مدونة اسماعيل طه

« | »

متاهات التشرد (1)

1 -متاهات التشرد
صحيح انو الزمن غلاب
لكن نحن عشناه ومشينا على عزاب
دروبنا تتوه, ونحن نتوه ونفتح للأمل أبواب
مقطع من الود
.
كلما اقتربنا من عتمة القبر يزداد انحناءنا وتشبثنا بالأرض, تلك البقعة الصغيرة المحبوبة والمأسوفة عليها التي احتضنت طفولتنا لأنها شاهدة الميلاد التي بدأ عندها تعليمنا الشاق. النقطة التي تلمع عندها حزمة ضوء الحياة للمرة الأولى عندما نخرج من ظلمة الرحم. إنها أبدا تبقى محفورة في قلب الذاكرة. أتذكرها الآن بحزن جلل. ذلك العالم الهارب مني يتكثف ويتوهج في وجوه, في زقاق او حجر صغير كان يبدو لي فيما مضى كصخرة كبيرة.
تضاريس طفولتي وحدودها دغل نخل, تلال رمال فضية, روابي ذهبية, جبال غرانيت سوداء, حقول لوبيا, عدس, قمح وفول, بساتين برتقال ومانجو وليمون وكروم. مغارات وكهوف. رسومات زرافات, أبقار برية, تماسيح ونمور فوق صخور وجروف بلدة غرقى تلوح خلفي في وداعي.
أمامي نواح قطار يسير حزينا في عمق ليل يسبح, باسم النور بنوبية فصحى. غامت أعيني في نوم محموم. فحلمت بعرس فوق شلالات أبكي. تدفق الناس من تحت الماء وطفت ترقص على أنغام طار عبد النبي, اصطفوا كعادتهم في ساحة العرس صف للرجال وآخر للنساء. اختلطت الزغاريد والأهازيج والترانيم النوبية, بينما يلعو عبد النبي بصوته النغوم والطار العاشق يسمو بأفئدة الناس فوق النيل ثم ترتطم بجبال الغرانيت التي تحف البلدة وتحميها من التبدد في الصحراء, فيردد الكون الصدى. رأيتهم في حلمي يصعدون أعالي الجبال, بعد أن استبد بهم الطرب كانوا مثل نساك يتسمعون لشيخ يتلو القران أو رهبان كنيسة فرص يتلون في إنجيل سانت ماتيو. تبدد الحلم حينما حل العروسين وجلسا وسط الحلقة فوق برش بنفسجي وسيدي زهرة يمسك بعصاه مدوزنا ايقاع الرقص, كانا علي صهوة جوادين خرجا من تحت الماء فمارت المكان بالزغاريد, برهة, ثم صمت.
كان الصباح يلوح في أفق من غبار ودخان وطوفان دموع تتفصد من عيون كابية. ترانيم الغناء تبددت في عتمور يتمطى متثائبا مع أول لسعة شمس.
في مساء اليوم الثاني من الخروج كان القطار يدنو بعمري من سافنا بطانة غضة تتنفس من قيظ الظهيرة وترشح مخاطرا وغموضا.
أول فصول حياتي كان شتاء, فطمت في أبكنساب قبيل الهجرة, هجرة الحلفاويين وليس هجرة الرسول طبعا, ثم حملت طفلا حينما قيض لأهلي أن يخرجوا والي الأبد من فردوسهم, غرامهم المجنون وادي حلفا.
كنت في الثانية حينما تبدد الدخان والغبار عن أرض بدت لي وكأنها في القمر, ارض طينية موغلة في السواد. كان القطار يغوص ويدنو بطئا من البطانة ومن وادي ساساريب.
بدت لي في ما بعد أكثر خضرة وغموضا.
حينما حللنا بقرانا في الليل. لم نكن نرى شيئا, قال أعرابي من الذين أتوا لاستقبال من سيتقاسمون معه سقف السماء,أولئك الذين ينفذون إلى و من اللامكان ويستشفون في الليل المسارب والدروب كأنهم قوم بوم. قال وهو يهدهد ناقته ويرتب بحنان على كتفها وهي ترغي خوفا, أن شمس البطانة في الليل تربط خرقة سوداء حول أعينها ووجهها متصدعة بقيظ الظهيرة وتنام متوسدا السماء, فلا ترى شيئا غير قطرات أدمع تزرفها انجم الديجور. ملكنا الطريق وحذرنا من سماء البطانة ولعانتها عندما تغضب, ومن عواء النهر في الخريف حينما يجوع للحم البشري. اختفى مثل ما بدا لنا في ذلك الليل فوق ناقته, محاطا بهالة بيضاء, حينما اصطدم بالشعاع المتساقط فوق العشب الليلي من لوري يشق طريقا وعرا نحو قريتي. كان مثل اله يمشي فوق السحاب.
في الصباح وجدنا أنفسنا مكدسين في غرفة واحدة, ريثما تبدأ أمي في تجهيز مأوانا الجديد. بقية اليوم أشبعت فضولي أبحلق في لواري تجوب قرى تغوص في وحل الطين والبعوض, محملة بأكياس الحليب الجاف, مكتوب عليها بالإنجليزية for dogs and horses , وعلب جبن رومية, من بقايا ما جادت به المعونة الأمريكية, لم يكن يستسيغها أحد, اكتفوا بما حملوه من تمر ومن عسل وطحين ريثما يشمرون سواعدهم وتثمر الحقول.
كانت هذه أول متاهة في تاريخ تشردي الطويل, دخلتها بدهشة طفل بائس وخرجت منها وحيدا بعد أن تاهت أختي التي تصغرني بعام ونصف عام. صادها ملك الموت بعد أن أغواها متدثرا في ثوب حب فول سوداني مسموم تساقط في ليل خريفي رطب, لزج و مشؤوم. أسهلت دما ثم ماتت. تشبثت أمي بي واحتوتني بحنان بالغ خوفا من أن أصبح مثل مهديه صيدا سهلا للموت. سنوات التشرد الأولى كانت أكثر الأعوام قسوة. سوسو لأبوت جودا اون كشين يومقا جودا.
خرجت مبكرا في ذلك اليوم, وقد بلغت, بعد عراك طويل مع جيوش البلادموزيوم, الثانية عشر. كنت أشعر بوحدة مطلقة, الأفق بدأ ملتهبا والشمس تلامس في أشجار الكتر التي تسور المدرسة. رأسي تضج بقوى مجهولة, بعوض, حمر بنية وحشية, بدو ضامرة الأجساد يخرجون من شقوق الموت, يعانقون شيخا مسلولا يسعل متروكا لعذلته في ركن قصي من المدرسة. غرفة آيلة للسقوط حائطها فوق رأسي الملتهبة مفاعلا, تتوالد البلادموزيوم بين كل ساعة وساعة, تبدأ في الانشطار, فيزداد الهذيان والحمى..
في الفصل لم يكن هناك أحد. فتحت كتاب التاريخ فخرج عقرب أصفر ضل طريقه. حاولت أن أقتله لكن دون جدوى انزلق بين فتحة قميصي المهترئ وبدأ يتحرك هابطا إلى بطني المجهد طراشا. نفضته بيدي اليمني فلدغني, بعدها أرتجف رجفة خفيفة ثم استسلم للموت.جاء شريف أحد زملائي وبعده بدقائق دخل علينا أستاذ نور بقامته الطويلة وصلعته اللامعة, واناقته التي كانت سمة وضرورة عند أساتذة ذلك الزمان, كان يدرسنا مادة التاريخ والإنجليزية. أغلب أوقات الحصة كان يزرع الفصل بأرجله وهو ممسك العصا بيده اليمني, مشيا. يخلط اللغات الثلاثة, النوبية, العربية والإنجليزية. كان قاسيا عند العقاب عينه الأحول يتطاير شررا ومع ذلك كان ذو روح سرمدية الخضرة. فيما بعد عرفت من أليسا أنها كانت قد علمته لبضع شهور في مدرسة وادي حلفا الابتدائية.
قضيت يومي سعيدا بلدغة العقرب الذي جنبني حصة التاريخ, لم يكن يروق لي, كان مملا , أحداث وتواريخ لم نكن نستخلص منها لا عبر ولا دروس, كم من الساعات قضيناها يا ترى نقرأ في كتاب يفوق المائة صفحة, ثم لا نتذكر منه شيئا. كنت أفضل الإنجليزية. نور يرق مزاجه ويعلمنا الإنجليزية بروحه المرحة مداعبا هذا وضاربا ذاك, وكل ذلك بشفقة أبوية, وهو يمشي جئة وذهابا.
لقد كان ينتمي إلى نوع منقرض من المثقفين. كان رومانسيا, لكنه كان الشاهد الذي لا يرتشى. كم أنا مدين لهذا الرجل. دائما ما تجده شاردا في حديقة أفكاره, بوجهه الجنائزي ومزاجه المكتئب, لكنه كان يملك فهما متقدما للحياة ويتعامل معها بنبل, بمرؤة وعزيمة عالية. موازيا لروحة المكتئبة, المثقفة كان لنور شخصية توحي أنه لم يتلقى تعليما رسميا علي الإطلاق. قال لي مداعبا في ذلك الصباح-
موق ارمنقا فجر صبحلي اشري الق. كان يقصد شريفا بذلك, ويعني انه فأل شوم أن يصبح الإنسان على وجه كلب أسود. فيما بعد كنت أكثر ميلا لعشرة الكلاب ولقد رافقني كلبي برنس طيلة أيام دراستي في الثانوية, أركض خلفة حرا في حقول نمرة اربا.
في ذلك المساء, كنت وكأنني أقرأ في وجهها أجزاء من فصولي حياتي التي دمره السد.
قالت وهي تتذكر أيام دراستها في وادي حلفا بعد أن قرر أباها العمل فيها. فجاءها منقولا من الحصاحيصا.
بالرغم من إنني في هذا الشتاء التسعيني, انتظر الصباحات والتي دائما ما يولد عندها أمل جديد في الحياة, أتأمل وأصلي لهذا البلد المحطم والملوث بحكامه وأغلب رجالات السياسة. لكن دعني أنقلك بعيدا عن هذا السودان.
مترو.
صباح بارد وممطر, خرجت ممنيا نفسي أن أجد من يعينني ببعض مال حتى أقاوم ما تبقى من أيام المسبغة التي تجتاح الكثيرين من المشردين, هذه ثلاث أيام لم أكل خلالها غير خبز تقاسمتها مع بعض الفطريات, وبقايا زبد تجاوز تاريخ الاستعمال, في الطريق إلى متونقي قررت أن أخذ المترو بدلا من المشوار الطويل الذي يقضيه ترام أربعة وتسعين إلى بورت دي نامير, جلست في المقطورة الأخيرة تحسبا لمفتشي التذاكر الذين دائما ما يأتون في أوقات عصيبة كهذه وكأنهم يشمون من الذي لن يدفع اليوم . جلست جنبي امرأة, إنها مشردة, مثل آلاف اللاجئين في العالم, مثل سكان جنوب بلادي المعدمين المحرومين من الأرض, مثل أهلي الحلفاويين, اقوام مكذوبة عليها مظلومة حتى من زوى القربى وتشتتوا في الأرض دون أن يحملوا ضغنا على أحد, ومن تبقى وما تبقى منهم شيعته الأمواج إلى مثواهم الأخير في بطن النيل. أو مثل هؤلاء الذين يبحثون بيأس عن الخلاص بالفرار من افر يقيا, من فلسطين والعراق وألبانيا. امرأة من بين الملايين الذين نتحمل مسئوليتهم. أناس يجهلون كل الإيديولوجيات والإحصاءات الاجتماعية. لكنهم يعرفون جيدا بأنهم لم يؤخذوا في حسبان التاريخ.
في اللحظة التي خرجت فيها من المقطورة التي أنا فيها إلى المقطورة الأخرى لتواصل بحثها عن بضعة الفرنكات.
تقاطعت نظراتي بنظرات حزينة تلفظ أنفاسها لطفلة صغيرة تحملها على ظهرها. قادتني النظرة إلى التفكير في قدرنا اليوم, فوجدته يشبه عالم يخطو نحو تمزقه وفناءه, بينما الحياة تحدق فينا بعينيها الجائعة للجنس البشري.
هنالك أيام كاليوم مثلا, أنهض فيه وأمل جنوني يتملكني, لحظات أشعر خلالها أن حياة أكثر إنسانية ممكنة وفي متناول أيدينا. هكذا وجدت نفسي هذا الصباح أكتب دون تبصر واستعجال كمن يركض في الأزقة, مناديا النجدة اثر اندلاع حريق أو كسفينة علي وشك الغرق تطلق صفارة إنذار أخيرة لميناء قريب لا يسمع فيه صوتها نسبة للضجيج المحيط, ولا تشاهد فيه نسبة لغليانه بالإشارات الضوئية.
فلنأخذ لحظة للتأمل والغوص العميق في العظمة التي يمكننا أن نؤمل فيها, إذا كان لنا الجرأة في مواجهة الحياة بصورة مختلفة. يجب أن نعرف كيف نقوم بهذه المخاطرة التي قد تشكل البعد الإنساني الحقيقي ما دمنا سنقوم يوما ما, بإعادة اعتبار الأشياء بصورة مغايرة. لكن الذي لا ينبغي أن ننخدع فيه هو أيماننا بأن القيم الضميرية فقط لا غيرها هي التي تستطيع إنقاذنا من تصدع الأرض الذي يهدد شرطنا الإنساني في السودان.
بينما أنا كاتب ما أكتب توقفت برهة أتأمل في تمثال أهدانيه لي بيتر الجنوبي والذي التقيته في إحدى أمسيات بر وكسل علي أواخر أيام مجدها, في (مقهىfin de siècleنهاية القرن).كان القرن يدنو من خرفه لكنه لم يغب بعد في فانتازماقوريهات الإرهاب المجنون. فاض كاسينا بحديث حميم وأنيس هميم, كلانا ترك مكان أثيرا إلى قلبه وجاء إلى بر وكسل.
أنا تركت خلفي تضاريس امرأة وفصول طفولة أودعتها سافنا البطانة وخبأتها في دواخل قلوب الملائكة نسائها, صبايا نوبيات بشاريات, فوراويات, رشايدة هدندوة بطاحبن وبصالوة, فحفظن السر وتوارثنه. وهو من غابات بور تحترق حربا. كان السودان يغوص في ظلمات الحرب الثانية في الجنوب, اختلت بها الفصول فصارت بلا شتاء ولا مطر.لم تكن الأنباء الواردة تسد رمقي.في الآحاد كنت أرتاد المقاهي و التي كانت تقام في بعض منها في ساحة الرمل le petit Sablonالمحاضرات والندوات الادبية والسياسية.لم تعد المقاهي تأخذ طابعها القديم في هذا الزمن الذي يكثر فيه النمل البشري, كنت ارتادها حتى أخفف غليان رأسي الذي لا يهدأ, إلا بابيار باردة. حينما طلبت الكأس الأول كان المكان لازال هادئا, بيتر من عادته أن يأتي في اولات الليل

