استمرار مسلسل الصورة النمطية
" عرب يعني إرهابيون"
بقلم : سعيد الحسنية
براد بيت
من اللحظة الأولى التي تبدأ فيها مشاهدة فيلم "بابل" الحائز على جائزة الصحافة الأجنبية في هوليوود "جولدن جلوب" لأفضل فيلم 2007، تدرك أنك أمام فيلم للمخرج المكسيكي المدهش "أليخاندرو جونزاليس إيناريتو" صاحب فيلم "21 جرام"، فمنذ لمع هذا المخرج في "21 جرام" الذي قام ببطولته "شون بين" وقبله فيلم "أموريس بيروس"، عرف العالم بأنه أمام مخرج من طراز فريد، فالتجديد على صعيد عنصري الزمان والمكان والعلاقات الإنسانية وإن كان مدهشاً في "21 جرام" فقد بدا في أعلى حالات النضج السينمائي في "بابل" واستطاع مخرجه أن يأخذنا في عالم إنساني مكتظ بالقسوة وحساس لتفاصيل النفس البشرية من جهة، ومميز بواقعيته المفرطة من جهة أخرى.قصة بأربع قصص
"بابل" الذي اشترك في فكرته "إيناريتو" نفسه مع "جيليرمو أرييجا"، وتولى هذا الأخير مهمة كتابته، يأخذنا في قصة غريبة، بين أربع دول وخمس لغات، فهو يُبنى الفيلم على أربع قصصٍ متداخلةٍ، يربطُ بين القصّة والأخرى خيطٌ ليخلصَ المُشاهِد في نهاية الفيلم إلى سؤالٍ عن جوهر الإختلاف بين ثقافات العالم من أقصى شرقه إلى أقصى غربه، وكيف يمكن لمثل هذه الثقافات المختلفة إنتاج قصّة الفيلم المدهش والإنسانيّ. يقوم المخرج إذن بتفكيك القصص الأربعة المكوّنة لنسيج الفيلم وتقطيعها، ويعرضها بشكل متداخل ، الأمر الذي يزيد من توتّر المشاهد.أول تلك القصص تدور في المغرب، وتحديدا في منطقة جبلية وعرة يقطنها بدو يرعون الأغنام ويعانون شظف العيش. تبدأ أحداث الفيلم بالمغربي حسن ابراهيم يطرق باب راعي أغنام ويبيعه بندقية بألف درهم ويعطيه الراعي 500 درهم وعنزة ثم يخرج تاركا ولديه يتدربان على التصويب ويعود ليخبرهم بأنه تأخر بسبب اغلاق الطريق بعد أن "هاجم الإرهابيون حافلة سياحية " . وتواصل نشرات الأخبار التلفزيونية وصف الحادث بأنه عمل إرهابي وأن "الحكومة الأمريكية سارعت بربطه بالإرهاب". وكما هو متوقع يستخدم الولدان البندقية ويحاولان اختبار مداها للتأكد من صحة ما ذكره عنها الرجل الذي باعها. ويطلق الولد الأصغر الرصاص على حافلة سياحية عن بعد فتصيب رصاصته سائحة أمريكية (كيت بلانشيه) بصحبة زوجها (براد بيت). وعلى الفور يحدث هرج ومرج وتسيطر حالة من الهلع على ركاب الحافلة، ويتجه بها السائق إلى أقرب قرية بحثا عن طبيب. يأتي طبيب - يقولون إنه بيطري- يرتدي أسمالا بالية يطلق لحيته، لا يستطيع إلا أن يقوم بخياطة الجرح دون استخدام المخدر، في مشهد يثير القشعريرة. نساء القرية يتجمعن للفرجة على تلك الأمريكية التي توشك على الموت.الزوج يشعر بالهلع، ينجح بصعوبة في العثور على هانف يخاطب منه صديقا لكي يتصل بالسفارة الأمريكية يطلب مساعدة طبية عاجلة. ومن جهتهم ركاب الحافلة السياحية من الأمريكيين وغيرهم، يشعرون بالفزع من فكرة التعرض للقتل على أيدي الإرهابيين في القرية. ينتشر الخبر، تسارع الشرطة إلى المنطقة بحثا عن الشخص الذي أطلق الرصاص. يلقون القبض على كل من يقابلهم، ينزلون في الجميع ضربا وتنكيلا. الشرطة تذيع أن إرهابيا قتل الأمريكية، وينتشر الخبر في العالم عبر التليفزيون ووكالات الأنباء.الرجل يعرف بالخبر ويتساءل عما حدث. الابنان يعترفان بما ارتكباه. الرجل ينهال عليهما ضربا ثم يصطحبهما بعيدا للهرب. رجال الشرطة يتوصلون إلى الرجل الذي باع البندقية. ينهالون عليه ضربا. يقول لهم إنه حصل على البندقية كهدية من سائح ياباني عمل مرافقا له في رحلة صيد.أثناء البحث في الجبل يرون الرجل وابنيه. يطلقون الرصاص فيقتلون الابن الأكبر.