نعيش اليوم في عالم أختلت فيه الموازين وفقدت حرية التعبير بريقها ، وأصبحت مجرد لافتة ترفع للتشهير بالآخر، وتستخدم كقفازات حريرية، لضرب معتقدات الشعوب الأخرى.فباسم حرية التعبير يتطاولون على رموزنا الدينية المقدسة ، غير عابئين بالجراح التي يسببونها لمشاعر الملايين. وفي هذا السياق تأتي حملة التشهير في الغرب للإسلام، التي استأسدت وزادت بشكل غير مسبوق ، إلى أن وصل الأمر ...
ما بين الإساءة والحرية
بقلم سعيد الحسنية
نعيش اليوم في عالم أختلت فيه الموازين وفقدت حرية التعبير بريقها ، وأصبحت مجرد لافتة ترفع للتشهير بالآخر، وتستخدم كقفازات حريرية، لضرب معتقدات الشعوب الأخرى.فباسم حرية التعبير يتطاولون على رموزنا الدينية المقدسة ، غير عابئين بالجراح التي يسببونها لمشاعر الملايين. وفي هذا السياق تأتي حملة التشهير في الغرب للإسلام، التي استأسدت وزادت بشكل غير مسبوق ، إلى أن وصل الأمر إلى الإساءة لعقيدتنا الدينية ذاتها عبر نشر رسوم كاريكاتورية لنبينا الأكرم( ص ) . وما أن ارتفعت الأصوات المستنكرة، كان الرد : نحن نقدس حرية الرأي والتعبير . أباسم الحرية نهين المقدسات وندوس على الكرامات؟ أباسم تلك الحرية الزائفة نتهك حرمة الأنبياء ؟ طبعا لا يمكن تبرير تسهيل الإساءة للآخرين بدواعي حرية التعبير، ولا يكفي الاعتذار حين تكون الإهانة متعمدة ، والأشد إيلاماً من كل هذا حين تفستهدف شخصية نبي الرحمة والإنسانية ، ثم تفساق التبريرات فتأتي أوقح من فعل الإساءة نفسه.
لا يخفى على أحد أننا نحن اليوم ، أكثر من أي يوم مضى ، بحاجة إلى مواقف إيجابية لصد هذا الهجوم ، ومنها زيادة عدد المواقع على الإنترنت التي ترد على تلك الإهانات المتكررة وتظهر الوجه السمح والحقيقي لإسلامنا، كما علينا زيادة دعمنا واهتمامنا للدعاية الإعلامية في الإذاعة والفضائيات والصحف ، وكذلك علينا التخلي عن المواقف السلبية المتمثلة في السكوت والتخاذل وإتباع سياسة النعامة ودفن رؤوسنا في الرمال ، فمما لا شك فيه أنه كلما سكتنا عن حقنا وتخاذلنا في الدفاع عن كرامتنا ورد الإساءة عن نبينا الكريم (ص )، كلما زادت الإساءة والتطاول على مقدساتنا ، وإذا ارتضينا الخنوع والسكوت عن الإهانات المتتالية التي نتلقاه بشكل يومي ، إلا أنه لا يحق لنا أن نرضى ونسكت عن إساءتهم لديننا ولسيد وأفضل وأشرف الخلق والبشر أجمعين ، ومن هنا ندعو كل مسلم غيور على دينه أن يعمل على إصلاح نفسه أولاً والتعاضد مع أخيه المسلم كتفا بكتف ، للتصدي لكل المتطاولين والمسيئين لنا ولنبينا. والجميع يدرك أنه إذا ما كانت ردودنا حازمة وقوية ستبقى هذه القضية مفتوحة، وتفتح الباب أمام المزيد من الإساءات والإهانات لمعتقداتنا الدينية وقيمنا الأخلاقية . ونحن مطالبين بتصحيح النظرة السلبية القائمة حولنا في وسائل الإعلام الغربية، وعلينا أن لا نكتفي ببيانات الشجب والاستنكار الخجولة التي تصدر من هنا وهناك ، وبالمقابل مطلوب منا أن نرتقي بأساليبنا في التعبير عن غضبنا وسخطنا ، وأن نتصرف بطريقة حضارية واعية وأن لا نهبط بردود فعلنا إلى أسفل درك المشاغبين ، كما تصرف الكثيرين في العديد من العواصم الإسلامية والعربية ولا سيما في كل من لبنان وسوريا على وجه التحديد ، فتلك التظاهرات التي لجأ بعض المشاركين والمندسين فيها إلى التخريب ، أساءت إلى نبينا والكريم وقضيتنا ، أكثر مما دافعت عنه .
نعم، حرية التعبير يجب أن تصان والكلمة الحرة مسؤولية ومصادرتها مسؤولية كبيرة وخطيرة ، ولكن الأخطر عندما تكون تلك الكلمة غير مسئولة ومسيئة للآخرين ومنتهكة مقدساتهم وحرماتهم. فحرية التعبير ممارسة وسلوك وروح تجمع بين الرغبة الدائمة في اكتشاف الآخر مع عدم الإساءة له.ولكن يحق لنا هنا أن نتساءل ماذا سيكون رد المتبجحين بالحديث عن حرية التعبير المزعومة ، ولو أن إهانة ما صدرت عن عربي أو مسلم ، أو حتى وسيلة إعلامية عربية إلى شخصية سياسية من شخصيياتهم؟ ألن يجد تهمة معاداة السامية جاهزة له بالمرصاد ؟ ألم يقم أولئك الأحرار المزعومين بوقف بث إحدى القنوات الفضائية المقاومة بحجة الإساءة والتحريض وتعريض مصالح البلاد للضرر؟ ألم تعرض تلك الرسوم مصالح بلادهم أيضا إلى الضرر؟ ألم تؤلب وتثير الرأي العالمي الإسلامي ضد مصالحهم ؟ هل حرية تعبيرهم مصانة وكراماتهم محترمة ، أما حرية تعبيرنا فممنوعة وكراماتنا مهانة ؟ متى سنتخلص من سياسة ازدواجية المعايير؟
وأخيرا نقول لهؤلاء المستترين خلف قناع الحرية المزعومة ما قاله فيكتور هوغو : "ألا ترى أنك على ميزان، في كفة منه قوتك وفي الكفة الأخرى مسؤوليتك، وأن ارتجاج هذا الميزان تعبير عن رجفة الوعي"؟ ونقول لهم : " إن حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، والمطلوب هو حرية مسئولة وليست مسيئة " .