حينما غادرت اليسا بروكسل للأبد لتجد حتفها في الخرطوم, كنت في وداعها وكعادتها كانت مشغولة بالكلام مع بعض المودعين, مدام فاندن ابيل تكاد تصرخ غضبا وتحاول أن تبقي أليسا لكنها كانت مصرة على السفر, كانت تنظر في اتجاهي متجاهلا صخب أختها , وتعلق ابتسامتها التي لازالت تضئ كمنارة سفينة, فوق وجهها ثم مضت. بعد أن وعدتني بالكتاب حالما تصل الخرطوم, كانت مصرة على أن تبحث في أغراضها التي تركتها في إحدى الشنط القديمة والتي وجدت طريقها مع بقية ما حملتها من وادي حلفا.
هذا الصباح كنت متأكدا من أن الرياح الجنوبية ستحمل لنا مطرا, لكنني كنت قد أخطأت التقدير, فالسماء الرمادية كانت قد صفت وعند نهاية الظهيرة لم تكن هناك غيمة واحدة.
قادتني هذه الفرضية البسيطة, البريئة والخاطئة إلى التساؤل حول الأخطاء الكبيرة التي نرتكبها طيلة حياتنا.
بعد عبور طويل من الأحلام والذكريات, توقفت روحي عند صورة اليسا , حينما زرتها في ذلك المساء, من شهر يناير, كانت تجلس وحيدة علي الطاولة الكبيرة التي تحتل وسط صالة الطعام, ظهرها للباب, الستائر مغلقة, أضواء الأباجورات, والتي لازالت في أماكنها منذ أن غادرت البيت العائلي, خافتة والساعة الحائطية تجئ وتمشي دون ملل تق تق تق.... لا شك أنها تتذكر ذلك الزمان السعيد حينما كنا نتحلق حول هذه الطاولة. بعد أن تملأها بأصناف الطعام والحلويات التي ورثت صناعتها عن أهلها الذين كانت تتحدث عنهم بتصغير وكأنهم حبة باوباب, أبانا في طرف وهي في الطرف الآخر وفي الوسط أخي لوسيان يحكي قصصه الملفقة بالأكاذيب البريئة عن الفلكلور العائلي.
كانت أعينها غائبة خلف حجاب دموع حينما رفعت ببصرها نحوي وهي تقول
(إن الحياة ليست إلا أكذوبة). نظرت إليها صامتا لأنني لم أكن أستطيع أن أغير مجرى أفكارها وهي التائهة في السنوات التسعين.
بعدها بقليل, روت لي وهي تنهل من حوض ذكرياتها عن أحداث عاشتها في بروكسل وأخري عاشتها في السودان. حضوري نفخ فيها طاقة .شربنا الشاي بعد أن أعدتها بذات الطريقة التي كانت تعد بها قديما. في ذلك الزمان الغابر, بعد قصص لوسيان وأكاذيبه البريئة نقوم جميعا بمساعدتها في إعادة ترتيب الطاولة, أبى نادرا ما يتحرك من مكانه, ثم يبدأ فصل الشاي. لم يتبدل مزاجها ولم تكن تتذوق القهوة أبدا.
غامت أعينها في بالدموع حينما حان موعد افتراقنا, لكنها كانت قوية فهي تنحدر من أسرة صلبة المراس قوية الشكيمة, فتمالكت نفسها. لازلت أراها أمام عتبة البيت, يديها ترتجف قليل, حينما عانقتني ذلك العناق الذي لا مثيل له والذي لن أنساه طيلة ما كنت حيا. في الشارع, كانت الأشجار قد توشحت سوادا وغاصت في صمتها المسائي المريب. التفت مرة أخرى إلى باب البيت, كانت ترفع يديها مودعة بخجل نبيل ثم بقيت وحيدة. وقت ذاك كنت غائصا في أشغالي الخاصة إلى الدرجة التي لم أكن أشعر بأنني أراها لاخر مرة واقفة وبصحة جيدة, وبأن ألم ذلك الوداع سيراودني إلى الأبد. كما في هذه الليلة التي أتذكرها من خلال الدموع.
في التأرجح بين ما نرغب أن نعيشه والتوتر المستمر الذي يصاحب أغلب حيواتنا هناك هوة مفتوحة في الروح تبعد الإنسان من السعادة, إنه تعيس يشبه ذاك المنفي عن مكان ولادته.
بينما بقيت اليسا على حافة أمتار من القبر لا تتحرك دون أن تحاول إبقاء ابنها قليلا, ركضت وكأنني أصم لا أسمع ذلك النداء المتواضع, خلف مدني الفاضلة, معتقدا في تلك اللحظات بأنني أستجيب لنداء وحي عميق, وبالرغم من أن العلوم التطبيقية والدراسات السينمائية التي درستها والقراءات المتفرقة في تاريخ شخص اختفى منذ خمس عشرة عاما والبحث عنه لم تروي عطشي للمطلق, إلا إنني اقر بأنني وهبت نفسي إلى ما يأسرني. فوق هذا الطريق المتناقض الدنس ككل طرقات الإنسان. كان يقيني الفطري بالحياة والإصرار العنيد في ما كنت أعتقده حقا منقذين لي من السقوط في دوامة الإحباط المفضي إلى الانتحار الذي كان قد بدأ يلعق بألسنته الحادة وتنهش بأسنانه في أجساد نفر عزيز لهم في القلب مكان أخضر لم يزل غضا, عرفتهم وأنا أرتاد شوارع بروكسل ليلا, مثل أعمى. كان الوجود يبدو لي كتناقضات الهذيان, كدوخة سارتر في ال la Nausee, كان شبيها بمخلوق ضخم مترهل. محدقا في صورة المخلوق نفسه تتملكني رغبة عارمة لتشكيل شيء من الفولاذ النقي, المصقول والمقاوم. كلما ابتلعتني ظلمات العالم الليلي تشبثت اكثر بالعالم الأفلاطوني, لأنه عندما يكون الترنح قويا نلجأ دائما إلى البحث عن نظام ما.
هكذا نجد أعمالنا, بحوثنا, ومشاريعنا تمنعنا من رؤية الوجوه التي تفرض علينا نفسها كرسل حقيقيين لما نبحث عنه وهي الوجوه التي كان علينا أن نصاحبها ونحميها. ألتفت فأرى حركة يديها وهي تلوح بالوداع, وأنا أراقب بحزن المزق الذي يصاحب السنوات, سنوات العزلة التي نترك فيها المسنين, آبائنا, أجدادنا وكل الذين يعود إليهم فضل وجودنا. إن (رقينا الاجتماعي) يلفظ كل الذين لا ينتجون, انهم تركوا لوحدتهم غرقى أفكارهم, يا ترى كم فقدنا جراء هذه الأخطاء, أي خراب لم يتركه الزمن على وجه الحياة, أي هوة سحيقة لم يفتحها وكم من الأوهام لم تصقع وتتجمد بردا, عواصف مدمرة, موت أناس نحبهم و مشاريع كثيرة. فكرت في شيء بدت لي كمعجزة, البحث عن أقرب طريق للوصول إلى ملجأ في أعالي الجبال يبعدني من المعاناة والآلام, اعتقادا مني بأن أعالي الجبال قوية. حاولت ذلك في كل مرة يصبح فيها الدنس غير محتملا, اعتقادا بأن الجبال نقية. كلما أقلقتني صرير الضجيج في المدن, اعتقادا مني بأن في أعالي الجبال الخلود. لكن الوساوس وما يشعه الناس من دفء أنفاس لا تلبث أن تتملكني فانزلق في المتاهات والتفاهات.غير أني كنت هميما بأن أسمو في نفسي. فالعالم ليس خارج قبضتنا وحسب, انه أيضا في دواخل أسرار قلوبنا, في سديمنا الداخلي. وعاجلا أم آجلا تنتهي أعالي الجبال بأن تصير ملاذا غير محتملا, هروبا. لأن العالم الذي نحن مسؤولون عنه إنما هو هنا هذا العالم السفلي, انه العالم الذي يسيطنا ألما وهزيمة لكنه هو الوحيد الذي يهبنا الامتلاء بالوجود, انه هذا الدم, هذه النار, هذا اللقاء المرتقب مع الموت الذي يشعلنا. انه العالم الوحيد الذي يهبنا حديقة في غسق الليل, عناقا ولمسة يد حنونة.
ها هو يوم جديد يطل علي بروكسل, يوم ككل الأيام التي تشرق علي الأرض منذ أن صار الإنسان إنسانا. من نافذتها التي تطل علي ساحة صغيرة. لبثت أليسة تراقب في صبي يجري متأبطا حزمة جرائد الصباح. تساءلت لماذا لا يسير علي راحته؟ ربما يريد أن يطرد البرد, وربما يتطلب هكذا عمل السرعة في التنفيذ, كلب ضال تشابه لها برنس يبحث عن ما يسد الرمق في برميل قمامة. شابة تشبه إيزابيل ذاهبة إلى عملها. مادا قال عبدون ذات يوم؟ الحرب إما غباء أو خطأ لكن لفيف البشرية التي ننتمي إليها يعد شيئا مطلقا.
إن روح الإنسان في تذبذب مستمر بين فعل الخير, هذا الحنين الخالد, هذا الحب الذي نحمله جميعا و السقوط إلى هاوية الشر التي تغرينا وتسكننا, وفي أغلب الأحيان دون أن ندري ونفهم مدى الألم الذي تسببه أفعالنا للآخرين. إن تسلط الشر وإعلائه علي الحوار قاداني إلى نوع من النظرة المانوية, إذا كان الله موجودا وخيرا ورحيما مطلق الرحمة,فيبدو انه مقيد, لان لا أحد يحس به. بينما الشر واقع في السودان, ولا يريد برهانا: حربان مدمرتان قضت علي الأخضر واليابس في الجنوب, قتل جماعي غياهب التعذيب في بيوت الأشباح, متاهات تصيبنا بالدوار لأننا نرى وجوهنا وحوش كاسرة. ومع ذلك, كم هو مجلل للروح ومؤثر للقلب أن تجد الرأفة البشرية وسط هذا العنف والوحشية. الطيب والطالح لا يفترقان انهما يسكنان معا في القلب.
أخيرا أرى
صبت بي الكلمات البريئة
وكما بالأمس, عادت الدموع تزور عيوني
أتذكر تلك الأيام البعيدة
حينما عانقت أبكي
الأرض شاهدة ميلادي
أسعدت روحي الوحيدة *
فرقصت مجزوما
كم رقصت
ها هو الطفل الذي شب تحت بركات حنانك
يغادر مسرعا دار الطفولة

