار مفتوح حتى قيام الساعة .
هل هناك أراض سيتم بيعها إلى مستثمرين أجانب في الأردن ؟؟ سؤال لا يمكن القبض على الحقيقة فيه حتى هذه اللحظة ، فرأس مالنا فيه الإشاعات والقيل والقال ، وتعاطينا معه لا يخرج عن أسلوب " الفزعة " والتملق .. التملق إلى العامة حينا و إلى كبار المسئولين حينا آخر .
فقد مضى شهران على تداول الإشاعات المتعلقة ببيع أراضي المدينة الطبية والقيادة العامة ، اعتقدنا خلالهما أن الهدف من انتظار مجلس النواب كل هذا الوقت الطويل هو الوصول إلى معلومات موثقة وتفاصيل مستندية تمكنه من أداء مهمة المساءلة بكل دقة وشفافية . لكننا اكتشفنا بالأمس أن مجلسنا " غايب طوشة " وأن أعضاءه نائمون في عسل امتيازات المنصب النيابي ، والأهم من ذلك أن أداء المجلس أقرب إلى الفزعة منه إلى أي شيء آخر . فآخر ما نحتاجه في مثل هذه القضايا هو الصوت العالي وتسجيل المواقف ، ما نحتاجه بالفعل أداء رقابي هادئ متزن يستند إلى المعلومة الموثقة ، ويرتكز على صلاحياته الدستورية في مطالبة الحكومة بالاستقالة ، أما الكلام الإنشائي والتملق فلن يجدي نفعا ، ولن يحمي الوطن أو يخرجه من أزماته المتراكمة .
والحقيقة أن الارتجال في أداء المجلس أمر متوقع منذ زمن بعيد ، ولكم أن تعودوا بذاكرتكم إلى الشعارات التي كان يطلقها المرشحون أثناء حملاتهم الانتخابية ، والى قانون الانتخاب المجحف الذي لم يكن ليفرز إلا مجلسا ضعيفا هشا ، قوام الوصول إليه المحسوبية واستغلال العصبيات المشتعلة .
هذا من ناحية ، أما من ناحية أخرى فان كل هذا اللغط الذي أثير ويثار حول شخصية الدكتور باسم عوض الله وغيره من المسئولين ، هو نار تسري في هشيم قابل للاشتعال من تلقاء نفسه . ونحن هنا لا نتخذ موقفا من أي نوع ، أولا : لأن ثقة جلالة الملك ذات دلالة مهمة في نظرنا ، ثانيا : لأن من عادتنا أن ننظر إلى كل مسئول مهما كان حجمه ونفوذه بعين الثقة والاحترام ، ما لم يثبت العكس بالدليل الدامغ .
لكن ما نطلبه من الدكتور باسم هو أن يخرج من برجه ويدلي بإفادته ، فهو الأحق بالحديث عن نفسه ، واستنكافه عن الرد لا يحتمل إلا معنيين : فإما أنه عاجز عن دحض التهم الموجهة إليه ، وهذه كارثة مع أننا نستبعد هذا الاحتمال . وإما أنه يستعلي عن الرد ، وهذه كارثة أكبر .
وما ينطبق على الدكتور باسم عوض الله ينطبق أيضا على الحكومة التي سارعت أمس إلى دحض الشائعات ونفيها . لكن ما بين نفي الناطق الرسمي باسم الحكومة قبل ثلاثة أسابيع أو أربعة ، ونفي رئيس الوزراء أمس بون شاسع ، فتأكيدات الذهبي أمس كانت أقوى وتطميناته أكثر وثوقا . وعليه فإننا لا نملك إلا أن نصدق الكلام منتظرين ما ستسفر عنه الأيام والشهور القادمة ، فإن صدق واقع الحال كلام الحكومة فخير وبركة ، أما إن وقعت الحكومة في مطب التناقض فلن يرحمها أحد لأنها في هذه الحالة ستكون إما قد كذبت وساهمت في تضليل الشعب ، وإما أنها قد صدقت لكن المياه جرت من تحتها دون أن تعرف من حقيقة الأمور شيئا ، باختصار سيكون الأساس في أي تقييم أو مساءلة تصريحات رئيس الوزراء بالأمس ولا شيء غيرها ، وكما يقول المثل " من فمك تدان " .
أخيرا فنحن لا نريد أن تجرنا العواطف بعيدا وتمنعنا من اتخاذ إجراءات حاسمة للخروج من أزماتنا الاقتصادية الخانقة ، ففكرة الاستثمار في أراض من هذا النوع فكرة صائبة وأجدى بمليون مرة من تحويل البلد إلى متاحف بحجة عدم المساس بذاكرة الأردنيين . المطلوب هو مظلة أردنية وسيادة على كل استثمار يدخل البلد ونسبة لا تقل عن 51% من أسهم الاستثمار وعوائده ، وصدق في الكلام يعيد إلى الأردني شيئا من الثقة بحكوماته ومسئوليه ونوابه .
ما زلت أذكر جهاز التليفون الأسود الكبير الذي اشتراه جدي قبل خمسة وعشرين عاما , كان يتربع على واجهة الصالة بلونه الداكن وقرصه الحديدي ذي اللون الفضي . كان نقله من مكان إلى آخر أو رفعه بهدف التنظيف تحته يحتاج إلى مجهود كبير بسبب ضخامة حجمه وثقل وزنه , أما عملية الاتصال فكانت تتم عبر مقسم يربط البيوت ببعضها حيث كان يعطى رقم متسلسل لكل بيت , بيت جدي كان رقمه 3 وآخر رقم وصل على ما أذكر إلى 55 , وما زلت أذكر موظف المقسم الذي كان يتنصت على المكالمات ويعرف من أسرار البيوت ما لا يعرفه حتى أصحابها .
وسائل اتصالات بدائية في مجتمع زراعي ما زال يحبو على أول طريق المدنية والتقدم , لم تكن المكالمة إلى عمان سهلة أبدا فقد كنا ننتظر أحيانا خمس أو ست ساعات حتى يأتينا الدور ويحن علينا السنترال بدقائق معدودة نختصر فيها كل حاجاتنا , وكنا إذا غادرنا المنزل إلى البطين ( لا أدري كم واحد منكم يعرف معنى كلمة البطين ) حيث تغدو المسافات فيما بيننا شاسعة بسبب ابتعاد أحدنا لملاحقة نعجة شاردة عن أخواتها أو قيام واحد آخر بالسطو على أحد مزارع الفقوس , كنا نضطر إلى التواصل عبر أصواتنا أو عبر الصفير بوضع كلتا اليدين فوق فك الأسنان السفلي وإخراج صوت يخترق مداه الآفاق .
هذا ما كنا نتقنه من وسائل الاتصالات وتلك كانت بساطة حياتنا .
اليوم تغيرت الأمور كثيرا , ثورة اتصالات مذهلة وأجهزة خلوية بعضها أرق من الشفرة وأخف من وزن الريشة , لم يعد بامكانك أن تختبيء من أحد فرقمك معروف ورقم المتصل معروف كذلك وعليه فان تجاهلك لأي مكالمة يعتبر تجاهلا للمتصل بعينه , الوسائل سهلة واستخراج رقم خاص لا يستغرق أكثر من دقائق معدودة ( نسيت أن أقول لكم أن أحد أقاربي انتظر سبع سنوات قبل أن تتم الموافقة على طلبه بإيصال الخدمة الهاتفية إلى منزله ) . وأهم ما في الموضوع أن جهاز الخلوي بات جزء لا يتجزأ من الشخصية , حتى الأطفال في الصفوف الابتدائية يمتلكون هذه الأجهزة وينشئون من خلالها عالمهم الخاص .
لكنني وبكل صدق وأمانة أشعر أننا كنا أقرب إلى بعضنا كثيرا في تلك الأيام الغابرة مما نحن عليه اليوم .
لماذا تقلص حجم الزوار في كافة مناسباتنا الاجتماعية , قدرتنا على مشاركة بعضنا في الأفراح تقلصت وإحساسنا باتراح الأهل والأقارب لم يعد موجودا . خذوا أعيادنا كمثال , فقد كنت أشاهد أكثر من ألف شخص في بيت جدي خلال الساعات الأولى بعد الصلاة , كان بعضهم يتجشم عناء السفر من شتى مدن المملكة ليكون حاضرا في صباح اليوم الأول من العيد , كنا نعلم بالضبط من سنشاهد ومن سنزور بدون مواعيد مسبقة وإجراء مكالمات خلوية للتأكد من جاهزية المضيف لاستقبال زواره , كانت الجاهزية في ذلك الوقت لا تعني أكثر من دلة قهوة تتلألأ في صدر المجلس وبعض حبات من التمر إلى جانبها صحن من السمن البلدي , كان الباب مفتوحا دوما والاستئذان لا يحتاج أكثر من طرقة خفيفة على الباب ثم دفشه والدخول مباشرة , اليوم بتنا نجري عشرات المكالمات قبل أن تتم الإجابة وأصبح تحديد الموعد دقيقا جدا والزيارات مختصرة وهامشية الهدف منها رفع العتب وأداء الواجب على مضض .
حتى الواجب هناك من تنصل منه واكتفى بتلك المكالمة الجافة التي يحسبها صاحبها بالثواني حتى لاينتهي الشحن من تلفونه .
