بقلم : سعيد الحسنية
أعاد إلي العرض العسكري الذي شهدته ساحة الشهداء في يوم الاستقلال ، ذكريات عشتها إبان تأديتي خدمة العلم عقب تخرجي.عادت بي عقارب الساعة أربع سنوات إلى الوراء، وأخذت تداعبني نسائم الذكرى ويصدح بأذني هدير الطبل وصوت البرزان ووقع أقدام الصفوف المرصوصة وهي تستعرض "المرصوص".لا يظن أحد أنني هنا في معرض الحديث عن خدمة العلم ومنافعها وفوائدها ، أو أهمية جيشنا وبسالته ومدى استعداداته للقيام بما وجد من أجله..لا لست في هذا الوارد إطلاقا..ولن اسرد ذكرياتي في الجيش ..فكثيرون كتبوا عن ذلك ، ولكن سأسرد على مسامع الذين يدافعون عن النظام الأمني اللبناني السوري وينكرون تدخل الأمن العسكري المخابراتي في الحياة العامة والسياسية ..دعوني أسأل أولئك الذين يجدون في الأعمال التي قامت بها المخابرات اللبنانية وشقيقتها السورية مجرد إجراءات أمنية للكشف عن المؤامرات الأجنبية..هل ما يقوم به مكتب الرصد في وزارة الدفاع هو الدفاع عن الوطن وأمنه ؟ أنا فقط هنا لأسرد على مسامعكم المهام المخابراتية الجسيمة التي كنت وزملائي ، أثناء الخدمة الإلزامية، نؤديها لدرء المؤامرات ..أجل أنا ذلك البطل الذي حافظ على وحدة لبنان ودرء المخاطر عن الأمة _ على الأقل هكذا أفهمني " سيدنا "
هذه حكايتي وبطولاتي الوطنية _هكذا قالوا لي _ لقد شاءت الظروف ان أؤدي خدمتي العسكرية في مديرية التوجيه ، بقسم الرصد.لا تتعجبوا فلولا هذا القسم الذي يخضع ضمنيا لسلطة المخابرات لكان انهار لبنان ومؤسساته من ..هكذا أفهمني " سيدنا "..لا تقللوا من شأني وشأن قيادتي السابقة وزملائي ، نحن حماة الأوطان _ أقصد الوطن _ فكم من ليلة سهرنا حتى الصباح في كتابة التقارير .._ " أي تقارير ؟ما هي مهمتكم" ؟ كيف تتجرأون وتسألون هكذا سؤال ؟ نحن " مخابرات " مهمتنا السهر على أمن الدولة وكشف الدسائس والمؤامرات.._" كيف؟؟" بكل بساطة عبر مشاهدة التلفزيون..أجل ..ألا تدركون كم هناك من مؤامرات " أحيكت "على الهواء عبر تلك الشاشات؟وفي نشرات الأخبار؟ وفي برامج الحوارات السياسية؟ يا لهم من خونة ومذنبين وعملاء هؤلاء الصحافيين والسياسيين ؟كيف لا وهم مدنيين ؟؟هكذا علمني " سيدنا "..أما زلتم لا تعرفون من أنا؟ أنا أحد المحافظين على وحدة لبنان واستقراره وأمنه _ كيف ؟ عبر مشاهدتي نشرة الأخبار وتدوينها ورفع تقرير بما ورد فيها إلى" سيدنا " .. طبعا ليس نشرات الأخبار فحسب ، بل أيضا البرامج السياسية كافة.. من "نهاركم سعيد " إلى "كلام الناس " و "استفتاء" و "حوار مفتوح" و "صالون السبت" و "الأحد"..تلك كانت مهمتي الأمنية البالغة الأهمية..آه منك يا مارسيل ومن كلامك وكلام ضيوفك ..سامحكما الله يا زياد نجيم ويا وردة ..ياما أتعبني كلامكما ومداخلات ضيوفكم ..لماذا كنتما تكثرا من الكلام يا وليد بيك ويا جنرال..لماذا تصرح دائما يا نيافة البطريرك ..أجل هؤلاء هم الأشخاص الذين كان علينا دائما رصد كلامهم ..وطبعا لا يمكنني أن أنسى علي حمادة وفارس خشان وجبران التويني ..وشهيد الكلمة الصحافي سمير قصير..هؤلاء المشبوهين دائما ومرصودين أبدا.. هكذا أخبرني "سيدنا "..هذه هي مهامي العظيمة والوطنية كما قال لي " سيدنا " ولكن لا زلت حتى اليوم لا أفهم لماذا كنا نقوم بتسجيل التعليق السياسي الذي تبثه الإذاعة السورية يوميا ..بطبيعة الحال لم أسأل " سيدنا " .. كيف سأفعل ذلك والسؤال في العسكرية ممنوع..اليوم أقول لكم ولهم وللكل هناك أشباح كانوا يحكمون لبنان ..أشباح مرئيين وآخرين محجوبين. اليوم تذكرت ذلك بعد أن شاهدت " صف العسكر الراح يسكر" في ساحة الشهداء_أحب أسمها الثاني ساحة الحرية كما أسمتها انتفاضة الاستقلال .أقص عليكم لتروا وتقدروا أهمية ما يقوموا به " سيدنا " ..فهو يحمي البلد عبر مشاهدة مخبريه التلفاز ..وعلى فكرة وبيني وبينكم _كما يقول " ميشو" _ لم أكن مخبرا جيدا فكنت أقضي معظم ساعات خدمتي بمشاهدة كليبات نانسي وباسكال ووائل، بدلا من متابع الأخبار وكلام الناس ..واعترف اليوم أنني كنت مقصرا بحق " سيدنا " وجمهوريته_ طبعا من وجهة نظره_ .. فما زلت أذكر ذلك اليوم الذي نسيت فيه أن أسجل التعليق السياسي السوري ولم أنتبه إلى ذلك إلا عندما طلبه " سيدنا " الرائد " الشبح" عبر التلفون . فخوفا من العقوبة ...قمت بكتابة ذلك التعليق على طريقتي ..فهو يوميا متشابه ..كيف لا والسوريون ما زالوا حتى اليوم يعيشون في دنيا الشعارات،ويكررون الاسطوانة نفسها ..أرسلته وطبعا لم ينتبه سيدنا حتى هذه اللحظة أنني خدعته..فهل أنا خائن ؟؟ ..