صفاء الذهن الذي اجتاح ذاكرة جنى الليل في فجر ذلك اليوم الخريفي, كان كمثل ضياء منارة تشع بأشعة جبارة وتضئ أرجاء واسعة منها. يرى وجوها, فئرانا في خلايا سجن, سوق وادي حلفا, دروب ومسارب ابكي وجزرها, ساقية شريف, ساقية شلك, حقول الذرة في الباشونق. بحارة وبواخر تشق صدر بحر الشمال وترسو في انتوربن. يحرك مصباح المنارة, فيرى أشياء بعيدة, نافورة ماء في صينية مونتقمري مضيئة بألوان عديدة, عاهرات محطة الشمال ببر وكسل وحلة سبعتاشر بحلفا الجديدة, أنوار سينما الشرق. غفوته متقلبا فوق عنقريبه بباحة مدرسة جمي, في ضحا يوم غايظ من شهر مايو عام أربعة وثمانين من القرن الماضي, حفل عرس كافينول في الصين الشعبية, فتحي, عبدو سعدان, اوندي, حمزة, محمد سري, علي مكين, كول, جنكير وطيرانهم. عبده فرح صديق جنى الليل في طاحونته وراكوبة شعبان, تقهقه منتشية بحكايات وطرائف عبد الله شلك, محمود باركو, وجون الجنوبي صاحب القناع, المتأفف الأبدي من الدنيا, فالهواء عنده يفح برائحة كريهة. محمود جريمة يستجلي القرية بنظراته البانورامية مثل صقر يوشك على الاقلاع, من فوق مصطبة بيت جدته مريم عثمان. يهذي بلسان ثمل في كلام مبهم ملوحا بسبابته, متتبعا أثر شياطينه الليلة, يتوارى ثملا عن الأنظار يغيب ثم يستقر وسط حلقة الرقص . تفور ساحة العرس, ثم يتدفق الطرب وينساب بين الحقول حتى قرى الشكرية.
توقف برهة في حوش المدرسة, بعيد نهاية اليوم الدراسي فوجد جنى الليل الجد, وبعد أن أمن على أبواب الفصول فصلا فصلا, يتمدد فوق عنقريبه تحت شجرة اللبخ التي تحتل الجزء الغربي من حوش المدرسة, حاضنا مذياعه الذي لا يفارقه, تداعب أحلامه أمواج صوت الحركة الشعبية. الحر يكظم الأنفاس ويقبض خانقا أرواح الناس. والشمس صوحت الأرض حتى تشققت . ذبل نهر عطبرة فوق سريره بعد أن ضمر حوضه, فجفت قنوات الري والحقول عطشا. خف صخب الأطفال ولم يعد هناك غير صوت صغار زرازير تطاير زغبها جوعا فوق أشجار لبخ ساكنة كأنها مصلوبة. ولا ورقة تتحرك.
أمامه, وعلى امتداد بصره, تترأى له مقابر القرية, صهريج المياه,, ربوع عشائر الزغاوة, الهد ندوة, الرشايدة, البني عامر, الملو, والفور مبعثرة هنا وهناك. محاذاة الترعة, تناثرت زرائب بقر وخراف ضامرة, ابل جربانة, أعاصير ترابية قزمة تولد ثم تموت في المهد بالقرب من أشجار مسكت, بعضها تشب عن الطوق وتلتف حلزونيا نحو السماء كأنها تستجدي الشمس بان تكف عن سياط العالمين. خيوط دخان تنتصب في حقول الذرة عند تخوم ساساريب وقرى الشكرية. سحب يده اليمني من تحت رأسه, ووضعه فوق جبهته حتى تتضح الرؤية, فبدا له في الأفق الشرقي شبحا يخوض في الماء, محاطا بحاشية غزلان فضية. كان سيدي كوكوعائدا من حقول الفول في اتناشرات.
نوع من الخلود. خلود حقيقي. خلود الروح ولا شيء غير الفن زادا للمعاد. هذا ما كان يقوله في نفسه بعد أن زارته في نومه المتقطع ليلة أمس. تزوره كثيرا هذه الأيام. برغم السنوات, بقيت حية في روحه. أحيانا يجدها حارقة, متشققة مشتتة في خفايا قلبه وذاكرته كجمر تحت رماد. ستبقى حية مادام جنى الليل الحفيد حي, وحتى نور الله جابو الضائع منذ سنين طويلة ربما لا زال على قيد الحياة في مكان ما, ككل البشر الذين تقاطعت به السبل معهم. أقرباء كانوا أو بعيدين. كل أولئك الذين أصبحوا جزء من روحه كقطعة موسيقية مدهشة غرايبية. ثم يخمد الجمر بمرور السنين. شيئا فشيئا يصير غامضا لا يبين. سيصبح فيما بعد قطعا أكثر اختلاطا وبعدا, كذكريات بلد شببنا فيه ومشينا في دروبه ثم جاءته طوفان, أوهام خرافات, دمار حروب وإعصار متين. وجد أرجاء واسعة من ذاكرته تبددت غرقا واحترقت ما تبقى وذر الريح رماده فصارت عدما. اختفاء حلفا وموت خليل إبراهيم, محجوب سكينة, سيدي كوكو, بسيوني كاشف الملقب بالخواجه ومركز حاكم, جويل كامو, لوسيان, كريستيون ماي ماي, جورج بيتري , رومين وروبرت وعبدون, رياض أبو شوشه وكريم الفلسطيني عربي عبد الباسط, شكري تميمة, ايزابيلا وآخرين عجل من موته. جفت عروق المرح في روحه فدخل في أواخر الليل. وكما تشيخ كل الكائنات ثم تموت بسبب موت أولئك الذين شكلوا معه قطعة قطعة هذا المشهد الساحر, مشهد الحياة, كان جنى الليل قد دخل المشهد الأخير من العمر.
غفا قليلا, ريثما يصل سيدي كوكو والذي كان قد بدأ يلوح له بلجبابه الأبيض وعمامته التي تجلس فوق رأسه بسخرية واضحة مقتربا من المقابر, فغاب في أحلامه بين الآلام والهزات العنيفة. إذاك رأى أليسا تتدفأ بالقرب من موقد فحم يتوهج جمره تحت كفاتيرة زرقاء اشترتها من سوق وادي حلفا ولا زالت تستعملها حينما يصقع الجو في بروكسل خلال شهور فبراير من العام حتى وجدت حتفها في السودان, بعد ثلاثين عاما من التشرد. وجدها منتشية وكإحدى حكيمات قبيلة كبيرة تذوب في النسيان, تحكي لشخص لم تتضح له ملامحه في الحلم وثمة ثلج كثيف يتساقط في الخارج, عن أحداث مرت هنا وهناك إبان تواجدها في المدينة وتاريخ تواجد نور الله جابو. تتداخل الأحداث وتتشتت, بعضها مرتبطة بتوترات متناقضة عميقة وبعضها مليئة بالأخطاء غير منتظمة, منشقة, فوضوية المنحى لكنها كلها كرست لشيء واحد هو البحث عن الحقيقة.
ارومن تتور شالوق منجناني انقتو اوولاك تيق إكا ككي.
لم تملك اليسا الشجاعة الكافية للحديث عنه هو بالذات, بالرغم من ذكرياتها وأساطيرها الكثيرة عن أحداث وقعت على أيام تواجدها بالحصاحيصا, الخرطوم, أمدرمان ثم وادي حلفا في بدايات القرن الماضي قبل أن تهاجر في النصف الأول من الخمسين إلى بلجيكا..
ظهوره في حياتها أول مرة في وادي حلفا ثم غيابه وظهوره مرة أخرى, حول حياتها رأسا على عقب, قوض مشاريعها فلم تستطيع صبرا على الحب فوهبته حياتها. كان يغازلها, ويتغنى بها في الأمسيات وذاع صيت علاقتهم في أفاق البلدة وانتشر خبرهم, في كل القرى حتى مشارف المحس في الجنوب وادندان وكوممبو في الشمال.
تحمل أمواج النيل ضمن ما كانت تحمل من صور وحكايات عن أبكي وتمورها المشهورة, صخب شلالاتها,أنين سواقيها,غناءه المسائي وقد أطلق العنان لصاري مركبه والنهر قد رق وجهه مثل وليد ينام.
ادانيقا بناتيقا, فلفلكا شتقا كمون جكركا تاقيقا كوقشكا فا ناروو
مين اليا مين اليا
ايقادن ووكوقش ايقا تن دولن اليا مشكن اليا
