مدونة اسماعيل طه

»

متاهات التشرد (2)

متاهات التشرد -2

جو خانق يخيم فوق ابكه وجزرها, ولا زال القمر في تمامه متألقا يتربع عرش السماء. نوره الفضي يداعب أطراف النخيل, سقوف البيوت ووجه النهر. لم يستطيع جنى الليل النوم بعد أن انفض سامره , لبث يراقب, وهو يستلقي على ظهره, يتأمل سماءه المألوفة ونجومها الغامزة اللامزة. رأى في أحلام يقظته, اليسا تقترب منه في حديقة سوانج ببروكسل. كانت كما رآها في المرة الأولى, تمشي نحوه أنيقة مبهرة. شعر بتلك اللحظات الحانية والقاسية شاحبة في الذاكرة. غشاه نوم ثقيل ثم تلبدت أفكاره في مكان غامض مظلم ومضيء. تخيل انه يسمع صوت محجوب سكينة يؤذن لصلاة المغرب من مئذنة مسجد ابكه, وآهات بدت له كوحي غامض, كطلاسم, ثم تحولت الآهات إلى أصوات حزينة. تكاد لا تسمع, تردد في أسمه, وو جنى الليل سوليداد وو جنى الليل, بينما صار الآذان صراخا حادا قبل أن يصبح مرعبا.
الليل لا يقل سحرا عن النهار ولا النهار اقرب منه إلى الواحد القهار. تضيئه وميض النجوم وهو يعانق أسرار. الليل حميم مع غموض أصول الخلق والابتكار. فإذا كانت الهوة لا تتفتح إلا عند الأسحار, فمن ذا الذي يقودنا في ظلمات هذا الكائن الجبار؟
هل حلت روحه جسدا أخرا؟ إلى أين تقوده الخطى؟ ماذا يسمع ؟
- لا شيء غير الأشعار.
ردت شياطينه المألوفة بذات الصوت الذي كان يسمعه مع سماره في جوغة البرميل, بالمحطة الوسطى بامدرمان.
انه صوت أليسا القمري, في هذا الليل القدسي يناجي, تضيع وتأتي من بين خليط أصوات, بكاء رضيع, آهات نساء. نباح كلاب وعواء ذئاب. نشيد وثني, إنجيل متى, ترتيل قران وغناء شجي. ضجيج حجيج, لقد ذهبت حلفا.....غرقت بالهذيان.
سفينة محملة بالهواجس والكنوز تغرق في ليل بكمان.
عبارة الرحيل التي كان يرددها جنى الليل, دون توقف ودون وعي منه, بدت له غريبة. لماذا لا يقول العودة إلى حلفا الوطن ؟ ولاسباب كثيرة يشعر بأنه قد آن الأوان
يجب اتخاذ القرار.
تقدم باستقالته من مصلحة التعليم, وهو لا يزال في جوبا, وبقي مسافرا في منطقة الجنوب, برغم الحرب التي اندلعت وسط القرى والبراري هنا وهناك. رأى في طريقه إلى كينيا, غدائر شاحبة, قرى وغابات محترقة. المال الذي ادخره مكنه من تدبير موقع في تجارة الشاي بين يوغندا, الكنغو ورواندا, لكنه كان يردد كثيرا في نفسه, بأنه سيعود يوما إلى هنا والي الأبد. بقي في سفره اكثر مما يجب, وبالرغم من ذلك لم يكن يرغب في العودة إلى حلفا, بعد أن تركها خليل إبراهيم الذي توفي وهو في جوبا. كان الجرح قد غار في فخذه ووصل حتى نخاع العظام, فتم بتر ساقه الأيمن . لم يكن يستطيع أن يطالب بالتعويض الذي وعدتهم به الإدارة البريطانية بعد الحرب, فمات بجراحه منسيا. بعده بقليل, كان طه مريم قد اخلع عن ابكه, أحواله ساءت بعد أن تهرب كثير من أهل البلد من دفع ديونهم, فقفل دكانه ولم يعد ينتظر, سافر إلى مصر ليموت هناك في وادي الن بعد أن تصالح مع زوجته شكرية المصرية وانجب منها نجيب. وقبلهم كانت فجيعته والتي لا زالت تزلزل روحه, أليسا وهروبها.