فعلا ما أحوجنا إلى شحن أرواحنا من جديد بالألفة والمحبة , نحن محتاجون إلى بطاقات محبة تجمع قلوبنا وتوحدها , لقد أصبحنا في ثورة الاتصالات كيانات متباعدة فقدت أصالتها وابتعدت عن عاداتها الجميلة . رحم الله تلك الأيام فقد كانت أجمل من أيامنا هذه بكثير .
samhm111@hotmail.com
لا استطيع ان أنظر لتجربة التيار الوطني الحزبي في ظل المعطيات الاولية لها الا على أنها اجترار لتجارب سابقة من نفس اللون والطعم والرائحة , وعودة الى مفاهيم مشخصنة بعيدة كل البعد عن نبض الشارع وتحديات المرحلة .
ولأن الاجترار علامة على الخواء والافلاس , ورد الفعل لا يمكن ابدا أن يؤسس لنهضة او مرحلة تنموية , ولأن التجربة برمتها تدخل في باب الفعل السجالي .. أي الفعل الذي يهدف الى نقض الآخر وتهميشه دون ان يلتفت هذا الفعل الى عيوبه وتناقضاته الداخلية , فان المحاولة كلها تبدو يائسة وخروجها بنتيجة مفيدة هو أمر غير متوقع .
لقد آن لنا ان نقول كفانا شخصنة ودورانا في افلاك جاذبة لا تقبل أن تغادر الساحة ولا ان تخلي مكانها لطاقات جديدة أكثر قدرة على التعامل مع مفردات الواقع , هذه الطاقات الجديدة التي نبحث عنها قد لا تمتلك ما امتلكه الاخرون من نفوذ وسيطرة على مفاصل مهمة في المجتمع , وقد تكون لا تحمل من الالقاب والنياشين ما يؤهلها لأن تتبوأ مركز الصدارة في كل عرس وقرص , وقد تكون لا تدير شبكة من العلاقات الداخلية والخارجية التي تصب في أي نقطة محتملة ما عدا النقطة التي تتحقق من خلالها مصلحة الوطن والمواطن البسيط , الا أن هذه الطاقات التي نؤمل ظهورها لم تفقد بعد الثقة المتبادلة بينها وبين الشعب , وما زالت تفهم الواقع بناء على ارهاصاته الداخلية و بلغة الشارع البسيطة بعيدا عن لغة الاستثمارات واسواق المال والنظر الى الوطن على انه بورصة يتربع على مجدها المضاربون الاكثر قوة ودهاء .
لقد وجب عليكم أن تخلوا مكانكم للشباب , الشباب الذين يشكلون في الاردن ما نسبته 70 % من السكان والتحديات تطالهم اكثر من غيرهم , فهم الذين يكتوون بنار البطالة وهم الذين عاشوا تناقض المراحل التي جعلت ابسط احلامهم مستحيلة المنال , وهم الذين طالما عانوا من ابواب المسؤولين المقفلة وتعاليهم عن الالتفات الى واقع الشباب المر , وهم الذين نُظِر اليهم دائما على انهم ارقام انتخابية تضاف الى ما في الجعبة دون اي تقدير واحترام , سوى ما قد يتبادر الى ذهن المترف عندما يقف امامه فقير جائع . ربما لم يخض هؤلاء الشباب حروبا ومعارك قتالية لكنهم عاشوا وما زالوا يعيشون حرب اللقمة المفقودة وهمَّ البيت الذي لا يستطيع ربه ان يفي بابسط متطلباته .
الاحزاب والسياسة هي انعكاس لهذا الواقع , والوسطية يجب ان تقوم على مكاسب انسانية لا على تراكم للثروة والجاه والمنصب . لهذا فان الشخصنة التي نعيشها في الاردن تبدو واقعا بغيضا , وان تجربة كتجربة هذا الحزب الوسطي هي محاولة فاشلة لبناء الثقة مع مواطن فقد الثقة في مجالسه النيابية وحكوماته المتعاقبة ولم تعد رموزها وشخوصها تمثل له قيمة ذات معنى في معركته المستمرة .
أيها السادة , لقد بلغتم من الكبر عتيا وملكتم من الكنوز ما تنوء مفاتحه بالعصبة اولي القوة , فخلوا السبيل لغيركم وارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء .
قضية العشائرية سمة من أهم سمات مجتمعنا الأردني , إلا أننا نقع عند تناولها في مغالطات كثيرة تجعل الرؤى مختلطة وغير واضحة فتصبح الصورة ضبابية والقدرة على تلمس مكامن الضعف والقوة بعيدة المنال .
ولست أزعم من خلال هذا المقال أننا سآتي بالقول الفصل فيما يتعلق بهذا الموضوع , إلا أنني حاولت أن أتلمس بعض الملامح والتجليات معترفا بأنني حاولت خلال الأسبوعين الماضيين أن أتناول الموضوع أكثر من مرة فكانت أحباري جافة وأفكاري عصية , لولا ما استجد مؤخرا من أحداث جليلة سهلت توارد الأفكار وانتظامها .
منذ يومين فقدنا رجلا جليلا من رجالات الأردن هو الشيخ سامي العفاش العدوان , فقدناه مضرجا بدمائه وقد اغتالته يد رجل من بني عمومته الأقربين . ليست قضيتنا هنا أن نتدخل في موضوع الخلاف , وجل ما نستطيع فعله هو أن ندعو للفقيد بالرحمة وللقاتل بالمغفرة , فالقاتل والقتيل أردنيان من بني جلدتنا يمثلان عشائريتنا وروحها وتطلعاتها , لكن ما أريد قوله وما يصلح لأن يكون مدخلا جيدا لحديثي هو أن الشيخ سامي العفاش قد مثّل قلة باقية من شيوخ العشائر الأردنية تذكرنا دائما بشيوخ زمان التصاقا بالعشيرة وتكاتفا مع أبنائها .
لقد حدثت خلال العقود الأخيرة متغيرات كثيرة ألقت بظلالها علينا أفرادا وجماعات , فتغيرت مفاهيم وثبتت أخرى , مفهوم العشائرية أحدها وأهمها فهو محور الحديث خلال الفترة الأخيرة ومرمى سهام النقد من البعض . العشائرية شأن خطير فهل تناولناه حق تناوله ؟
يخلط الكثيرون أثناء حديثهم بين مفهومي العشائرية والعصبية فيتصورون أن هذا هو ذاك وذاك هو هذا , وحقيقة الأمر أن مفهوم العشائرية أوسع بكثير من مفهوم العصبية فهو يحتويه ويتعداه إلى جوانب أخرى تشكل المفهوم وتشرحه
العشائرية في الأردن على وجه الخصوص أسلوب حياة يتكون من توليفة واسعة من القوانين والعادات والتقاليد , هذه التوليفة أوجدت مجتمعا ذا شخصية واضحة وسمات بينة حتى قبل أن تحتويه دولة أو يخضع لسلطان , كانت العشائر في الأردن قادرة على أن تحل مشاكلها بنفسها وتفرض هيبة نظامها القضائي ومجموعة قوانين العقوبات والتشريعات الملزمة المشتقة منه , ربما لم تكن الأمور مثالية تماما ولا وجه لمقارنة صورتها بصورة مجتمع متحضر في القرن العشرين أوقرننا الحالي , لكننا هنا لا نقيم مقارنة بين ما كان قبل مائتي عام وما هو قائم الآن , نحن نريد فقط أن نقول أن العشائرية – ولا شيء غيرها - نجحت في ذلك الزمن الغابر في أن ترسي منظومة القيم الخاصة بها و توجد حدا أدنى من التنظيم المجتمعي و تشكل بنيانا ذا سمات واضحة وخصائص متطابقة .
فأين هذا من العصبية وضيق مجالها ؟ فالعصبية تتناول مجموعة محددة من الناس فتشكل قوة مركزية جاذبة تلغي كل شيء سواها لتفرض فهما خاصا وطريقة من الفعل ورد الفعل غالبا ما يكون العقل أول ضحاياها والرشد آخر اهتماماتها .
و لا شك أن للعصبية ايجابياتها وتجلياتها المهمة في أحيان كثيرة , فهي بحسب ابن خلدون الرابطة الرئيسية والآصرة المهمة التي ينبني عليها قوة الدولة وعنفوانها . فما دامت العصبية قوية فاعلة كانت الدولة قوية فتية , فإذا ضعفت قوة العصبية بدأت الدولة مرحلة الانحدار وانتابتها علامات الضعف والانحطاط .
كما أن العصبية شكلت خلال مراحل مهمة من مراحل التاريخ الإسلامي عامل قوة يخدم الفكرة الأعلى والأسمى , وذلك خلال الفتوحات الإسلامية حين كان يتم تقسيم الجيوش بناء على الانتماء القبلي , فهذا جند بني تميم وذاك جند خزاعة والى جانبه جند قيس وبكر ... الخ , أجناد قبلية عشائرية تخدم بعصبيتها المبدأ العظيم والرسالة السامية .
لقد استطاع المسلمون الأوائل أن يصهروا العصبية ويجعلوها في خدمة قضيتهم لا في الضد المقابل لها , وهنا تكمن عظمة الفكر الإسلامي وقدرته على استيعاب الواقع وتطويره , لا على نفي معالمه واجتثاث أسسه .
