مدونة خالد أبو الخير

شـــراع  ..!

مواكب الحياة

ثمة الكثير مما يشغلني.. ويشغل كثيرا من الناس.

 العمل الذي لا ينتهي.. اخبار السياسة والأزمة الاقتصادية والأوبئة والتفجيرات والقتل والسحل والنحر.

 امور العائلة وحاجاتها التي لا مناص من تلبيتها. مشاريع مستقبلية.

آمال احاول تحقيقها.. احلام. (احمد الله انه ما زال بمقدوري ان احلم).

 زحام.. ولهاث وركض لا ينتهي، لتسديد قرض بنكي وفواتير الخدمات الاساسية.

 اعيش حياة على عجل.. كاني في سباق… لا تنثني. ولا توقف فيها.

لماذا احدثكم عن كل هذا؟..

اليوم.. مررت بشارع هادىء.. تظلله اشجار وارفة. لا ادري كيف دلفت اليه. كنت في طريقي الى البنك في ساعة الزحام ابحث عن موقف لسيارتي. حين استرعى الشارع انتباهي لوقفة.

فككت حزام الامان وتطلعت حولي.. تنشقت الهواء صرفاً، وزفرت زفرة حرى. فجأة..ادركت كم هذا الشارع مميز.. هادىء. مشجر.. لا يكتظ بالبيوت العتيقة.

فكرت .. يا الله بامكاني ان ابقى فيه لسنة. :سنة .. نعم؟. انا بحاجة لسنة اقتطعها من عمري، اقبع فيها في غرفة لفندق عتيق في ذياك الشارع. انقطع عن العالم، اقرأ.. واراقب من طرف خفي العابرين في شارع منسي من الزحام.

 تذكرت.. كم حلمت في مراهقتي ان اسكن فندقا عتيقا في شارع في بيروت او عمان او دمشق او القاهرة، اتابع.. بشوق مستحيل، اثار الزمن على جدران البيوت والمحال والناس. واكتب واقرأ حتى.. الثمالة.

تذكرت ايضا “ماو تسي تونغ” الذي امضى سنوات قابعا في مكتبة.. وقال انه لو لم يصر رئيساً، لفضل ان يبقى هناك كائنا قارضا لكل انواع الكتب.

  طبعا.. حين صار بامكاني ان اقطن في فندق الاحلام.. اصبح مستحيلا ان افعل. فقد اخذتني الحياة.

مثلما اخذتكم. احسست انني غير قادر على استرداد مشاعري في شارع كهذا.. وأن ما افكر فيه محض ترف، ترى افقدت بوصلتي!؟ ام اننا اعتدنا ان نغض الطرف عن احلامنا الجانحة عن معترك الحياة اليومية.. ونطأطىء رؤوسنا انكسارا وهزيمة. ونعيد بايدينا قيود المسؤوليات الى معاصمنا؟.

 حين غادرت المكان.. ظلت ثمة وخزة في حلقي. فقد كنت اعرف ان مواكب الحياة اوسع من افق البنك والعمل والمسؤوليات. وأن مواكب الحياة لا تنتظر..!

لقاء..

تثير كآبة الطرقات الغارقة في الظلمة والمطر رعشة في أعماقه الراكدة.

 

عابرون يحثون الخطى في مساء آخر عابر.

 

أضواء سيارات شاحبة.. وشوارع تندلع على أرصفتها قطرات المطر.. تئن بحشرجة وئيدة كنهايات لحن حزين .

 

أشعل لفافة تبغ يداري عود ثقابه، راكناً ظهره إلى سيارته.. رنا، إلى نافذة في مكتب قصي، لم تزل مضاءة في هذا الوقت المبكر من المساء.

 

خلفها.. لاحت في ضوء البرق، ترنو، ضامةً يديها إلى صدرها.. إلى مطر.

 

ود لو ينهمر على وجنتها بقبلاته .. لو يضمها بين جوانحه.

 

بدا.. بمعطفه المطري وسحنته المشتتة كمسافر أرهقه سفر بعيد.. كطير مهاجر، حط متكسرا، مع المطر، على شارع. 