بعد سنوات من ذلك اليوم الذي قبض فيه في الحدود اليوغندية, ورحل إلى السودان, إلى وادي حلفا, كانت الهجرة هي محور أحاديثهم.
استيقظ جنى الليل مشروقا من نومه, أصابته قحة ويشعر بخدر في قدميه. نهض ومشى مترنحا نحو الازيار. توضأ ثم صلى صلاته وحيدا. دخل البوفيه وأوقد وابور الجاز. وضع الكافتيرة فوق النار, وأشعل سيجارة بنفس ثقاب الكبريت. عاد الي غرفته وبدأ يفرغ حقيبته. وجد ميدالية النيكل كما هي لا زالت تحتفظ ببريقها, كانت ملفوفة بعناية, أهداها له الضابط الإنجليزي بالواحات في 1943, بعد أن حارب بجسارة ضد الفرقة الرابعة من قوات روميل. لولا بسالته, لكانت الخسائر فادحة في فرقتهم, وربما كانوا قد ذهبوا رمادا. تذكر يوم الاحتفال وهو ينظر للميدالية. وضعه ثم تناول تمثالا من الأبنوس, وضعه بعناية بعد أن لفه بقماش, ثم بدا يقلب بقايا أشياء خليل, كرات زجاجية ملونة, علبة شطرنج, بوصلة صغيرة, دفاتر وأقلام. نظر برهة إلى الرفوف التي أمامه, وبدا يتأمل في الكتب المرصوصة, تلازم الغناء والشعر عند العرب, طوق الحمامة, الرجل النبيل, دعاء الكروان, مع المعري في سجنه, جونيور, طفولة لقوركي, حرب النهر, لم يعد يفرق بين كتبه وكتب نور, بعض الكتب عليها آثار حريق. تحرك خطوات مبتعدا من المكتبة, ثم بدا ينزع بعض الصور التي كانت تزين الحائط, صورة للبيتلز, مريم ماكيبا, ابراهيم عوض, محمد وردي, عبد الناصر, نهرو, تحية كاريوكا في لقطة مثيرة, صورة طفل عاري, يجري وحيدا في قرية محترقة, صورة له في الميدان مع خليل ابراهيم, مايكور, ديمبا وتراوري السنغاليين وشنان, مجموعة افريكا كوربس. وضعها فوق الطاولة التي تحتل وسط الغرفة, ثم خرج ليعود إلى سريره.
غشته أحلام يقظة كثيرة. كان بين مصدق وغير مصدق لما يقال عن الهجرة ومواقف الناس.
بعد أسبوع من وصوله حلفا قادما من الخرطوم مع نور الله جابو والخواجه فاندن ابيل عالم الاثار البلجيكي, كان مجلس طه مريم بالرغم من غياب عمودين من أعمدة الجوغة, خليل إبراهيم وطه مريم نفسه, إلا انه كان قد بدا يستعيد بعضا من أمجاده القديمة فتوافد عليه في ذلك المساء من تبقى من عصبته.
أيقظه من شروده مركز حاكم.قائلا
- خلك من الكلام الخارم بارم البيقولو فيه الناس عن خليل ودوره أيام ما سمعنا خبر إنشاء السد والشتات الحيحصل بسببه, اسمع أنا حقول لك شنو. في الليلة العجيبة ديك, أنا ما شفت خلق زي ده, محجوب سكينة, طه مريم, عبده شلبية, عبده كيوتي وانا الشغل غلبنا, لكن, الحقيقة الدينمو كان عبده شلبية, الراجل زي التور بتاعه واحد واحد. في داك الوقت. الناس جم (اتوا) من جمي, من فارقي, جنساب, من جزائر كوكي, من مرشد, أتيري, سره شرق, دبيرة, أرقين, اشكيت, ارمنة, القسطل, مك الناصر, سرس وفرس . الناس صلوا في الشارع بعد ما الجامع ضاق بالخلق. دفنا خليل. لولاه المستشفى بتاع حلفا ما يكون نضيف زي ما انت عارف, الراجل كان ابن حلال ويده مبروكة, هو الخلي بالك, قام بتوعية الناس من مساوئ الهجرة,
رحمة الله عليه كان مره بيحكي واحدة من حكاياته الكثيرة وانا لسع شافع بعراقي وسخان قاعد في طرف البرش لجوغتة شيش كباب الاسم الجديد لجوغة البرميل, كانوا وضبوا باين في الليلة ديك عتود بعد ما غشوا مرة الجيران, جنى الليل كان حلف وقال ليهم يا جماعة حرم الليلة ما في شربة لو ما في شيش كباب.
