11 كانون اول, 2009
ثمة الكثير مما يشغلني.. ويشغل كثيرا من الناس.
العمل الذي لا ينتهي.. اخبار السياسة والأزمة الاقتصادية والأوبئة والتفجيرات والقتل والسحل والنحر.
امور العائلة وحاجاتها التي لا مناص من تلبيتها. مشاريع مستقبلية.
آمال احاول تحقيقها.. احلام. (احمد الله انه ما زال بمقدوري ان احلم).
زحام.. ولهاث وركض لا ينتهي، لتسديد قرض بنكي وفواتير الخدمات الاساسية.
اعيش حياة على عجل.. كاني في سباق… لا تنثني. ولا توقف فيها.
لماذا احدثكم عن كل هذا؟..
اليوم.. مررت بشارع هادىء.. تظلله اشجار وارفة. لا ادري كيف دلفت اليه. كنت في طريقي الى البنك في ساعة الزحام ابحث عن موقف لسيارتي. حين استرعى الشارع انتباهي لوقفة.
فككت حزام الامان وتطلعت حولي.. تنشقت الهواء صرفاً، وزفرت زفرة حرى. فجأة..ادركت كم هذا الشارع مميز.. هادىء. مشجر.. لا يكتظ بالبيوت العتيقة.
فكرت .. يا الله بامكاني ان ابقى فيه لسنة. :سنة .. نعم؟. انا بحاجة لسنة اقتطعها من عمري، اقبع فيها في غرفة لفندق عتيق في ذياك الشارع. انقطع عن العالم، اقرأ.. واراقب من طرف خفي العابرين في شارع منسي من الزحام.
تذكرت.. كم حلمت في مراهقتي ان اسكن فندقا عتيقا في شارع في بيروت او عمان او دمشق او القاهرة، اتابع.. بشوق مستحيل، اثار الزمن على جدران البيوت والمحال والناس. واكتب واقرأ حتى.. الثمالة.
تذكرت ايضا “ماو تسي تونغ” الذي امضى سنوات قابعا في مكتبة.. وقال انه لو لم يصر رئيساً، لفضل ان يبقى هناك كائنا قارضا لكل انواع الكتب.
طبعا.. حين صار بامكاني ان اقطن في فندق الاحلام.. اصبح مستحيلا ان افعل. فقد اخذتني الحياة.
مثلما اخذتكم. احسست انني غير قادر على استرداد مشاعري في شارع كهذا.. وأن ما افكر فيه محض ترف، ترى افقدت بوصلتي!؟ ام اننا اعتدنا ان نغض الطرف عن احلامنا الجانحة عن معترك الحياة اليومية.. ونطأطىء رؤوسنا انكسارا وهزيمة. ونعيد بايدينا قيود المسؤوليات الى معاصمنا؟.
حين غادرت المكان.. ظلت ثمة وخزة في حلقي. فقد كنت اعرف ان مواكب الحياة اوسع من افق البنك والعمل والمسؤوليات. وأن مواكب الحياة لا تنتظر..!
05 كانون اول, 2009
تثير كآبة الطرقات الغارقة في الظلمة والمطر رعشة في أعماقه الراكدة.
عابرون يحثون الخطى في مساء آخر عابر.
أضواء سيارات شاحبة.. وشوارع تندلع على أرصفتها قطرات المطر.. تئن بحشرجة وئيدة كنهايات لحن حزين .
أشعل لفافة تبغ يداري عود ثقابه، راكناً ظهره إلى سيارته.. رنا، إلى نافذة في مكتب قصي، لم تزل مضاءة في هذا الوقت المبكر من المساء.
خلفها.. لاحت في ضوء البرق، ترنو، ضامةً يديها إلى صدرها.. إلى مطر.
ود لو ينهمر على وجنتها بقبلاته .. لو يضمها بين جوانحه.
بدا.. بمعطفه المطري وسحنته المشتتة كمسافر أرهقه سفر بعيد.. كطير مهاجر، حط متكسرا، مع المطر، على شارع.
لم تنقضِ سوى دقائق.. لحظة انطفأ النور في النافذة المشرعة على المساء والشوق والمطر.
دق قلبه بسرعة لحظة رأها تنسل مع زميلتها في الزقاق، بحركة عجلى. ودعتها سريعاً في مفترق الشوارع. وسارت إلى حيث يمكن تأمين تاكسي بشكل أفضل.
تردد ثوان.. نده بصوت أجش: غالا..
تطلعت صوبه. رجلاه تغوصان في انكسار ضوء عامود الإنارة ووجهه قابع كشبح مجهول في العتمة.. وصوته.
” أيعقل..”!؟.
هدر السؤال في ذهنها على حين غرة.. فارتعشت كناي!
لم يجد بداً من أخذ زمام المبادرة . سار متقدمًا منها بخطى وئيدة..تاركاً ظله في حفرة الماء..!انتصب أمامها، دون رتوش، كائناً من ظلال ومطر..
قال
:كم عام..
كم سنة..؟
أيقنت صوته الذي مرّ عاصفاً كزمجرة ريح بين أغصان صقيعية. حارت بما تجيب. الجمتها المفاجأة. وعقد لسانها اللا توقع..!
تابع
: كيف أنتِ؟
ظلت تتطلع اليه بعينين مجمرتين وقلب تتناهبه الريح والبرد والوحشة.
تراجع خطوة..
لحظت خطوته، بيّد أنها بقيت مسمرة نظرتها على وجهه. والدمع الذي تساقط مختلطاً بقطرات المطر.
تقهقرت خطوة.. مترددة، موشكة على الترنح.
لحظة فاه أخيراً
:لعلنا لم نلتق..
لعله ليس لقاءً..
الوداع.………………………!!
سار عائداً، في ثوبه الليل والشتاء والآلام.. باتجاه سيارته.
أدار المحرك..
وانطلق بسرعة غاضبة.. طاشاً بقايا قطرات الماء في الحفرة على الرصيف المقابل.
اختفى.. في مدى الشارع..
وتساقط المطر ..