ايقدين ووكوقش ايقا تن مشكن اليا جلين اليا
ابا اليا دولن اليا ابا جهرا ولا إن نسرا
اندولي ويل ويل موقسيلنا
اسلين تاري تاري ايلننا شورتاننا
من اليا من اليا
إقادن ووكوقش ايقا تن دولن اليا جلن اليا*
تمزق غيم غرامهم بعد أن ابرق وارعد دون أن يمطر وبالرغم من ذلك دائما ما يكون خلف ستار ذكرياتها الكثيرة, في مكان مظلم لم أفهم سببا لذلك. ألم يكن مسكونا بسحرها, كما هو معروف, وكما قيل؟.
- اوافي جنى اليل, مسكاقنا, كوقرانقفينا اليني؟ ار نايدن فريكينو, ولا اق تامو؟
استيقظ وحياه - اوه سيدي انت جيت, ثم أردف بعد صمت, خفض خلاله صوت المذياع, أشرايمون ولا ويفمو. الين شدا أيقا كبداين أوديكن. ان مالدنقن عرقيتركا, داكايتركا مشكري, كدكا ايقا شورتيق اوركروديني... لكن
- ارقي منا دكايمنا يا راجل قول بسم الله , ديمي ارين نيسيني, دكايمي عرقيمي, ويسكيمي بيرايمي كيسا مدوسا تكر كرشاين دورا. اوني ارين نيسين تا خشم القربة هدندويتانقو, زبيديتانقو حلفكتنقو. شكريجينتقو ملتنقا فسكركروج.
- هوي ار هسنقون كرو هسنقون انبنجدتالكا بنجي. أخرج سيدي حقته ثم أخذ سفته واردف وهو يحاول ان ينعش بمرحه وسخريته السرمدية فؤاد صديق صباه
- اوون ايقا ايقدينكمنا, ار نايدن فركوني, ولا نسركا اق نلو.
غاص جنى الليل عميقا في المتاهات, فغشت عينيه حشرات, ديدان, قمل وجرائم. خليط من روائح شواء وطاويط وفئران, دم وقيح يفح من جسد خليل خدن روحه, أصيب في رجله الأيمن وتعفنت قدمه داخل الحذاء العسكري, وبالرغم من ذلك عادا من الصحراء الليبية بعد أن حاربا ببسالة في صفوف الحلفاء ضد روميل.
تغوص المتاهة به متعرجة في وحل مستنقعات وأحراش, وهو الخارج من فم الموت من بين كثبان رمال لتوه. مثل داب السحيم سافر في الغياهب رائيا علامات تكتبها وسامعا أساطير ترويها الشرور. جاءت تقفز فوق عنقريبه بفوضى قريبة من فوضى حلم وهي تلوح بأنيابها ومخالبها. وجد نفسه مكبلا بالهذيان واختلاط الرؤى والتراجع بسبب الاتهامات التي تتخيلها شياطينه المألوفة.
ولد جنى الليل والعهدة في ذلك على ما قالته اليسا عنه بعد أن توسلت إليها كثيرا, قبل أن نغادر البيت واحدا بعد الأخر, أنا ولوسيان ونتركها وحيدة, وهي قد قسمت طاقتها في إعداد شاي معطر تعده بنفس المزاج, وتجهيز الفلم في انتظار عبدون فرح. لم تتبدل برامجهم منذ زمان طويل. كانت قد امتنعت عن الحديث عنه مرارا, لا أدري ولم ادر قط لماذا.
قالت بأنه ولد بالقرب من وادي حلفا في القسطل أو الشلال مش متأكدة يابني, كعادتها في الكلام, تخلط اللهجة المصرية عندما يطيب ليها الحديث عن ذكرياتها البعيدة. يا له من شقي ذلك الجني الليل, قالتها بسخرية تشوبها عاطفة, بس كان ايه وسيم أوى, كان من أولئك الذين لهم حضور فوضوي, أرستقراطي, متطرف أحيانا وديع فتحسبه شخص أخر. التقينا في وادي حلفا ثم تفرقت بنا السبل سافر هو إلى الجنوب مع قريبه حسن ابوسبيب, بعد أن تم تعينه مدرسا هناك في جوبا, عاش حياة هادئة بعيد عودته من الصحراء الليبية,. كان دائما ما يقول عن نفسه عندما يجتمع بعصبته, ويتكرر استفساراهم عن أسفاره الكثيرة انه مثل سمكة تطلقها في العراء فلا تلبث أن تقفز بعناد حتى الماء, كذلك علاقتي بحلفا, أعود إليها بعد سنين بنفس الحنين, فهي لازالت تغشوني في أحلامي ويقظتي بين كل حين وحين.
كلما غار في المتاهات وابتعد عن محطة القطار في المدينة المسالمة مودعا أهله وحفيده جنى الليل محمولا على قاطرة الحزن, اقتربت محطات الشتات شبها بها في ذاكرته, كأنها محاولات رسام متعاقبة, يبحث في الهاجس المدفون في أعماقه ليرسم لوحة عصية. كلما خلط في الألوان تمكن من السيطرة على الأماكن المظلمة والمضيئة. استديو البربري مبني بطوب أحمر داكن, طلاء أزرق يحتل أعلى المبنى رمل فضي في مقدمة الاستديو... مقهى النوبي, عبده مترجم, فندق النيل والتوفيقية, ..... لقد كان يعرف حلفا جبلا جبلا, بحكم عمله سائقا للوري,كان من القليلين الذين يملكون عربة في ذلك الزمان, هناك نمت حواسه مع أحشاءه. ذبح له عند قدومه. استقبلته الأسرة استقبال كما يستقبل الملوك, عفر في تراب طفولته وهو يحبو بينهم. عمد في ماء نيله عند فاشكلو والتقيرية ككقيقا اوتينتا وو اين فنتيتو بسا فيك كوجن اشركين ماج لتون ماجس دونكن انول ايقا كيرادينو. هكذا قال لي عندما التقينا أول مرة في جزائر كوكي, في حفل عرس. لن أنسى ذلك اليوم طيلة حياتي, تقدم مني في حلبة الرقص بقامته الفارهة وكان يجيد رقص النقشبندي إجادة مدهشة, قليلين من مجايليه كانوا يجيدونه مثله . تعرف أمي كانت تقول عنه دائما بأنه أستاذ عظيم.في الرقص. روحه القلقة المزعجة في سنوات طفولته كانت دافعا لكي يتخذ اباه قرار إرساله إلى الحصاحيصا عند أخواله الذين كانوا قد ذاع صيتهم في عالم التصوير في بدايات العشرين من القرن, اكبر أخواله كان يملك استديو صغير في وادي حلفا ثم انتقل به الحال إلى االحصاحيصا. .
وبالرغم من ذلك كل تناقضات الحياة تجتمع في جنى الليل.
انتمى لجيل بالزمن المدني فولد عند بدايات القرن الماضي, لكنه ينتمي لجيل آخر في الزمن الروحي. ينتمي لجيل اليوم بما يتمتع به من شخصية المثقف الحقيقي. كثيرين يعدون من أبناء هذا الجيل لكنهم يعيشون بعقلية القرون الوسطى. تقرحت معدته حينما طرد من الفردوس. فقدانه لامه المبكر خلق منه حالما متمردا قاسيا عنيدا يلعن الريح و الحياة بإطلاقها, يعيش أيامه دون أن يحتملها.
انتبه جنى الليل إلى خليل الذي حدجه بنظرة مستفسرة قاسية وكأنه هو السبب في هروب اليسا من وادي حلفا. لم يجاوب لتساؤلاته, واصل حديثه مع مركز حاكم بينما انبرى بسيوني كاشف خواجة وطه مريم يدافعون عن النقديين. فضل جنى الليل أن لا يتدخل في الحديث. فهو يدري أن الأمر قد تم. ويعرف أيضا بأنه لم يؤخذ في حسبان الناس عند عمليات الإحصاء. كان على يقين بان الهجرة آتية لا محال. خليلا كان مسافرا ينظر في الأفق الغربي يغسل عينيه بمياه أبكي عندما يترأى له النهر بين فرجات غابة النخل في مرقسة اشتهرت تمور أبكي على طول الوادي الأخضر زمنا فقصده التجار من أرض المحس والسكوت, جلسوا معهم, وتم البيع. شكروا وكرموا بعضهم, ثم مضوا ولم يروا بعضا منذ ذلك اليوم الضبابي. خليل ترتاح عيناه قليلا فوق حقول الذرة في الباشونق والنيل على مرمى حجر, قبل أن يعود من شروده وأحلامه التي تلاشت وذابت في ضجيج الكلام من حوله. كان هميما بمصير جنى الليل, فهو يعرف انه عنيد, وماذا سيكون مصير مجيد وصلاح. دائم التفكير في مستقبلهم والكلام عنهم. كان على يقين بأنهم سيتبعثرون في الأرض وربما لن يلتقوا أبدا
