مدونة خالد أبو الخير

كلمات..

أحلم بسماء

 خالد أبو الخير

 

.. إلى  أولئك الذين لم يزرهم أحد.

 

 

 

 

 

 دق جاري على الجدار فأيقنت أنهم أعادوه أخيرا.

 

 

 

حدث ذلك بالضبط قبل مجيء الرجل الذي كرهته بثوان. كرهته كله: ضحكته السفهية، عينيه الصغيرتين الدائرتين في محجرين ينز منهما القيح، انحناء كتفيه، فتحتي أنفه اللتين يهيأ إليّ أنهما قادرتان على سحب الهواء من بين الجدران الأربعة، ومع ذلك، وعلى الرغم من أن أول شيء فعله كان أن دفعني بقوة إلى الخلف . إلا أنني لم أجد فيه ما يدعوني لكرهه أكثر من الآخرين..

 

 

 

   دق جاري على الجدار مجددا، في توقيت خاطئ تماما، مما أزعج الرجل فصاح بأعلى صوته:  يا ابن (الـ…) . موجها شتيمة مقذعة بحق تلك التي ولدت جاري منذ ثلاثين عاما ونيف. تطلع إليّ بنظرة نارية كاوية.

 

 

 

قال: وأنت.. اعترف، هل تدق على الجدار؟

 

 

 

  ارتبكت.. لم يكن بإمكاني أن أنكر،أجبت بصوت قشره الخوف كما تقشر برتقالة، نعم. الخوف.. الكائن الهلامي الذي يسيطر على فضاء المكان، وأحيانا الموت! كنت أحس بهما ذائبين في ذرات الهواء، دون أن أعرف إن كانا ينبعثان من الأشياء أم من أنفسنا، قلت: أحيانا. فرفسني برجله بين فخذي، رفسة قوية، جعلتني أترنح وأودت بي إلى لجة الغثيان.

 

 

 

   قال: كلاب.. جميعكم كلاب، متآمرون على الدولة، بسببكم هزمنا في جميع الحروب يا أولاد الـ..

 

 

 

    ومضى، لم أصدق أنه مضى، إلا بعدما أغلق الحارس الجلف الباب وهو يرمقني بنظرة تشف  .

 

 

 

   وحدي ألعق جراحي في كآبة غروب يهل دون أن أراه، تلك هبة الحدس والجسد الذي اعتاد معاشرة الأشياء باللمس. أطلت التحديق في القضبان وخطى العسس تذرع الممر برتابة مستفزة، لم  أفكر بشيء معين، بدأ عقلي فضاء سديمياُ فارغا من كل شيء.

 

 

 

  تذكرت أمي في مقتبل الليل، وأشقائي وأصدقائي وجيراني، تذكرت شريف سالم بشكل خاص، رفيق الصبا الذي حاول امتهان الفن ثم رماه حظه العاثر وزواجه المبكر إلى وظيفة روتينية تافهة. تذكرت موسى صقر ذلك الذي حلم بشعر أحمر مجنون لامرأة لا تزال تعدو في ريح لا تؤوب، تذكرت إنعيم وتوفيق وسعد.. اللعنة أين اختفى سعد!؟. تذكرتهم وحقدت عليهم لسبب ما. ثم حددت السبب كالتالي: أي منهم لم يزرني منذ مدة. لكنني في سعيي لإيجاد عذر لهم تعللت بأنهم لم يتمكنوا من الحصول على تصريح زيارة.

 

 

 

: لماذا أنا هنا؟! لا يهم.. المهم أنني تجاوزت مرحلة الإحساس بالاختناق والفقدان والغضب والكراهية، إلى درجة أنني أصبحت معتادا على كل شيء، نعم.. أصبح كل شيء عادياً، بما في ذلك الضرب والقمع وإطفاء السجائر في الجسد والتعذيب بالكهرباء.

 

 

 

لا تصدقوا.. لا تصدقوا أبدا أولئك الذين يدعون أنهم يبقون كما هم.. وراء القضبان، لا تصدقوهم أبدا.

 

 

 

دق جاري على الجدار مجددا، يا له من بطل ‍‍‍؟ ولكن ما البطل.. وراء القضبان؟ .

 

 

 

يسكن الليل في الصدر.. ويسترخي على قارعة المعتقل النائي عن المدينة. تعوي ذئاب في منحدرات الجبال وتزداد رتابة خطى الحراس الذين يذرعون ممر الزنازين جيئة وذهاباً.. بتصميم غريب انتزعت قطعة القماش عن الثقب المواصل لزنزانة جاري.. تبادلنا الاستفسار عن كوننا ما زلنا أحياء.

 

 

 

بصوت يشبه الهمس الخائف تمادى جاري في شرح بعض الأمور ، قال إنهم سمحوا لنا بالخروج إلى الساحة الكبيرة لساعة واحدة، للتنفس، وإن ذلك تم بعد تدخل من الصليب الأحمر ومنظمات حقوق الإنسان.

 

     لم أسعد كثيرا بالخبر لكنني ظللت طوال الليل، أحلم بسماء.. 

 

 

فتحت الأبواب في الصباح الباكر، اقتادونا كقطعان ضالة عبر الممر والدهليز الذي تقبع في جانبه الأيمن غرفة الإعدام وصولا إلى الساحة. رأيت جاري هناك، هرع إليّ باشاً، وقبل أن أصافحه معانقاً، لمحت جيراني وأصدقائي وأشقائي وأمي.. رأيت الجميع، كانوا قد خرجوا للتنفس مثلنا! لحظة هدر صوت مدير المعتقل في الميكروفون

 

 

 

: لا زيارات بعد اليوم.

 

   

 

 

 

 

 

تهانينا!

إذا كنت تستطيع قراءة هذا المقال فهذا يعني أن عملية التسجيل قد تمت بنجاح و يمكنك البدء بكتاية مقالاتك الخاصة فوراً.
 
A service provided by Al Bawaba