وهكذا وبتداخلٍ مع قصّة العائلة المغربيّة، تدور قصّة الأمريكي ريتشارد وزوجته سوزان اللذين يشتركان في رحلةٍ سياحيّة في المغرب، سيفهم المشاهِد أن العلاقة بين الزوجين متأزّمة، وتبدو الزوجة الأمريكية عنيفة ومحتجّة لوجودها بين هؤلاء "العرب الإرهابيين" . أيضاً، تدور أحداث قصّة ثالثة، حيث ترك الزوجان الأمريكيان طفليهما في رعاية المربية المكسيكية "أميليا" التي تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير شرعي، وحيث لا يمكنها أن تترك الطفلين وحدهما، تقرر اصطحابهما معها إلى المكسيك لحضور حفل زفاف ابنها. وهنا لا تخلو المشاهد من بعض اللقطات "المزعجة" كقطع رقبة دجاجة أو إطلاق الرصاص في حفل الزفاف الذي يثير رعب الطفلين غير المعتادين على مثل هذه المناظر أو التصرفات! تعود المربية مع الطفلين في سيارة يقودها أخوها "سانتياغو" لكن شرطة الحدود توقف السيارة للاشتباه مما يدفع "سانتياغو" إلى الهرب واقتحام الحدود. بعد ذلك يقوم بإنزال أخته والطفلين من السيّارة ليهربَ وحيداً من الشرطة. صباحاً ستجد "إميليا" نفسها وسط صحراء شاسعة. يتدخل القدر ليتم إنقاذ الأطفال ومربيتهم في آخر لحظات، ويتم طرد المربية أمبليا من الولايات المتحدة الأمريكية لإقامتها غير الشرعية، فيما الطفلان يعودان إلى والديهما العائدين من تجربة قاسية جداً في المغرب. وتشكل اليابان مركز أحداث القصة الرابعة، حيث الأب "ياسوجيرو" الذي انتحرت زوجته بإطلاق النار على نفسها، يحاول جاهداً التقرب من ابنته "شيكو" المراهقة. الفتاة "شيكو" الصّماء والبكماء تحاول جهدها اقتناص أيّة فرصة لتعيش تجربة حب ، لإرضاء رغباتها. كأنها تحاول التواصل من خلال جسدها مع العالم بعد أن فقدت وسائل الاتصال العاديّة والطبيعيّة معه. الملفت أن المشهد الأخير يُظهر الفتاة اليابانية عاريةً في شرفة الشّقة، كأنها من ناحية ستلقي بنفسها منتحرة ولكن لا نعرف ماذا حل بها . والرابط بين القصّة اليابانيّة والقصّة المركزية الحادثة في المغرب، هي أنّ الياباني "ياسوجيرو" أهدى بندقيته إلى دليله المغربي. نفس البندقيّة التي أطلِقَتْ منها الرصاصة التي أصابت "سوزان" الأمريكية.
الإحساس بالاصفرار في المغرب والمكسيك و بزرقة الموت باليابان
وفي "بابل" تتمتع الكاميرا بروحها الخاصة، أشبه بالوثائقية ولشدة الواقعية تحس بأن كل شيء مرتجل، وبأن هؤلاء ليسوا ممثلين، وهذه ليست أماكن تصوير، وهناك الكثير مما يحسب لمدير التصوير "رودريجو بريتو" مثل الإحساس الطاغي بالاصفرار في صحارى المغرب والمكسيك والإحساس بزرقة الموت في مشاهد اليابان. أما موسيقى الفيلم فهي متحررة من أحداث الفيلم مرتبطة معها في آن معاً، ففي مشاهد اليابان نسمع موسيقى شرقية يابانية ولكنها غير انفعالية مع الحدث بقدر ما هي مرتبطة بالمكان، وذات الشيء في مشاهد المغرب والمكسيك، وهو ما يبدعه مؤلف الموسيقى التصويرية "جوستافو سانتاولايا" الذي قام بتأليفها. وبالنسبة لأداء الممثلين فقد جاء مدهشاً وجميلاً للغاية، فـ "براد بيت" الذي رشح لجولدن جلوب أفضل ممثل مساعد تفوق على نفسه في دور رجل خمسيني جديد عليه، وبدت واضحة على وجهه آثار خسارات لم يتحدث الفيلم عنها بقدر ما بدت فقط في ملامحه وفي استماتته للهرب من خسارة جديدة، كذلك أداء اليابانية "رينكو كيكوشي" والمكسيكية "أدريانا باراسا" للغاية، وأداء الممثلين المغاربة بدا جيداً جداً أيضاً وخصوصاً الطفل "بوبكر الكايد" الذي قام بدور "يوسف".رصاصة أطلقها طفل عابث تدمر أسرة أمريكية