 

لم تنقضِ سوى دقائق.. لحظة انطفأ النور في النافذة المشرعة على المساء والشوق والمطر.

 

دق قلبه بسرعة لحظة رأها تنسل مع زميلتها في الزقاق، بحركة عجلى. ودعتها سريعاً في مفترق الشوارع. وسارت إلى حيث يمكن تأمين تاكسي بشكل أفضل.

 

تردد ثوان.. نده بصوت أجش: غالا..

 

تطلعت صوبه. رجلاه تغوصان في انكسار ضوء عامود الإنارة ووجهه قابع كشبح مجهول في العتمة.. وصوته.

 

” أيعقل..”!؟.

 

هدر السؤال في ذهنها على حين غرة.. فارتعشت كناي!

 

لم يجد بداً من أخذ زمام المبادرة . سار متقدمًا منها بخطى وئيدة..تاركاً ظله في حفرة الماء..!انتصب أمامها، دون رتوش، كائناً من ظلال ومطر..

 

 

 

قال

 

:كم عام..

 

كم سنة..؟

 

أيقنت صوته الذي مرّ عاصفاً كزمجرة ريح بين أغصان صقيعية. حارت بما تجيب. الجمتها المفاجأة. وعقد لسانها اللا توقع..!

 

 

 

تابع

 

: كيف أنتِ؟

 

ظلت تتطلع اليه بعينين مجمرتين وقلب تتناهبه الريح والبرد والوحشة.

 

تراجع خطوة..

 

لحظت خطوته، بيّد أنها بقيت مسمرة نظرتها على وجهه. والدمع الذي تساقط مختلطاً بقطرات المطر.

 

تقهقرت خطوة.. مترددة، موشكة على الترنح.

 

 لحظة فاه أخيراً

 

:لعلنا لم نلتق..

 

لعله ليس لقاءً..

 

الوداع.………………………!!

 

 

 

سار عائداً، في ثوبه الليل والشتاء والآلام.. باتجاه سيارته.

 

أدار المحرك..

 

وانطلق بسرعة غاضبة.. طاشاً بقايا قطرات الماء في الحفرة على الرصيف المقابل.

 

اختفى.. في مدى الشارع..

 

 

 

وتساقط المطر ..

 

 

 

أحلم بسماء

 خالد أبو الخير

 

.. إلى  أولئك الذين لم يزرهم أحد.

 

 

 

 

 

 دق جاري على الجدار فأيقنت أنهم أعادوه أخيرا.

 

 

 

حدث ذلك بالضبط قبل مجيء الرجل الذي كرهته بثوان. كرهته كله: ضحكته السفهية، عينيه الصغيرتين الدائرتين في محجرين ينز منهما القيح، انحناء كتفيه، فتحتي أنفه اللتين يهيأ إليّ أنهما قادرتان على سحب الهواء من بين الجدران الأربعة، ومع ذلك، وعلى الرغم من أن أول شيء فعله كان أن دفعني بقوة إلى الخلف . إلا أنني لم أجد فيه ما يدعوني لكرهه أكثر من الآخرين..

 

 

 

   دق جاري على الجدار مجددا، في توقيت خاطئ تماما، مما أزعج الرجل فصاح بأعلى صوته:  يا ابن (الـ…) . موجها شتيمة مقذعة بحق تلك التي ولدت جاري منذ ثلاثين عاما ونيف. تطلع إليّ بنظرة نارية كاوية.

 

 

 

قال: وأنت.. اعترف، هل تدق على الجدار؟

 

 

 

  ارتبكت.. لم يكن بإمكاني أن أنكر،أجبت بصوت قشره الخوف كما تقشر برتقالة، نعم. الخوف.. الكائن الهلامي الذي يسيطر على فضاء المكان، وأحيانا الموت! كنت أحس بهما ذائبين في ذرات الهواء، دون أن أعرف إن كانا ينبعثان من الأشياء أم من أنفسنا، قلت: أحيانا. فرفسني برجله بين فخذي، رفسة قوية، جعلتني أترنح وأودت بي إلى لجة الغثيان.

 

 

 

   قال: كلاب.. جميعكم كلاب، متآمرون على الدولة، بسببكم هزمنا في جميع الحروب يا أولاد الـ..

 

 

 

    ومضى، لم أصدق أنه مضى، إلا بعدما أغلق الحارس الجلف الباب وهو يرمقني بنظرة تشف  .

 

 

 

   وحدي ألعق جراحي في كآبة غروب يهل دون أن أراه، تلك هبة الحدس والجسد الذي اعتاد معاشرة الأشياء باللمس. أطلت التحديق في القضبان وخطى العسس تذرع الممر برتابة مستفزة، لم  أفكر بشيء معين، بدأ عقلي فضاء سديمياُ فارغا من كل شيء.

 

 

 

  تذكرت أمي في مقتبل الليل، وأشقائي وأصدقائي وجيراني، تذكرت شريف سالم بشكل خاص، رفيق الصبا الذي حاول امتهان الفن ثم رماه حظه العاثر وزواجه المبكر إلى وظيفة روتينية تافهة. تذكرت موسى صقر ذلك الذي حلم بشعر أحمر مجنون لامرأة لا تزال تعدو في ريح لا تؤوب، تذكرت إنعيم وتوفيق وسعد.. اللعنة أين اختفى سعد!؟. تذكرتهم وحقدت عليهم لسبب ما. ثم حددت السبب كالتالي: أي منهم لم يزرني منذ مدة. لكنني في سعيي لإيجاد عذر لهم تعللت بأنهم لم يتمكنوا من الحصول على تصريح زيارة.

 

 

 

: لماذا أنا هنا؟! لا يهم.. المهم أنني تجاوزت مرحلة الإحساس بالاختناق والفقدان والغضب والكراهية، إلى درجة أنني أصبحت معتادا على كل شيء، نعم.. أصبح كل شيء عادياً، بما في ذلك الضرب والقمع وإطفاء السجائر في الجسد والتعذيب بالكهرباء.

 

 

 

لا تصدقوا.. لا تصدقوا أبدا أولئك الذين يدعون أنهم يبقون كما هم.. وراء القضبان، لا تصدقوهم أبدا.

 

 

 

دق جاري على الجدار مجددا، يا له من بطل ‍‍‍؟ ولكن ما البطل.. وراء القضبان؟ .

 

 

 

يسكن الليل في الصدر.. ويسترخي على قارعة المعتقل النائي عن المدينة. تعوي ذئاب في منحدرات الجبال وتزداد رتابة خطى الحراس الذين يذرعون ممر الزنازين جيئة وذهاباً.. بتصميم غريب انتزعت قطعة القماش عن الثقب المواصل لزنزانة جاري.. تبادلنا الاستفسار عن كوننا ما زلنا أحياء.

 

 

 

بصوت يشبه الهمس الخائف تمادى جاري في شرح بعض الأمور ، قال إنهم سمحوا لنا بالخروج إلى الساحة الكبيرة لساعة واحدة، للتنفس، وإن ذلك تم بعد تدخل من الصليب الأحمر ومنظمات حقوق الإنسان.

 

     لم أسعد كثيرا بالخبر لكنني ظللت طوال الليل، أحلم بسماء.. 

 

 

فتحت الأبواب في الصباح الباكر، اقتادونا كقطعان ضالة عبر الممر والدهليز الذي تقبع في جانبه الأيمن غرفة الإعدام وصولا إلى الساحة. رأيت جاري هناك، هرع إليّ باشاً، وقبل أن أصافحه معانقاً، لمحت جيراني وأصدقائي وأشقائي وأمي.. رأيت الجميع، كانوا قد خرجوا للتنفس مثلنا! لحظة هدر صوت مدير المعتقل في الميكروفون

 

 

 

: لا زيارات بعد اليوم.

 

   

 

 

 

 

 

تهانينا!

إذا كنت تستطيع قراءة هذا المقال فهذا يعني أن عملية التسجيل قد تمت بنجاح و يمكنك البدء بكتاية مقالاتك الخاصة فوراً.
 
A service provided by Al Bawaba