لكن المؤسف في عصور الظلامية والانحطاط التي نحياها منذ قرون عديدة أن العصبية قد عادت إلى مفهومها الجاهلي واستمدت من التعصب الأعمى طريقة الفعل والاستجابة لمعطيات الزمان والمكان , وهي ما دامت تتغذى على قرابة الدم والحلف مستبعدة من مجالها أي أواصر أخرى فإنها ستبقى إلى الغواية أقرب ولقول الشاعر أثبت :
وما أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وان ترشد غزية ارشدِ
نحن نربأ كأردنيين بعشائريتنا التي هي محل فخرنا واعتزازنا ودرة تزين رؤوسنا عن أن يتم اختصارها بهذا المفهوم الضيق من العصبية فيتم تصويرها على أنها ترجمة لروح القطيع وإلغاء للفكر والوجدان .
فلنعد إلى موضوع العشائرية لنتناول بعض إرهاصاته بين الماضي والحاضر ونقيم وضعنا بدلا من أن ندفن رؤوسنا في الرمال أو نخضع واقعنا لتنظيرات لا تجدي نفعا , كيف لا والعشائرية هي العقد الناظم لأفراد مجتمعنا الأردني بدوا وفلاحين وحضرا , وهي نظام منغرس في ذاتنا ومحاولة تجاهله أو تهميشه ضرب من ضروب الخيال والعبث .
لقد حدثت تغيرات كثيرة مست الإنسان من حيث هو قيمة مفردة , فتأثر المجتمع كله بما طرا على الفرد من تغير وتحول . أنه ارتباط دائم بين معطيات علم النفس والاجتماع والسياسة
زمان كانت العشيرة وحدة مترابطة من قمة هرمها إلى أدنى نقطة في القاعدة , كان الأفراد متساوين في حقوقهم والتبعات الملقاة على كاهل كل واحد منهم . أما الزعامة والمشيخة فهي تعكس صورة صادقة لسمات العشيرة وبنيانها الداخلي , وغالبا ما كانت الزعامة مغرما على حامليها أكثر من كونها مغنما وترفا , كانت الحياة صعبة والحاجة ماسة إلى أفراد يحتوون المجتمع ويقيلون عثراته , ولعلنا نعرف أسماء زعماء كثيرين غادروا هذه الدنيا مثقلين بالديون بعد أن أتلفوا أملاكهم خلال سنوات عمرهم استجابة لمتطلبات الحياة في ذلك العصر من كرم وشهامة وإغاثة للملهوف .
لم تكن المشيخة ميزة إلا بمقدار ما تتمكن من أداء وظيفتها في خدمة أفراد العشيرة وحمايتهم , ولم يكن ثمة تعال من طرف على طرف آخر , فالجميع في بنيان العشيرة الواحد أبناء عمومة وأنداد متساوون , وقد سمعت حادثة جرت لأحد شيوخ العشائر الأردنية في أربعينيات القرن الماضي , حيث كان هذا الشيخ الزعيم جالسا مع مجموعة من الرجال الغرباء عندما دخل عليه بعض أفراد قبيلته يطالب كل منهم بحاجات خاصة له بأسلوب قوي لا يخلو من الحدة والخشونة , عندها أبدى أحد الجالسين استغرابه من الطريقة التي يعامل بها هؤلاء الناس زعيمهم على الرغم من انه زعيم معروف وعلم من أعلام الأردن , فما كان من الشيخ إلا أن أجابه بالحرف الواحد " أنا شيخ على رجال , ما انا شيخ على عيال " .
تلك صورة نقية من صور العشائرية , التي نعود فنكرر ونقول أننا لا نهدف هنا إلى إجراء المقارنات ولا ندعي أن ما كان في أيام الغزو والنهب والسلب هو المثال الذي يعجبنا , بل نحن نحاول هنا التركيز على السمات الايجابية في ما كان في أعرافنا , وكيف تكاد هذه الايجابيات أن تضمحل اليوم فلا يبقى بعدها إلا الخَبَثُ والسلبية .
هذه الصورة العشائرية النقية اصطدمت ولا شك بالمتغيرات السياسية والمفاهيم الطارئة على شكل الزعامة وامتيازاتها .
فقد حصلت مرحلة انتقالية ظهر فيها مفهوم الدولة الجامعة , ودخلت عوامل جديدة على الخط منها الانتماء للدولة ومنها العلم ومنها الثقافة , وتغير شكل النشاط الاقتصادي ليتحول معظم أبناء العشائر إلى الوظيفة المرتبطة بالحكومة والتي تتطلب ميزات جديدة ومتطلبات خاصة للحصول عليها والارتقاء في سلمها الإداري .
لقد حصل تطور مهم في دور الزعامة ونوعية الخدمات المطلوب منها أن تؤديها .
ظهرت نخب جديدة في المجتمع , نخب متعلمة ذات نفوذ في أجهزة الدولة , فباتت محط رحال أفراد المجتمع ووسيلة تلبية حاجاتهم ورغباتهم . وبدا دور الزعامات التقليدية يتقلص وان لم ينحسر تماما حتى يومنا هذا , وبات المتنفذون في أجهزة الدولة هم الزعماء الحقيقيون بغض النظر عن أنسابهم أو انتماءاتهم العشائرية .
أصبحت الحاجة مرتبطة بالواسطة , والواسطة لا يقدر عليها إلا هؤلاء المتنفذون في الدولة بناء على مركزهم فيها , أو من استطاع أن يحافظ على مكانته من الزعامات التقليدية السابقة , أو أعضاء المجالس التشريعية من نواب وأعيان الذين أصبح دورهم الأهم هو تقديم الخدمات الفردية بدلا من الاضطلاع بدورهم التشريعي والرقابي في مجالسهم المنتخبة .
بدت الخدمات اقرب ما تكون إلى صفقات متبادلة , مسئول أو نائب يقدم للمواطن خدمة معينة كالتوسط له حتى يحصل على وظيفة ما أو يؤمن لأبنه مقعدا في احد الجامعات أو يسهل له الحصول على قرض من بنك أو معونة من احد الصناديق المختصة , على أن يحتفظ هذا المواطن بالجميل ليرده فيما بعد بأكثر من طريقة .
ما تقدم جعل من العشائرية قشة في مهب الريح , فبدلا من أن يتماسك بنيانها وتكون لبنة أساسية في دولة حديثة تحكمها القانون والمؤسسات , وبدلا من أن تتطور نواحيها الايجابية المتوارثة لتكون رابطة تجمع أبناءها برباط محكم من الشعور بالولاء للدولة أولا وقبل كل شيء .. بدلا من ذلك كله أصبحت العشائرية في كثير من صورها عبئا على كاهل الدولة واختفت بعدها الزعامات المجتمعية القادرة على الوصل والربط ضمن إطار متين من العدالة الاجتماعية تقره الدولة بنفسها وتفرض هيبته .
دخلت الواسطة والمحسوبية بديلا عن ذلك كله , وضاعت بعض من سمات العدالة الاجتماعية وعملت النخب على استغلال العشائرية استغلالا بشعا يهدف في النهاية إلى ترسيخ مصالح هذه النخب ولو على حساب العدالة والقوانين .
الخاسر الأكبر كان مفهوم الديمقراطية , هذا المفهوم الذي تم اختزاله في شيء اسمه الانتخابات , حيث باتت الانتخابات تنازعا على المصالح ووسيلة لتقوية الشوكة والنفوذ , بعض أبناء العشائر ممن مكنتهم ظروف تعليمهم من الارتقاء وامتلاك النفوذ أصبحت علاقتهم بعشائرهم واهية البنيان , فلا همُّ أقربائهم هو همهم ولا مفاهيمهم هي مفاهيمهم , بل أصبحوا ينظرون للموضوع نظرة حسابية ترمي إلى ملء الصناديق الانتخابية يوم الاقتراع بأصوات هؤلاء المقترعين المغلوبين على أمرهم والساعين إلى إدراك قوت يومهم وحاجاتهم الأساسية . ولا مانع لدى هؤلاء الواصلين من تقديم فلان على فلان وتجاوز أنظمة وقوانين الدولة - إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا - من أجل مصالحهم الانتخابية وعداداتها التي لا ترحم .
أما في أحيان أخرى وحسبما تقتضيه المصلحة الشخصية فقد جاملوا الحكومة على حساب المواطن فشاركوا في إقرار سياسات كثيرة أضافت إلى أثقال المواطن المسكين أثقالا جديدة .
ولم يتوانوا في كل مناسبة انتخابية عن الضرب على وتر العشائرية وتحويلها إلى عصبية مشتعلة تضع العشيرة أو الفخذ أو الحمولة في مقام الصدارة ومصلحتها ( التي هي مصلحتهم هم كأشخاص ) في مقام الأولوية بغض النظر عن تطابق هذا الموقف مع مصلحة الوطن و الجمهور أو عدمه .
لقد تحولت الديمقراطية عندنا إلى عملية دورية هدفها تثبيت بعض الزعامات عن طريق استغلال العاطفة العشائرية ثم إيجاد نواب خدمات قادرين على النفاذ إلى ما لا يستطيع غيرهم النفاذ إليه , بالزئبقية أو التملق أو الوصولية لا يهم , ولو كان ذلك على حساب القوانين والعدالة وحقوق الآخرين .
أما الأحزاب فهي لم تدخل اللعبة العشائرية من الأصل ولم تدرك كنه مفرداتها وحقيقتها , بل إنها أوجدت فجوة بينها وبين العشائرية جعلت كلا الطرفين يغني على ليلاه ولا مجيب .
فالأحزاب انقسمت إلى نوعين , نوع ارتبط بأسماء معروفة لرجال خدموا الدولة وارتقوا إلى أعلى المناصب فيها, فأحبوا أن يضيفوا إلى نفوذهم نفوذا جديدا والى أمجادهم مجدا يواكب العصر وتطلعاته . فكان هذا النوع من الأحزاب مشخصنا يكرس مصالح نفس الفئة المتنفذة المتغولة , وهو بالإضافة إلى ذلك غير قائم على أساس فكري مقنع أو رغبة صادقة بإصلاح أوضاع العشائر وغيرها من أطياف الشعب الأردني .
أما النوع الثاني من الأحزاب فهو نوع مؤدلج , قفز فوق المراحل دون أن يفكر في تهيئة الأساس لاعتناق مثله ومبادئه , واخص هنا بالذكر الأحزاب ذات الاتجاه الإسلامي والتي ما زالت على تباين مع العشائر , بل أنها اتهمت في أحيان كثيرة بأنها تحابي فئات معينة في الأردن على حساب فئات أخرى
وليس يهمني هنا صدق هذا الادعاء عن الإسلاميين من عدمه , بل يهمني وجوده ودواعي ظهوره ومبررات استمراره وإيجاده شبه قطيعة بين أبناء العشائر الأردنية وهدا النوع من الأحزاب .
خاتمة الكلام :
نحن نعاني كأمة من أمراض اجتماعية خطيرة , أقلها الفساد والرشوة والمحسوبية واللامبالاة والأنانية , إلا أن هذه الأمراض مستشرية في المجتمعات ذات الصبغة غير العشائرية بدرجة تفوق انتشارها في المجتمعات العشائرية والأمثلة كثيرة والحديث يطول , وعليه فان تحميل العشائرية وزر تراجعنا و أمراضنا الفتاكة هو تحيز ووضع للأمور في غير نصابها .
العشائر تعاني من نخبها التي انفصلت عنها قلبا وقالبا , ومشكلة النخب المنسلخة عن مجتمعاتها لا تختص بالعشائر فقط وإنما يعم بلاؤها كافة أطياف مجتمعاتنا ذات الطبقية القاصمة والتباين الحاد الذي تظهر آثاره في الفوارق المعيشية واللغوية والتعليمية والاهتمامات والتطلعات .
ليس هناك شك في ولاء الأردنيين وانتمائهم لدولتهم وتراب وطنهم فالعشائرية لم تقف يوما من الأيام حجر عثرة في هذا السبيل , والعشائر قدمت وافتدت وقامت بواجباتها خير قيام . إلا أن الذي يخشى منه هو تحول العشائرية إلى طقوس وشكليات , وخسارتها لجوهرها الأساسي المؤدي إلى خلق لحمة بين أبناء العشيرة الواحدة والعشائر الأخرى وصولا إلى وطن قوي متماسك , هذه الخشية سببها عدم فعالية القيادات المجتمعية القادرة على الربط والوصل وتنظيم الأمور .
هذه القيادات كانت في ما مضى شيوخا وزعماء أدوا دورهم بأمانة وإخلاص في ظل حياة بدوية جافة , كانت تلك الحياة قانونا طبيعيا محضا مليئا بالصراع من اجل البقاء والحفاظ على النفس والهيبة , فلما تطور الزمان وبرزت الحاجة إلى دور قيادي يمارسه المتعلمون والمثقفون من أبناء العشائر وذلك من خلال إيجاد شكل من أشكال العقد الاجتماعي الفاعل والمؤثر والذي يخلق لحمة بين العشيرة ككيان جامع ينبغي احترامه والدولة كمرجع أول تصب كافة الانتماءات في العمل على رفعته وتقدمه , وجدنا أن أكثر هذه القيادات المفترضة قد تاه في زحام المصالح الخاصة وبناء الأمجاد الذاتية . فتدنى مستوى الخدمات المقدمة لأبناء العشائر وواجهوا ظروفا اقتصادية صعبة وزادت أعباء الوطن والدولة فأصبح مفهوم الانتماء باهتا والأولويات في ذهن الفرد غير واضحة , وترك الوطن لحفنة المنتمين اسما لا حقيقة ومظهرا لا جوهرا .
هذا غيض من فيض العشائرية وقد تناولته بإيجاز فهو أوسع من أن تلخصه مقالة بسيطة كهذه , ومصاعبه التي يواجهها جزء بسيط من مشاكلنا الاجتماعية والسياسية التي تتعدد فيصعب حصرها , وخلاصة القول أن العشائرية ضحية وأبناءها مجني عليهم لا جناة .
وتستمر السلسلة، أمهات يلقين بفلذات أكبادهن بين العفن والقاذورات، ثم يولين ظهورهن وقد اغتيلت الإنسانية في مهدها وتلاشت أدنى المقومات التي من اجلها يكتسب الإنسان قيمة عليا بين المخلوقات. حاويات القمامة ودورات المياه العامة هي الحل الأمثل لتغطية نزوة عابرة جمعت مخلوقين تجردا من كل عقل وتقوى، فلم يسيرهما إلا هوى مضل وشبق تردى بهما إلى الحضيض.
هذا الفعل هو ثمرة الخطيئة، ذاك الفعل الإنساني الذي لم تستطع حتى أقوى الشرائع وأنقى المجتمعات أن تقضي عليه قضاء مبرما. فالخطيئة قديمة قدم الإنسان ومستمرة ما بقي هذا المخلوق (العلوي – السفلي) على وجه الأرض. لكنها في حالتنا هذه تكتسب أهمية خاصة. ليس لأنها بدعة استجدت في مجتمع ملائكي تخلص من شهواته ودنسه منذ زمن طويل، فنحن لسنا كذلك ولن نكون. بل لأن الهروب من ثمراتها يتخذ شكلا تعبيريا ينم عن مشكلة عميقة متجذرة في الثقافة والوجدان الجمعي، شكلا يتجاوز كل العوامل التي نتفق على دورها المحفز فقط. يتجاوزها ليلقي الضوء على ما هو أعمق من هذه المحفزات بكثير.
أما المحفزات فقد أشبعت تمحيصا وتحليلا فما عادت بخافية على أحد. بدءا بالتغييرات الديموغرافية في الاردن عامة وعمان الحبيبة بشكل خاص، مرورا بالمستجدات الاقتصادية الصعبة التي فرضتها ظروف اقليمية ودولية فتأجلت الاولويات وتفشى العنت النفسي، وصولا الى الحالة الغريزية التي يستثيرها الاعلام الهابط وفضائيات الغنج والخيبة. هذه العوامل وربما غيرها الكثير ساهمت في بروز ظاهرة من هذا النوع، ولكنها – ان اردنا أن نكون منطقيين - اتخذت دور المحفز فقط، ولن تقدم لنا إجابة منطقية على السؤال الذي يقول: ما هو السبب الذي يجعل أما تلقي بفلذة كبدها في حاوية القمامة أو دورة المياه العامة؟
هل يبلغ الخوف من الخطأ والفضيحة مبلغا يقضي على أجمل وأرق عاطفة انسانية فيدنسها، ويطور الاثم فيتردى به الى ما هو ابشع من النذالة والحقارة؟ فهذان الوصفان – النذالة والحقارة- يدخلان في نطاق الوصمات التي تطلق على البشر وبني الانسان، لكنهما في حالتنا هذه يقفان عاجزين لاننا نتحدث عما هو دون الانسان، بل دون احط المراتب في سلم المخلوقات.
هنالك شيء نفسي كبير يلعب لعبته، انه الخوف من العقاب والفضيحة والموروث الاجتماعي الذي يجعل خطأ من هذا النوع حكما مباشرا بالاعدام. اعدام جسدي في بعض الاحيان، واعدام نفسي يطال المحيط وكل من انتسب الى تلك البنت الآثمة بوشيجة أو صلة في الاحيان كلها.
ونعود هنا الى قيمة الانسان وقد انحدرت منذ زمن بعيد، فاستقوى العرف على كل شيء. على الدين والفكر والحرية، وطال الخلجات النفسية واسلوب التعبير عن المشاعر والوجدان. نحن كثيرا ما نلقي باللوم في تردي اوضاعنا على المستعمرين وأهل السياسة، لكننا نجهل ان هؤلاء جميعا لم يخترعوا شعوبا خانعة وأفرادا ذليلين. فقد تعاطوا مع واقع قائم لا مكان فيه للانسان الا ضمن ما ينسج حوله من اطار مقيد وتعاليم دينية أفرغت من مضمونها، ففقدت روحها وخضعت للعرف متناقضة مع نفسها وفاقدة الغاية من وجودها.
العرف أقوى من القانون والشريعة عندنا. هذا لا شك فيه، وهو وجه خطير يشي بتناقض فاضح في مجتمعات توصف بأنها متدينة وذات حظ عظيم من العلم والمتعلمين، لكنها عند قضية من هذا النوع ترمي بكل التعاليم الدينية والافكار المنطقية وراء ظهرها لتمارس العرف في صورته البشعة وتشارك في اطلاق رصاصة البغي، ليس على الضحية، بل على نفسها وقدرتها على مواجهة مشاكلها بصبر وشجاعة.
أما كيفية العلاقة المفترضة بين العرف والشريعة، فبينت في قوله تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما". فهذه المشاكل حلولها واضحة وبينت في الشريعة الغراء التي يفترض بالمؤمن ان يقدم احكامها على كل شيء بما فيه عواطفه وغضبه، هذا هو المفروض، لكن التزامنا بتعاليم الشرع كأفراد مقتصر على ما تقتضيه العبادات التي حولناها الى صور خالية من الروح. هذا وجه من أوجه العلمانية المستترة التي تقدح في ايمان العامة والخاصة وتؤكد أن الانسلاخ من الدين مستمر من قاعدة الهرم الى رأسه في مجتمعاتنا المعاصرة.
أما القانون الوضعي فهو يساهم في تفاقم المشكلة، وقد افرغ تماما من تعريف للزنا يتلاءم وما في المجتمع من محافظة وتقاليد. فالاجراءات الوقائية معدومة والعقوبات لا تطال أحدا ما دامت العملية تمت بالتراضي ولم تخدش الحياء العام ضمن مسافة مقاسة بالامتار بعدا او قربا من الشارع الرئيسي.
فهل يستغرب بعد ذلك ألا نواجه اخطاءنا الا بما تمليه علينا روح الفروسية الغابرة ايام كانت البنت توأد تحت التراب خوفا من عارها الذي قد تستجلبه لاهلها بعد حين من الزمن. دائما وأبدا الوأد هو السبيل المناسب للتخلص من المشكلة والعيش بسلام واطمئنان.
وهل يستغرب أن تبادر البنت الآثمة ومن ورائها أم محطمة الى دفن العار في اقرب المزابل درءا لما يفرضه هذا العرف الغاشم وبقايا روح الفروسية المستندة الى تراث العزة بالاثم، هذا ليس دفاعا عمن رضيت لنفسها ارتكاب الاثم والفاحشة، لكنه دفاع عن الانسانية والطفولة البريئة التي لم تجد ما يدثرها في نقائها الا مزبلة الخطيئة ثم العرف ثم القمامة.
ربما نكون قد ذهبنا بعيدا في هذا الكلام، لكننا لا نعالج حالة فردية ونؤمن تماما ان كل مجتمع معرض لحوادث من هذا النوع، فعالم الفضائل في هذا الوجود عالم غير مكتمل والآثام فيه مطلة برأسها في كل حين.
القضية تكتسب عمقها من الانسلاخ الواضح بين الفرد ومعتقداته والمتعلمين وعلومهم والقوانين وروحها انها حياة بأكملها على الهامش، هامش لا يبقي من الشرف الا هذه الصورة اليتيمة فيقدمها الانسان على كل شيء حتى على ايمانه والتزامه.
يُحكى أن شاعر الصين الأعظم في كل تاريخها " لي بو " والذي كان الصينيون يعتقدون أنه ملاك طُرِدَ من السماء , أراد ذات يوم أن يُقَّبِلَ صورة القمر المنعكسة على صفحة الماء الناصع في أحد الأنهار فانزلقت قدمه في النهر ولقي حتفه غريقا مستقرا في القاع البعيد .
وما بين صورة القمر المنعكسة على كل أديم وصورته الحقيقية في قبة السماء وقف الإنسان دائما ذات الوقفة ونشد نفس المعنى والهدف , فلم يظفر من أمانيه إلا بخداع الصورة وانزلق المنزلق ذاته جانيا على نفسه و تاركا الصورة على حالها للقادمين من بعده .
عجيبة رغبات هذه النفس وبعيد غورها , فهي طاغية في كل حال وخارجة عن الصواب والمنطق , هي دائما بين حالين :
أنفس متعلقة بزخرف موشى بداء الكبر والأنفة , لا ترى في الصورة إلا نفسها ولا تقيم لعواقب الأمور والمنزلقات قيمة , رغباتها شره ووعودها خداع وأغلاطها كفر بواح .
وأنفس أخرى على الهامش المستفيض جاذبية وأغراء , أمانيها سراب وغصاتها اختناق وأمراضها خُبث كامن .
أما الحبل الواصل بين النفسين فهو الكذب المبجل والقهر والغفلة , في خضم ذلك كله كذب الكاذبون واشتط المغالون وضاعت الألفة والشهامة , فأخذت الصورة زخرفها وازينت مؤذنة بقرب الهلاك وأوان العقاب .
أف للذات لا يكاد المرء يظفر بشيء منها إلا انقلبت في الحال مرارة وحسرة , وسحقا لأمنيات ما تمنيناها إلا وجدنا العقبات وأشواك الطريق حاضرة في كل خطوة , أف لقلوب قد خلدت إلى دعة وهوان وأُلقيت في ذل ونكوص , أف للأوصياء على أحلامنا تحدوهم جهالات السياسة وضلالات الرياسة , وهل التاريخ إلا كما وصفه فولتير بأنه السجل المستمر لجرائم البشرية وحماقاتها ؟
البشرية وحماقاتها .. ما ابلغ الوصف وأصدقه , تلك البشرية التي إذا ما قُدِّرَ لها يوما أن تكشف شيئا من الحُجُب التي غلفت الأبصار وتطهر الفضاء من أغشيته المتراكمة فتسعى طليقة نحو غايتها المنشودة , شدَّها وثاق قوي نحو قاع ذلك النهر فحكم عليها بالفناء والخذلان .. وثاق قلبه من حديد ويده من صوان .
لقد تهنا نحن معشر البشر في سعينا نحو الجمال فقد أضعنا الطريق من بدايته يوم استسلمنا لسلطان المرغوب فيه , ضجت الأرض منا لما أحلنا جنتها سوقا يسمسر فيها المسمسرون وينهب غلاتها قطاع الطرق والآثمون , وضعنا أنفسنا في متاهة التبرير والتسويف , رسمنا صورة الفضيلة فدنسنا اللوحة .. حكمنا على الأبصار بأن تزيغ وتطغى فعاش الأكثرون في محراب العمى المطبق و تلذذ الأقلون بغنائم الجباه الخاشعة والأرواح المتعبة , كم من أمنية في هذه المتاهة قد أزرت برجل , وكم من رجل أزرى بألف أمنية أو مليون , وما بين هذا وتلك كان ما كان وحصل ما حصل .
كثيرون لن يصدقوا هذا الكلام وسيجذبهم النهر إلى قاعه وتتملكهم عزة الآثام المبطنة , لكن هذا الوجه أينما التفت في هذا العالم فلن تخذله ظنونه ولن يرى إلا ما تعود عليه من زواق الخديعة وطنين الحناجر الجوفاء , فليكن ما يكن وليمض الركب إلى مستقره فاللقاء قريب والموعد أكيد .
وكثيرون غيرهم سيراهنون على برعم قادر على الإزهار كلما انقضت دورة فلكية , فانبعث شعاع الشمس ودبت الحياة في أوصال ارض أنهكها الجدب والعطش , فلنكن من هؤلاء ولنصر على هذا الرهان ولتخسأ الحياة من دونه .
زمان قال أحد الحكماء " لم أرَ قط إنسانا يحب الفضيلة بقدر ما يحب الجمال " , ويحَهُ أما علِمَ أن الفضيلة هي الجمال والجمال هو الفضيلة ؟
نسيت أن أقول لكم أن " لي بو " كان ثملا عندما انزلق إلى قاع النهر , ترى أين يقع الخط الفاصل بين الصحو والثمالة والذي علينا أن نحترس منه جيدا كي لا تخدعنا الصورة فنستقر في القاع ؟
سبحانك , أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل عليَّ غضبك أو ينزل بي سخطك , لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك .
هل يمكن اعتبار الصحافة في دول العالم الثالث سلطة رابعة ؟ أي سلطة مستقلة تمتلك باستقلاليتها ومقدراتها الذاتية تأثيرا في الشأن العام يناظر أو يفوق ذلك التأثير الذي تمتلكه السلطات الثلاث الأخرى مجتمعة . فبحسب التعريف الذي وضعه مفكرو عصر النهضة لم تكن الصحافة سلطة رابعة انطلاقا من كونها امتدادا للسلطات الأخرى تعمل معها بناء على إيقاعات مشتركة ورؤى متطابقة وتلتزم بخط هو إلى الجانب الوظيفي اقرب منه إلى الجانب الإبداعي الحر , وإنما كانت كذلك باعتبارها كيانا مستقلا يوازي ويناظر هذا الكل الآخر الذي يتكون من السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية . وعليه فقد انحازت باستقلاليتها إلى ركن موضوعي تمارس فيه دورا رقابيا حينا و توجيهيا حينا آخر ثم منقبا عن كبائر الأمور وصغائرها في كل ما يتعلق بالشأن العام وروافده .
هذه العلاقة المفترضة والمشوبة بالحذر دائما بين السلطة ( الحكومة ) والصحافة أوجدت منطقة رخوة جعلت الحد الفاصل بين الجانبين غير مستقر أبدا , وباتت الصحافة جهازا من نوع آخر تقوم مبررات وجوده على مقدار نزاهته وانحيازه لما يراه حقا وواجبا وطنيا يؤديه بتفان وإخلاص , سواء انصب هذا الحق في جانب السلطة وسياساتها أو اتخذ موقفا معاكسا لتوجهات الجانب السلطوي . فكانت جاذبية الصحافة وسحرها قائمة على هذه المنطقة الرخوة التي تترك كل الاحتمالات مفتوحة فلا تتقيد بموقف مسبق أو رؤية خارجية , فقط المعطيات المنطقية والمصلحة العامة هي التي تحدد في لحظة واحدة الجانب الذي سوف تنحاز إليه الصحافة وتقدم رؤيتها من خلاله .
في بلادنا العربية بشكل عام نفذت أجهزة الدولة وصاية من نوع أبوي على مختلف الأجهزة الإعلامية والعمل الصحفي , واستطاعت أن تجعل من هذا العمل سلطة رابعة متممة للسلطات الثلاث وليس مناظرة لها , فكانت الصحافة بذلك اقرب ما تكون إلى جهاز حكومي مبرمج ينفذ سياسات جاهزة ويتحدث باسم الجانب السلطوي ويتبعه تبعية مطلقة .
إنها بركات العهد العثماني البائد والأنظمة الشمولية التي اتخذت من شعار المعركة مبررا لكبت الحريات وتضييق الخناق على كل الآراء الخارجة عن خطها , فالمطلوب دائما هو رأي عام يتلقى ما تريده الدولة أن يتلقاه ويرى ما تضعه السلطة أمام عينيه , فالمجال لا يتسع بحسب وجهة نظرهم إلى أي صاحب رأي متطرف , وأولويات المعركة المزعومة تطغى على كافة الأولويات التنموية وأهمها تنمية المواطن عقليا وفكريا واحترامه .
لقد فقدت الصحافة نزاهتها , وباتت مطية لثلة من المطبلين و المزمرين أو السحيجة – على رأي الأستاذ هاني العزيزي – أولئك السحيجة الذين يشتغلون على الأزرار تماما مثل الروبوتات التي نراها في أفلام الخيال العلمي , فضاع المعنى كله وأصبح الواقع مخجلا والنتيجة ما رأيتم في تقرير منظمة " مراسلون بلا حدود " حيث تقبع ثلثا الدول العربية بعد المركز 120 , مما جعل صحافتنا العربية – والمواطن بالمحصلة - في واد وصحافة العالم في واد آخر .
أريد بهذه المناسبة أن أقدم تحية خاصة إلى عمون , فهي لم تنحز أبدا إلى أي جانب وكانت بحق صوت الأغلبية الصامتة , وهذا هو سر نجاحها وتقدم مرتبتها بين المواقع الالكترونية , وهو كذلك السبب الذي أثمر حالة صدامية مع بعض الجهات الحكومية , هذه الحالة الصدامية يبدو أننا لم نشاهد إلا الفصل الأول من فصولها , فالقادم معروف ما دمنا نتحدث عن سلطة رابعة حقيقية .
21/10/2007
هناك ارتباط وثيق بين أن تكون مبدعا حقيقيا صاحب فكر خاص وطريقة فريدة في النظر إلى الأمور , وبين أن تكون متمردا خارجا على القانون فتعيش حالة صدامية لا تجد منها فرارا . والمقصود بالقانون هنا ليس مجموعة التشريعات التي وضعت من اجل بناء مجتمع آمن متكافل , فالجميع يجيدون التحدث عن الجمال والعدالة ويتفننون في التنظير وصياغة الديباجات الجزلة الجامعة التي لو تم تطبيقها على ارض الواقع فستتحقق ألف مدينة فاضلة وتغدو الأرض جنة مزهرة , وإنما المقصود هو شيء من الأعراف الانتقائية والآليات الظالمة التي وضعت لتحافظ على حالة راكدة تخضع لسلطانها من هم غير قادرين على تجاوزها أو المساس بها دون غيرهم , وعليه فان طبيعة الأمور تفرض حالة التمرد التي يحياها أولئك الذين لا يرون من الخطوط الحمراء إلا ما اتصل بإيمان وثيق يعيشون من اجله أو غاية سامية يناضلون في سبيل تحقيقها .
الصعلكة , مصطلح فهم بشكل خاطئ وتردى في سلم المعاني حتى أصبح يشير إلى نموذج بشري معدم عار من سمات الشرف والمروءة , نموذج فاقد للغنى المادي والروحاني يعيش طفيليا على الآخرين ولا يردعه رادع من خلق أو شهامة . ولعلنا إن دققنا النظر جيدا وأزحنا الغطاء الكثيف عن أبصار أرهقها الاستسلام للأشياء الجاهزة فسنجد أن ما أسلفنا من وصف ( وليس مصطلح ) إنما هو يليق بكثيرين ممن يصنفون على أنهم أشخاص محترمون ذوو مهابة أو حصانة ترتقي بهم فوق الشبهات , عندئذ سنتجاوز مصطلح الصعلكة لنتحدث عن طحالب وطفيليات تنهش بنيان المجتمع وتستأثر بحق الآخرين لا لشيء إلا لأنها امتلكت بعضا من مفاتيح القوة والنفوذ , أما الصعلكة فهي شيء آخر ولعلها في خضم ذلك كله شرف ما بعده شرف .
ولقد درج بعض المتفيهقين الذين يحبون وضع الأشياء في قوالب متينة على أن يقرنوا الصعلكة بالسلب والنهب فأدرجوا رموزها ضمن حفنة اللصوص وقطاع الطرق , ثم برز قوم أبانوا أن للصعاليك فكرا ثاروا من خلاله على مجتمعات طبقية أكل القوي فيها الضعيف فانعدمت العدالة وانتشر الظلم والجوع , فالأعراف الانتقائية هناك طحنت الضعفاء والمعدمين ومهدت السبيل أمام الأقوياء ليزدادوا تخمة ويهرسوا الضعفاء أقدامهم .
لكن ما يجدر الوقوف عنده مطولا هو تلك العلاقة المتينة بين الإبداع والصعلكة , فالصعاليك كلهم شعراء تركوا لنا ميراثا ضخما من الشعر النقي العذب الذي تعلو فيه القيم الإنسانية وسمات الفروسية والرجولة , شعرهم هذا ثار على كل شيء حتى على أسلوب الشعر نفسه فقلَّ أن تجد فيه وقوفا على الأطلال أو فحشا وغزلا مسيئا , كان فيه أخلاقيات من مستوى عال وتفرد جعل من أولئك النفر يفضلون الجوع واستفاف تراب الأرض على أن يخضعوا لظالم متجبر أو يشاركوا في ظلم يقع على مسكين مغلوب على أمره .
كان عند أولئك الشعراء المبدعين انتماء ليس له حد إلى المجتمع وسعي مستمر نحو العدالة والفضيلة , كانوا في كل ما غنوا من اجله أبناء تلك الصحراء اللاهبة وأصدقاء قطعان المها وأسراب القطا , أحبوا الأرض والناس فغدوا صعاليك ثائرين . وإنها لمن اكبر المفارقات في هذا الوجود أنك إن أحببت شيئا فان سبيلك الحقيقي للتعبير عن حبك له هو أن تثور عليه .
دعونا من الحديث عن تاريخ شعراء الصعاليك ولنقف موقفا من أنفسنا لأننا امتداد للتجربة نفسها وان اختلفت الظروف والمعايير , فنحن بكل علمنا وتفوقنا ومناهج بحثنا واتصالاتنا ما زلنا نحس بحاجتنا إلى الصعلكة , بل إلى الثورة ليس على تقدمنا في المجالات المادية وإنما على تلك السنن التي لا تتغير , حيث القوي يأكل الضعيف والغني في ازدياد والفقير في انحطاط , نحن نتكلم هنا عن الروحانيات وموازين العدالة وأصحاب المواهب الذين مكنتهم ملكاتهم وسعة اطلاعهم من تكوين موقف خاص من كل الأشياء المحيطة بهم , مسؤولية الإبداع وأهله أمام ما يرونه من آثام وجرائم وعالم غير آمن وضحك على العقول واستخفاف بالإنسان , ربما تكمن مشكلة أولي الألباب في احد أمرين , فهم بين من آثر الدعة والطمأنينة وبين من وضع نفسه في مكان غير مكانها فلم يعرف قيمة الجوهرة الثمينة التي امتلكها , نحن أحوج ما نكون إلى من يضع نفسه في مكانها ولا يعتبر الشهرة وثناء الألسن مقياسا للنجاح من عدمه , نريد مبدعين حقيقيين يقفون من الكون والإنسان موقف الضمائر الحية التي تضع مصلحتها وراء تلك الخزعبلات المادية التي لن يظفر منها امرؤ إلا بمترين من القماش الأبيض يرافقانه تحت أديم الأرض فيبليان بعد وقت قصير .
الناس هذه الأيام مشغولون بأشياء كثيرة , بعضهم أرهق نفسه بمتابعة الانتخابات وترشح فلان وانسحاب علان , ولنسأل سؤالا واحدا يقول : أين يمكن أن يجد المواطن نوابه الحقيقيين ؟ هناك تحت القبة ؟ أشك في ذلك فالمؤمن لا يلدغ من جحر واحد خمس مرات . النواب الحقيقيون موجودون في مكان آخر , إنهم هنا على صفحات المنابر الحرة , نواب وقفوا ويقفون أمام ضمائرهم موقفا لم يرحمهم فوضعهم أمام واحد من أمرين : فإما أن يجرفهم سيل المعتاد من الأمور فيضيعوا مع الجمع الضائع , وإما أن يكونوا علامات فارقة تماما مثل أولئك الصعاليك القدماء , يصعب تجاوزهم ومجابهة أفكارهم وإخلاصهم .
ربما على كل مبدع وصاحب قلم إذا أراد أن يكون علامة فارقة أن يفكر في أن يكون صعلوكا نبيلا .
1/11/2007
يقول أحد الحكماء المعاصرين : إن ما نجيد معرفته هو ما نجيد الحديث عنه . والحديث المقصود هنا هو تلك الكلمات التي نصف بها الأشياء بناء على صورتها في أذهاننا , تلك الصورة التي يكوِّنها واقع الأشياء من حولنا وقدرتنا على التخيل والاستنتاج .
الداعي إلى هذا المقال حدثان منفصلان يبدوان غير مترابطين إلا أن بينهما صلة يلحظها المدقق في واقع الأمور , خلاصتها أن هناك مشكلة نعانيها نحن معشر العرب المعاصرين في ربط تلك السلسلة المفترضة لتكوين الأفكار واتخاذ المواقف , الواقع .. الذهن .. الوصف بالكلمات , مشكلة ضخمة ينبني عليها جزء عظيم من تخلفنا وتراجعنا .
فقد كشف البيت الأبيض عن وثيقة سرية يعود تاريخها إلى العام 2004 وصف فيها وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد المسلمين بالخمول والكسل , وقال إن اعتمادهم على الثروة النفطية جعلهم يأنفون من ممارسة العمل الجسدي ويستقدمون عمالة أجنبية من الهند وكوريا وغيرهما بينما أبناؤهم خاملون عاطلون عن العمل .
واللافت في الأمر ليس تصريحات رامسفيلد التي لا يشك منصف في صحتها إذا طُبِقَتْ على مناطق معينة في العالم الإسلامي ولم تُترك هكذا مطلقة شاملة , لكن الملفت هو طريقة ردة الفعل والكتابات التي اعتبرت التصريحات اهانة ما بعدها اهانة ورامسفيلد متجنيا علينا بل ممارسا أحقاده الدفينة , هذا هو كل ما فهمه أو أراد أن يفهمه أصحاب رد الفعل الذين تغاضوا عن مكامن الداء وظنوا أن الرجل قد هبط بفكرته هذه من المريخ هادفا من خلالها إلى تشويه صورتنا والنيل من كرامتنا .
هذا الكلام الذي احتوته ردود الأفعال بني على أفكار بينها وبين الواقع الحقيقي بون شاسع ومعظم أصحابها قد أغضوا الطرف عن الحقيقة المرة والواقع الذي يؤكد كل كلمة قالها رامسفيلد , فبقي الواقع وسيبقى إلى ما شاء الله كما هو , دون تغيير أو تبديل , أما خطبنا المنبرية فسيهدر أصحابها ويرغون ويزبدون دون أن يقدموا شيئا لأنهم لا يجيدون الحديث عن الواقع بل لم يفهموه ولم يحظ من اهتماماتهم بوقفة موضوعية فاحصة , ورحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي حتى لو كان عدوا مجرما فعداوته شأن آخر وموضوع مختلف .
أما الموضوع الثاني فهو الشعارات الانتخابية المجانية حين يصبح الكلام سهلا واللعب على القضايا الكبرى سلما لتحقيق المآرب والشهوات . وربما لن يستطيع المرء أن يضيف الكثير بعد مقال الأخ فايز الفايز حول مهزلة المقرات الانتخابية , إلا أن ما يلفت الانتباه في تلك المقالة هو وصف معظم كلام اللقاءات الانتخابية بالقيء , وهذا لعمري وصف بليغ للكلام الذي لا يجاوز الحناجر ولا يُبنى على أسس سليمة .
فالواقع هنا في واد ومطلقو الشعارات في واد ثانٍ , فإذا ما علمنا أننا نعيش في زمن العالمية " بدلا من العولمة " , وأن انتقال المعلومة وأساليب البحث والإحصاء قد أصبحت سهلة المتناول وغدت آلياتها قادرة على إعطاء صورة حقيقية فيما يختص بأي قضية موضع البحث والنقاش , عليه يحق لنا أن نتساءل ونقول : أين الحد الأدنى من المنهج العلمي والمعلومات الموثقة في ما تبنى عليه شعارات المرشحين وبرامجهم ؟ أين المرشحون الذين استعاضوا عن البرامج التقليدية والخطب المنبرية ببرامج قائمة على أرقام ومعطيات من ارض الواقع ؟ بل أننا نخمن بناء على ما نشاهده ونسمعه أن أكثر المرشحين لا يعرفون شيئا عن مديونية الأردن الخارجية أو متوسط دخل الفرد ومعدلات النمو السكاني , حتى الذين ينبرون للحديث عن البطالة فان كلامهم لا يعدو كونه جملا منمقة لم تحتوِ في أي منها رقما أو معلومة تشير إلى اجتهاد صاحبها في صياغة برنامجه وقدرته على إقناع الناخب ذي العقل الراجح , على فرض أن هذا النوع من الناخبين موجود بشكل كاف على خارطة الانتخابات .
هنا نحن لا نظلم المرشحين أو نتعمد الإساءة إليهم , ولكن أين هذا كله في برامجهم الانتخابية ولقاءاتهم الجماهيرية , ألا يحق لنا أن نبحث عن مرشح يبرهن لنا أنه يفهم الواقع كي نتيقن أنه يطلق شعارات واقعية يؤمن بها ويسعى إلى تحقيقها . علما بأن هذه التساؤلات ليست دعوة إلى التعقيد وإرهاق العامة بالأرقام والتحليلات الرياضية , لكننا نبحث عن الحد الأدنى والبرهنة فقط على أننا نفهم ما ندعو إليه .
على مرشحي هذا الزمان أن يطرحوا برامج مؤسسية منهجية , فكل كلام في انتخابات 2007 غير قائم على دراسات متينة هو محض هراء ولعب على العواطف والتناقضات , كلام صلته بالواقع مقطوعة لن يأتي بجديد ولن يمكننا من إفراز مجلس نواب نفتخر به .
6/11/2007
كان من المفترض أن يكون عنوان هذا المقال هو " المال السياسي " تماشيا مع المصطلح الذي شاع في الآونة الأخيرة والذي هو – كمصطلح - صناعة أردنية بحتة , لكن الرغبة في الوصول إلى درجة اكبر من الدقة فرضت أن يكون عنوان حديثنا هو " المال الانتخابي " . فالحديث بمجمله يدور حول العملية الانتخابية وتجلياتها , والانتخابات كما تعلمون جزء صغير من ممارسات السياسة وعالمها الواسع . كذلك فان الملاحظ في الآونة الأخيرة أن إضافة الأشياء إلى السياسة باتت وسيلة للترهيب وخلق حالة من التوجس تجاه هذه الأشياء , الإسلام السياسي .. المال السياسي وما قد يجدُّ بعد الآن , كلها مصطلحات تثير الرهبة , ولا ندري في حقيقة الأمر أهي رهبة من المنعوت ( الإسلام , المال ) أم رهبة عميقة الغور في وجدان المواطن العربي من النعت المشترك ( السياسة ) .
المال الانتخابي اصطلاحا هو تلك العطايا النقدية أو العينية التي يغدقها مرشح ما على فئة من أبناء دائرته الانتخابية بهدف استمالتهم إلى جانبه والحصول على أصواتهم يوم الاقتراع , وهو بهذه الصفة اختزال لجميع متطلبات النجاح وعوامله في عامل واحد هو المال , وسير بالعملية الديمقراطية نحو طريق يستثني المصلحة العامة وكفاية المرشحين ليفرز بالنتيجة مجلسا هشا ونوابا بعيدين عن هموم الوطن والمواطن .
والملاحظ في موضوع المال الانتخابي أننا نميل إلى اتخاذ المنهج التقليدي في نقد الأمور , فنقول أن ما يحصل هو شراء للذمم ورشوة لضمير المواطن , و رغم أن هذا الكلام لا غبار عليه إلا أن تناوله لن يقدم أو يؤخر شيئا في موضوعنا هذا ما لم نقترب وندقق النظر أكثر لنعلم ما هو المال وما هي الأشياء التي يمكن شراؤها به .
المال مضافا إلى البنين هو زينة الحياة الدنيا ووسيلة الإنسان إلى تلبية احتياجاته والحفاظ على كرامته , وهو كذلك أحد الأولويات الخمس التي سعت الشريعة إلى صونها والمحافظة عليها . أما مكانة المال قياسا إلى الأشياء الأخرى فهي متقدمة جدا في سلم الأولويات بحيث تغدو الأشياء التي تتقدم المال قيمة وأهمية - كالدين والروح والولد والوطن والكرامة والضمير والعقل - قليلة جدا ويكاد يتفق عليها معظم البشر على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم .
كذلك فان مما يتقدم المال أهمية وتستعصي قيمته على عمليات الشراء والبيع هو المكتسبات , والمقصود بالمكتسبات ما يصل إليه الإنسان بجهده وعرقه ونضاله فيصبح ذا مكانة عزيزة على النفس ومصدرا من مصادر الفخر والاعتزاز . وغالبا ما ترتبط هذه المكتسبات بقيم مستمدة من الأولويات التي أسلفنا ذكرها في الفقرة السابقة , فالديمقراطية مثلا مكتسب يحققه المناضلون في سبيل الوطن ومصلحة الجماعة بعد أن تدفع الشعوب ثمنه من دمائها وفلذات أكبادها , لذلك كانت الديمقراطية الحقيقية عند أصحابها مرجعا ومكتسبا ثمينا تهون كل الأشياء في سبيل المحافظة عليه ولا مجال فيه للمساومة المادية .
هنا نستطيع أن نفسر ما يجري من عمليات شراء وبيع في انتخاباتنا البرلمانية , ونستطيع كذلك أن نفسر هذا التناقض الذي يحيرنا للوهلة الأولى عندما نتحدث عن مواطننا صاحب الضمير النقي والكبرياء والأنفة , فحب الأردنيين لوطنهم مضرب الأمثال وولاؤهم لترابهم سمة بارزة من سماتهم , فما الذي يجعل فئات كثيرة منهم ترضى هذا الهوان وتقبل الثمن المادي فتعطي الصوت لمن لا يستحق ؟
السبب هو ضياع القيمة , فالديمقراطية عندنا ليست مكتسبا غاليا , إنها بضاعة هبطت علينا من السماء وهبة يراها بعض أصحاب القرار تلميعا و تجميلا لصور الفساد , هي عند المواطن ألعوبة لا يدرك لها قيمة حقيقية فهو لم يتعب من أجلها ولم يفرضها بناء على احتياجاته وتطلعاته . وهي عند المسئول حجاب يمكنه من تغطية سوءته وتمرير برامجه .
وقد يقول قائل إن الوضع الاقتصادي الصعب يساهم في تغذية هذه النزعة فيجعل المواطن مغلوبا على أمره أمام إغراء المال وسطوته , هذا كلام صحيح لكنه ليس مبررا لهذه الحمى الشرائية المجنونة ولن يكون ذا أثر فيما لو كانت الديمقراطية مكتسبا أهميته متجذرة في وجدان الإنسان وضميره .
ربما علينا أن نفكر جيدا في صنع ديمقراطية خاصة بنا , فهذا النوع من الممارسات يبدو أنه مفصل على غير مقاسنا , نحن بحاجة إلى أن نعرف همومنا ومكامن الضعف في مجتمعاتنا ثم ندرس تاريخنا وتراثنا وتجارب الأمم الأخرى جيدا , قبل أن نقدم في النهاية على الاتفاق على شكل الديمقراطية التي تناسبنا والتي ستكون عندئذ غالية جدا على قلوبنا فلا يمكن شراؤها بالمال أو غيره .
10/11/2007
الصمت كما يصفه أحد الحكماء العرب هو ذاكرة المغلوبين ، وتطبيق هذا التعريف على النصف الصامت في انتخاباتنا النيابية الأخيرة ، جدير بأن يؤدي بنا إلى استكشاف بعض ما تختزنه هذه الذاكرة من عوامل جعلتها تلتزم الصمت والحيادية في حقها الذي كفله الدستور والقانون .
علينا إذن أن نستنطق الصمت ونبحث في غياهب هذا العقل الجمعي لنقيِّم الموقف ، ثم لا نقع في نفس الشَرَك الذي اعتدنا أن نقع فيه دائما .. أقصد مخاطبة الأغلبية الصامتة قبل موعد الاقتراع ثم لفظها من الذاكرة نهائيا إلى أن يحين موعد جديد .
اعتبار الصمت سلبية هو تغاضٍ عن المشكلة وتبسيط لها إلى ابعد الحدود ، فالصمت موقف والذاكرة خزانته ، وما يبدو اليوم راكدا قد يصبح غدا متلاطم الأمواج ما دام محتفظا بهذه الذاكرة الغنية . واختيار هذا الموقف ينبئ أن هناك هوة واسعة بين شريحة كبيرة من المواطنين ومجلسهم النيابي , هذا إذا أردنا أن نحصر الموضوع بالمجلس ولا نلتفت إلى الموقف الأساسي من الديمقراطية نفسها , هذه الديمقراطية التي هي فاقدة لأجلِّ معنى من معانيها .. معنى المشاركة القائم على شكل من أشكال العقد الاجتماعي أو الميثاق الفاعل الذي تُصاغ بنوده وتُحدد أطرافه بكل وضوح وشفافية , فيلتزم كل بواجباته قبل أن يطالب بحقوقه ويسعى باتجاهها .
غياب هذا التعاقد وضبابية الرؤية وإحساس المواطن بالتهميش ودفعه باتجاه الموازنات العاطفية أو المصلحية في قراره الانتخابي ، هذه كلها جعلت من عملية الانتخاب في نظره عملية غير ذات جدوى ، وجعلت ماهية المجلس المنتظر تحصيلا حاصلا لن يقدم الصوت فيه شيئا أو يؤخر . فإذا لم يكن هذا المقترع من أهل الموازنات العشائرية العاطفية الراغب أصحابها بكيد الأعادي , أو لم يكن من جماعة المصالح القريبة أو بعيدة المدى , وان كان لا يمتلك سلما يمكنه من الارتقاء والتعلق بأحد هذه الحيتان رغبة منه في إصابة شيء من فيض عطائها , عندئذ سيشعر أن ذهابه إلى صندوق الاقتراع هو ضحك على نفسه ومضيعة لوقته الثمين أو غير الثمين .
ولنا أن نعود – كي نتأكد من ارتباط الموقف بالذاكرة – إلى ما تختزنه هذه الذاكرة من صور باهتة عن النواب السابقين إلا من رحم ربي ، فالجفاء والتعالي ونسيان الناخبين سمة بارزة تختزنها تلافيف الذاكرة , هذه الصورة عبرت عتها مئات المقالات والحوارات في المنابر ذات الصفة الحرة أو غير الرسمية . وتبرز كذلك صورة الأداء غير المرضي للمجالس المتعاقبة ولا سيما المجلس الأخير الذي تعرض أداؤه إلى نقد مباشر من رأس الدولة جلالة الملك , ويبرز أيضا غياب التخصص والمؤهلات اللازم توافرها في من يريد أن ينبري لأداء مهمة النيابة , وارتباط وظيفة النائب بالخدمات مما يحيل المجلس إلى صورة من صور المجالس البلدية حينا و المشيخات القادرة على النفاذ وتسهيل ما لا يمكن تسهيله بالقانون حينا آخر . هذه الملفات المطبوعة في ذاكرة المغلوبين على أمرهم مؤداها شيء واحد هو السلبية ، لكنْ السلبية القائمة على مبررات لا على كسل وبلادة عقلية .
هنا نريد أن نقول شيئا واحدا , إن التجربة تستحق الاحترام وواجبنا جميعا كمواطنين منتمين هو دعمها والارتقاء بها والوقوف إلى جانب صاحب القرار في ما انتهجه وسعى إليه , هذا هو هدف النقد الذي يبدو قاسيا في بعض الأحيان , إلا انه لا يعني التقليل من شان التجربة أو محاربتها . المطلوب هو التطور والجدية في النظر إلى الأغلبية الصامتة ، فنسبة 46% قادرة على قلب الأمور رأسا على عقب في ما لو قرر نصفها فقط أن يتخلى عن صمته ويستخدم حقه الدستوري . تفعيل الأغلبية الصامتة في انتخابات 2011 يبدأ طريقه من اليوم , وذلك بالتحرك باتجاهها ومناقشة قضاياها ومعرفة جوانب الخلل المؤدي إلى عزوفها عن المشاركة .
الإخوة النواب الكرام : تذكروا دائما أنكم أمام أمانة عظيمة ملقاة على عاتقكم ، واعلموا أن قاعدتكم الانتخابية تتكون من الذين اقترعوا والذين لم يقترعوا , فلا أقل من تخرجوا من الغنيمة بالإياب وحسن السيرة , لأن الذاكرة الفردية قد تنسى وتمحو أما الذاكرة الجمعية فلا تنسى شيئا أبدا .
السادة أصحاب القرار : الديمقراطية حق لا مجال فيه للنقاش أو المنة , لكنه عندنا – ويا للأسف – يُفهم على أنه عطاء وتفضل , أما والحال كذلك فليكن عطاء مفتوحا لا عطاء مشروطا خاضعا لأدق الحسابات وأعقدها .
23/11/2007
كتب هذا المقال في 27/11/2007
يبدو أن الإسرائيليين هم أكثر الأطراف واقعية في تعاطيهم مع اجتماع انابوليس المزمع عقده خلال الأسبوع الحالي ، فتسلسل الأحداث والتصريحات المتتابعة تشي بعدم الجدية وانخفاض سقف التوقعات والآمال المعلقة على المؤتمر خصوصا وأنه يقام في مرحلة العد التنازلي لعمر الإدارة الأمريكية الحالية ، هذا ما صرح به شمعون بيريز بكل عقلانية وقوة وصراحة ، وتلك هي الحقيقة نفسها التي ترفض الأطراف العربية قبولها تطبيقا لصورة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال .
فلسطينيا ، الرئيس محمود عباس في اضعف موقف يمر به منذ توليه منصب الرئاسة ، فغزة في زمن والضفة في زمن آخر . حتى فتح أصبحت شيئا وكتائب شهداء الأقصى شيئا آخر , والسلطات الفعلية تكاد لا تتعدى بعض الشكليات التي تستلزمها طبيعة المنصب المذكور . أما إذا أردنا أن نجري مقارنة بين ما كان مثلا في أيام أوسلو يوم كان عرفات قادرا على تقديم التنازلات ، فتنازلات عرفات كانت تعكس شخصية قوية على الصعيد الداخلي ، شخصية ينظر إليها بعين الجدية من قبل الطرف الآخر ، أما عباس فحتى تنازلاته لا تعني شيئا للإسرائيليين لأ