لا شك أن المخرج جونزاليس تمكن بحرفية عالية من صنع فيلم مثير للخيال والتأمل، في قضايا أساسية مطروحة في عالمنا اليوم. غير أنه ايضا وقع سواء عن قصد أو بشكل آلي، في اسر النظرة الاستشراقية التي تتوقف طويلا بانبهار أمام صورة "الشرق" Orient "الغامض، المثير، الشاسع الذي يمكن لرصاصة أطلقها طفل عابث جاهل أن تدمر أسرة أمريكية.التصوير بشكل عام مهموم بجمال الأفق وغرابة ابشر والتكوينات الإكزوتية المثيرة لخايال المتفرج الغربي عن الشرق. المشاهد التي صورت في المغرب تذكرنا بعشرات الأفلام التي تصور في البلدان العربية والشرقية عموما ولا تريد أن ترى منها إلا كل ما هو بدائي ومتخلف إضافة إلى مظاهر القمع والقهر. نساء القرية المتشحات بالسواد يخرجن جميعهن من منازلهن الجبلية، يتطلعن إلى تلك الأمريكية المصابة، في مشهد مقصود منه "تغريب الآخر"، فالآخر هنا مصاب بثقافة التلصص وحب الاستطلاع، لكنه لا يفعل شيئا حقيقيا للمساعدة ففضوله أهم من فعله.الولدان اللذان يعبثان بالبندقية، يتهم أحدهما الثاني بأنه يتلصص على فتاة وأنها تكشف له عن ساقيها، دلالة على الكبت الجنسي.الشرطة فظة غليظة، تمارس القتل على المكشوف دون اعتقال، والتعذيب البشع كوسيلة لانتزاع الاعترافات، ولا رحمة للأطفال ولا للشيوخ. المرأة العجوز بعينيها الغريبتين التي تذهب لمساعدة الأمريكية المصابة، لا تجد إلا أن تناولها غليونا محشوا بالأفيون، لربما يخفف من حدة الألم، ثم تقرأ آيات من القرآن (إدمان الدين والمخدرات).بكلام آخر ، رمز الفيلم بوضوح للحرب الأميركية على الإرهاب، وعلاقة ذلك بالإسلام، وذلك من خلال ردود فعل المسؤولين الأميركيين - والذين لم يظهروا بشكل واضح في الفيلم- على إصابة السائحة، وكيف جاءت ردوداً متسرعة وعشوائية واتهامية. وقصّة بابل والبلبلة واختلاف الألسن وبالنسبة لاسم الفيلم " بابل " يقال: إنّ اللَّه عزّ وجلّ لما أراد أن يُخالِفَ بين أَلْسِنة بني آدمَ بعث ريحاً فحشرتهم من كلِّ أُفُق إلى بابل فبلبل اللَّه بها ألسنتهم، ثمّ فرَّقتهم تلك الرِّيحُ في البلاد. هذا ما أورده الخليل بن أحمد الفراهيدي في "العين"، وقصّة بابل والبلبلة واختلاف الألسن أسطوريّة يردُ ذكرها في أكثر من موضع. ولا يختلف المعنى كثيراً حين ننظرُ إلى القاموس تحت كلمة "Babel" التي تعني في واحدة من معانيها "الجلبة، أو اختلاط أصوات".هذا المعنى لكلمة بابل Babel يجعلنا نقف أمام الفكرة التي أراد المخرج المكسيكي بطرحها من خلال تداخل لغات ممثليه اعتماداً على التنوّع الجغرافي من اللغة العربيّة، الإنجليزيّة، المكسيكيّة، واليابانيّة. لتتحقق فكرة الإختلاف والتنوّع الثقافي من ناحيّة وارتباط مصير هؤلاء البشر جميعاً في قصَّةٍ كونيّةٍ واحدةٍ . وجعل من رصاصة يطلقها الصبي يوسف وهو يتدرب على الرماية باتجاه حافلة سياحية في منطقة جبلية ، الخيط الدرامي الذي يجمع هذه القصص ، وتتردد أصداء الطلقة بما يسمح بتحولها الى خيوط درامية في فيلم نال عنه جونزاليس جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان 2006 كما فاز الفيلم بجائزة أفضل دراما سينمائية في مهرجان جوائز جولدن جلوب (الكرة الذهبية) إضافة إلى جائزة الأوسكار لأفضل موسيقى تصويرية 2007.ومهما كان من أمر أو رأي يبدو أن ما حدث في 11 سبتمبر أيلول 2001 لم يكن هجمات على أهداف حيوية أمريكية بل تاريخا فاصلا بين عالم تفسر فيه الأمور بحسن نية وعالم جديد يرشح فيه العرب باعتبارهم "ارهابيين" وعدوا مناسبا كما يقول الفيلم الامريكي (بابل). رمز الفيلم بوضوح للحرب الأميركية على الإرهاب، وعلاقة ذلك بالإسلامتمكن المخرج جونزاليس بحرفية عالية من صنع فيلم مثير للخيال والتأملكلمة "Babel" تعني في واحدة من معانيها "الجلبة، أو اختلاط أصوات".الموسيقى من الفيلم ، مقطوعة الترحيل ل جوستافو سانتاولالا



