اون هدتون ارج الوسا؟ سال مركز حاكم.
على ضؤ نور الفانوس المعلق عند مدخل دكان طه مريم, ظهر له عبده شلبية من بعيد. جاء كعادته يسحب قدميه المتشققة قادما من نالون متي, منتعلا شبشبا قديما. يغني بصوته الحاد وبطريقته الشتراء في الغناء.
.الى عبده قفه لي حلاون قلنقو
مصر تيقي لون بلادي على الله نقو
ام الدنيا لون بلادي على الله نقو
مرتي كوجيلي لقن كوجينقو
لا ينام قبل أن يعرج إلى مجلس جنى الليل. يتوقف من العمل في الساقية قبل صلاة المغرب, ثم يسبح في النيل قليلا مع ثوره, يصلي المغرب قرب ساقيته, ويؤم البيت, يتناول العشاء مبكرا مع أمه شلبية, ثم يأتي يشمشم الأخبار عند جنى الليل.
- الى أبده شلبيه ار منقا كيري تر حسن دوقروقو؟ سأله سيدي كوكو.
- أنت أيه حكايتك معاه يا سيدي. ياخي ما تخلي الراجل ياخد نفسه, الراجل طول اليوم شغال يروي في الأرض. تدخل خليل إبراهيم, بصوت ساخر.
جلس عبده شلبية دون أن يرد, بالقرب من شكري تميمة, حسن تابلت وعبده كيوتي عند طرف البرش, ثم تمتم
– يا الهي اوقا ستروجي.
انشغل سيدي بالعرقي, تأوه خليل وهو يتثاءب, بينما خرج طه مريم من جوف الدكان حاملا طبقا من التمر ووضعه أمام جنى ليل. ثم حيا عبده ودعاه , زحف شلبية واخذ حقه, والبلح بشارة خير يقدمها طه مريم عند كل مساء إكراما لعبده شلبية. كلاهما يهش للإخر. منذ زمن مصر الجميل. التفت عبده شلبية إلى خليل غامزا له, وهو ينوي أن يثير جنى الليل.
- الراجل خلي بالك خرف.
عض جنى الليل شفته السفلى بأسنانه, ثم أردف- أتذكر زي ما شايفكم قدامي, الحكاية زي كأنه حصل امبارح, كنت أخت لي غفوة وخليت ناس محجوب سكينة وخليل دوانه, عبده شلبية وسيدي كوكو, بسيوني, عبد المجيد وعبد الجواد, عاملين دوشة مع بعضيهم في موضوع الهجرة.
لم يناموا ليلتها. كانوا يرسمون لوحة جماعية قريبة من رسم طفل, لكنها تحتوي على ذرات هذا الكون. جبال, رمال, حقول ذرة, نخل وبساتين. النهر والبشر. الشجر والسحب والأمطار.
بدأ بسيوني حديثه بغضب وكأنه يحدث النهر . بينما انشغل خليل يراقب في جنى الليل, الذي كان يغيب بين فترة وأخرى في نوبات الحمى التي تغشوه هذه الأيام, بسبب التهاب الكبد.
- أما عجايب الناس دول, بالله شوف الناس دول كانوا خسيسين كيفن.
–الأرض مهما كان ارض أجدادنا ونحن مسؤولين أمام التاريخ والضمير...
- اون ترون كسا ديقما إن كورتي موريكو من دوتنيدن, حسن دفع الله داني.
قال عبده شلبية من طرف المجلس
- قالوا الما عندوش بيت في وادي حلفا ما يستحقش التعويض.
وطه مريم قال, وكأنه يعرف ما كان عبده شلبية يريد أن يقوله ليكمل حديثه بلسانه التمتام
- الداير يمشي خشم القربة يمشي والما عايز يقعد في أي بكان حسب اختياره. البيوت عندنا في البلد هنا زي ما انتو عارفين, البيت بكون شايل كم أسرة, هناك البيت يمكن ما يقدر يشيل إلا أسرة يادوب. ده غير انو. قاطعه محمد الشيخ وهو يلقي التحية.
جلس, وهو يطلب من طه مريم ان يحمل له علبة برنجي. لا يدخن إلا في مجلس جنى الليل, يأتي من المسجد بعد أن يؤم بالناس ثم يثرثر قليلا عن الآخرة والدنيا, اغلبهم لا يسمعونه عندما يثرثر كثيرا عن جهنم وبئس المصير.
- جهنم وبئس المصيري, اهون اندو كر اوين هدو اقك نالناي, ترون جهنميمكن..قال عبده شلبية وهو يحفر حفرا صغيرة يدفن فيها أنوية التمر.
- استمر محمد الشيخ, في حديثه دون أن يعلق على ما قاله عبده شلبية, فقد وجد السانحة لكي يسمع بعض منهم, هؤلاء الذين يراهم قليلا في المسجد, جنى الليل, سيدي, عبده شلبية, مركز بسيوني, وكمان طه مريم منذ فترة طويلة, فصاحته وبلاغته في العربية, حتى وان كان لن يقدم حلا للمشكلة التي أمامهم, وهم على يقين من ذلك. تحدث وكأنه يلقي خطبة في صلاة الجمعة, في يوم قايظ.
يا أيها المؤمنون, ابحثوا عن الله في قلوبكم, وثبتوا الرحمان في أفئدتكم, انه هو الوحيد الذي ينقذ من الضلال. عودوا إلى الصراط المستقيم, والي تعاليمه التي نسيناها, فالذي نفسي بيده, ما سلط الله على قوم مصيبة إلا لانهم لم يفوا بأداء عباداته. فسلط الله علينا الطوفان, لقد نسينا ان نبيه محمد قد عانى وكابد من اجل ان يصلح حال البشرية وفي سبيل نشر دعوة الحق, ولا تنسوا يا اخوتي ان الإنسان لا يسوى جناح بعوضة في ملكوت الله.
لكز عبده شلبية سيدي بكوعه, ثم أردف.
- الراجل خلي بالك خرف.
- وو عبده اوني ملكوت الله مني؟ ملكوت الله يعني شنو يا عبده؟ سأله سيدي, بعد أن مل خطبة محمد الشيخ.
- يعني يا سيدي البني أدم عند أربنا ما يساوى أود كبريت.
- التدخين ده ما تخليه يا عم الشيخ, أنت إمام الجامع بكره حيجوا يقولو ليك كلام يخليك تحلق دقنك. حديث شلبية ضحك سيدي, تلك الضحكة التي لم يضحكها من زمان.
في السنوات التي سبقت الهجرة, شهدت وادي حلفا, كما روت أليسا, انتعاشا وازدهارا غريبا, وقد علق سيدي كوكو في مجلس جنى الليل أمام دكان طه مريم, بان هذه الظاهرة هي فأل شؤم. بدأت أفواج السواح, خبراء الآثار, موظفي الدولة من المساحين والإحصائيين والجنود تتدفق. البواخر زادت رحلاتها بين أسوان وحلفا محملة بالسواح , وبعض الفضوليين والمغامرين, بعد أن انتشر خبر الطوفان, وبالرغم من ذلك, لم تكل النساء من تقديم واجبات الضيافة للغرباء الذين جاءوا يودعون حلفا معهم. اللجنة السرية التي شكلها ناس جدك جنى الليل كان نشاطها محدود لغاية جنوب جمي, الناس كانوا بين بين, وعلى أية حال, كثيرين كانوا يرغبون في الهجرة. والمعلومات التي كانت في معية اللجنة كانت تؤكد أن أهالي جنوب جمي سيختارون خشم القربة, العمدة حرضهم على ذلك كبقية العمد والمشايخ المستفيدين, الذين كانوا منشغلين بتاليب الناس على الذهاب إلى رؤية نمازج القرى والبيوت في خشم القربة في معرض نظمه خصيصا لذلك حسن دفع الله وعصبته في المدينة. لكن الحقيقة لمان ناس الإحصاء عملوا المسح لقوا في 591 بيت رافضين الهجرة من أساسو.
واصل جنى الليل دون أن يكترث كثيرا لما قاله عبده شلبية, وجوغته المسائية والليل قد بدا يزحف, بينما القمر المكتمل كان قد احتل عرش السماء وبدأ يقترب غامزا.
روميل خلي بالك كان صعب خلاص, وكان بالجنب التاني, نحن مع اسمه ايه ده, مع مونتقومري ده, فجا كشانا كشة عجيبة, صحي سموه ثعلب الصحرا. تعرف ودانا وين؟ ودانا لغاية سيدي براني.
- سيدي براني ده كمان يطلع وين؟ سأله مركز حاكم .
سيدي براني ده في الحدود مع عندك اسم ايه ده, مع اسمه ايه ده, مع مصر. المهم شفت الذاكرة انتهت كيفن. قراية الجن بتاعت الإنجليز دول برضو ما نفعش. المهم ,علي باليمين العمايل البيعملها البني ادم كان زمانك حرقت ليك الشمس وضلمت ليك الواطة ده تب. لكن بالرغم من ذلك, يا سيدي لو قلت ليك البني أدم ده حاجة عجيبة صدقني, في بكان زي داك حتى شيطان ما تلقاه.... لا شيطان ولا جن أحمر. مكان خلا. الحكاية وما فيها لقينا راجل فلاح من ناس الواحات شغال يحرث بجمله والدنيا بدت تمغرب, أنا وخليل خلاص روحنا تفرفر من العطش وهو مسكين مجروح ودينه طالع. والموت كان جانا نسلم عليه بالأحضان. في وقت زي داك, بمسافة من الواحة تشوف الدبابات وعربات الديش محروقة. وتشوف البدوي من غير ما يكل ولا يمل شغال بجمله, تامن انو الانسان ده حاجة عجيبة فعلا, يقدر يدمر لكنه برضو قابل للسمو,علي باليمين.
تناول من صحن التمر ومضى يحلب الذكريات والأحداث من أعماق روحه اللائبة.
لقيت واحد من دفعتي اسمه خليل قيصر في مستشفى حلفا, مستشفى كان نظيف ولو كان ما عندهم مانع كنت طولت إقامتي شويه معهم, لكن الله غالب. تعرف كان مفروض أدرس طب فلقيت واحد من دفعتي, لمان رجعت من الصحرا الإنجليز كانوا قالوا لي,الله لا يريحهم كانوا ناس صعبين خلاص.
فشر, الضابط الإنجليزي قال لي وهو يبرم في شاربه, ومولع ليه سيجارة ويعاين لي بحقارة –أنت يا جني الليل ما قعدت تلاتة سنات في الميدان, قعدت سنتين بس, عشان كده مش حنديك فرصة الدراسة مجانا, عجيبين الانجليز دول ياخي!
قلت ليه, يحرق دينه ودين ابوه , الدسنتاريا مسكتني في الميدان وهرت مصاريني و أنا كان مفروض اقعد يا جنابك. المهم, فلمان مشيت اخذوا دمي, وكان رئيس المستشفى الملكي في الخرطوم واحد من دفعة ناس أبوي, فاخذوا دمي ولقوا مع الدسنتاريا كمان ملاريا, كانت مسكتني لمان وصلت الخرطوم وكان في مشاكل في الكبد, وبعيد عنكم اليومين دول قايم علي شويه.
بعد الحقن والحبوب يا سيدي بقيت زي التور وبقيت آكل تمام. ما كنت باكل كلو كلو وفاطمة أختي تقول لي: يا جنى الليل اكل كويس, كان سمك, كان ملوحه, كان خضار ولازم تشرب مويه كتير. امنقا, فنتن شوربقا كابد سورات كبي, لغاية عرقي العيش كان لقيت اشرب.
صمت قليلا, ثم اخذ كاسا من العرقي, بلعها مرة واحده
قلت ليها زمان وكت كنا تلامذه, ونكون مفلسين بنشرب عرقي العيش المر ده. لكن كل أول الشهر أهلنا بيدونا شوية قريشات كنا نسميها في جوغتنا, جوغة البرميل, بالPocket Mony نقوم نتشارك ونركب الترماي من الموردة لغاية المحطة الوسطى, كان ترام بخاري بيمشي بالحطب, وعندو صوت واضح, دقدقدقدقدقدق. وكنا مسمنه السميع. بعد ما نتقابل في المحطة الوسطى نقع في الامتدادات, هناك في السكسكة والبنوت والدنيا بخيرها وشرها. وعندنا برميل, مش زي براميل الصفيح المصدية ده, لا, عندكم البراميل المغطية بالخشب براميل النبيذ المعتق الكان بيجي وادي حلفا زمان مع الكنفوي الماشي للصحرا.
- يا سلام, اشريمن من نبيذ تان, علق سيدي وهو يرفع كاسه من عرقي البلح المر بعد أن اكملوا الزجاجة الأولى..
. نخت البرميل نكب فيه الويسكي,الأوقيانوس والأنيشة والكونياك الجاي من القاهرة والحبشة, كله نلخبطه مع بعض ونشرب ونقوم نسكسك مع البنوت.
تعرف في واحدة من الجلسات التي لن أنساها طيلة ما كنت حي, غنت لي
طقس حار وخانق كان كذلك يجتاح بروكسل, وذات القمر يراه جنى الليل, كما يرى الأحول الشيء شيئين, في تمامه متململا وسط هالة صفراء كأنها مضروبة بالشمس . بدأ يراقب نور الله جابو الضائع يعبر ساحة سانت ميشيل. الأشجار ساكنة ولا ورقة تتحرك , شرفات البيوت مفتوحة على أخرها, وستائرها البيضاء الشفافة تهب هب بحثا عن هواء. في الحدائق الخلفية تفيح أزهار الماغنوليا2 بأريج مدوخ .سحبت أليسا كرسيها إلى النافذة وجلست تتأمل في ساحة سانت ميشيل . كانت كعادتها تغوص في ذكرياتها, بين حين وحين تتناول في شرايح من الفطير التي تعده بمزاج لم يهن. تأخر عبدون عن موعده, فمن عادتهم أن يشاهدوا الأفلام عند التاسعة.
لوسيان كاد أن يغمى عليه في ذلك المساء. الصداع مخالب قط مغروسة في الدماغ ثم تغوص إلى أطراف الأنف, القناة التي تؤدي من الأنف إلى الأعين مسدودة تماما, الصديد يتراكم بين زوايا الأعين, الغثيان, الحمى, اسبرين ثم نوم, لم يرى نصف الفلم في ذلك المساء .
في الطرف الثاني من المدينة كان عبدون فرح قد وجد حتفه.
ها قد فاتني البص الأخير, بروكسل بعيدة. الثلج المتراكم والريح الباردة قللت الحركة فلم يعد هنالك من يخرج في مثل في هذه الساعة.
اشتهر نور بين أقرانه, بقدرته الفائقة في كتابة المواضيع الإنشائية والقصص, ظهرت براعته المبكرة في اللغة والعلوم ونال جائزة لنبوغه المبكر. كان جنى الليل قد كلفه, بعد أن عاد من الخرطوم مع الخواجة فاندن ابل بعد أن تقدم الأخير لوزارة الثقافة والإعلام بطلباته من ما يلزمه في بدء الحفريات والتنقيب عن الآثار, وبعد أن قاموا بمسح كل مناطق حلفا. صمموا الخرائط الهندسية, وحصروا ما يحتاجون له من آلات للحفر والترحيل, وحسبو المال اللازم لذلك.
في المساء ذهب إلى مجلس جنى الليل أمام دكان طه مريم. والدنيا أمشير.
وصلته رسالة من نور في ذلك المساء اليسا واراد جنى الليل ان يحتفي بها احتفاء مقدرا.
استلقى جنى الليل فوق عنقريبه. فتح الرسالة التي حملتها البوستة القادمة من أسوان. من زمان لم يتسلم منه رسالة. قلب في الصفحات, قربها إلى أعينه حتى كادت الورقة تلمس النظارة ثم بدأ يقرا في الرسالة التي أرسلها له نور من بروكسل.
مثلما تظهر قطرات ماء نقية فوق مسام حجر ملتهب يبتل, ظهرت بعض قطرات دمع ساخن في زوايا عينيه, ثم تدحرجت فوق وجهه الساكن القوي. كان يتمزق حنينا حينما يتذكر أليسا وأيامها الأخيرة في ابكه, فوق روابيها الرملية, وبين جبالها, العوم عند فاش كلو, مغارات كلاي كومبو وكمن نوتي. ذلك المساء الذي تاها فيه بعدما هبطا في خرابات مرقسة. في البدء كانا قد دخلا نفقا مظلما. يصفو ذهنه كلما تقدم. بعد أن أشعل زناده, انتبه إلى أن النفق الطويل الذي تاها فيه, كان ممرا يفضي إلى مسرح هائل يطل على ساحة عظيمة, مضاءة بأنوار صفراء, حمراء, برتقالية, بنفسجية. كلها خافتة. حينما صعدا إلى المسرح ليطلا على هذه السماء المجهولة, وجدا أن الضياء كانت تأتى من كوكب غريب اكبر من الشمس والقمر بمقدار أعشار. لكن الضوء الذابل رويدا كانت تعلن عن موت الكوكب. كان باقيا هناك برغم الطوفان. ينشر الضياء في ذاكرته, يذكره بموقد فحم اليسا, لا زالت آثار الجمر الملتهب, وتلك الحمرة الغامضة باقية تحت الرماد.
كان ساخرا برغم تشاؤمه مزعجا بصخب حينما يغضب, عميقة أسراره. ضحكاته العالية كانت تخبئ شخصية بروح كتومة, كقناع منحوت بدقة, يجد مكانه بارتياح فوق وجهه المنحوت كذلك بدقة, الأنف الطويل برغم غلظة الشفتين يوحي في بادئ الأمر بنوع من الحدة. وجه جهنمي, كوجه مجرم يخطط بدم بارد لجريمة.
وبرغم الغموض والفوضى التي كانت تجتاح روحه في تلك الأيام البشعة, أيام التمزق والضياع التي تعاقبت عليه ثقيلة بعد الهجرة, والذي كان يردد خلالها وكأنه يحدث أحدا, بأنه تاه وضاع منه الصراط المستقيم, إلا انه يشعر بذهنه يصفو حينما يتذكر أيامه الأخيرة مع اليسة, كلام أبيه وحكاياته الكثيرة والتي لم تكن معروفة أن كانت من نسج خياله الواسع أم كانت حقيقة.
- أيا كان الحال أيا كان الحال.كل شيء كان ينبئ بالكارثة, هذا التدفق في عدد الغرباء على المدينة, من المساحين, موظفين الإحصاء, علماء الآثار والجنود, الانقلاب العسكري, جهل المفاوضين في مفاوضات مياه النيل بواقع الذين سيشردون, عدم اكتراثهم لشكوانا كل شيء كان ينبئ بان حلفا ستذهب إلى الأبد.
- منقا ار بنجي, ار اسلو نايدن فري؟ نايلك هوكي؟ من افنديقولي اك هوكينا, اوين ديسكا برسكا دونجيسنقو منقا اق اونا؟ وقف عبده فرح قاطعا حديثه الغاضب. ثم عاد وجلس وهو يضرب الارض بكفه العريض, يمينا بالله
.إن ما يقلقني أكثر في هذا المنعطف الخطير, هو مصير طه مريم وخليل والوجوه التي غربت إلى الأبد.
.فناروكمو ادمرينقو نورن تد ارحموسم ها فلى كجن, بك بك بك قور سماهين امن تونكن بكنكن, جتتني هفالكين, هيا قون اوك اسكجنو وو كوركيدي اور من ارجنادقرو؟
حينما أكمل المدرسة في قريته بالقسطل عام 1923 حدثت له أكثر الأشياء تمزقا, أخذه بن عمه, واظنه صلاح كاتبه في مكان ما, لحظة اذكر كان بيؤل ايه
مشردا, أسير وحدي في طرقات جزيرة مرقسة, أقدم بقاع الأرض, تلك البقعة التي رأت النور في الأول, أمامي تسير روحي مترنحة قلقة. ماذا يقلقها؟ أهو ألم العزلة أم البحث عن مأوى جديد؟ هاأنذا امشي وحيدا, مهزوما, نائما ويتيما,.يغشوني حنين إلى رمل مرقسة, فاشكلو والتقيرية, الشتاء والريح الموشوش ممسدا شعر الحقول في الباشونق. البوستة البيضاء في عمق النهر.تقترب إلى الشط عند الموردة شمال وادي حلفا. دغل النخل يلوح فرحا لحضورها بسبائط التمر.
ممكن تسال عنه يا نور أخته فاطمة ولا أقول لك, أخر واحد يكون عاصر جنى الليل في امدرمان ابل ما يمشي الحرب هو ابن فهمي طه
ما كانت في حاجة اسمها الخرطوم, كان في امدرمان وفي الوقت داك كانوا بيسموها البقعة وكان المتر المربع في أمدرمان بمليم واحد, وفي الخرطوم ببلاش, بس في الزفت وادي حلفا ده كان قالي خلاص . نحن من أصول تركية, على مصرية, على نوبية, على كبابيش, على عرب وافارقة وجدي بنى البيوت ده, أبوي باع الأملاك ده كلها ومشا الخرطوم, فهمي محمود طه, كان ماسك حسابات وزارة المالية. انا مولود في فريق الشيخ دفع الله, حوشنا كان جنب حوش ناس زروق . في العباسية, بورا مستشفى التجاني الماحي, بكون مولود في سنة اتنين او تلاته والف وتسعمائة. أبوي أتزوج مرة تانية, وبعدين جدي أبو أبوي كان مقاول, جا مع الغزو التركي المصري مع ناس محمد علي باشا. فقام هو الرباني وقراني أبوي أتولد في بربر وجدي كان مديرعام المديرية الشمالية, وبعدين اتخرج سنة 1902 من كلية غردون.
درست الثانوي في الأبيض أنا ومعاي واحد اسمه خليل, عربي عبد الباسط وفي واحد بدا السنة الاولى وتاني ما شفناه اسمه نور, لكن كان مشهور بجنى الليل الحفيد اسمه كان غريب علينا, احيانا بقولو ليه دابي الليل.
لما نقعد معاه ونساله كان بيقول لينا كلام عجيب اتزكر بيقول لينا في كلامه اه هم جايين من أمدرمان, والخير جاي من حلفا ونحن كنا ثمانية, والإنجليز في الوقت داك كانوا شحيحين في التعليم. نور الله جابو هو اسمه الأصلي لكنه اشتهر بجنى الليل . انا تميت باقي تعليمي في خورطقت, وجيت كلية غردون, وكان في الأصل مفروض أمشى مدرسة الطب , لكن طبعا كانت غالية وما في حاجة اسمها مجانا, فقمت نويت أمرق من السودان بعد ما أبوي اتوفى,فمشيت ليبيا, في الوقت داك أنا كنت شغال في البي اند ركوردس ومشيت ليبيا سنة 1942 بالقطر لغاية حلفا كان في واحد صديق أبوي الهو طلع جنى الليل مان سواق مع الكفوني , رجل شهم وشجاع واخو اخوان راجل وكتين الحارة. سهل السفر للصحراء, كانوا بريسلو حاجة اسمها الكونفوي والكنفوي دي اللواري التابعة لجيش الحلفاء. كانت بتشيل المؤن والعتاد الحربي لغاية واحة سليمة. وبعد داك تمشي الكفرة, وكان بيغنوا لي سخانتها.
كفرة نارها زي جهنم تحرق القلب.والعضم....
وروميل يا أخوي زاحف علينا جوا, برا وبحرا, والغارات كانت عنيفةخالص, أنا عملت تدريب بسيط في شغلا نية الحرب ده. لكن جنى الليل ده لا تدريب ولا الله قال بس رجاله وهمجية ساي. نحنا دربونا في أمد رمان كيف نستعمل الطبنجات والمدافع.

تعليقات

Comment Icon

البروفسير herman Bellعن الحضاره واللغه النو البروفسير herman Bellعن الحضاره واللغه النوبيه بالفيديو

--------------------------------------------------------------------------------

http://sudaniyat.net/Khalid/Prof.H.Bell.wmv
بيه بالفيديو

Arrow Icon سمل ود الولياب | 27/02/2007, 03:11 [الرد]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba