01 كانون اول, 2006
تأملات في القراية والتعليم | |
القراية أم Passion عوضا عن القراية أم دق. |
التعليم أكثر الأشياء غير المادية, أي أنها المؤسسة الوحيدة التي لا تدر أموالا مباشرة للدولة, لكنه هو الذي يقرر مستقبل الشعوب لأنه يشكل قلعتنا الروحية , ولذلك لم يهتم به السماسرة وبائعي الوطن .
التعليم العام والرسمي الذي أسسته الإدارة البريطانية في السودان والذي ترسخت أركانه بجهد نفر كريم من السودانيين و الإنجليز وبعض المصريين والسوريين الذين عملوا في التعليم في بدايات القرن الماضي, هذا التعليم الذي كان يمتاز بالصرامة والنوعية الجيدة من الأساتذة والذي انبنى, , على أسس (علمانية) إجباريا ومجانا, كما توارثناه من صدمتنا الأولى بمدافع الحداثة والتقدم التكنولوجي التي صاحبت دخول الإنجليز السودان, بالرغم من محاولات المسؤولين السياسيين الذين تعاقبوا على دست الحكم في العقود التي تلت الاستقلال من تغيير صورته, ففي حقبة الستينات تم تحويل لغة الدراسة إلى العربية عوضا عن الإنجليزية, السلم التعليمي في السبعينات وثورة التعليم العالي في التسعينات والي الآن. هذا التعليم هو أساس المجتمع السوداني الحديث الذي نشهده ينهار أمامنا كقصر جميل قديم. في تلك المدارس البسيطة والمتواضعة كان هنالك معلمين ومعلمات على قلتهم وقلتهن يعلمون ويعلمن كيف يصبح الطفل باحثا للحقيقة.
وهو ذات التعليم الذي عمد الطريق لتحول المجتمعات السودانية من مجتمعات تتمسك بالتقاليد القبلية والجهوية, وما تترتب عليها من التزامات بالحياة الجماعية وروتينها الخانق إلى المجتمع السوداني الرحب والذي فيما يبدو وكما يشير إلى ذلك شاعرنا الرقيق محمد المكي إبراهيم,كانت نواته قد بدأت في الظهور منذ ما قبل الثورة المهدية, أي في حوالي منتصف القرن التاسع عشر. والذي نعرف جمعيا ملامحه وسحناته المتعددة وانسجته المتشابكة بالرغم من أن الكثيرين لا زالت تعمل في رؤوسهم طواحين القبلية والتزمت الديني والرؤية الأحادية للوجود, مخلفين غبار الكلام الفاضي والخمج في الصحف السيارة التي أصبحت تشبه لي سيارة أستاذ المبشر الفلكسواقن القديمة التي كانت تملأ سماء المدينة بدخان كثيف خانق. وقف المبشر بسلحفائه الفلكسواقن ذات يوم ليس ببعيد قرب بوابة المدرسة الثانوية داعيا أستاذ إبراهيم دوانة مدرس اللغة العربية أن يركب فيوصله حي مربع ستة بحلفا الجديدة حيث يسكن, فرد الأخير, بسخريته ومزاجه النوبي المعكنن بدخان السيارة قائلا- شكرا يا أستاذ مبشر أنا الحقيقة مستعجل واحسن أمشي بكرعي.
هؤلاء الذين لاينفكون يبدلون أقنعتهم دون اختشاء فقط من أجل أن ينعموا بالسلطة هم الذين قصموا ظهر التعليم. لكن الكثيرين كما نعلم لا يريد أن يرى وجوههم الداندية في المرآة, مرآة الحقيقة. وقد حدث كل هذا لما يمكن أن نسميه بالصالح العام الذي ينبغي إعادة بنائه إذا بقي للسودان وجود موحدا في الفترة القادمة, فالصالح العام, هذا المفهوم الذي دافع ويدافع عنه كبار الفلاسفة الألمعيين, هو الذي يشكل حجر الزاوية لأي مجتمع يريد أن يتجنب الأنانية المفرطة لدى الأفراد من جهة ومن مفهوم الدولة البوليسية من الجهة الثانية, فالصالح العام لا يتشكل من مجموعة من الأنانيين ومن هذه الأشياء التي تضعها الأنظمة الشمولية من أحقية الدولة وشرعيتها فوق قيمة الإنسان, الأصل في وجوده هو ونظامه الشمولي, فعليه لما لم يبقى أمام المرء إلا أن يرتعد خوفا ويؤمن بالنظام. الصالح العام شيء سامي لأي مجتمع وهو قبل كل شي يعني أن يعيش حرا متضامنا منتصرا للعدل, وإيجاد نقطة توازن بين طرفي هذه المعادلة شيء عسير لكنه ممكن لأنه شيء قابل للبرهان ومحسوس ومشيمة التاريخ حبلى بتجارب ثرة, ربما منذ المجتمعات إلى وصفتها السنة الحداثة والكبرياء الأوربية بالمتخلفة, والتي تحقر بها ومن شأنها المبشرين باسم ديانات التوحيد, والدول الديمقراطية التي لم تكن لهم حوجة للإرهاب, إرهاب الدولة ضد ما يسمى بالإرهاب ذات الماركة العالمية المسجلة باسم القاعدة. خوفا من أن يقلب عليها ظهر المجن.
كلنا نمارس السياسة في حياتنا العامة, السياسة بمعناها الواسع والمعروف لدى الناس بطريقة أو بأخرى, ولا أعتقد بأننا نفتقر إلى البنية التحتية لاستنهاض التعليم الذي نريده للمستقبل. فمن جهة لدينا خبرة متراكمة وان كانت اغلبها قد هاجرت منذ سبعينيات القرن الماضي حينما بدأت أفواج الهجرة المنظمة إلى الدول النفطية, لكننا يمكننا أن نوظف جزءا من هذه الخبرات في الكتابة عبر الأسافير التي يجب علينا جميعا أن نرفع من مستوى الحوار فيها واستغلالها بقدر ما يمكن في الكتابة الجيدة التي تخدم القضايا الاجتماعية الكبرى, ومن جهة ثانية هناك ارث أكاديمي ضخم في السودان بدءا بالمدارس الابتدائية والثانويات, الجامعات والمعاهد العليا.
لكن لماذا انهار التعليم في السودان؟
المدرسة الأولية هي المكان الذي يتم فيه تشكيل أو تشويه الفرد, هي المكان الذي يجب علينا أن نوضح عنده سؤات ومزايا الفرد وكذلك سؤات ومزايا كل شعب وكل ثقافة.
إن تدريس بعض المقررات كمادة التاريخ, اللغة, الجغرافيا بالطريقة التي درسناها في المراحل الدراسية المختلفة, لا تصل بالطالب في اعتقادي الضعيف بتاريخه كما أن تدريس اللغة بالتركيز على دروس النحو والقواعد شئ لا فائدة منه ولا خير فيه لان اغلبهم, أي الذين يمسكون بعصى النحو والقواعد مشكلين ما يمكن أن نسميهم ببوليس اللغة, الذين يجيدون القواعد ويحفظون قوانينها لا يمكن أن يفسروا لنا لماذا وبالرغم من كل هذه الرقابة البوليسية التي تخاف من فوضى المظاهرات, يستمر الناس في ارتكاب الأخطاء حينما يتحدثون. إن حالهم كحال من يعرف قوانين القيادة لكنه لا يستطيع أن يقود السيارة سواء كانت (سيارة روز رويس) وهي العربية الفصحى أو (فولوكسواجن) وهي العامية ( التشبيه للكاتب إدوارد سعيد). وسوف اكتفى هنا بالخوض في تفاصيل مادة التاريخ, على أن أعود إلى موضوع اللغة عندما يكون هناك متسع لذلك.
قلت أن تعليم مادة التاريخ بالطريقة التي تدرس بها في المراحل التعليمية المختلفة, لا تصل الطالب بتاريخه لانه يقدم لهم مبتورا. حيث يتم تدريس كل شيء والمحصلة النهائية هي أفراد يجهلون كل شيء عن التاريخ. إذن لا ينبغي أن نعلم كل شيء ويمكنني أن أسوق هنا مثالين او ثلاثة في كل ما يتعلق بدراسة التاريخ والجغرافيا. وكنت قد بدأت هذا الحوار مع أساتذة مادة تاريخ الفنون وطلبة الأقسام المختلفة بأكاديمية الفنون ببروكسل في يونيو الماضي بعيد المحاضرة التي تحدثت فيها عن تداخل الثقافات وتشابكها والتي تظهر في مجال الفنون بالذات, فقد تأثر فن الرسم في أوربا بعيد سقوط روما وانتقال عاصمة الإمبراطورية إلى القسطنطينية, بطريقة الرسم وتمثيل الطبيعة والحياة التي كانت متداولة في جنوب وشرق البحر المتوسط الذي يفصل الضفتين الشرق والغرب. فإذا أخذنا مثلا عصر النهضة كحدث تاريخي هام. ينبغي أن نعلم من خلاله العناصر التي يمكن أن نسميها بالمولدات والضوابط دون أن ندخل في سرد التفاصيل. بدءا بحدث ديني مثل الحروب الصليبية التي نشبت بين ضفتي البحر المشترك في البياض وخضرة الشطان وتضاريسها لكنها تختلف في المعتقدات. هذا الحدث بالرغم من انه كان حدثا ذا طبيعة دينية, لكنه كان مولدا لعناصر ذات خصائص متعددة وأحداث تاريخية مدهشة يمكن للطالب أن يتعلمها .
لقد تم تحطيم الإمبراطورية الإسلامية وبدأت تفككها, نشطت العلاقات التجارية بين الشرق والغرب. ظهرت المدن الإيطالية, Les Communes الكيمونات نتيجة النشاط التجاري ومع التجارة انتقلت الحرف تحملها المهارات اليدوية والفنية الخلاقة والضرورية لتطوير هذا التبادل الضخم. فالمدينة التي نعرفهااليوم إنما نسجت أحشائها من كل هذه الأشياء وظهرت لتغير ملامح أوربا كلها وكذلك ملامح العصر الحديث. ظهرت عقلية المنفعة التشيؤ أي تشي الزمن, والتي تعتبر نتاجا مباشرا لظهور العلوم التي تخضع للنظر والعقل الإنساني والرأسمالية الوليدة. فمنذ تلك اللحظة التاريخية بدأ كل شيء قابلا للتشيء وذات كمية محددة, ظهرت عبارة الوقت من ذهب. احتاجته أبراج القرون الوسطى, فأصبح البندول ضرورة. ثم تشيء الزمن والمكان. لم تعد تحتاج الشركات الرأسمالية, وهي تنتظر سفنها في عرض البحر محملة بالبضائع, إلى الشعراء والرسامين لكي يرسموا لهم الخرط . فاحتاجوا إلى مصممي الخرط. ظهرت أيضا علوم الرياضيات التطبيقية بسبب العمران المدني في إنشاء القنوات والجسور والعسكري الذي ظهر في بناء القلاع لاستعمالها في إطلاق النيران, نيران المدافع من زوايا محددة, وبما أن الفن بالنسبة لهم كان يتداخل مع ما هو حرفي, ما هو مرتبط بالفعل اليدوي , فاعتبروا الفنان والحرفي واحدا في الأصل. دخل علم الرياضيات في مجال الفنون . بيير دو لا فرانشسكا أحد مخترعي الهندسة المستوية , يعد في نفس الوقت أحد مبتكري الرسم المنظوري, أي أحد الذين ادخلوا المنظور ,تناسب الأبعاد والأحجام, في الرسم. حملت سفن التجارة على متنها ضمن ما حملت كثير من العلماء الإغريق, الذين عاشوا في القسطنطينية ردحا من الزمن بعيد انهيار روما وجاءت معهم أفكار بيتاقورث وأفلاطون... وهكذا يمكن من جلسة في محكمة التاريخ أن يتعلم الصبي وتتعلم الصبية وبولع وشغف, الطريقة الوحيدة للتعليم, التاريخ, الرياضيات, الفنون الأديان والجغرافيا
ربما يثير ما طرحته في موضوع التعليم بولع وشغف مخاوف كثير من المعلمين, الباحثين والذين يعملون في حقل التعليم عموما, إذا اطلعوا عليه, ذلك الخوف الذي ينتاب الإنسان عندما يهز أحدا أركان إيمانه بشيء مقدس. والمثير هو إن ما طرحته لا ينبع إطلاقا من عقل يهذي بل بالعكس انه قمة الاتجاه الصحيح. قبل فترة كنت قد طرحت لزوجتي دلال رجب وهي خريجة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة الخرطوم سؤالا في الجغرافيا وهو أن تقوم بتعداد خلجان القارة الإفريقية, فكان جوابها أنها ربما تعرف خليجا أو اثنين بالكثير, وهو السؤال عينه الذي أطرحه على نفسي وعلى مجموع المعلمين ولعامة المتعلمين.
ربما سيتذكر الكثيرون منا رأس الرجاء الصالح وخليج غينيا, لكن من غير رجل الجغرافيا أو بحار خبير يستطيع أن يعدد هذه الخلجان كلها.أفلا يحق لنا, بعد هذا أن نتأسف قائلين يا له من تبديد للوقت وللمال, كل هذا الذي درسناه لأننا لم نعد نتذكر منها شيئا كثيرا. قد يكون هؤلاء الأساتذة والمتعلمين من المثقفين, على حد قول ماكس شيلر الفيلسوف الألماني 1874-1928
( أعتقد أن الإنسان المثقف هو ذلك الإنسان الذي نسي تعليمه الرسمي من الكتب Erudition or Scholarship) هم أحد العيوب الرئيسية في نظام التعليم, ليس في السودان وحسب بل في العالم أجمع, لان نظام التعليم اليوم يدعي بأنه يعلم كل شيء وفي نهاية المطاف نجد أنفسنا لا نعرف شيئا أو بالأحرى لا نعرف شيئا بالطريقة الإيجابية لتشكيل ما يمكن أن نسميه بصورة عامة الثقافة. والتي لا علاقة لها بالذاكرة وبالتراكم الإجباري للمعلومات من معطيات, أرقام, مقاييس, معادلات كيميائية كانت أو رياضية أو فيزيائية, تواريخ. وكما يؤكد ماكس شيلر( فإن الإنسان المثقف والذي يعتبر النموذج الأسمى لأي شعب), ليس هو الفرد الذي يعرف كل أوجه الأمور والأشياء, وليس كذلك المهندس الذي يستطيع أن يخطط وبحسابات دقيقة لبناء جسر أو عمارة وليس كذلك الفيزيائي الذي يمكن أن يرصد بدقة متناهية ويحدس عن متى يحدث كسوف الشمس أو خسوف القمر, وليس ذلك الفرد الذي يعرف الفرق بين الجول والوات, أو بين البارومتر والثرمومتر (وحدات قياس الضغط والحرارة). كل هؤلاء يعتبرون أكاديميين ( علامة في مجالاتهم) بل وهناك رجال عباقرة في العلوم التطبيقية والعلوم الأخرى, لكنهم ليسوا بالضرورة مثقفين. وإذا كانوا كذلك فليس نتيجة معارفهم المتخصصة هذه, بل نتيجة لحالة كينونة أخرى تميز الإنسان المثقف. بالطبع فحينما أسوق مثل هذه الأمثلة, لا أريد أن الغي مواد الجغرافيا, التاريخ, الرياضيات الفيزياء والعلوم الأخرى من المقررات من البرامج الدراسية, كلا بالطبع, لكن الذي أثيره هنا هو الطريقة التي نعلم بها هذه المواد. يجب أن نعلم النشء والأجيال الجديدة بطريقة مغايرة, حسب معيار أخر. ليس لتأهيل جغرافيين, فيزيائيين أو متخصصين في الرياضيات للمستقبل, فهناك كليات متخصصة لذلك في الجامعات, لكن ينبغي أن ندرس هذه المواد لكي تساهم في تشكيل الثقافة, الثقافة التي تنسجم مع رغباتنا وحيواتنا, حسب مفهوم شيلر.
هذا جانب من الحديث, في الجانب الأخر يبقى كل الذي قيل في التعليم شيئا غير قابل للتطبيق أو بمعنى أخر ليس هنالك وسيلة لتعليم جيد وتأهيل تلاميذ أكفاء, إذا لم نؤهل في المقام الأول أساتذة جيدين, ونموذج بخت الرضا في السودان نموذج جيد ينبغي تطويره بإعادة النقاش والبحث في أصول التربية والتعليم من خلاله, ويسعدني في هذا المقام أن اذكر أساتيذ أجلاء تم تدريبهم في بخت الرضا أو في معهد المعلمات بكسلا ثم حملوا وحملن أمانة العمل في التعليم ردحا من الزمان. ولقد شرفت بان أكون تلميذا على يديهم, أذكر منهم الأستاذة الخالة علوية حسن محمد التي درستني في المدرسة الأولية ولقد حببتنا المسرح والرسم, وأذكر بأننا قمنا, تحت قيادتها الصارمة لنا في أمسيات الجمعيات الأدبية في سبعينيات القرن الماضي, بتمثيل مسرحية الكلبة لأيكة وتاجر البندقية, كما إنها تركت رسومات على جدران المدرسة بقيت فترة من الزمن ثم تلاشت كما تلاشت أغلب الأشياء الجميلة من حياتنا, وأذكر كذلك الأستاذ والشقيق الأكبر عمر أحمد طه الذي درست على يديه في الصف الخامس مادة الرياضيات, ثم في الثانوية العامة. ولا زلت أذكر ذلك اليوم الذي دخل علينا الفصل وبدأ في كتابة النوتة الموسيقية على السبورة ثم طلب منا أن نردد وراءه حروف النوتة, وبقيت تلك الحصة, بالرغم من أنه خرج من إطار المقرر محفورة بذاكرتي حتى الآن, لأنه ربط بين الموسيقى والرياضيات. وأذكر كذلك الأستاذ الجليل العم صالح محمد طه, حينما كان مديرا للمدرسة, فقد بادر بإنشاء مكتبة صغيرة بالمدرسة وكان يفرض علينا قراءة كتب القصص والروايات ثم يطلب من كل طالب كتابة موجز للقصة التي قرأها. وهذا إضافة لأساتيذ علامة آخرين أمثال عبد الحليم قرناص, حسن أحمد علي, أزهري بشارة, أستاذ حلبي, محمد عبد الدائم وأخريين. عودا للبدء أقول بأنه ليس هنالك وسيلة لتعليم جيد, دون تأهيل أساتذة جيدين. نعم ليس هنالك وسيلة أخرى, فمفتاح تعليم راق وبنوعية ممتازة لا يكمن في المناهج والبرامج الدراسية التي لا تعد أكثر من كلمات وحروف ميتة على الورق, إذا لم تتوفر أساتذة علامة قادرين على فك طلاسم الحروف. الملاحظة, الاهتمام بمسؤولية, النظرة الناقدة المحللة هي التي ينبغي أن ننشد منه ونكرس له أساتذة مؤهلين, كما أثبتتها بعض التجارب التي طبقت في التعليم إبان فترة الإنجليز, ثم بعدهم في مراحل التعليم المختلفة إلى الدرجة التي اشتهر خلالها أساتذة كبار مثل الأستاذ الكاتب حسن نجيلة والذي لا يلبث أن يحل منقولا بمدرسة ما في زمانه, لترى نسبة نجاح طلاب المدرسة المحظوظة قد ارتفعت
يخاف النحويون من الفوضى اللغوية كما تخاف الشرطة من أشكال المظاهرات السياسية المختلفة. لكن ينبغي أن يسأل هؤلاء النحويون واللغويون العرب بشكل خاص والنحويون بشكل عام أنفسهم عن في أي عصر كانت اللغة تتحول وتتغير حسب نسق منتظم مع حركة التقعيد اللغوي؟. كيف كتب هوميروس أعماله الإبداعية الخالدة, في الوقت الذي لم تكن تعرف فيه البشرية النحو والقواعد؟ والسؤال نفسه قائم حول الإبداع الشعري العربي ما قبل الإسلام وما بعده, الشعر الجاهلي وفن الخطابة لدى العرب, بالرغم من ما أثاره طه حسين حول تاريخية هذا الشعر, في كتابه المحظور في الشعر الجاهلي. كيف كتبت المعلقات بهذا الإيقاع الشعري واللغة المقطرة في وقت لم يكن يعرف فيه العرب القواعد والنحو, هذا دون التطرق إلى القران. لقد نسي هؤلاء أن لا شيء يتعلق بالبشر نقي صاف, واللغة من أكثر لأشياء غير النقية عند الإنسان. إنها بطبيعتها فوضوية, ويصيبها التساقط والنسيان. دون أن يمنع ذلك من ظهور مصطلحات أخرى. فالتساقط اللغوي إذا جاز التعبير, يسود على كل اللغات تماما مثلما يصيب التساقط أوراق الشجر. وليس هنالك شرطي نحوي أو عالم لغوي, له القدرة في أن يوقف هذا التساقط. فاللغات التي تتحدث بها الإنسانية هي هذه اللغات التي ولدت من رحم هذه الفوضى, مثل اللغات الأوربية, اللغات الأسيوية والإفريقية. والعربية ولهجاتها المختلفة, هي لغة مثلها مثل لغات العالم لم يبتدعها الرب في السماء إنما هي بنت الأرض, ولدت فوق تلك الصحراء القاحلة, وبالرغم من ذلك, نجدها بلهجات مختلفة في بيروت, دمشق, بغداد, القاهرة, الخرطوم, طرابلس الغرب وفي مراكش. لقد قاومت هذه اللهجات عمليات التقعيد وشرطتها المدججة بأدوات النحو, وبسطت نفوذها وبقيت حية في وجدان الناس وحياتهم اليومية, فهي التي تستخدم في التعبير اليومي, عند لحظات الفرح والسعادة, عند لحظات الخوف والحزن, وكذلك عند لحظات الموت والحياة. فالخالق من جهة واللغة من جهة أخرى يتم خلقها بواسطة الشعوب وكبار مبدعيها, لتستمر في التعبير بكلمات تصيغها الذاكرة البشرية, مدفوعة بالآمال والآلام, بالأحزان والأفراح, من خلال الأغاني التي صاغت وجداننا منذ الطفولة, الأصوات التي تلتقطها آذاننا والتي تعبر عن كلمات الحب والكره, كلمات الترغيب والترهيب. اللغة التي رضعنا كلماتها مع قطرات حليب الأم ( أهي محض صدفة أن نقول اللغة الأم وليست اللغة الأب) اللغة المعاشة التي عانينا ونعانى من تعلمها طيلة مشوار الحياة. إنها اللغة التي يكتب بها المبدعون أعمالهم دون أن يفكروا في القواعد والنحو, لأنهم ببساطة, يعتبرون اللغة بيتهم, يعيدون ترتيبها وفق أمزجتهم, كما يقول هيدغر (اللغة بيت الشاعر) فليست الكلمات هي التي خلقت بندر شاه, فبندر هو الذي خلقها, ( انت وين لقيت الكلام يا سجم الرماد؟) وليست هي التي خلقت كذلك الأوديسة, إنما الأوديسة هي التي خلقتها, وليست الكلمات هي التي شكلت جحيم دانت, أقول جحيم دانت لأنني أفضلها عن فردوسه. فإذن لا ينبغي أن يخشى النحويون من الفوضى اللغوية, لأنها لن تصيب اللغة بخلل بل العكس, قد يحدث أن يولد في إحدى أحياء القاهرة أو بغداد أو امدرمان أو دمشق أو في أي قرية نائية واحدا من أمثال المتنبي, أو أبو نواس أو ابن خلدون أخر.
إن تعدد التراكيب الصوتية, المصطلحات والألفاظ والمعاني المتعددة, وحتى الأساليب النحوية دليل قاطع على ما تتمتع بها العربية من قوة هائلة وخصوبة لا تنضب كما أنها دليل أيضا على فاعلية اللغة ومقاومتها للتغييرات الحتمية. يحدث تقدم وتطور في اللغة عندما يكون عمق الإبداع الأدبي متوقفا على تغييرات خفيفة في المعاني والأصوات. فبالرغم من كل السنوات التي نقضيها دراسة النحو والقواعد, نجد أنفسنا نبتكر ونخرق أسس ونواميس النحو باستمرار.
أحدثك يا وطن هل تسمعني؟
لقد علمت أن الكلمة الطيبة لا تكون طيبة إلا مع الفعل الطيب الذي يحترم زكاء الإنسان في أي مكان وخصوصاً عندما يشعر بالقهر والترهيب والتدمير لحياته وإنسانيته أن طريق الغربة الذي بدأته من عشرون عاما ًفي الأمارات العربية هو طريق نضالي إسلامي للدفاع عن الحق دون ضيق أفق في الدين أو السياسة والله لقد تقدمت وما عاد ممكناً الرجوع إلى الوراء وذلك لأحفظ لنفسي ولأسرتي مكاناً في المستقبل ومكانا في قلوب أصحاب السمو حكام أبو ظبي وعلى رأسهم حضرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد حفظه الله فالحياة ليست عبس والإنسان يتطور من العجز إلى القدرة ومن العماء إلى الرؤية ومن العبودية إلى التحرير وذلك بالمعرفة والوعي والقوة والسيادة فيكتشف الإنسان نفسه ويمتلك كنوز عقله ويحقق حريته ووجوده ويعرف ربه ويبلغ السعادة فالسعادة لا تبحث لنفسها عن سبب فهي غاية في ذاتها ولا يوهن من عزمي أني مغترب فيصبح طريقي غامض ومهمتي غير مفهومة ..فمنتهى شرفي أني فعلت كل ما أستطيع وصولاً بذلك إلى بر الأمان والأمن لي ولكل المجتمع الذي أعيش فيه فإن جلال هذه الأهداف وعظمة هذه الغايات هي مبرر كاف لمشقة الطريق وهل بعد الله هدف ؟؟؟!! وهل بعد الله طريق؟؟! هل في كل هذا يعاب الإنسان على طلب الأمان والراحة للبال وإزالة الخوف من المستقبل ؟
كونوا معي صانعي النجاح لا صانعي الاستسلام
أياليت الكلمات تصنع لي وطناً كونوا معي صانعي النجاح لا صانعي الاستسلام لا أريد أن أعلن الهزيمة لانتمائي لوطن الغربة لقد ارتقيت منابر الأمل المستحيل لأعلن انتهاء اللامكان متقياً بذلك عواصف الزمن الصعب الذي يلفح بحرارته المحرقة وجوه تكرهه وتهرب منه أبحث عن عيون وطن الانتماء لأسكنها ويسكن عيوني فأجد المستحيل أشهق وأفيض بالمحبة وأنثر الزهور في وطني الغربة أتنسم ابتسامة الكفاح أهرق الدموع الغزيرة لأنتعش من جديد وأعلن الولاء للغد المنتظر أرواحنا المشحونة بالومضات تعلن الولاء لوطن الانتماء سنعبر حدود الشمس لنصل إلى الأمل المستحيل لنمضي إلى الشمس ونترك خلفنا تفاهات السنين. انظر إلى زهرات عمري متسائلاً ماذا تخبئ لكم الأيام؟؟
أخاف عليكم آآه..يا ولدي ماذا أفعل وأنا لا أملك لنفسي شيئاً أخاف أن يأتي يوماً وأسأل زهرات عمري هل مازلتم تتذكروني ؟؟ فيكون الجواب منهم عايز حقي مشوار في الغربة (عشرون عاماً ) عايز حقي في وطني الذي نشأت فيه وولائي له _ستكتب كلماتك يا أبني بدموع أبيك على ورق الغربة لتعلق على أسوار وطن الانتماء نداءك أبني و مناشاداتك واستغاثاتك حتماً ستجد نصيراً.أوجه هذا النداء لكل ضمير حي لكي لا تقع الإمارات العربية المتحدة في دوامة التهميش عرفت دولة الإمارات العربية المتحدة نهضة ملحوظة باتت تبدو بوادرها ومظاهرها بشكل جلي وهذا بفضل طاقاتها المادية ورؤيتها الانفتاحية المعتدلة والهادفة إلى الرقي بكل مناحي الحياة بالعلم والعمل, لكن إلى جانب هذا وذاك فقد لعبت الطاقات البشرية الأجنبية دورا مهما في بلورة الرؤية الإماراتية إلى مشروع على أرض الواقع وساهمت في تشييد الصرح الحضاري لهذا البلد الذي أضحت خطواته العملية نحو النهضة تتحدى العقبات بشكل ملفت, ولأن هذه المكونات البشرية تساهم في رسم الصورة الإماراتية بشكلها المشرق فلا بد من الاهتمام بها للنهوض أكثر بمصلحة البلد ككل ولكي لا تقع في سياسة التقهقر الحضاري بسبب التجاهل للقيمة الإنسانية وعدم الرقي بها إلى الأفضل فينعكس ذلك على عطاءاتها... ولأن كل قضية تخرج من فم صاحبها أصدق فلنتأمل في رواية ابن من أبناء الإمارات لا ينقصه من كرمها سوى الجنسية الإماراتية لكي لا تلفظه أمواج الواقع ولكي ينعم في أحضان بلد ضمه بطمأنينة وأمن يبددان مخاوفه ويزهران في قلبه الأمل لأجل العمل تحت مظلة وطن يحمي ولا يرهب :
الحمد لله الذي أفاض على الوجود من نسمات الرضا والامتنان وطهر جباه البشر من السجود للأوثان والأصنام وسما بعقولهم إلى مدارج العلم ومنابع المعرفة كل عام وأنتم بخير وطن الانتماء لا يرق قلبه لدموعنا وتوسلاتنا ولا تجدي معه قصائد استعطافنا واستجدائنا ولا يطربه شدونا ولا يحرك فؤاده حبنا له وعشقنا لترابه ، من غيرك يا وطن الانتماء يتبنانا لا نريد أن تقتل بقايا كرامتنا وأحلامنا لا تجعل أمانينا تنتحر وتذبل قلوبنا ويتجمد إحساسنا، تركنا وطن جريح يقتله الظلم يفقد الأمان وجئنا لنعيش فيك في سلام واطمئنان فدينك ديننا ولغتك لغتنا ،فلماذا لا تعمل على صيانة كرامتنا، فللغربة آلام كآلام المخاض ،تبدأ بسيطة ثم لا تلبث إلى أن تصل إلى قمة عدم الاحتمال , ولكن آلام المخاض تتبعها حياة روح , وآلام الغربة تتبعها موت روح,سعينا وراء الرزق وحياة أفضل تقبلنا وتفاعلنا مع طباع وطن الانتماء ,وعاداته وتقاليده ولهجتهم , تأقلمنا وخاصة أنه قد نشأة أسرتي الصغيرة فيه وشيئا فشيئا تضائل الشعور بالغربة لكن أبدا لا يختفي,وخصوصا عندما نصطدم في الأوراق الرسمية بوصفنا بالأجانب ,صدمة حقيقية تصفعنا على وجوهنا بعد سنوات الغربة الطويلة ,بعد أن صرنا جزء من هذه الغربة ويتحول وطن الغربة إلى جزء منا ,لقد أصبحنا بالنسبة لأرضنا التي جئنا منها غرباء , أصبح الأهل والأصدقاء مختلفين عن ذي قبل , والمثل يقول البعيد عن العين بعيد عن القلب, أصبحت مشاكلنا تختلف عن مشاكلهم ,واهتماماتنا غير همومهم,فقدنا عنصر المعايشة ,كل منا يعيش في عالم مغاير للآخر وظروف متباينة مختلفة , أرض إقامتنا الحالية نحن بالنسبة لها غرباء,ولا عادت أرضنا الأم تميز ملامحنا, وهكذا فعلت الغربة بنا خدعتنا بكامل إرادتنا ,ألا يكفي ما تم دفعه من أعمارنا وفراق الأهل والوطن ,ومشقة الحياة والوحدة القاتلة,إنها مصيدة وقع فيها كل مغترب , لقد أهدرت حق زوجتي وأولادي في تفهم قيمة الحياة في الوطن, لقد رفضت حتى الاستدعاء الإجباري للظروف الاجتماعية,أصبحت الحياة الاستهلاكية تزداد مطالبها أمام الدرهم والجنسية والاستهلاك ,لقد توارت كلمة الرجوع في التراب ,وأبقى منتظرا قدري المحتوم ,ليواري تراب الغربة جسدي في يوم ما وفي لحظة لا اقدر على وصف أحزانها .. نعم ..عشت الواقع متمنيا تحسين المستقبل ,و يمكن للإنسان أن يعيش دون بصر لكنه لا يمكن أن يعيش بدون أمل , ومن يعيش على الأمل لا يعرف المستحيل."
مناشدة لسمو رئيس دولة الإمارات :
نتوجه بمناشدتنا هذه إلى سمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان وإلى سمو الشيخ الفريق أول محمد بن زايد أل نهيان ولى عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وإلى سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي . اسمعوا يا أولى الأمر في إمارتنا المعطاءة همس قلوبنا الجارح الأقوى من الصراخ. نناشد قلوبكم النابضة بدفء الصدق وعقولكم المضيئة بالحكمة بصوت يهز مشاعركم لتشعروا بجرح نازف من جراء حريق يأكل قلوبنا الغضة الخضراء ويعصر عقولنا الصغيرة النامية ويفجر مشاعرنا الوردية الرقيقة. نحن أبناؤكم ولدنا في إماراتنا الحبيبة التي احتضنتنا بشغف, وما زلنا في عمر الزهور. أملنا أن يكون لنا الحق القانوني بالعيش كمواطنين من أبناء الإمارات العربية المتحدة. أملنا أن نكون في ظل جناح متين يعطينا الدفء والحنان والأمان في دولتكم الكريمة المعطاءة بجانب والدينا الذين ينشؤوننا على المبادئ والقيم الرصينة , وإنه من الخطأ أن يأتي يوم لنبتعد عنهم ونتركهم وقد نشأنا في عز وكرم في الإمارات لنذهب فتطبق علينا قوانين بيئات لم نولد فيها ولم ننشأ فيها ولا نعرف عنها شيء وهى قوانين البلاد التي قدم منها آباؤنا فلم نكن يوما نحيى العلم فيها ونردد نشيدها الوطني في كل صباح بمدارسنا بل الإمارات هي التي عملت على تربيتنا الوطنية لذلك فنحن في ذعر وهلع أن يأتي يوم ونلاقى أنفسنا في بلد لم نراها ولا نعرف عنها شيء فنفترق عن بيئتنا الطيبة بيئة الإمارات ونبتعد عن آبائنا الذين عاشوا جل أعمارهم ( عشرون عاما ) في وطنهم الثاني الإمارات العربية المتحدة . فلا وجود لمخلوق في الدنيا يخاف علينا من النسمة مثل أهالينا فنسأل الله أن يوفق رئيس الدولة وولى عهده الأمين أن يمنحونا جنسية الإمارات والاستقرار بها ليكون لنا الحق في تجربة مشاق تطوير بلدنا الذي ولدنا ونشأنا فيه وهو الإمارات في جو هادئ بعيد عن التوتر العصبي والنفسي داخل العائلة التي تخشى من فراقنا بسبب القوانين الخاصة بالبلاد التي قدموا منها فنترجى من حضرة صاحب السمو رئيس الدولة أن يمنحنا جنسية دولة الإمارات العربية المتحدة وسيكون ذلك بمثابة دين علينا نسدده. نرجو نحن أبناء هشام رياض محمد ( أحمد ومحمد وعبد الرحمن ومروة وسارة ) حضرة صاحب السمو رئيس الدولة الإيعاز إلى السلطات المختصة في إدارة الجوازات والجنسية بمنحنا وتشريفنا بجنسية الإمارات العربية لإنقاذ عائلتنا التي تتحطم يوما بعد يوم بسبب ضياع المصير. فنرجو أن تساعدونا على زيادة محبتنا لهذا الوطن الذي نشأنا فيه وتربينا في ربوعه وإتاحة الفرصة لنا لنعيش حياة هذا الوطن بحلوها ومرها . فنحن نكنّ لهذا الوطن المعطاء الحب والولاء لرئيس الدولة حضرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان وكذا ولى عهده الأمين. أتيحوا لنا فرصة للتفكير لنرتقي بهذا الحب لإلى مصلحة هذا الوطن ونفديه بأرواحنا . حتى لا يسيطر على عقولنا الخوف من ضياع المصير . فأهلنا سيجن جنونهم إذا فقدونا . احموا روابطنا وحقوقنا معا . قووا روابط المحبة والحنان تجاه وطننا الذي ولدنا فيه ( الإمارات العربية المتحدة ) مع وعد منا بإحداث أكبر الفوارق في بلد نشأتنا. ولسوف نغير مجرى التاريخ لجعل إمارتنا التي ولدنا فيها في قمة العالم كله. فكوا قيدنا وقيد عقولنا لكي نفكر ببناء مجد وتطور إمارتنا الحبيبة التي ولدنا ونشأنا فيه.داعين لكم الله أن يجعل سموكم سببا لكل خير. أبناؤكم: أولاد هشام رياض محمد لحظة أمل سكبنا الدموع نريد الأمان وبقى الحب أسير في النسيان ورحلنا عن الدروب والشطآن نتوارى من الذكريات بين الأركان وعلى الوسادة نشكوا الحرمان والنوم ليس إلا غموض الأكفان وكل ما يقتلنا ظلم الإنسان لهونا بطول الأمل والوجد فان وأننا لا نذكر من نحن الآن وكل ما نذكره فيض من الأحزان من هذا ما بالك أيها الحيران لم ذلك اليأس؟! فالعمر يمضي والزمان لحظة أمل تضيء لك درب الأمان إن قضيت العمر في وهم فالحب شيطان هون عليك .. رب فرج في ثوان كفى عذاباً فالأقدار بيد الرحمن.
عاجل نداء استغاثة إلى ولي الأمر في الأمارات نصرخ بأعلى أصواتنا لا نعيش حياة الاستقرار دائما نعيش بقلق على المصير لأنه معلق أرجوكم الرحمة الشفقة بالله عليكم أن تسمعوا صوتنا بالله عليكم إن كنتم تستطيعوا أن تفعلوا شيئاً فافعلوه أرجوكم أن تجيبوا على هذه الرسالة لا تهملوها كتبناها وكلنا أمل أن يسمع أحد صوتنا أغيثونا نحن كالزهور تفتحت وملأ قلوبنا حب الأمارات وولجنا من قلب الصمت لنجد الحب مطعوناً بالصبر وتعجبنا كيف قتل لتضيع كل أقوالي ومشاعري هباء
لا يدرك بشر ما أجد من ألم العزلة لأنه لم يقتات المر ينتظر المد أو اليد تمتد بالأمل _ أعتذر عن كلماتي الحزينة أعتذر عن موت العطر وزوال الأمن لن أحصد في خاطرتي إلا الشوك والغربة المرة وتأملت حصادي وتمنيت الدفء،عيون أطفالي مرهقة من النظر والتأمل قلوبنا كآباء تشتعل ألماً لا ينطفئ أطفالنا في عمر الزهور .. لا يعرفون من الطفولة إلا أسمها لا يلعبون كغيرهم من الأطفال ..بل ليس في مخيلتهم مصطلح اللعب و مرح الطفولة منزوعة تماماً من وجوههم واستبدلتها الغربة لآبائهم بملامح الشقاء والألم والمرارة التي يكابدونها يومياً مع آبائهم . آه ..يا للظلم من جعل البراءة تتحول عنوة إلى مرارة ..ومن حرم أطفالي من متعة الحياة الهانئة والبسمة البريئة ..من ..ومن..أين حقوق الطفل التي يتغنون بها _هل لها معنى كلا ..كم تتوق نفسي لرؤية أطفالي يعيشون كأبناء الوطن الذي ينتمون إليه .ألا بكرامة بوطن لأطفاله على أرضه _لماذا يجعلهم وهم أطفال في عمر الزهور يعيشون الهم والحزن ويدوسهم الظلم ،إن أبنائي نشأوا على صدق الانتماء وهذا شيء نحمد الله عليه كثيرا ًإنهم نشأوا على إيجابية وطنية كالبذرة نميت في وجدانهم وإنها تثمر بوضوح بتفوقهم العلمي كل عام _لماذا لا يساعدنا وطن الانتماء على تحقيق مستوى معيشي ذو فاعلية في جميع أشكال نشاط المجتمع والقدرة على المعرفة والحياة في صحة جيدة لماذا لا يوظف هذه القدرة البشرية التي يتم بناءها لتصل إلى مستوى إنساني مرتفع يتسق مع سمو الإنسانية ويتحول إلى قدرة بشرية فاعلة إيجابية مبتكرة مبدعة ..(أسرة في خطر )أيعقل من يخدم هذه البلاد بهذا النشاط لأن يعامل ويكافأ بهذه الطريقة ألست إنساناً وبشراً منتمي لهذا الوطن ولي حقوق يجب أن احصل عليها يا حضرة مقام صاحب السمو رئيس دولة الأمارات العربية أنصفني وأولادي واعطني حقي في الحصول على الجنسية الإماراتية من أجل العيش ولا أريد أكثر من ذلك بعد كل هذه الكلمات المختصرة وكل المعاناة التي أعيشها أليس من الحق والإنصاف أن أجد من ينظر إلى كل ما أطالب به بنظرة تنصفني وأولادي الذين ولدوا في هذه الأرض الطيبة . وإن لم أجد أشكو أمري إلى الله وهو خير المنصفين ولا حول ولا قوة إلا بالله
لأبلغ الحلم المستحيل
ألملم كلماتي _أجمعها .. أنسقها .. فأتعب ..دعوني أذن أتركها هكذا ..شاردة متناثرة علها تخبركم كم أحتاج أنا من خبرات ودروس لأصل إلى مستوى يشعر وطن الانتماء بنبض كلماتي لتصل دون أن تعترضها عوائق فقلمي تنساب العبرات منه لأفصح به بمتانة تجبر القارئ على الدهشة فترحل معه لتكون أمانة في عنقه وتفيض بها طوفان مشاعره و يرسل شجونه ليؤكد لصاحب الرسالة أن مخاطبتي له أثارت وجعه ووقعت على جرحه فيصف لي بلسماً شافياً عندما يبشر بالصباح الجميل ليلقي علي تحية صباحية على أملي المتلهف إليه شوقاً فأشهق شهقة الفرح ليمس بها قلبي الذي ينبض بالصدق ..فقد امتزجت كلماتي في بوتقة الصدق فكان نتاج ذلك كلمات تعبر عن المشاعر تنبض بالوفاء لقلب صادق يرقص طرباً وارف بالعشق ولكنه يرقص على طريقة الطير يرقص مذبوحا من الألم – أتسائل هل إحساسي صحيح والأمل المتيقظ على الحياة الأجمل فرحاً يرتطم بفجيعة الحاضر المدجج بالحزن وتختلج مشاعري خلال ذلك ويمتزج حرفي بالدمع لأمشي وأشعر أني كالتائه في القفار ، آتي بالكلمة وأبني منها معالم وعوالم من أجل الوصول لتحقيق أملي المستحيل بشلالٍ يتدفق دفء وحب وعطر حياة لوطن الانتماء ..حين أرى زهرات عمري وهي البذرة التي صلحت وأينعت وطابت ظلالها ..أنام مؤرقاً ويملأ جفني أحرفاً وأصحو وفي حضني أمة صالحة من السطور أحتاج إليها لصياغتها لأطرح بها إلهاماتي في حقل يتورد بالأزاهير لتجاور الدفء والضياء عند كل صباح _ولأعرف بها إنسانيتي وقيمتها الحقيقية ولأعتز بها وأقول لنفسي غداً تزهر الآمال ويتحقق المستحيل ويشرق بنور العدل والسلام فالأمور كما شاهدتها دول ...من سره زمان ساءته أزمان ؟
مررت بمراحل من عمري وانتابتني الهموم خلالها ولكن أبداً لم أستسلم للهموم لأن قلبي يمتليء بالمشاعر ويفيض بالحب والحياة ... زهرات عمري عصافير وجدتها ذات نقاء تشدوا على أغصان الحياة .. وجدتها زهور تحوطها أوراق الطهر البيضاء ويفوح منها شذا البراءة الطبيعي ، أمام تلك الزهرات الندية وجدتني أب بكل ما تعنيه الكلمة من حنو وحب ودوري كأب ..أحاوله قدر الإمكان أن أعلم أبنائي ما هو الإنسان الذي قال عنه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) كل شيء زائل ويبقى الإنسان زكرى عطرة ..لقد سقيت أبنائي مع الحليب القيم والأخلاق والانتماء لوطن الأمارات محل ولادتهم ورعايتهم . أبحث كل صباح عن كلمات حب أعبر بها عن عشقي للأمارات _ أعلنت لست شاعراً ولا قاصاً ولا ناثراً .. أنا إنسان أرسم على السطر حروفاً..لتبقى من قبل ومن بعد نبض القلب وخطوط العقل ..أكتب بالحنين والمستقبل بالأحلام حتى أعيد هيكلتي الثقافية وأغير مفاهيم متخلفة رسخت في ذهني فلقد علمني وطن الانتماء تنفس الحب الممزوج بالجمال لأنثر الفل على الأحرف فتينع خمائل الكلام عطرا ًوشذاً .
بين معطيات اليوم وتداعيات الأمس أنا عاشق وطن الانتماء لعل بذلك أبلغ الحلم المستحيل بحركة قلمي كأداة بوح وتنفيذ بأحرف قديرة أستهل بها لقائي وأنهيه بكلمات أخيرة _ تبقى الحروف عاجزة أن تحيط بتحقيق حلمي المستحيل .
النشـيد الوطنــي الإمـارات
عِيشي بلادي .. عاش اتّحادُ إماراتِنا
عشتِ لشعبٍ
دينُهُ الإسلامُ ، هَدْيُهُ القُرآنُ
حصّنتك باسمِ الله يا وطن
بلادي بلادي بلادي بلادي
حماك الإلهُ شرورَ الزمان
أقسمنا أن نبني نعمل
نعمل نخلص نعمل نخلص
مهما عشنا نخلص نخلص
دام الأمان، وعاش العلم، يا إماراتنا
رمز العروبة:
كلنا نفديك بالدما نرويك
نفديك، بالأرواح يا وطن
ماذا نفعل من أجل الحصول على الجنسية الإماراتية؟
إلى الرجل الذي يعتبر أي مقيم في بلاده هو ابنه أو ابنته إليك أيها الوالد حضرة مقام صاحب السمو رئيس الدولة أكتب لك هذه الرسالة .. وقد نسيت السياسة والناس والمجتمع وكل شيء وتذكرت فقط مقامكم الأبوي .. أكتب لكم هذه الرسالة وأنا أبكي .. وأبكي ..وأبكي .. ولست أبكي وحدي ... ولئن بكيت حبراً .. فلقد بكى أولادي وزوجتي دمعاً وحزناً .. والدنا نشتكي حالنا إلى الله ثم إليك فأنت ولي أمرنا وإننا نرجوا من عطفك عطفاً .. ومن حنانك حناناً أرفع إليك استغاثتي ليقرأها عطفك الأبوي فإنَّ رسولنا أتته ابنته فاطمة تشكو إليه حالها استمع لها والتفت لأمرها وقال بكل حنان ( ما ألفيتيه عندنا ) لم تشغله السياسة ولا أمور الدولة عن سماع ابنته رغم أن نبينا كان يحمل هم أمة بكاملها و يؤسس دولة ويحارب خصوم .. كان هو القاضي والحكم والمربي معاً سيدي صاحب السمو إليك كلماتي المعبرة بكل صدق إني أبحث عن الضياء ونوره بالتفاؤل إني أطلب حاجتي من أهلها أريد أن لا أكون ميتاً ولذلك أسعى للتغيير اندرجت بسياق الواقع الذي أعيشه انفعلت بفواعله المتحركة وتعاملت بمرونة مع متغيراته ، آمنت بأن الفكر لا ينبغي له أن يفنى أو حتى يتوقف عن التنفس ... لا أريد أن أكون متخلفاً فالتخلف فخ مقيت ينصب للشخص حتى يلبث واقفاً خلف جدار الموت وفي فضاء مقابره فقط .
هربت من الفقر والكفر إلى هنا ( الإمارات العربية) بحثاً عن الأمان والرزق فحكام هذه البلاد ورئيسها الميمون تجذر في دواخلهم مصداقية الحكمة وحبهم لوطنهم وللإنسانية .حاولت العثور في ظلمة دامسة على إبرةٍ مدفونةٍ في كومة قش طال ليل غربتي ( عشرون عاماً) مما جعل في قرار روحي هواجس شتى ، تتناهبني حرائقها ، أصبحت مكدوداً ممزقاً أجدُّ في البحث عن المستحيل ( الجنسية الإماراتية) زعري بلغ أقصاه ، هرولت طويلاً الريح خلفي مشحونة بعواء موحش تحت سماء غربتي التي أمست معتمة ، أخذت أجمع أشتات نفسي المتشردة تأويني دهاليز ليلي وعطفات نهاري يلسعني الزمهرير حتى غامت رؤياي وغدوت شبحاً في المكان ذهبت لغربتي بلا رجوع ويسودني إحساس بالندم على إثم لا أعرفه وذنب لم أقترفه ( غربتي الممتدة بلا حدود .. ) أشعر بحزن عميق وألمٍ عريق أسير في طريق غربتي وحيد أحدد هدفاً والحزن والندم صديق – لكن هناك ثم زوجتي وأولادي عاشوا معي حياتهم البسيطة نرى جميعاً السعادةُ أوهام لكنَّ بالأمل نعيش حتى لا نرى النور ظلام ونزرعُ الورود والتفاؤل لنجد الضياء ونوره !! حتى لا تبقى أنفسنا مكسورة بالحزن والأنين ـ نتكلم بلا صوت ونبكي بلا دموع لذهاب بلا رجوع ما أصعب شعورنا بالضيق وكأن المكان حولنا يضيق، صوتنا ينتهي لا لأي شيء ثمة ما يقتل الروح ويطفئ القلب ثمة ما ندفع ضريبته اليوم وكل يوم نعيش خاسرين في دائرة خرساء تحت سوط الصمت لساعات طويلة هناك من يفقأ عين أملنا لنموت ، وطن الانتماء الآن رصاصاته تصوب إلى صدور أبنائي ، في غربتنا يتحدث المغتربون عن غربتهم أقصد موتهم . آآه يا ولي الأمر يا من أناشدك وأستغيث بدينك وعروبتك يا من أنت ملاذي من بعد إلهي ـ أنا الآن أقبر قربك ـ ولا أعرف إن كنت تسمعني أو تراني اغفر لي تعلقي بك فأنا ابن الإمارات ظللتني الأماني وأبتكرت الكلمات .
آآه يا ولي أمري في وطن الانتماء لقد تعبت ـ أجهدت نفسي هل مكتوبٌ عليَّ وأسرتي القتل لأننا نريد الأمان والاستقرار هل تسمع أصوات أبناؤك في الإمارات نحن منهم ولدنا هنا عشنا هنا ولاؤنا لكم .
أحن إلى أطفالي أشعر بهم يركضون حول الأمل المستحيل ( جنسية الإمارات ) أحن إلى عيونهم المضيئة .. ما أشد ندمي يا ولي أمري .
ينام أطفالي خائفين مهدودين بلا أمل فلا فجر بانتظارهم ولا نهار جديد ماذا نفعل من أجل الحصول على الجنسية الإماراتية .
لو قدر لي هذا الموقف لن أطالب بالمستحيل ..
نريد أن نغوص في أمواج هادئة..رائعة..ولكن لا أحب أن أعيش متخلفاً
جزء من البشر نحن..نموت نتمزق نظمأ ونروي أنفسنا بأمل حالم ..نتمنى أن نأخذ من أحزاننا قطرة أمل ..نعتبرها نهاية العالم ونضيع حينما لا يعترف بنا وطن الانتماء نحن لم نخطئ حين أردنا ..ولم تزل أقدامنا لخطا..نحن نتمنى ونريد ونحدث أنفسنا بمستحيل ومعقول فيتداخل المستحيل في قلوبنا ونتشرب منه الهم لأننا عرفنا الشقاء والسعادة لهم نهاية ولنا أيضاً نهاية ولنا لحظات نتوقف عندها .نعيش عندها ومعها إما في جنة وطن الانتماء أو في نار الفراق ..نحن ننتظر وهذا يكفي .. أتساءل الآن أين أنا ؟
كلماتي ليست طلسم ولكنها هي الصبر الذي ينثر ثلج الزمن على الروح!وإن تلك اللحظات لهي الكرباج الذي يلسع سكينة الروح وأنا لا حول لي ولا قوة على تقدير مصيرنا أو التأثير في مستقبل أولادي قبل مجيئهم إلى هذه الغربة. لقد تدخلت غربة الانتماء في تقدير مستقبل أولادي فهم ولدوا في هذا الوطن مشاركين فيه بسنوات عمرهم بعد مولدهم فيه ..لكنهم الآن وبعد أن شبوا أصبحوا رماد الجمر الذي تحركه عواصف المحن .عندما أرى أطفال في عمر أولادي وهم يعدون فوق أرض الإمارات بعد أن أصبحوا منها هانئين بالحياة الاقتصادية والثقافية بها ..فأشعر أن أولادي وأنا أبوهم من عداد الأجانب ..بالرغم من تواجدنا على أرض هذا الوطن عشرون عاماً...في أرض الحب والسلام تلاقت على أرضها حضارات شتى احتضنت الجميع وضمتهم إلى صدرها الحنون واستقبلتهم وفتحت لهم أبواب كرمها ولم تسيء يوماً إلى أحداً منهم وركب الجميع سفينة الحب يشعرون بالأمان والرخاء استطاعت الإمارات بثقافة التسامح وبالحب و السلام الذي عرفت بهما استطاعت أن تضم الجميع تحت رايتها.وارتبطوا جميعاً بأرضها وزرقة خليجها وسمائها ولم تعرف يوماً العنف بل عاشت ترفرف عليها رايات السلام ويسود أرضها ثقافة الحب والرخاء والتسامح وهذا هو السائد في كل تعاملاتها لو قدر لي هذا الموقف لن أطالب بالمستحيل ..ولن أتحدث من فراغ فقط سأذكر أنني شريك في هذا الوطن الذي آليته على نفسي مع المخلصين من جنوده العاملين في ميدان البناء والتطور لهذا البلد المعطاء للجميع مؤكداً إيماني بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية مبينناً بذلك الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي ، مدافعاً عن الرقي الاجتماعي لرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح _ ومن أجل ذلك أخذت نفسي بالتسامح وعشت في وطن الإمارات في سلام وحسن جوار _ وعملت بكل إخلاص لكي أكون سبباً في رقي هذا الوطن وتحضره.
هشام رياض محمد
| 30/05/2007, 17:08
.
مقدمة:
في عام 1978 كان إدوارد سعيد قد نشر كتابه الأهم "الاستشراق", والذي يتناول فيه المفكر الفلسطيني الأصل الأمريكي الجنسية مسالة بناء الشرق الأوسط, والتي كانت موجهة أصلا لتبرير المشاريع الاستعمارية قديمها وحديثها. مرت خمسة وعشرين عاما ولازال الكتاب يقاوم فعل الزمن مؤكدا على أن فهم الثقافات الأخرى واستيعابها يمكن أن يحجم من نزعة الاستعلاء والسيطرة. وإلا, فالبربرية هي التي ستربح المعركة.
الإنسية آخر المعاقل ضد البربرية.
قبل تسعة سنوات كتبت مقدمة جديدة لكتاب الاستشراق معقبا فيها ليس فقط على ما أثاره الكتاب من جدل واسع منذ نشره, بل على الكيفية التي أصبحت بها دراستي لعملية تمثيل وتقديم الشرق محل سخرية. وأن يكون رد فعلي تجاه هذه السخرية, هو السخرية المضادة فذلك دليل على أن العمر قد تقدم بي. موت اثنين من أصدقائي الحكماء مؤخرا إقبال احمد وإبراهيم أبو اللغد أحزنني كثيرا وجعلني أرغب في الاعتزال, لكنه أيضا أمدني بإرادة عنيدة في أن أعيش وأعطي.
سيرتي الذاتية, خارج المكان تروي عن العوالم الغريبة التي وجدتها أمامي حينما ولدت وشب عودي فيها. كما تعكس المؤثرات التي شكلت سنوات صباي في فلسطين في مصر وفي لبنان. لكن الرواية تقف بالقارئ عند فترة انخراطي في السياسة والتي بدأ في عام 1967 بعيد حرب الأيام الستة. كتاب الاستشراق أحس به أقرب إلى اضطرابات هذا العصر. انه ينفتح بمقدمة كتبتها عام 1975 عن الحرب الأهلية في لبنان والتي امتدت إلى عام 1990. وبالرغم من ذلك فالعنف النازف حمامات دم لازال مستمرا. فشلت عملية السلام التي انطلقت من أسلو, اندلعت الانتفاضة الثانية والشعب الفلسطيني يعاني آلام بشعة في غزة والضفة المحتلتين. ظهرت ظاهرة الانتحاريين بكل ما تفرزها الجثث حينما تتناثر من نتائج ابوكالبتية لا تقل بشاعة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتبعاتها في أفغانستان والعراق. في الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور يتواصل الاحتلال الإمبريالي الغاشم للعراق بواسطة بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية تاركة وراءها نتائج مروعة وفظيعة كل هذا من المفترض أن يكون جزءا من صدام حضارات لا نهاية له. وددت لو أستطيع الجزم بان الفهم العام لدى المجتمع الأمريكي عن الشرق الأوسط, عن العرب وعن الإسلام قد تقدم إيجابيا. لكن للأ سف لم يكن هذا هو الحال, وذلك لأسباب عديدة, يعتبر الوضع أفضل في أوربا, منها تشديد الخناق على الحريات العامة الإقبال المتزايد على التنميط واستعمال كلشيهات المنتصرين وقد ظهرت كل هذه الأشياء في عمليات تدمير ونهب المكتبات والمتاحف العراقية. فالذي ينبغي أن يفهمه قادتنا ومن يلف في فلكهم من المثقفين بأن تاريخ الشعوب لا يمكن أن يمحى كما لو أنه سبورة سوداء, لكي نكتب عليها تاريخنا, مستقبلنا ثم نفرضها مع طرائق معاشنا على الشعوب الدنيا.
عدم وعي المسؤولين الأمريكان المذهل.
عندما نسمعهم في واشنطن أو في أي مكان آخر, يتحدثون عن إعادة رسم الشرق الأوسط كما لو أن هذه المجتمعات الموغلة في القدم والتعدد يمكن أن نعيد ترتيبها بهذه السهولة كما نعيد ترتيب حفنة فول سوداني فوق قدر.ومع ذلك فقد حدث مرارا مع الشرق, هذا الهوس الأسطوري بالتركيب وإعادة التركيب. لقد أعيد رسمه منذ حملة نابليون لمصر في نهاية القرن الثامن عشر وفي كل مرة يتم فيها شطب الأماكن المستقرة أركانها بثقافات وحضارات عريقة ضاربة الجذور, كل هذا ينسى ويرمى في الصحراء وبعضها كالكنوز المسروقة ,من كل صنف ونوع, من متاحف بغداد توزع وتحول إلى ملكيات خاصة. في اعتقادي أن التاريخ يصنعه الرجال والنساء لكنه كذلك قابل للتفكك ولإعادة كتابته بضربة قاضية, تحت صمت الضحية ونسيانه وذلك بفرض أنماط وأشكال أخرى للحياة, عن طريق التحولات المسموح بها, إلى الدرجة التي يصبح فيها الشرق, شرقنا, أي قابل للامتلاك. أقول وأكرر القول بأنني لا أملك تعريفا حقيقيا محددا للشرق لكي أدافع عنه. لكنني في الوقت نفسه وفي هذا الصدد, اكن احتراما كبيرا للقدرة الهائلة للمقاومة التي تبديها هذه الشعوب للدفاع عن نظرتهم لأنفسهم وللمستقبل الذي ينشدونه. هجمات مكثفة, اعتداءات معدة مسبقا وجهت ضد المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة بتهمة التخلف وغياب الديمقراطية وعدم المبالاة لحقوق المرأة. إلى درجة إرغامنا على نسيان حقيقة أن مفاهيم من شاكلة الحداثة, التنوير والديمقراطية ليست على أية حال مفاهيم بسيطة أحادية المعنى ينتهي كل واحد منا باكتشافه مثل بيض عيد شم النسيم مخبأ في حديقة بيته. عدم الوعي المدهش الذي يبدو على هؤلاء الناطقين الرسميين باسم السياسة الخارجية الأمريكية, دون أن يكون لهم أدنى مفهوم ومعرفة حية بلغة الجمهور, قاد إلى خلق تضاريس قاحلة في انتظار جني ثمار البناء الأمريكي الجبار. إن الرغبة والإرادة في فهم الثقافات الأخرى في سبيل التعايش وتوسيع الآفاق لا تعني بأي حال من الأحوال الرغبة في السيطرة. لكن هذه الحرب الإمبريالية التي جهزت لها مجموعة صغيرة من المسؤولين الأمريكان, والذين لم يتم انتخابهم1, وتخوضها ضد إحدى دكتاتوريات العالم الثالث المنهارة والمحطمة أصلا, لأسباب فكرية محددة, ترتبط ارتباطا وثيقا بإرادة السيطرة على العالم, على صعيدي الأمن وموارد الطاقة. وتعتبر هذه الحرب إحدى المصائب الفكرية الكبرى في التاريخ, لأنها قد بررت وبوركت من قبل الباحثين المستشرقين الذين خانوا دور الباحث.لقد قام كل من برنا رد لويس وفؤاد عجمي, الذين يسمونهم خبراء بشؤون العالم العربي الإسلامي, بتأثير كبير على البنتاغون ومجلس الأمن القومي لإدارة بوش, عن طريق مد صقور الحرب بأفكار تنضح سخرية, مثل "الروح العربية" أو "أفول نجم العلمانية في الإسلام". هذا وتعج المكتبات الأمريكية الآن بكتب ذات أحجام ضخمة, بعناوين صارخة تشير إلى العلاقة بين "الإسلام والإرهاب", " تعرية الإسلام", "الخطر العربي" وكتب أخرى كثيرة كتبها دوغمائيون يدعون استجلاب معلوماتهم ومعارفهم من أناس استطاعوا الغوص في الروح التي تسكن الشرق, ولقد استفاد هؤلاء الدوغمائيون من مساندة سلسلة البرامج المقدمة من خلال ال CNN فوكس نيوز وكذلك من أعداد لا تحصى من البرامج التي تقدمها إذاعات الانجليكان المحافظين, من صحف التابلويد وحتى من بعض الصحف المحترمة, والتي تهتم كلها وتنشغل بإعادة إنتاج نفس عمليات التنميط والتعميم غير القابل للتحقق, لكي يتم تعبئة الرأي العام الأمريكي ضد الشياطين الغريبة.
دون هذا الانطباع الذي بني بحزق ويتم المحافظة عليها بعناية بالغة, بان هذه القبائل ليسوا (مثلنا) وأنهم لا يتقبلون قيمنا. دون أكليشيهات كهذه والتي تشكل جوهر العقيدة الاستشراقية لم تكن للحرب قائمة.
دائما ما تكون القوى الكبرى محاطة بمثل هؤلاء الباحثين, الذين يعتبرون عرضة في مزادات أسواقها, فلقد كانوا في الغزوة الهولندية لماليزيا وإندونيسيا, ومع الجيوش البريطانية في الهند, في بلاد ما بين النهرين, في مصر وفي أفريقيا الغربية. وكانوا كذلك مع الحملات العسكرية الفرنسية في الهند الصينية وشمال إفريقيا.ودائما ما يلجا أولئك الذين يعملون كمستشارين في البنتاقون والبيت الأبيض إلى استعمال نفس الأكليشيهات, وعمليات التنميط المهينة والمبررات لاستعمال القوة والعنف. ( فعلى كل, وكما يردد الكورال, فان هؤلاء الناس لا يفهمون غير لغة القوة). أما في العراق, فإضافة إلى هؤلاء المستشارين, هنالك جيش من المقاولين الذين تسلموا كل المشاريع, بدء بطباعة ونشر الكتب المدرسية, إلى إعادة تنظيم الصناعة النفطية ومارا بتأليف وكتابة الدستور. ودائما ما تدعي أي إمبراطورية بأنها مختلفة عن ما سواها, وتؤكد علي استثنائية الظروف التي تمارس خلالها الفعل, وان دورها دور حضاري. فقط, لاعادة النظام ونشر الديمقراطية, وأنها لا تلجأ للقوة إلا في النهاية. والأكثر حزنا في كل هذا أن الإمبراطوريات هذه دائما ما تجد مثقفين لإيجاد الخطاب الناعم عن يقظتها وتفردها.
بعد مرور خمسة وعشرين عاما من تاريخ صدوره, يلزمنا ويدفعنا الاستشراق إلى التساؤل عن ما إذا كانت الإمبريالية المعاصرة قد اندثرت أم أنها لا زالت مستمرة منذ دخول نابليون ارض مصر قبل قرنين. لقد قيل للعرب والمسلمين إن الشعور بالضحية والإصرار.على سلب وتحطيم الإمبراطورية ( الإمبراطورية العربية الإسلامية).لا تعد إلا وسيلة للهروب من مسؤولياتكم الحالية" لقد أخطأتم وفشلتم".هذا ما يؤكده المستشرق المعاصر.
لقد بدأ كل هذا مع بونابرت ليستمر مع ظهور وتطور الدراسات الشرقية وغزو شمال إفريقيا:كما أن أبحاثا من نفس النوع بدأت في الظهور مع الحالة الفيتنامية, إبان غزو مصر وفلسطين, وفي صراع السيطرة على موارد النفط والأراضي, عند بداية القرن العشرين, في الخليج, وفي كل من العراق, سوريا, فلسطين وأفغانستان. ثم قدوم الحركات القومية المختلفة والمناهضة للاستعمار, فترة المستقلين التقدميين القصيرة, عهد الانقلابات العسكرية, العصبيات الدينية, الصراعات غير العقلانية, وعودة الهمجية المطلقة, والتي تمارس ضد أخر المجموعات السكانية الأصلية.إن كل واحدة من هذه الفترات أدت إلى إثارة النظرة الخاطئة للآخر,إلى النمطية وصور مختزلة وجدال عقيم.
تحطيم قيود الروح
عن طريق دراسة الاستشراق وددت أن أعتمد على النقد الانسانوي, حتى نوسع مجالات النضال واحلال إعمال الفكر والتحليل العميق, وعلى المدى الطويل, محل شرارات الغضب غير العقلانية التي تسجننا. ما أنا بصدد المحاولة فيه هنا هو ما اسميه "بالفلسفة الانسانوية" مصطلح لازلت أستعمله بعناد, بالرغم من رفضه باحتقار من قيل من يسمونهم بالنقاد ما بعد الحداثيين المعقدين.
بالانسانوية أفكر أولا في الإرادة التي دفعت وليم بليك 5, لتحطيم القيود التي تقيد روحنا ليتثنى له استعمال هذه الروح في القراءة و التفكير في التاريخ بصورة عقلانية. والانسانوية كمبدأ, مصان بذلك الشعور الأممي بالانتماء, مع باحثين آخرين من مجتمعات وعصور مختلفة, لأنه لا معنى لهذا المبدأ بعيدا عن العالم. إن كل مجال من مجالات الإنسان يرتبط بقوة مع المجالات الأخرى. ولا شيء مما يحدث في العالم يتم في العزلة دون التأثر بما حوله, يجب علينا أن نتعامل مع قضايا من قبيل الظلم والمعاناة في إطار تاريخي عام, ثقافيا, اجتماعيا واقتصاديا. ودورنا هو أن نوسع من دائرة الحوار. لقد كرست جزاء كبيرا من عمري, خلال الخمسة والثلاثين سنة الماضية أدافع عن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم, آخذا في الاعتبار اليهود و معاناتهم من الاضطهاد والإبادة. إن ما هو مهم في نظري هو أن تأخذ مسألة النضال من أجل المساواة بين الإسرائيليين والفلسطينيين بعداً إنسانياً ، التعايش عوضاً عن سياسات الرفض والإبادة المضادة.
ولم يكن محض صدفة أن أشرت بأن الاستشراق ومعادة السامية المعاصرة لهما جذور مشتركة. إن تهيئة نظم بديلة لتلك النظم الدغمائية الضيقة والتي تميل إلى التبسيط القائم على العدوانية المتبادلة السائدة في الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى منذ زمان بعيد يشكل ضرورة حيوية لكل مثقف مستقل.
كأحد معتنقي مبدأ الفلسفة الإنسية ويعمل في مجال الأدب, أجد نفسي أن العمر قد تقدم بي وأصبحت هرماً حينما أنظر بأنني تلقيت تعليماً في الأدب المقارن منذ أربعين عاماً. والتي تعود الأفكار المولدة لها (الأدب المقارن) إلى ألمانيا نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر وحري بنا أن نتذكر هنا المساهمة الهامة الهامة لجيام باتستا فيكو Geambatissta Vico) الفيلسوف والفقيه اللغوي النابولي ( نبسة لنابولي في إيطاليا) والذي يتقدم بأفكاره على بعض المفكرين الألمان كهيردز همبولد, ديلثي, نتشه, قومير, كما استعان به كبار فلاسفة القرن العشرين من أمثال إيرك اورباخ, ليو سبترز وأرنست روبرت كورتيوس.
غالباً ما يستدعى علم الفلولوجيا (فقه اللغة أو الكلام) في ذهن شباب اليوم ، علما قديما عفى عليه الزمن, بينما هو في الحقيقة يشكل الأساس والعلم الأكثر إبداعاً في مناهج الشرح والتفصيل. والمثال الأكثر إعجاباً في ذلك هو اهتمام الشاعر غوت بالإسلام بصوره عامة وبالشاعر الرازي بشكل خاص ، وقد حمله تشببه والهوى المستعر فيه إلى كتابه West-Ostlichei Diwqn، كما أثر على أفكاره حول الأدب العالمي ( Weltliteratur) ، والذي يتعلق بدراسة آداب العالم كسنفونيه أو كتناغم أصوات موسيقية متكاملة تمكننا أن نميز خلالها كل آلة بخصوصيتها دون أن تغيب عنا الكليات, أي تناغم الجزيئات مع الكليات.
إن عالمنا الحالي المعولم يتجه لسخرية الأقدار، نحو هذا التعميم ، ونحو هذا التجانس الذي جاءت أفكار جوت من أجل منعه من الحدوث.
في بحثه المتعلق بفلولجيا الأدب العالمي (Philologie Der Weltliterature) والذي تم نشره في عام 1951 أي في بداية الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية, والتي تمثل نقطة انطلاق الحرب الباردة, يحذر Eric Aubach ارك اباخ من هذا الاتجاه .كتابه الأهم Mimesisالمنشور ببرن عام 1946, والذي كتبه إبان الحرب, حيث كان لاجئا وقتذاك في استنبول عاملا فيها معلما للغات الرومانية, كان بمثابة شهادة عن واقعية التعدد المتمثلة في آداب الغرب منذ هوميروس إلى فرجينيا وولف. عندما نعيد قراءة البحث اليوم, نفهم على الأقل بأن هذا الكتاب المهم يعد نشيدا كنا نردده وقت كنا نقوم فيه بعمليات تحليل النصوص من ناحية لغوية, علمية , حساسة وتلقائية. في وقت كان فيه تجويد اللغات والإحاطة بها تساهم في عملية فهم الآخر, وكان جوت Goetheبفهمه الخاص للآداب الإسلامية أحد أبطال ذلك الوقت. حيث كانت مسألة تجويد اللغات ومعرفة التاريخ مهما جدا, بالرغم من عدم كفايتهما لوحدهما, مثلها في ذلك مثل أن العملية البسيطة لتراكم الأشياء والأفعال لا تشكل بالضرورة منهجا مناسبا لفهم والتقاط مغزى ما يقدمه كاتب مثل دانت. الضرورة الأساسية للمقاربة اللغوية الفلولوجية,( فقه اللغة), والتي تحدث عنها Auerbach وأسلافه من فقهاء اللغة والفلاسفة, وحاولوا تطبيقها, والتي تقوم أساسا علي استبطان المادة الحية, بطريقة تشدقية وغير واقعية, للنص, وذلك بمنظوري الفترة الزمنية والكاتب, غير متوافقة بالطبع مع مسألة الرفض أو العدوانية تجاه زمن آخر وثقافة مختلفة. كانت فقه اللغة التطبيقية تحتم في الباحث روحا عميقة الحس الإنساني, تعمل بسخاء وبأريحية إن جاز التعبير. إن روح الباحث يجب أن تعمل بحيوية كبيرة لتجعل مساحة للآخر الغريب غير المألوف. وهذه العملية المبدعة في الانفتاح نحو أفاق الآخر, هذا الآخر الذي يظل بعيدا إذا لم يتوفر هذا الشرط, يعد البعد الأهم في مهمة الباحث. لقد تم زعزعة كل هذا في ألمانيا ثم تم تحطيمه بواسطة القومية الاشتراكية, ويشير أرباخ Auerbach بحزن بالغ إلى أن عمليات تعميم الأفكار والتخصص المتعاظم في المعارف التي ظهرت بعيد الحرب, قد أدت إلى تهميش إمكانيات تلك النوعية من التحري الدؤوب في المعرفة والتي كان هو في مقدمتها. والأكثر إحباطا من ذلك هو فقدان الفكرة والمنهج التطبيقي الإنسي مركزيتها في تاريخ الفكر الإنساني, منذ وفاة أرباخ, Auerbach , فعوضا عن القراءة بما تعني الكلمة, نجد طلاب اليوم يتسلون بمعارف مجزأة توفرها شبكة الإنترنت وينشرها الإعلام. وهنالك ما هو ابشع, فالتعليم اليوم أصبح مهددا بالعصبيات القومية والدينية, والتي تنتشر كذلك بواسطة الإعلام الذي يركز بدوره, وبصورة غير تاريخية وغير واقعية علي الحروب الإلكترونية التي تدار من البعد والتي تعطي المشاهد انطباعات كاذبة بالدقة, دقة إصابة الهدف ( الحرب الجراحية), وتحجب عنه الآلام الفظيعة والتدمير الرهيب المصاحب للحروب المعاصرة. تقوم الصور التي تبثها وسائل الإعلام بالمبالغة في أبلسة العدو غير المعروف, والذي يلصقون عليه تهمة الإرهابي, ليبقوا على نبرة غضب الجماهير عالية. ليكون قابلا للتأثير عند نشوب الأزمات كما كان الحال بعد أحداث 11 سبتمبر. كأمريكي وعربي, أطالب القارئ بأن لا يتجاهل النظرة النمطية البسيطة والضيقة التي تتمتع بها حفنة من المدنيين الذين يخدمون البانتاغون تجاه العالم, لتحديد السياسات الأمريكية في مجمل دول العالم العربي والإسلامي. الرعب, الحرب الوقائية وفرض عمليات تغيير أنظمة والتي أصبحت كلها قابلة للتنفيذ نسبة للميزانية الحربية الأضخم في التاريخ, هي الأفكار الوحيدة لا غيرها التي تناقش إلى دون نهاية بواسطة الإعلام الذي يدعي تقديم خبراء لتبرير خط سير الحكومة.
التفكير, النقاش الحر, الجدال العقلاني, المبادئ الأخلاقية المؤسسة بالنظرة العلمانية والتي بموجبها تشكل الإنسانية تاريخها كل هذه حل محلها أفكار وهمية تمجد التفرد الأمريكي أو الغربي نافيا بذلك السياق العام, ومتعاملا مع الثقافات الأخرى بتهكم واحتقار.
نحو خطاب عقلاني وعلماني
ربما سيتهمني القارئ بأنني انصرفت عن الكلام بتنقلات فظة بين موضوعين: التأويل الإنسي (الانسانوي) والسياسة الخارجية, مؤكدا بصورة خاصة على أن مجتمعا متقدما تقنيا والذي يمتلك قوة ليس لها مثيل, من صواريخ الاف 16 والإنترنت يقوده في نهاية الأمر خبراء تقنيسياسيين مذهلين من أمثال رتشارد بتلر ورونالد رامسفيلد. ما فقدناه في منتصف الطريق هو معنى كثافة تشابك الحياة البشرية ببعضها البعض والتي لا يمكن أن تختزل في نظرية واحدة أو تقصى وتبعد كما لو أنها خارج الموضوع, هذا جانب من الحوار العام.
أما على صعيد العرب والمسلمين فالوضع ليس بأفضل, فكما تشير لذلك الصحفية رولا خلف في بحث صحفي ممتاز. فان المنطقة تنزلق نحو عداء لأمريكا, ناتج عن قلة فهم المجتمع الأمريكي. فالحكومات العاجزة أصلا في التأثير على الموقف الأمريكي السلبي تجاههم, تكرس كل إمكانياتها وطاقتها في قهر شعوبها وهذا ما يضاعف من مشاعر الغضب واللعنات, المصاحبة للعجز والتي لا تفضي إلى تفتح مجتمعات تم فيها مسح القيم العلمانية نتيجة الهزائم المتكررة والاحباطات المتراكمة, إضافة للحركات الإسلامية التي تقوم على التلقين ومسح كل ما هو مشبوه بأنه ذات صلة بالمعرفة المعاصرة. ويعد الاختفاء التدريجي لعملية الاجتهاد 7 في الفقه الإسلامي أحد الكوارث الثقافية الكبرى في عصرنا والذي أدى بدوره إلى اختفاء التفكير النقدي والمواجهة الفردية مع الأسئلة التي يطرحها العالم المعاصر .لا أدعي هنا بأن العالم قد تراجع ثقافيا, ساقطا في الاستشراق العدواني من جهة, وفي عدم التسامح المطلق من جهة أخرى. فقد أدى مؤتمر الأمم المتحدة والذي عقد في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا في أغسطس 2002, وبالرغم من صلاحياتها المحدودة, إلى ظهور حيز وأسع من الاهتمام الكوني المشترك, مفصحا عن إمكانية حدوث دوائر انتخابية عالمية, كما أعطى نفسا جديد إلى مفهوم العالم الواحد الذي تم تناوله بإسفاف. لكن علينا أن نعترف أيضا بأنه لا أحد له القدرة أن يعرف مدى تشعب الوحدة الغير المألوفة لعالمنا المعولم, حتى ولو كان خاصية الاندماج المتزايد لكل واحدة من هذه الأجزاء يجعل من أمر العزلة صعبا.الأزمات الفظيعة التي تم تناولها في هذا المقال والتي وضعت شعوب بأكملها تحت نعوت جامعة, وهمية, مثل أمريكا, الغرب أو الإسلام, مبتكرة هويات جماعية لأفراد وجماعات يختلفون عن بعضهم البعض, لا يمكن لها أن تستمر في التدمير. ينبغى أن نتصدى لمثل هذه الدعاوى, ونملك في سبيل مواجهتها مدارات للشرح والتأويل العقلاني الذي نستمده من المخزون التراثي الذي تركه لنا التعليم الانسانوي. ولا يتعلق الأمر هنا بإرضاء مشاعرنا وإلزام أنفسنا إلى العودة إلى القيم التقليدية, بقدر ما يتعلق الأمر بترجمة خطاب علماني وعقلاني كوني للواقع. إن الروح الناقدة لا يمكن لها أن تقبل الانخراط في صفوف حرب ضد عدو رسمي كان أم آخر. يجب علينا أن نركز جهودنا حول عمل مشترك, طويل وشاق, بين ثقافات تتساكن وتتعايش, وهي تستعير وتأخذ من بعضها البعض بشكل أكثر عمقا بدلا من تركها عرضة لفكر وطرق فهم قاصرة وغير جوهرية في تناولها. لكن هذه الطريقة من الفهم الواسع تحتاج منا الوقت كما تحتاج إلى باحثين يتمتعون بالتروي والنظرة الناقدة دائما, مزودين بالإرادة والإيمان من جماهير المثقفين والذين من الصعب أن نحتفظ بهم في عالم يقوم على العجلة في الفعل ورد الفعل. أعود وأقول أن الانسانوية (الفلسفة الانسانوية)تستمد غذاءها من المبادرة الفردية فقط وفطرة الشخص, دون أن تستمدها من مجموعة أفكار جاهزة وطاعة السلطات. علينا أن نقرأ النصوص وكأنها ثمرات حية من التاريخ. وفي الختام, أشدد علي, أن الانسانوية هي معقلنا الوحيد بل والأخير لصد الممارسات غير الإنسانية وغير العادلة التي تشوه تاريخ البشرية. إننا من الآن وصاعدا نملك مجالا ديمقراطيا أوسع من فضاءات السايبر مفتوح للجميع ولم يكن يخطر في بال لا الأجيال السابقة ولا أي حاكم جبار ولا أية أصولية. إن المظاهرات التي عمت مدن وشوارع العالم قبل حرب العراق لم تكن في وسعها أن تحدث لولا وجود مجموعات بشرية أخرى في العالم شربت وتعمدت بمياه معلومات مغايرة واعية بالمخاطر البيئية وبحقوق الإنسان كقيم تحررية تجمعنا معا فوق هذا الكون الصغير.