- قطع شك بتفكر في جلسة الليلة يا خليل, ثم أردف جنى الليل, بذات الطريقة التي لا يفهمها إلا خليل حينما يصيبه الملل من الثرثرة. وين الشباب؟ هدو داففيجنا ؟
انتافين فاشكلو اقا كوجنن يا تا مرقسن دوكنجيل اق فاندن ابيل اديكا انكتنا
بقي جنى الليل بعد الهجرة يصارع وحده أمواج الطوفان مشيدا كوخا من القصدير وبقايا سيقان النخل. في كل يوم كان عليه أن يرتاد قمما بعيدة فوق التلال والجبال هربا من الطوفان. في الليل يجلس عند ربوته, يدخن قمشته ويشرب ما تبقى له من دكاي. مل مطاردة الطوفان, والأشباح والأفاعي والعقارب. بعد أعوام خمسة مكث خلالها مطاردا بين السهوب والتلال, يشاهد خروج الروح من جسد يذوب شيئا فشيئا في بطن النيل. تذكر كلام أبيه في تلك الليلة الصيفية التي رأى فيها سماء حلفا ملبدة ولأول مرة بهاتيك الغيوم, القمر كان مسافرا يضيء هذا المشهد الغيهبي ويختفي. نباح كلاب وعواء ذئاب قلق متقطع يصدر من أركان فرص, حلفا المدينة ومن دغيم. تترد أصدأها عند ابكي وجزرها القابعة تحت الماء من شرقوندي حتى مشارف مك الناصر في الجنوب, تبتعد ثم تقترب. كم من الأحزان والشرور تقبع خلف هذه الظلال الثقيلة التي خلفتها غابة النخل وهي غرقى نصفها في الماء, عراجينها المثقلة كأنها أكف غريق تلوح للنجدة, تنهد بعد أن أحس بشيء ما وهو يمشى فوق الربوة حذرا. ابتل الرمل وأصبح رطبا باردا. الكلاب الضالة لا زالت تنوح في العراء نحيبا تقطع شغاف قلبه, أعداد كبيرة من المواشي نفقت ومعها أرانب برية فاستقرت في بطون التماسيح. تذكر حينما ما قرر أن يفارق مرقسة إلى الأبد في الشهور الأولى من الطوفان. يهبط عند تخوم تلك الخرابات, وادي الخوى في مك الناصر. هناك قام بكل شيء مع خيري ابن خاله, أسس معه بيته وساقيته, اعتنى به تقاسما بقايا ذكريات عند الأمسيات مع بعض من الدكاي وعرقي العيش الذي خبر مكانه بسرعة في المستقر الجديد. ثم انطلق يشق صدر العتمور باحثا عن الأهل في خشم القربة. كم كان صعبا عليه أن يعترف بأنه قد هزم, وانه كان كذا وكذا.
هذه الغابة الكثيفة الحامضة الهواء البيضاء غير القابلة للنفاذ مجرد أن يتذكرها تثير الرعب في أوصاله. يرتعد ويجف حلقه. الثلج المتساقط يتزوبع ويتراكم في الطرقات. فضاء حليبي يخيم فوق بروكسل, وبينها وبين جونفال مسافة تنهيدة. كان مدعوا في مساء ذلك اليوم, إلى حفل عرس مجوسي أصدقاءه داريوش وفاراد الإيرانيان قدما له الدعوة ضمن عدد محدود من الأصدقاء غير المجوس. معارف متناقضة ومتشابكة, خليط من شاعر, فيلسوف وإرهابي. فوضوي, أرستقراطي ورجعي يكره حضارة الغرب. الحضارة التي صنعت الأسبرين لأنها لا تستطيع أن تتحمل الصداع.
لم تعرف روحه الهدوء, كلما حاول أن يقرأ وجد كتاباته فيما يقرأ من كتب أو كأنها جزء من كتاب شخص مجهول. ذات مساء كان لديه الرغبة في أن يقرأ في كتاب إمبراطورية الكيمياء, في هامش الصفحة التي تتعلق بالكيمياء النووية, كتب عبارة قصيرة (يا لكم من أغبياء, ومع ذلك تدعون جميعا بأنكم أنبياء) ثم وضع الكتاب ولم يعد يفتحه.
لم تستطيب له الحياة في المستقر الجديد لأهله أبدا. لا يكف عن ارتياد الحمام في نهارات البطانة الكاتمة, يسب خشم القربة من عليها وما عليها. تمرد على تقاليد الحياة الجماعية, لقب بين عصبته في ذلك الخريف اسما لبسه كعادته مع ألقابه الكثيرة التي تتناسق مع روحه كتناسق سوار بمعصم. فسموه قرنق, لكن جنى الليل هو اللقب الذي يفضله هو وعصبته المجيدة, قال لهم في ذلك اليوم والدنيا خريفه بطال, وهو يزيح الغبار من فوق جدران ذاكرته من حكايات زمان غابر كمن يزيح غبارا عالقا بجدران قصر قديم مهجور. وبعد أن نفث في روحه سيدي كوكو بمرح غامض. ذلك المرح الذي يصاحب هذيان وسكرات الموت.
أنا باكل وجبة واحدة في اليوم, الفطور بس. وكنت باكله سمح, مواظبة عساكر يعني. اوكرونا؟. اليسا مرة قامت قالت ليه, شوف جدك جنى الليل بياكل وجبة واحدة في اليوم, ابقي زي جدك إذا داير تعيش طويل العمر.
نور قال ليها وهو ينظر عبر النافذة التي تطل من صالة الطعام على الحديقة الخلفية للبيت,. وفي العمق من بعيد الحديقة الخمسينية متوجا في وسطها بتماثيل خيول مجنحة - لكن أنا ما زي جدي , I am not a camel
الشافع طالع فصيح, ضحكني...صمت ثم أردف وقد رق مزاجه, خلي بالك وضعوني في مجموعة اسمها الأفريكا كوربس. الإنجليز دربونا في امدرمان وسمونا تمبرري كمشن والكونتراتو معمول لي تلات سنين في الميدان. لمان ترجعوا لمدارسكم التعليم العالي يكون بالمجان. أيامها ديك التعليم العالي تدفع فيه قروش كثيرة تهد الحيل وايا كان الحال,أهلنا ما كانوا عندهم قروشا يقولوا عليه بالحيل, فمشيت الصحرا زي ما قلت ليكم في الأول.
أليا ارين بدوية ويكا منده ادسين؟
كرر سيدي كوكوسؤاله للمرة الثانية.
قهقه سعيد وهو ينسج في شباك الصيد مع محمد خليل استعدادا للنزول إلى البحر عند فاشكلو, سليم سبقهم وربما يكون البحر قد أكرمه في هذا اليوم.
- ده ما حيقول ليك لو كسرت رقبته, ثم أردف سعيد فرح.
أي جنى الليل كربير, حسونتون تك محجوب سكينة قو عبده كيوتي قو خليل قاسرا قو, حسن تابلتو, ابراهيم حفيظه قو فدن اهون اقا جنى الليل ار من بدوية ليبيا منقا اواتسنق اقا اقادينجى, بس نايل اكي؟.
كنت قد سمعت حديثا عابرا عنه هنا وهناك, في شارع الجامعة عند الساحة الخضراء التي تفصل غابة الكومبر من الخلف وهي تلف , بنجيلها الأنيق خاصرة جامعة بر وكسل الحرة, عند مباني كلية الفلسفة والعلوم الاجتماعية وصالة الدراسة (لابريوديك) , عند مدخل مطعم الفوييه la foyer أو في المقهى الذي يتوسط السكن الطلابي وملعب الكرة, مختبئا وراء أشجار الصنوبر التي تقيها من أنظار المارة في شارع أدلف بويل.
هذا هو المكان الذي يرتاده أغلب عشاق الأستاذ نور من الطلاب البلجيك والأجانب الذين كانوا على صلة به في أيامه الأخيرة. يتحلقون حوله , يكرمونه ويكرمهم بما تيسر جيوبهم جميعا بالبيرة والنبيذ والتبغ الرخيص ماركة بلقا أو الدرم الأزرق.
جلست في ركن وطلبت بيرة لف, حتى أطرد أثار البرد العالق بمعطفي, لم اكن قد رشفت من بيرة اللف نهلة روية, حتى قطع علي كريستيون مي مي فس دولو الشربة بإقحامه نفسه سائلا عن المكان الفارغ بالقرب مني.
-خذ الكرسي, كما ترى ليس معي أحد.
آخذه, بعد أن شكرني. لم أرد عليه وانشغلت بالكتاب. خطى بضع خطوات وهو يسخط بفرنسية كنغولية اللكنة. عملنا طيلة شهور الشتاء في توزيع جرائد الإعلانات في أحياء بروكسل تشققت يداي بردا وبالرغم من ذلك غشه مقاول التوزيع في المبلغ فغشني بدوره. بردت علاقتي به من أنه حاول أن يوسط رياض وكريم ومارك بيننا بحثا عن صلح ينهي تجمد العلاقة.
أحيانا يرفع رأسه فيرى كريستيون غارقا مع واحد من الطلبة اليساريين في نقاش حول أفريقيا وما يفعله موبوتو في زائر.
انتصب كريستيون كملسوع شاهرا سبابته نحو بيير برقيزون - انك تمثل مهما كان, أحد تروس الآلة الضخمة التي أطلقها أجدادك وبرروا باسمها ابشع أنواع العنف في قارتنا, لما لا نتحدث عن البشاعة التي رحل بها أجدادك أجدادي من القارة إلى الأراضي الجديدة لكي يرمى بهم في نهاية الأمر.في متاهات العنف .ومزقتم نسيج وثقافة مجتمعات بأكملها شر مزق.
عاد إلى كتابه وبدأ يتصفح في بعض الرسومات التي تزين الكتاب.
- آلات الرأسمالية الاستعمارية جلبت ضمن ما جلبت التعليم الذي يجعلك تقف أمامي وتناقشني بلغتي أليس كذلك, أم إنكم لا تأخذون أبدا محاسن وجود أجدادي في القارة.
تدخل يوهان فجأة , واضح اليوم فالذين خرجوا بالأمس لا زالوا هناك, ولا زالوا يحكمون, لقد كانوا يقطعون أيدي الكنغوليين الفقراء إذا سرقوا ما يسد الرمق بينما هم كانوا يسرقون وسرقوا كل الكنغو. هم نفسهم الذين قتلوا لوممبا ثم همسوا في أذن موبوتو, لكي يخلده في نهاية الأمر باحتفال مسرحي كبطل قومي..
لا زال يقرأ وأحيانا يصغي
اقترب كريستيون قليلا منه وسأله إن كان يريد كأس نبيذ أخر.
اسمعوا يا شباب, ليس لدي وقت كثيرا أضيعه في شرح هذا الأمر, وقد قلت لكم ذلك مرارا. ولم يبقى الكثير من وقت المحاضرة كما أنني قليل الشرف ولا املك أدنى رغبة في إهدار وقتي في هذا الإسفاف الذي يسمى القواعد, كتب القواعد لا فائدة منها مزقوها أو احرقوها هذا أفضل.
ماذا يا أستاذ؟ بروفسر جورج هنري المستشرق العظيم سيتململ في قبره إذا سمع هذا الكلام.
أعرف رأيه ورأي أمثاله, القواعد يشكل الهيكل العظمي للغة!!!! فلنعد إلى ما كنت بدأته في المقدمة. اسمعوا سأقول لكم على أشياء حدثت هنا وهناك منذ عامين. قرأت في إحدى الصحف خبرا صغيرا أحيانا أقرأ لا أخفي عليكم, صفحات الإعلانات والأخبار الصغيرة المتفرقة أفضل من المقالات الطويلة التي يدبجها كثير من الكويتيبيين.( دخل أحد الطلاب المهووسين داخل إحدى قاعات المحاضرات وهدد الطلاب, حاملا سكينا حادا, بعد أن حطم أعمالهم لانها أعمال وثنية كافرة.
انه من السذاجة أن نرفض الفن باسم الدين, ونعده رجس من عمل الشيطان. فنقوم بحرق تراث كامل ثمين. على يد ملوثي عقل, خبيثي الروح ومهووسين. كما حدث في بلاد السودان.
- أولم يكن الني محمد يسمع الشعر ويحفظه يا ترى؟ على أية حال لقد كان له شعراء مقربين. مثل زهير وحسان.
إن فن كل حقبة يعتبر وثيقة تاريخية لنظرة ما للعالمين. الذي نعيش فيه ونتقاسمه مع الآخرين. وترتكز هذه النظرة على ثنائي الواقع والماورائي. انه مفهوم الحقيقة الواقعية الذي نحيط بها من خلال الرواية, القصة , الشعر والمسرح. فلذلك بدأنا الطريق نحو الانفصام من ثقافتنا ثم أصبحنا أميين.
Et alors
البساطة في الكتابة توحي في الوهلة الأولى أو عند القراءة الأولى بأن المادة المكتوبة قد كتبت بصورة طبيعية وسهلة, وإنها لم تكلف صاحبه جهدا يذكر, بينما لا يمكن أن ننجزها إلا مقابل جهد كبير. سيشرون يقول ( هنالك فن يبدو لك انه ليس له علاقة بالفن إطلاقا عند النظرة الأولى) لكن هل هنالك لغة أكثر تواضعا وشفافية من لغة كافكا ؟ دون أن نتحدث عن الكتب المقدسة, شعرية الآيات المكية أو سفر أيوب في العهد القديم. لقد حظيت برفقة الأستاذ أحمد عبد الجواد في الصف الرابع السب قريت في وادي حلفا مدرسا للغة العربية. كان يقرأ علينا قصصا قصيرة وبسيطة أذكر انه كان غالبا ما يخرج عن حدود المنهج الصارم, فقرأ لنا مقتطفات من كليلة ودمنة ومقاطع من دعاء الكروان والأيام لطه حسين ومن كتاب العبر لمنفلوطي, الف ليلة وليلة, تاجر البندقية, حول العالم في ثمانين يوما, الرجل النبيل ارسين لوبان كتب المغامرات . ثم يطلب منا أن نكتب قصصا شبيه بها, دون أن يكسر رؤوسنا بالمرفوع والمنصوب والمفعول والمبني للمجهول..
ماذ يفيد هذا النقاش لقد ولى كل هذا ولا أحد يسمعك كأنك مقفول في بئر سحيق وتنادي النجدة.
Ce ne sera a rien de gaspiller ton temps, ton encre et tes papiers. Allons, on va se promener.
لم يكترث نور لكلام كريم فواصل في حديثه مع كريستيون ولوسيان بينما انشغل محمد بمغازلة النادلة التي لم تكن تعر اهتماما لنظراته الشبقة. مقهى بندول الجنوب رايق وثمة تحضيرات تتم لحفل بالموسيقى السنقالية.
انتظر حتى أكمل ما أود أن أقوله ثم أترك لك المجال.
الكاتب الجيد يستطيع أن يعبر عن أشياء عظيمة بكلمات بسيطة وغامضة, على العكس من الكاتب الرديء الذي يقول أشياء ليست ذات معنى بكلمات كبيرة ذات طابع مبالغي.
لم يكن للطوفان أثر, حينما غادرت أليسا حلفا, كانت الحياة تسير بهدوء في دورتها السرمدية ,أذكر ذلك اليوم كما لو أنه أمس. الشمس تضرب عمودية على المدينة المسالمة, خليط من الأصوات تسمعها اليسة وهي تشيع بنظراتها الغائمة خلف حجاب من الدموع, المدينة التي شبت فيها وقوي عودها بتمرها وقمحها وماء نيلها الكوثر الزلال, المراكب تجيء وتروح كعادتها منذ ليل الدنيا فوق واحدة من اقدم بقع العالم التي تضج بالحياة, منذ أن كان الإنسان إنسانا. كانت تلك أخر مرة تسمع فيها أنين السواقي, صوت الحمام البري والقمري يقوقي في كلاي كمبو وجزائر كوكي, صوت الكوارتي نهيق حمير بسطان وسيدي فجر وهي عائدة فرحة بلقاء أحبتها الصغار أصوات الناس في الحقول.
الطوفان أصبح قدرا محتوما والمهمة الآن تنحصر في إنقاذ كل ما يمكن إنقاذه من ذك

تعليقات

Comment Icon

اٍنها رائعة اًتمنى اًن اًعتر على مكان اًكتب خواطري لاًن اًواق كتابي لا تحتمل الحبر

Arrow Icon دنيا | 18/01/2007, 11:26 [الرد]

Comment Icon

تشكيلات نوبية في لوحة الوطن الجميل

شعر/ سيف الدين عيسى مختار/جدة

كان الكَاجوَر(1) المغبون

يعمل في قواسيبك (2) ضرا

شان يشرك فوف التقانيت (3) هبوت شرا

لكنو يوم شاف القناديل

شاكية من جيش الهواويل (4)

خاف وانزوي

يا بنيه يا

يا بت التراتيل

يا بت التهاليل

ساعة الفجر

***********

يا بنية يا

يا لعبة شليل

يا لعبة كَعَود

في ضو قمر

***********

يا بنية يا

يا بت البسوق

أورتي (5)

فوق ساقية عشر (6)

***********

يا بنية يا

يا جبال توتيل

تبلدية في

حضن الأصيل

أبنوسة في

في زخــــة مطر

***********

يا بنية يا

يا طعم القبيل

ترنيمة في

جيد ناس أويل

تفعيلة في

بحر الخليــــل

لالوبة في

حوش ود بدر

***********

يا بنية يا

بت الجنوب

يا شمس الشروق

ويا شفق االغروب

أقيفي في وش الهبوب

لا تخافي من نو الرياح

ما بكره بيهب الصلاح

وتعدي من موج الروَاح

تعدي من قيف الخطر

***********

هوي يا بنية يا

يا مولوده في لفحة هجير

كل الجروف الشاردة فيك

الراقدة فوق قيزان مسامك

ما حضروا ميلادك

ما شالوك كركوتي (9) على الجفاف

ما غنوك يوم عرس الضفاف

اذ أن الكركي (10)

خان الامانات وانبهل

ما خلى خاطر للدموع السايلة

من ناسا ضعاف

مورودة (11) كنت من السقط

حرانة من بُبُل الهجير

جابولك الشيح والعسل

بخروك الكُليت والشاف

وحردت من قومة دغش

ما طالما خلوك هاملة

لا سماية ولا اسم

وموضوع هويتك ما اتحسم

وخلوك لى وادي العطش

حردانة كنت من الغبش

وزعلانة من كل الترابلة (12)

ما يفصدوك على (التِبل)

وما يشلوخك على البرش

***********

يا بنية يا

مولودة في ارضا خلا

ما حنونك يوم دخلتك

وما جوكي أعمامك

قدلوا قدامك

وبِعدوُا خيلانك

ما دقوا دلوكه

عاد قولي يا بنية

منو البقدر يشيل همك

ومنو القادر يغطيك ويضمك

***********

ويوم انبهل داك الكركي

واندلق فيك السحاب

منو الركز جنبك

هوي يا بنية

يا بت العجو القنديل

يا مروية من جبل مره

وطالعه من جبال توتيل

يا أبنوسه في بحر الغزال وأويل

يا راقده في ضل السحاب

ومغسولة بي موية السراب

الليلة ميلادك بدا

والكاجور خلاص صافى القواسيب والضرا

راح وانزوى

وما باقي غير الضريسة على الجرف

والبلد اخضر من ريق السلام

وما باقي غير الهواويل والصرف (14)

وكان يوم سمايتك يوم سبت

اتلموا أصحاب العراريق والعمم

وجوك رعيان البهم

والخاتين على راسم قِرن

ناس الحربة والشوتال

أدوك الهوية ... مهروك الاسم

=====================================

الهامش

1) الكجور:كلمة نوبية تعني الأعصار وفي المعتقد الشعبي أن الكجور هو مركب الشياطين ، وهي كلمة مركبة من كلمتين نوبيتين هما ( الكج) أي الحصان، و(ور) وتعني الركوب فكأن معناها هو (الممتطي صهوة الحصان) وهو تعبير دقيق يصور حالة (الأعصار) الذي يبدو وكأن شخصا اقتطع جزءا من الرياح فامتطاه على عجل .

2- القواسيب: جمع واحدها (قيساب )والقواسيب هي البيادر ، أماكن جمع المحصول بعد الحصاد وهي كلمة نوبية استعربت، وأصلها أن المحصول قمحا كان أم ذرة يوضع في شكل هرم ويسمى القيس بالنوبية ومن هنا جاء اسم الجيزة (القيسة) حيث الاهرامات المصرية مما يدل على أصلها النوبي، وقد أكد علماء الآثار مؤخرا بأن الأهرامات النوبية في البركل هي الأصل الذي احتذاه قدماء المصريين أو أن النوبة هم أصحاب الحضارة الفرعونية القديمة، وهنالك شواهد عديدة تدلل على ذلك مثل أسماء الملوك الفراعنة واسماء المدن المصرية، السويس، اسوان ، سيوه وقد المحت الى ذلك في مقالات وكتابات صحفية عديدة وعبر برنامج (خواطر فب التراث النوبي الذي كان يبث من اذاعة دنقلا.

3) التقانيت: جمع تقنات كلمة نوبية تعني حافة الحوض

4) الهواويل: جمع هويل ، والهويل بالنوبية هو النمل الأحمر، حشرة صغيرة تنكاثر في جذور النباتات وخاصة النخل

كَعَود: هي لعبة شليل بالنوبية و الكعود هو تلك العظمة التي يلعب بها الصبيان وتكون في شكل صليب ويتم اختيارها ومن هنا يظهر ان هذه اللعبة من موروثات العصر المسيحي في السودان .

5) الأورتي: هو الصبي الذي يتولى قيادة الثيران في الساقية

6) ساقية العشر: لعبة نوبية قديمة فيها يقوم الصبيان بنصب ساقية من أخشاب شجر العشر يوم عاشوراء (يوم الهيوب) وتسمى ساقية الشياطين

"رياح النو والصلاح" :النو هو الرياح التي تهب من الجنوب الى الشمال، وعادة ما تأتي هذه الرياح في الأيام الفاصلة بين الصيف والشتاء، وهي رياح غير مرغوبة لأنها تعطل حركة المراكب الشراعية على النيل ومن ثم تصيب حركة الناس بالشلل في الأزمان التي كان يعتمد فيها الناس على المراكب الشراعية اعتمادا كاملا في الانتقال بين ضفتي النهر.

رياح الصلاح :هي التي تهب من الشمال الى الجنوب أي عكس حركة مياه النيل وهي ريح الصبا.

7) الهمبول : هو الثوب الذي يوضع على أخشاب فيمتلىء بالهواء ويشبه التمثال لاخافة الطير ومنعه من الاقتراب من السنابل.

8) الضره :أي الذرة وظل نبات الذرة لا يسمن ولا يغني من جوع

9) الكركوتي: كلمة نوبية تعني الطمي (التربة الخصبة)

10) الكروكي: هو القناة المائية التي تخرج من النيل أو من الجداول تحت الأرض لتنفجر في الأرض المنخفضة بعيدا عن مصدرها وغالبا ما تكون مصدر أذي اذ يصعب السيطرة عليها، وقد تهدمت كثير من المنازل بسبب هذه القنوات المائية خاصة في الشمالية ابان فيضانات النيل

11) مورودة أي محمومة من الورد ، وهي كلمة عربية فصيحة.

بُبُل: هي الارض الشديدة الحرارة التي ياتي عليها الظل وهي ما زالت محتفظة بحرارتها وفي اعتقاد الناس في منطقة النوبة ان الجلوس على مثل هذه الارض من اشد الاشياء خطورة على الصحة.

12) الترابلة: جمع تربال ، والتربال هو المزارع بالنوبية وهي كلمة مركبة من كلمتين هما (تُرب) وتعني المنجل، و(آر) أي القابض أو الماسك والتربال هو (القابض على المنجل ) أي المزارع، مثل كلمة القبط الأسم الذي يطلق على قدماء المصريين والذي سميت عليه مصر ( EYGPT) فهي من كلمتين نوبيتين (قو) بمعنى أرض، و(بتي) بمعني (يحفر)، وكلمة (آر) بمعنى الحبس أو المسك لها دلالة عظيمة في معاني بعض المدن والمناطق السودانية وحيثما تدخل في اسم مدينة أو منطقة تعني وجود شلالات بها مثل (كجبار) (كج) بمعن حصان، (با) بمعني الحوض و (ار) بمعني الحبس ومعناها (حابس حوض الحصان) .أطلق على سرعة جريان مياه النيل في تلك المنطقة بفعل السدود اسم الحصان ، وسنار وهي من مقطعين (اسى) بمعنى الماء، و(آر) الحبس، فكأن معناها (حابس الماء) أي الخزان أو السدود.

(التبل) كلمة نوبية تعني صفحة الخد، وهي كلمة معبرة خاصة اذا كانت الفتاة الصغيرة ذات خد اسيل ، وهن في الغالب ما كن يتعرضن للشلوخ على اعتبار أن الخدود الجميلة ستكون أجمل بالشلوخ التي كان يوضع عليها السكن حتى تتخذ لونا داكنا ، وتلك ما تغنى لها الشعراء (السمحة ام شلاخا خضر)، وفي الفترات التي وعي الناس فيها الى الضرر الذي يلحق بالمرأة من جراء الشلوخ أصبح الناس يتغنون للجميل (السادة) ، قال الشاعر(يا جميل يا سادة، حبك جنني زيادة)

13) الضريرة نوع من العطور المحلية توضع على رأس العريس يوم زفافه

14) الصرف: نوع من الديدان يعيش في الغالب على اشجار السنط ويسبب حساسية في الجلد.

Arrow Icon سمل ود الولياب | 19/02/2007, 03:36 [الرد]

Comment Icon

شكرا سمل ود الولياب قريبي على هذه القصيدة ارجو ان نتواصل من خلال هذه الصفحات وارجو ان يكون النص قد نال اعجابك ارجو ان لا تتردد باضافة ملاحظاتك بشكل عام حول النص ولك ودي الذي هو امتداد للولياب

Arrow Icon اسماعيل طه | 19/02/2007, 07:00 [الرد]

Comment Icon

المعلق النوبى اسماعيل طة اشكرك على اهتمامك بالنوبة واين انت يا رجل عايز يصلك اخيك سمل الولياب 0507147176

Arrow Icon سمل ود الولياب | 27/02/2007, 03:26 [الرد]

Comment Icon

Dear wad alwalyab, i am living in belgium, and this is my phone number 0032472896178.
many thanks and sorry to write in english i have a problem with my arabic winds.hope to heer from you

Arrow Icon ismail taha | 02/03/2007, 11:14 [الرد]

Comment Icon

http://www.youtube.com/watch?v=CP4hj3المعلق النوبى اسماعيل طة اشكرك على اهتمامك بالنوبة واين انت يا رجل عايز يصلك اخيك سمل الولياب 0507147176

VOuNc&NR

Arrow Icon سمل الحلفاوى | 28/03/2007, 23:52 [الرد]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba