01 كانون اول, 2006
متاهات التشرد -2
جو خانق يخيم فوق ابكه وجزرها, ولا زال القمر في تمامه متألقا يتربع عرش السماء. نوره الفضي يداعب أطراف النخيل, سقوف البيوت ووجه النهر. لم يستطيع جنى الليل النوم بعد أن انفض سامره , لبث يراقب, وهو يستلقي على ظهره, يتأمل سماءه المألوفة ونجومها الغامزة اللامزة. رأى في أحلام يقظته, اليسا تقترب منه في حديقة سوانج ببروكسل. كانت كما رآها في المرة الأولى, تمشي نحوه أنيقة مبهرة. شعر بتلك اللحظات الحانية والقاسية شاحبة في الذاكرة. غشاه نوم ثقيل ثم تلبدت أفكاره في مكان غامض مظلم ومضيء. تخيل انه يسمع صوت محجوب سكينة يؤذن لصلاة المغرب من مئذنة مسجد ابكه, وآهات بدت له كوحي غامض, كطلاسم, ثم تحولت الآهات إلى أصوات حزينة. تكاد لا تسمع, تردد في أسمه, وو جنى الليل سوليداد وو جنى الليل, بينما صار الآذان صراخا حادا قبل أن يصبح مرعبا.
الليل لا يقل سحرا عن النهار ولا النهار اقرب منه إلى الواحد القهار. تضيئه وميض النجوم وهو يعانق أسرار. الليل حميم مع غموض أصول الخلق والابتكار. فإذا كانت الهوة لا تتفتح إلا عند الأسحار, فمن ذا الذي يقودنا في ظلمات هذا الكائن الجبار؟
هل حلت روحه جسدا أخرا؟ إلى أين تقوده الخطى؟ ماذا يسمع ؟
- لا شيء غير الأشعار.
ردت شياطينه المألوفة بذات الصوت الذي كان يسمعه مع سماره في جوغة البرميل, بالمحطة الوسطى بامدرمان.
انه صوت أليسا القمري, في هذا الليل القدسي يناجي, تضيع وتأتي من بين خليط أصوات, بكاء رضيع, آهات نساء. نباح كلاب وعواء ذئاب. نشيد وثني, إنجيل متى, ترتيل قران وغناء شجي. ضجيج حجيج, لقد ذهبت حلفا.....غرقت بالهذيان.
سفينة محملة بالهواجس والكنوز تغرق في ليل بكمان.
عبارة الرحيل التي كان يرددها جنى الليل, دون توقف ودون وعي منه, بدت له غريبة. لماذا لا يقول العودة إلى حلفا الوطن ؟ ولاسباب كثيرة يشعر بأنه قد آن الأوان
يجب اتخاذ القرار.
تقدم باستقالته من مصلحة التعليم, وهو لا يزال في جوبا, وبقي مسافرا في منطقة الجنوب, برغم الحرب التي اندلعت وسط القرى والبراري هنا وهناك. رأى في طريقه إلى كينيا, غدائر شاحبة, قرى وغابات محترقة. المال الذي ادخره مكنه من تدبير موقع في تجارة الشاي بين يوغندا, الكنغو ورواندا, لكنه كان يردد كثيرا في نفسه, بأنه سيعود يوما إلى هنا والي الأبد. بقي في سفره اكثر مما يجب, وبالرغم من ذلك لم يكن يرغب في العودة إلى حلفا, بعد أن تركها خليل إبراهيم الذي توفي وهو في جوبا. كان الجرح قد غار في فخذه ووصل حتى نخاع العظام, فتم بتر ساقه الأيمن . لم يكن يستطيع أن يطالب بالتعويض الذي وعدتهم به الإدارة البريطانية بعد الحرب, فمات بجراحه منسيا. بعده بقليل, كان طه مريم قد اخلع عن ابكه, أحواله ساءت بعد أن تهرب كثير من أهل البلد من دفع ديونهم, فقفل دكانه ولم يعد ينتظر, سافر إلى مصر ليموت هناك في وادي الن بعد أن تصالح مع زوجته شكرية المصرية وانجب منها نجيب. وقبلهم كانت فجيعته والتي لا زالت تزلزل روحه, أليسا وهروبها.
بعد سنوات من ذلك اليوم الذي قبض فيه في الحدود اليوغندية, ورحل إلى السودان, إلى وادي حلفا, كانت الهجرة هي محور أحاديثهم.
استيقظ جنى الليل مشروقا من نومه, أصابته قحة ويشعر بخدر في قدميه. نهض ومشى مترنحا نحو الازيار. توضأ ثم صلى صلاته وحيدا. دخل البوفيه وأوقد وابور الجاز. وضع الكافتيرة فوق النار, وأشعل سيجارة بنفس ثقاب الكبريت. عاد الي غرفته وبدأ يفرغ حقيبته. وجد ميدالية النيكل كما هي لا زالت تحتفظ ببريقها, كانت ملفوفة بعناية, أهداها له الضابط الإنجليزي بالواحات في 1943, بعد أن حارب بجسارة ضد الفرقة الرابعة من قوات روميل. لولا بسالته, لكانت الخسائر فادحة في فرقتهم, وربما كانوا قد ذهبوا رمادا. تذكر يوم الاحتفال وهو ينظر للميدالية. وضعه ثم تناول تمثالا من الأبنوس, وضعه بعناية بعد أن لفه بقماش, ثم بدا يقلب بقايا أشياء خليل, كرات زجاجية ملونة, علبة شطرنج, بوصلة صغيرة, دفاتر وأقلام. نظر برهة إلى الرفوف التي أمامه, وبدا يتأمل في الكتب المرصوصة, تلازم الغناء والشعر عند العرب, طوق الحمامة, الرجل النبيل, دعاء الكروان, مع المعري في سجنه, جونيور, طفولة لقوركي, حرب النهر, لم يعد يفرق بين كتبه وكتب نور, بعض الكتب عليها آثار حريق. تحرك خطوات مبتعدا من المكتبة, ثم بدا ينزع بعض الصور التي كانت تزين الحائط, صورة للبيتلز, مريم ماكيبا, ابراهيم عوض, محمد وردي, عبد الناصر, نهرو, تحية كاريوكا في لقطة مثيرة, صورة طفل عاري, يجري وحيدا في قرية محترقة, صورة له في الميدان مع خليل ابراهيم, مايكور, ديمبا وتراوري السنغاليين وشنان, مجموعة افريكا كوربس. وضعها فوق الطاولة التي تحتل وسط الغرفة, ثم خرج ليعود إلى سريره.
غشته أحلام يقظة كثيرة. كان بين مصدق وغير مصدق لما يقال عن الهجرة ومواقف الناس.
بعد أسبوع من وصوله حلفا قادما من الخرطوم مع نور الله جابو والخواجه فاندن ابيل عالم الاثار البلجيكي, كان مجلس طه مريم بالرغم من غياب عمودين من أعمدة الجوغة, خليل إبراهيم وطه مريم نفسه, إلا انه كان قد بدا يستعيد بعضا من أمجاده القديمة فتوافد عليه في ذلك المساء من تبقى من عصبته.
أيقظه من شروده مركز حاكم.قائلا
- خلك من الكلام الخارم بارم البيقولو فيه الناس عن خليل ودوره أيام ما سمعنا خبر إنشاء السد والشتات الحيحصل بسببه, اسمع أنا حقول لك شنو. في الليلة العجيبة ديك, أنا ما شفت خلق زي ده, محجوب سكينة, طه مريم, عبده شلبية, عبده كيوتي وانا الشغل غلبنا, لكن, الحقيقة الدينمو كان عبده شلبية, الراجل زي التور بتاعه واحد واحد. في داك الوقت. الناس جم (اتوا) من جمي, من فارقي, جنساب, من جزائر كوكي, من مرشد, أتيري, سره شرق, دبيرة, أرقين, اشكيت, ارمنة, القسطل, مك الناصر, سرس وفرس . الناس صلوا في الشارع بعد ما الجامع ضاق بالخلق. دفنا خليل. لولاه المستشفى بتاع حلفا ما يكون نضيف زي ما انت عارف, الراجل كان ابن حلال ويده مبروكة, هو الخلي بالك, قام بتوعية الناس من مساوئ الهجرة,
رحمة الله عليه كان مره بيحكي واحدة من حكاياته الكثيرة وانا لسع شافع بعراقي وسخان قاعد في طرف البرش لجوغتة شيش كباب الاسم الجديد لجوغة البرميل, كانوا وضبوا باين في الليلة ديك عتود بعد ما غشوا مرة الجيران, جنى الليل كان حلف وقال ليهم يا جماعة حرم الليلة ما في شربة لو ما في شيش كباب.
اون هدتون ارج الوسا؟ سال مركز حاكم.
على ضؤ نور الفانوس المعلق عند مدخل دكان طه مريم, ظهر له عبده شلبية من بعيد. جاء كعادته يسحب قدميه المتشققة قادما من نالون متي, منتعلا شبشبا قديما. يغني بصوته الحاد وبطريقته الشتراء في الغناء.
.الى عبده قفه لي حلاون قلنقو
مصر تيقي لون بلادي على الله نقو
ام الدنيا لون بلادي على الله نقو
مرتي كوجيلي لقن كوجينقو
لا ينام قبل أن يعرج إلى مجلس جنى الليل. يتوقف من العمل في الساقية قبل صلاة المغرب, ثم يسبح في النيل قليلا مع ثوره, يصلي المغرب قرب ساقيته, ويؤم البيت, يتناول العشاء مبكرا مع أمه شلبية, ثم يأتي يشمشم الأخبار عند جنى الليل.
- الى أبده شلبيه ار منقا كيري تر حسن دوقروقو؟ سأله سيدي كوكو.
- أنت أيه حكايتك معاه يا سيدي. ياخي ما تخلي الراجل ياخد نفسه, الراجل طول اليوم شغال يروي في الأرض. تدخل خليل إبراهيم, بصوت ساخر.
جلس عبده شلبية دون أن يرد, بالقرب من شكري تميمة, حسن تابلت وعبده كيوتي عند طرف البرش, ثم تمتم
– يا الهي اوقا ستروجي.
انشغل سيدي بالعرقي, تأوه خليل وهو يتثاءب, بينما خرج طه مريم من جوف الدكان حاملا طبقا من التمر ووضعه أمام جنى ليل. ثم حيا عبده ودعاه , زحف شلبية واخذ حقه, والبلح بشارة خير يقدمها طه مريم عند كل مساء إكراما لعبده شلبية. كلاهما يهش للإخر. منذ زمن مصر الجميل. التفت عبده شلبية إلى خليل غامزا له, وهو ينوي أن يثير جنى الليل.
- الراجل خلي بالك خرف.
عض جنى الليل شفته السفلى بأسنانه, ثم أردف- أتذكر زي ما شايفكم قدامي, الحكاية زي كأنه حصل امبارح, كنت أخت لي غفوة وخليت ناس محجوب سكينة وخليل دوانه, عبده شلبية وسيدي كوكو, بسيوني, عبد المجيد وعبد الجواد, عاملين دوشة مع بعضيهم في موضوع الهجرة.
لم يناموا ليلتها. كانوا يرسمون لوحة جماعية قريبة من رسم طفل, لكنها تحتوي على ذرات هذا الكون. جبال, رمال, حقول ذرة, نخل وبساتين. النهر والبشر. الشجر والسحب والأمطار.
بدأ بسيوني حديثه بغضب وكأنه يحدث النهر . بينما انشغل خليل يراقب في جنى الليل, الذي كان يغيب بين فترة وأخرى في نوبات الحمى التي تغشوه هذه الأيام, بسبب التهاب الكبد.
- أما عجايب الناس دول, بالله شوف الناس دول كانوا خسيسين كيفن.
–الأرض مهما كان ارض أجدادنا ونحن مسؤولين أمام التاريخ والضمير...
- اون ترون كسا ديقما إن كورتي موريكو من دوتنيدن, حسن دفع الله داني.
قال عبده شلبية من طرف المجلس
- قالوا الما عندوش بيت في وادي حلفا ما يستحقش التعويض.
وطه مريم قال, وكأنه يعرف ما كان عبده شلبية يريد أن يقوله ليكمل حديثه بلسانه التمتام
- الداير يمشي خشم القربة يمشي والما عايز يقعد في أي بكان حسب اختياره. البيوت عندنا في البلد هنا زي ما انتو عارفين, البيت بكون شايل كم أسرة, هناك البيت يمكن ما يقدر يشيل إلا أسرة يادوب. ده غير انو. قاطعه محمد الشيخ وهو يلقي التحية.
جلس, وهو يطلب من طه مريم ان يحمل له علبة برنجي. لا يدخن إلا في مجلس جنى الليل, يأتي من المسجد بعد أن يؤم بالناس ثم يثرثر قليلا عن الآخرة والدنيا, اغلبهم لا يسمعونه عندما يثرثر كثيرا عن جهنم وبئس المصير.
- جهنم وبئس المصيري, اهون اندو كر اوين هدو اقك نالناي, ترون جهنميمكن..قال عبده شلبية وهو يحفر حفرا صغيرة يدفن فيها أنوية التمر.
- استمر محمد الشيخ, في حديثه دون أن يعلق على ما قاله عبده شلبية, فقد وجد السانحة لكي يسمع بعض منهم, هؤلاء الذين يراهم قليلا في المسجد, جنى الليل, سيدي, عبده شلبية, مركز بسيوني, وكمان طه مريم منذ فترة طويلة, فصاحته وبلاغته في العربية, حتى وان كان لن يقدم حلا للمشكلة التي أمامهم, وهم على يقين من ذلك. تحدث وكأنه يلقي خطبة في صلاة الجمعة, في يوم قايظ.
يا أيها المؤمنون, ابحثوا عن الله في قلوبكم, وثبتوا الرحمان في أفئدتكم, انه هو الوحيد الذي ينقذ من الضلال. عودوا إلى الصراط المستقيم, والي تعاليمه التي نسيناها, فالذي نفسي بيده, ما سلط الله على قوم مصيبة إلا لانهم لم يفوا بأداء عباداته. فسلط الله علينا الطوفان, لقد نسينا ان نبيه محمد قد عانى وكابد من اجل ان يصلح حال البشرية وفي سبيل نشر دعوة الحق, ولا تنسوا يا اخوتي ان الإنسان لا يسوى جناح بعوضة في ملكوت الله.
لكز عبده شلبية سيدي بكوعه, ثم أردف.
- الراجل خلي بالك خرف.
- وو عبده اوني ملكوت الله مني؟ ملكوت الله يعني شنو يا عبده؟ سأله سيدي, بعد أن مل خطبة محمد الشيخ.
- يعني يا سيدي البني أدم عند أربنا ما يساوى أود كبريت.
- التدخين ده ما تخليه يا عم الشيخ, أنت إمام الجامع بكره حيجوا يقولو ليك كلام يخليك تحلق دقنك. حديث شلبية ضحك سيدي, تلك الضحكة التي لم يضحكها من زمان.
في السنوات التي سبقت الهجرة, شهدت وادي حلفا, كما روت أليسا, انتعاشا وازدهارا غريبا, وقد علق سيدي كوكو في مجلس جنى الليل أمام دكان طه مريم, بان هذه الظاهرة هي فأل شؤم. بدأت أفواج السواح, خبراء الآثار, موظفي الدولة من المساحين والإحصائيين والجنود تتدفق. البواخر زادت رحلاتها بين أسوان وحلفا محملة بالسواح , وبعض الفضوليين والمغامرين, بعد أن انتشر خبر الطوفان, وبالرغم من ذلك, لم تكل النساء من تقديم واجبات الضيافة للغرباء الذين جاءوا يودعون حلفا معهم. اللجنة السرية التي شكلها ناس جدك جنى الليل كان نشاطها محدود لغاية جنوب جمي, الناس كانوا بين بين, وعلى أية حال, كثيرين كانوا يرغبون في الهجرة. والمعلومات التي كانت في معية اللجنة كانت تؤكد أن أهالي جنوب جمي سيختارون خشم القربة, العمدة حرضهم على ذلك كبقية العمد والمشايخ المستفيدين, الذين كانوا منشغلين بتاليب الناس على الذهاب إلى رؤية نمازج القرى والبيوت في خشم القربة في معرض نظمه خصيصا لذلك حسن دفع الله وعصبته في المدينة. لكن الحقيقة لمان ناس الإحصاء عملوا المسح لقوا في 591 بيت رافضين الهجرة من أساسو.
واصل جنى الليل دون أن يكترث كثيرا لما قاله عبده شلبية, وجوغته المسائية والليل قد بدا يزحف, بينما القمر المكتمل كان قد احتل عرش السماء وبدأ يقترب غامزا.
روميل خلي بالك كان صعب خلاص, وكان بالجنب التاني, نحن مع اسمه ايه ده, مع مونتقومري ده, فجا كشانا كشة عجيبة, صحي سموه ثعلب الصحرا. تعرف ودانا وين؟ ودانا لغاية سيدي براني.
- سيدي براني ده كمان يطلع وين؟ سأله مركز حاكم .
سيدي براني ده في الحدود مع عندك اسم ايه ده, مع اسمه ايه ده, مع مصر. المهم شفت الذاكرة انتهت كيفن. قراية الجن بتاعت الإنجليز دول برضو ما نفعش. المهم ,علي باليمين العمايل البيعملها البني ادم كان زمانك حرقت ليك الشمس وضلمت ليك الواطة ده تب. لكن بالرغم من ذلك, يا سيدي لو قلت ليك البني أدم ده حاجة عجيبة صدقني, في بكان زي داك حتى شيطان ما تلقاه.... لا شيطان ولا جن أحمر. مكان خلا. الحكاية وما فيها لقينا راجل فلاح من ناس الواحات شغال يحرث بجمله والدنيا بدت تمغرب, أنا وخليل خلاص روحنا تفرفر من العطش وهو مسكين مجروح ودينه طالع. والموت كان جانا نسلم عليه بالأحضان. في وقت زي داك, بمسافة من الواحة تشوف الدبابات وعربات الديش محروقة. وتشوف البدوي من غير ما يكل ولا يمل شغال بجمله, تامن انو الانسان ده حاجة عجيبة فعلا, يقدر يدمر لكنه برضو قابل للسمو,علي باليمين.
تناول من صحن التمر ومضى يحلب الذكريات والأحداث من أعماق روحه اللائبة.
لقيت واحد من دفعتي اسمه خليل قيصر في مستشفى حلفا, مستشفى كان نظيف ولو كان ما عندهم مانع كنت طولت إقامتي شويه معهم, لكن الله غالب. تعرف كان مفروض أدرس طب فلقيت واحد من دفعتي, لمان رجعت من الصحرا الإنجليز كانوا قالوا لي,الله لا يريحهم كانوا ناس صعبين خلاص.
فشر, الضابط الإنجليزي قال لي وهو يبرم في شاربه, ومولع ليه سيجارة ويعاين لي بحقارة –أنت يا جني الليل ما قعدت تلاتة سنات في الميدان, قعدت سنتين بس, عشان كده مش حنديك فرصة الدراسة مجانا, عجيبين الانجليز دول ياخي!
قلت ليه, يحرق دينه ودين ابوه , الدسنتاريا مسكتني في الميدان وهرت مصاريني و أنا كان مفروض اقعد يا جنابك. المهم, فلمان مشيت اخذوا دمي, وكان رئيس المستشفى الملكي في الخرطوم واحد من دفعة ناس أبوي, فاخذوا دمي ولقوا مع الدسنتاريا كمان ملاريا, كانت مسكتني لمان وصلت الخرطوم وكان في مشاكل في الكبد, وبعيد عنكم اليومين دول قايم علي شويه.
بعد الحقن والحبوب يا سيدي بقيت زي التور وبقيت آكل تمام. ما كنت باكل كلو كلو وفاطمة أختي تقول لي: يا جنى الليل اكل كويس, كان سمك, كان ملوحه, كان خضار ولازم تشرب مويه كتير. امنقا, فنتن شوربقا كابد سورات كبي, لغاية عرقي العيش كان لقيت اشرب.
صمت قليلا, ثم اخذ كاسا من العرقي, بلعها مرة واحده
قلت ليها زمان وكت كنا تلامذه, ونكون مفلسين بنشرب عرقي العيش المر ده. لكن كل أول الشهر أهلنا بيدونا شوية قريشات كنا نسميها في جوغتنا, جوغة البرميل, بالPocket Mony نقوم نتشارك ونركب الترماي من الموردة لغاية المحطة الوسطى, كان ترام بخاري بيمشي بالحطب, وعندو صوت واضح, دقدقدقدقدقدق. وكنا مسمنه السميع. بعد ما نتقابل في المحطة الوسطى نقع في الامتدادات, هناك في السكسكة والبنوت والدنيا بخيرها وشرها. وعندنا برميل, مش زي براميل الصفيح المصدية ده, لا, عندكم البراميل المغطية بالخشب براميل النبيذ المعتق الكان بيجي وادي حلفا زمان مع الكنفوي الماشي للصحرا.
- يا سلام, اشريمن من نبيذ تان, علق سيدي وهو يرفع كاسه من عرقي البلح المر بعد أن اكملوا الزجاجة الأولى..
. نخت البرميل نكب فيه الويسكي,الأوقيانوس والأنيشة والكونياك الجاي من القاهرة والحبشة, كله نلخبطه مع بعض ونشرب ونقوم نسكسك مع البنوت.
تعرف في واحدة من الجلسات التي لن أنساها طيلة ما كنت حي, غنت لي
طقس حار وخانق كان كذلك يجتاح بروكسل, وذات القمر يراه جنى الليل, كما يرى الأحول الشيء شيئين, في تمامه متململا وسط هالة صفراء كأنها مضروبة بالشمس . بدأ يراقب نور الله جابو الضائع يعبر ساحة سانت ميشيل. الأشجار ساكنة ولا ورقة تتحرك , شرفات البيوت مفتوحة على أخرها, وستائرها البيضاء الشفافة تهب هب بحثا عن هواء. في الحدائق الخلفية تفيح أزهار الماغنوليا2 بأريج مدوخ .سحبت أليسا كرسيها إلى النافذة وجلست تتأمل في ساحة سانت ميشيل . كانت كعادتها تغوص في ذكرياتها, بين حين وحين تتناول في شرايح من الفطير التي تعده بمزاج لم يهن. تأخر عبدون عن موعده, فمن عادتهم أن يشاهدوا الأفلام عند التاسعة.
لوسيان كاد أن يغمى عليه في ذلك المساء. الصداع مخالب قط مغروسة في الدماغ ثم تغوص إلى أطراف الأنف, القناة التي تؤدي من الأنف إلى الأعين مسدودة تماما, الصديد يتراكم بين زوايا الأعين, الغثيان, الحمى, اسبرين ثم نوم, لم يرى نصف الفلم في ذلك المساء .
في الطرف الثاني من المدينة كان عبدون فرح قد وجد حتفه.
ها قد فاتني البص الأخير, بروكسل بعيدة. الثلج المتراكم والريح الباردة قللت الحركة فلم يعد هنالك من يخرج في مثل في هذه الساعة.
اشتهر نور بين أقرانه, بقدرته الفائقة في كتابة المواضيع الإنشائية والقصص, ظهرت براعته المبكرة في اللغة والعلوم ونال جائزة لنبوغه المبكر. كان جنى الليل قد كلفه, بعد أن عاد من الخرطوم مع الخواجة فاندن ابل بعد أن تقدم الأخير لوزارة الثقافة والإعلام بطلباته من ما يلزمه في بدء الحفريات والتنقيب عن الآثار, وبعد أن قاموا بمسح كل مناطق حلفا. صمموا الخرائط الهندسية, وحصروا ما يحتاجون له من آلات للحفر والترحيل, وحسبو المال اللازم لذلك.
في المساء ذهب إلى مجلس جنى الليل أمام دكان طه مريم. والدنيا أمشير.
وصلته رسالة من نور في ذلك المساء اليسا واراد جنى الليل ان يحتفي بها احتفاء مقدرا.
استلقى جنى الليل فوق عنقريبه. فتح الرسالة التي حملتها البوستة القادمة من أسوان. من زمان لم يتسلم منه رسالة. قلب في الصفحات, قربها إلى أعينه حتى كادت الورقة تلمس النظارة ثم بدأ يقرا في الرسالة التي أرسلها له نور من بروكسل.
مثلما تظهر قطرات ماء نقية فوق مسام حجر ملتهب يبتل, ظهرت بعض قطرات دمع ساخن في زوايا عينيه, ثم تدحرجت فوق وجهه الساكن القوي. كان يتمزق حنينا حينما يتذكر أليسا وأيامها الأخيرة في ابكه, فوق روابيها الرملية, وبين جبالها, العوم عند فاش كلو, مغارات كلاي كومبو وكمن نوتي. ذلك المساء الذي تاها فيه بعدما هبطا في خرابات مرقسة. في البدء كانا قد دخلا نفقا مظلما. يصفو ذهنه كلما تقدم. بعد أن أشعل زناده, انتبه إلى أن النفق الطويل الذي تاها فيه, كان ممرا يفضي إلى مسرح هائل يطل على ساحة عظيمة, مضاءة بأنوار صفراء, حمراء, برتقالية, بنفسجية. كلها خافتة. حينما صعدا إلى المسرح ليطلا على هذه السماء المجهولة, وجدا أن الضياء كانت تأتى من كوكب غريب اكبر من الشمس والقمر بمقدار أعشار. لكن الضوء الذابل رويدا كانت تعلن عن موت الكوكب. كان باقيا هناك برغم الطوفان. ينشر الضياء في ذاكرته, يذكره بموقد فحم اليسا, لا زالت آثار الجمر الملتهب, وتلك الحمرة الغامضة باقية تحت الرماد.
كان ساخرا برغم تشاؤمه مزعجا بصخب حينما يغضب, عميقة أسراره. ضحكاته العالية كانت تخبئ شخصية بروح كتومة, كقناع منحوت بدقة, يجد مكانه بارتياح فوق وجهه المنحوت كذلك بدقة, الأنف الطويل برغم غلظة الشفتين يوحي في بادئ الأمر بنوع من الحدة. وجه جهنمي, كوجه مجرم يخطط بدم بارد لجريمة.
وبرغم الغموض والفوضى التي كانت تجتاح روحه في تلك الأيام البشعة, أيام التمزق والضياع التي تعاقبت عليه ثقيلة بعد الهجرة, والذي كان يردد خلالها وكأنه يحدث أحدا, بأنه تاه وضاع منه الصراط المستقيم, إلا انه يشعر بذهنه يصفو حينما يتذكر أيامه الأخيرة مع اليسة, كلام أبيه وحكاياته الكثيرة والتي لم تكن معروفة أن كانت من نسج خياله الواسع أم كانت حقيقة.
- أيا كان الحال أيا كان الحال.كل شيء كان ينبئ بالكارثة, هذا التدفق في عدد الغرباء على المدينة, من المساحين, موظفين الإحصاء, علماء الآثار والجنود, الانقلاب العسكري, جهل المفاوضين في مفاوضات مياه النيل بواقع الذين سيشردون, عدم اكتراثهم لشكوانا كل شيء كان ينبئ بان حلفا ستذهب إلى الأبد.
- منقا ار بنجي, ار اسلو نايدن فري؟ نايلك هوكي؟ من افنديقولي اك هوكينا, اوين ديسكا برسكا دونجيسنقو منقا اق اونا؟ وقف عبده فرح قاطعا حديثه الغاضب. ثم عاد وجلس وهو يضرب الارض بكفه العريض, يمينا بالله
.إن ما يقلقني أكثر في هذا المنعطف الخطير, هو مصير طه مريم وخليل والوجوه التي غربت إلى الأبد.
.فناروكمو ادمرينقو نورن تد ارحموسم ها فلى كجن, بك بك بك قور سماهين امن تونكن بكنكن, جتتني هفالكين, هيا قون اوك اسكجنو وو كوركيدي اور من ارجنادقرو؟
حينما أكمل المدرسة في قريته بالقسطل عام 1923 حدثت له أكثر الأشياء تمزقا, أخذه بن عمه, واظنه صلاح كاتبه في مكان ما, لحظة اذكر كان بيؤل ايه
مشردا, أسير وحدي في طرقات جزيرة مرقسة, أقدم بقاع الأرض, تلك البقعة التي رأت النور في الأول, أمامي تسير روحي مترنحة قلقة. ماذا يقلقها؟ أهو ألم العزلة أم البحث عن مأوى جديد؟ هاأنذا امشي وحيدا, مهزوما, نائما ويتيما,.يغشوني حنين إلى رمل مرقسة, فاشكلو والتقيرية, الشتاء والريح الموشوش ممسدا شعر الحقول في الباشونق. البوستة البيضاء في عمق النهر.تقترب إلى الشط عند الموردة شمال وادي حلفا. دغل النخل يلوح فرحا لحضورها بسبائط التمر.
ممكن تسال عنه يا نور أخته فاطمة ولا أقول لك, أخر واحد يكون عاصر جنى الليل في امدرمان ابل ما يمشي الحرب هو ابن فهمي طه
ما كانت في حاجة اسمها الخرطوم, كان في امدرمان وفي الوقت داك كانوا بيسموها البقعة وكان المتر المربع في أمدرمان بمليم واحد, وفي الخرطوم ببلاش, بس في الزفت وادي حلفا ده كان قالي خلاص . نحن من أصول تركية, على مصرية, على نوبية, على كبابيش, على عرب وافارقة وجدي بنى البيوت ده, أبوي باع الأملاك ده كلها ومشا الخرطوم, فهمي محمود طه, كان ماسك حسابات وزارة المالية. انا مولود في فريق الشيخ دفع الله, حوشنا كان جنب حوش ناس زروق . في العباسية, بورا مستشفى التجاني الماحي, بكون مولود في سنة اتنين او تلاته والف وتسعمائة. أبوي أتزوج مرة تانية, وبعدين جدي أبو أبوي كان مقاول, جا مع الغزو التركي المصري مع ناس محمد علي باشا. فقام هو الرباني وقراني أبوي أتولد في بربر وجدي كان مديرعام المديرية الشمالية, وبعدين اتخرج سنة 1902 من كلية غردون.
درست الثانوي في الأبيض أنا ومعاي واحد اسمه خليل, عربي عبد الباسط وفي واحد بدا السنة الاولى وتاني ما شفناه اسمه نور, لكن كان مشهور بجنى الليل الحفيد اسمه كان غريب علينا, احيانا بقولو ليه دابي الليل.
لما نقعد معاه ونساله كان بيقول لينا كلام عجيب اتزكر بيقول لينا في كلامه اه هم جايين من أمدرمان, والخير جاي من حلفا ونحن كنا ثمانية, والإنجليز في الوقت داك كانوا شحيحين في التعليم. نور الله جابو هو اسمه الأصلي لكنه اشتهر بجنى الليل . انا تميت باقي تعليمي في خورطقت, وجيت كلية غردون, وكان في الأصل مفروض أمشى مدرسة الطب , لكن طبعا كانت غالية وما في حاجة اسمها مجانا, فقمت نويت أمرق من السودان بعد ما أبوي اتوفى,فمشيت ليبيا, في الوقت داك أنا كنت شغال في البي اند ركوردس ومشيت ليبيا سنة 1942 بالقطر لغاية حلفا كان في واحد صديق أبوي الهو طلع جنى الليل مان سواق مع الكفوني , رجل شهم وشجاع واخو اخوان راجل وكتين الحارة. سهل السفر للصحراء, كانوا بريسلو حاجة اسمها الكونفوي والكنفوي دي اللواري التابعة لجيش الحلفاء. كانت بتشيل المؤن والعتاد الحربي لغاية واحة سليمة. وبعد داك تمشي الكفرة, وكان بيغنوا لي سخانتها.
كفرة نارها زي جهنم تحرق القلب.والعضم....
وروميل يا أخوي زاحف علينا جوا, برا وبحرا, والغارات كانت عنيفةخالص, أنا عملت تدريب بسيط في شغلا نية الحرب ده. لكن جنى الليل ده لا تدريب ولا الله قال بس رجاله وهمجية ساي. نحنا دربونا في أمد رمان كيف نستعمل الطبنجات والمدافع.
01 كانون اول, 2006
تأملات في القراية والتعليم | |
القراية أم Passion عوضا عن القراية أم دق. |
التعليم أكثر الأشياء غير المادية, أي أنها المؤسسة الوحيدة التي لا تدر أموالا مباشرة للدولة, لكنه هو الذي يقرر مستقبل الشعوب لأنه يشكل قلعتنا الروحية , ولذلك لم يهتم به السماسرة وبائعي الوطن .
التعليم العام والرسمي الذي أسسته الإدارة البريطانية في السودان والذي ترسخت أركانه بجهد نفر كريم من السودانيين و الإنجليز وبعض المصريين والسوريين الذين عملوا في التعليم في بدايات القرن الماضي, هذا التعليم الذي كان يمتاز بالصرامة والنوعية الجيدة من الأساتذة والذي انبنى, , على أسس (علمانية) إجباريا ومجانا, كما توارثناه من صدمتنا الأولى بمدافع الحداثة والتقدم التكنولوجي التي صاحبت دخول الإنجليز السودان, بالرغم من محاولات المسؤولين السياسيين الذين تعاقبوا على دست الحكم في العقود التي تلت الاستقلال من تغيير صورته, ففي حقبة الستينات تم تحويل لغة الدراسة إلى العربية عوضا عن الإنجليزية, السلم التعليمي في السبعينات وثورة التعليم العالي في التسعينات والي الآن. هذا التعليم هو أساس المجتمع السوداني الحديث الذي نشهده ينهار أمامنا كقصر جميل قديم. في تلك المدارس البسيطة والمتواضعة كان هنالك معلمين ومعلمات على قلتهم وقلتهن يعلمون ويعلمن كيف يصبح الطفل باحثا للحقيقة.
وهو ذات التعليم الذي عمد الطريق لتحول المجتمعات السودانية من مجتمعات تتمسك بالتقاليد القبلية والجهوية, وما تترتب عليها من التزامات بالحياة الجماعية وروتينها الخانق إلى المجتمع السوداني الرحب والذي فيما يبدو وكما يشير إلى ذلك شاعرنا الرقيق محمد المكي إبراهيم,كانت نواته قد بدأت في الظهور منذ ما قبل الثورة المهدية, أي في حوالي منتصف القرن التاسع عشر. والذي نعرف جمعيا ملامحه وسحناته المتعددة وانسجته المتشابكة بالرغم من أن الكثيرين لا زالت تعمل في رؤوسهم طواحين القبلية والتزمت الديني والرؤية الأحادية للوجود, مخلفين غبار الكلام الفاضي والخمج في الصحف السيارة التي أصبحت تشبه لي سيارة أستاذ المبشر الفلكسواقن القديمة التي كانت تملأ سماء المدينة بدخان كثيف خانق. وقف المبشر بسلحفائه الفلكسواقن ذات يوم ليس ببعيد قرب بوابة المدرسة الثانوية داعيا أستاذ إبراهيم دوانة مدرس اللغة العربية أن يركب فيوصله حي مربع ستة بحلفا الجديدة حيث يسكن, فرد الأخير, بسخريته ومزاجه النوبي المعكنن بدخان السيارة قائلا- شكرا يا أستاذ مبشر أنا الحقيقة مستعجل واحسن أمشي بكرعي.
هؤلاء الذين لاينفكون يبدلون أقنعتهم دون اختشاء فقط من أجل أن ينعموا بالسلطة هم الذين قصموا ظهر التعليم. لكن الكثيرين كما نعلم لا يريد أن يرى وجوههم الداندية في المرآة, مرآة الحقيقة. وقد حدث كل هذا لما يمكن أن نسميه بالصالح العام الذي ينبغي إعادة بنائه إذا بقي للسودان وجود موحدا في الفترة القادمة, فالصالح العام, هذا المفهوم الذي دافع ويدافع عنه كبار الفلاسفة الألمعيين, هو الذي يشكل حجر الزاوية لأي مجتمع يريد أن يتجنب الأنانية المفرطة لدى الأفراد من جهة ومن مفهوم الدولة البوليسية من الجهة الثانية, فالصالح العام لا يتشكل من مجموعة من الأنانيين ومن هذه الأشياء التي تضعها الأنظمة الشمولية من أحقية الدولة وشرعيتها فوق قيمة الإنسان, الأصل في وجوده هو ونظامه الشمولي, فعليه لما لم يبقى أمام المرء إلا أن يرتعد خوفا ويؤمن بالنظام. الصالح العام شيء سامي لأي مجتمع وهو قبل كل شي يعني أن يعيش حرا متضامنا منتصرا للعدل, وإيجاد نقطة توازن بين طرفي هذه المعادلة شيء عسير لكنه ممكن لأنه شيء قابل للبرهان ومحسوس ومشيمة التاريخ حبلى بتجارب ثرة, ربما منذ المجتمعات إلى وصفتها السنة الحداثة والكبرياء الأوربية بالمتخلفة, والتي تحقر بها ومن شأنها المبشرين باسم ديانات التوحيد, والدول الديمقراطية التي لم تكن لهم حوجة للإرهاب, إرهاب الدولة ضد ما يسمى بالإرهاب ذات الماركة العالمية المسجلة باسم القاعدة. خوفا من أن يقلب عليها ظهر المجن.
كلنا نمارس السياسة في حياتنا العامة, السياسة بمعناها الواسع والمعروف لدى الناس بطريقة أو بأخرى, ولا أعتقد بأننا نفتقر إلى البنية التحتية لاستنهاض التعليم الذي نريده للمستقبل. فمن جهة لدينا خبرة متراكمة وان كانت اغلبها قد هاجرت منذ سبعينيات القرن الماضي حينما بدأت أفواج الهجرة المنظمة إلى الدول النفطية, لكننا يمكننا أن نوظف جزءا من هذه الخبرات في الكتابة عبر الأسافير التي يجب علينا جميعا أن نرفع من مستوى الحوار فيها واستغلالها بقدر ما يمكن في الكتابة الجيدة التي تخدم القضايا الاجتماعية الكبرى, ومن جهة ثانية هناك ارث أكاديمي ضخم في السودان بدءا بالمدارس الابتدائية والثانويات, الجامعات والمعاهد العليا.
لكن لماذا انهار التعليم في السودان؟
المدرسة الأولية هي المكان الذي يتم فيه تشكيل أو تشويه الفرد, هي المكان الذي يجب علينا أن نوضح عنده سؤات ومزايا الفرد وكذلك سؤات ومزايا كل شعب وكل ثقافة.
إن تدريس بعض المقررات كمادة التاريخ, اللغة, الجغرافيا بالطريقة التي درسناها في المراحل الدراسية المختلفة, لا تصل بالطالب في اعتقادي الضعيف بتاريخه كما أن تدريس اللغة بالتركيز على دروس النحو والقواعد شئ لا فائدة منه ولا خير فيه لان اغلبهم, أي الذين يمسكون بعصى النحو والقواعد مشكلين ما يمكن أن نسميهم ببوليس اللغة, الذين يجيدون القواعد ويحفظون قوانينها لا يمكن أن يفسروا لنا لماذا وبالرغم من كل هذه الرقابة البوليسية التي تخاف من فوضى المظاهرات, يستمر الناس في ارتكاب الأخطاء حينما يتحدثون. إن حالهم كحال من يعرف قوانين القيادة لكنه لا يستطيع أن يقود السيارة سواء كانت (سيارة روز رويس) وهي العربية الفصحى أو (فولوكسواجن) وهي العامية ( التشبيه للكاتب إدوارد سعيد). وسوف اكتفى هنا بالخوض في تفاصيل مادة التاريخ, على أن أعود إلى موضوع اللغة عندما يكون هناك متسع لذلك.
قلت أن تعليم مادة التاريخ بالطريقة التي تدرس بها في المراحل التعليمية المختلفة, لا تصل الطالب بتاريخه لانه يقدم لهم مبتورا. حيث يتم تدريس كل شيء والمحصلة النهائية هي أفراد يجهلون كل شيء عن التاريخ. إذن لا ينبغي أن نعلم كل شيء ويمكنني أن أسوق هنا مثالين او ثلاثة في كل ما يتعلق بدراسة التاريخ والجغرافيا. وكنت قد بدأت هذا الحوار مع أساتذة مادة تاريخ الفنون وطلبة الأقسام المختلفة بأكاديمية الفنون ببروكسل في يونيو الماضي بعيد المحاضرة التي تحدثت فيها عن تداخل الثقافات وتشابكها والتي تظهر في مجال الفنون بالذات, فقد تأثر فن الرسم في أوربا بعيد سقوط روما وانتقال عاصمة الإمبراطورية إلى القسطنطينية, بطريقة الرسم وتمثيل الطبيعة والحياة التي كانت متداولة في جنوب وشرق البحر المتوسط الذي يفصل الضفتين الشرق والغرب. فإذا أخذنا مثلا عصر النهضة كحدث تاريخي هام. ينبغي أن نعلم من خلاله العناصر التي يمكن أن نسميها بالمولدات والضوابط دون أن ندخل في سرد التفاصيل. بدءا بحدث ديني مثل الحروب الصليبية التي نشبت بين ضفتي البحر المشترك في البياض وخضرة الشطان وتضاريسها لكنها تختلف في المعتقدات. هذا الحدث بالرغم من انه كان حدثا ذا طبيعة دينية, لكنه كان مولدا لعناصر ذات خصائص متعددة وأحداث تاريخية مدهشة يمكن للطالب أن يتعلمها .
لقد تم تحطيم الإمبراطورية الإسلامية وبدأت تفككها, نشطت العلاقات التجارية بين الشرق والغرب. ظهرت المدن الإيطالية, Les Communes الكيمونات نتيجة النشاط التجاري ومع التجارة انتقلت الحرف تحملها المهارات اليدوية والفنية الخلاقة والضرورية لتطوير هذا التبادل الضخم. فالمدينة التي نعرفهااليوم إنما نسجت أحشائها من كل هذه الأشياء وظهرت لتغير ملامح أوربا كلها وكذلك ملامح العصر الحديث. ظهرت عقلية المنفعة التشيؤ أي تشي الزمن, والتي تعتبر نتاجا مباشرا لظهور العلوم التي تخضع للنظر والعقل الإنساني والرأسمالية الوليدة. فمنذ تلك اللحظة التاريخية بدأ كل شيء قابلا للتشيء وذات كمية محددة, ظهرت عبارة الوقت من ذهب. احتاجته أبراج القرون الوسطى, فأصبح البندول ضرورة. ثم تشيء الزمن والمكان. لم تعد تحتاج الشركات الرأسمالية, وهي تنتظر سفنها في عرض البحر محملة بالبضائع, إلى الشعراء والرسامين لكي يرسموا لهم الخرط . فاحتاجوا إلى مصممي الخرط. ظهرت أيضا علوم الرياضيات التطبيقية بسبب العمران المدني في إنشاء القنوات والجسور والعسكري الذي ظهر في بناء القلاع لاستعمالها في إطلاق النيران, نيران المدافع من زوايا محددة, وبما أن الفن بالنسبة لهم كان يتداخل مع ما هو حرفي, ما هو مرتبط بالفعل اليدوي , فاعتبروا الفنان والحرفي واحدا في الأصل. دخل علم الرياضيات في مجال الفنون . بيير دو لا فرانشسكا أحد مخترعي الهندسة المستوية , يعد في نفس الوقت أحد مبتكري الرسم المنظوري, أي أحد الذين ادخلوا المنظور ,تناسب الأبعاد والأحجام, في الرسم. حملت سفن التجارة على متنها ضمن ما حملت كثير من العلماء الإغريق, الذين عاشوا في القسطنطينية ردحا من الزمن بعيد انهيار روما وجاءت معهم أفكار بيتاقورث وأفلاطون... وهكذا يمكن من جلسة في محكمة التاريخ أن يتعلم الصبي وتتعلم الصبية وبولع وشغف, الطريقة الوحيدة للتعليم, التاريخ, الرياضيات, الفنون الأديان والجغرافيا
ربما يثير ما طرحته في موضوع التعليم بولع وشغف مخاوف كثير من المعلمين, الباحثين والذين يعملون في حقل التعليم عموما, إذا اطلعوا عليه, ذلك الخوف الذي ينتاب الإنسان عندما يهز أحدا أركان إيمانه بشيء مقدس. والمثير هو إن ما طرحته لا ينبع إطلاقا من عقل يهذي بل بالعكس انه قمة الاتجاه الصحيح. قبل فترة كنت قد طرحت لزوجتي دلال رجب وهي خريجة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة الخرطوم سؤالا في الجغرافيا وهو أن تقوم بتعداد خلجان القارة الإفريقية, فكان جوابها أنها ربما تعرف خليجا أو اثنين بالكثير, وهو السؤال عينه الذي أطرحه على نفسي وعلى مجموع المعلمين ولعامة المتعلمين.
ربما سيتذكر الكثيرون منا رأس الرجاء الصالح وخليج غينيا, لكن من غير رجل الجغرافيا أو بحار خبير يستطيع أن يعدد هذه الخلجان كلها.أفلا يحق لنا, بعد هذا أن نتأسف قائلين يا له من تبديد للوقت وللمال, كل هذا الذي درسناه لأننا لم نعد نتذكر منها شيئا كثيرا. قد يكون هؤلاء الأساتذة والمتعلمين من المثقفين, على حد قول ماكس شيلر الفيلسوف الألماني 1874-1928
( أعتقد أن الإنسان المثقف هو ذلك الإنسان الذي نسي تعليمه الرسمي من الكتب Erudition or Scholarship) هم أحد العيوب الرئيسية في نظام التعليم, ليس في السودان وحسب بل في العالم أجمع, لان نظام التعليم اليوم يدعي بأنه يعلم كل شيء وفي نهاية المطاف نجد أنفسنا لا نعرف شيئا أو بالأحرى لا نعرف شيئا بالطريقة الإيجابية لتشكيل ما يمكن أن نسميه بصورة عامة الثقافة. والتي لا علاقة لها بالذاكرة وبالتراكم الإجباري للمعلومات من معطيات, أرقام, مقاييس, معادلات كيميائية كانت أو رياضية أو فيزيائية, تواريخ. وكما يؤكد ماكس شيلر( فإن الإنسان المثقف والذي يعتبر النموذج الأسمى لأي شعب), ليس هو الفرد الذي يعرف كل أوجه الأمور والأشياء, وليس كذلك المهندس الذي يستطيع أن يخطط وبحسابات دقيقة لبناء جسر أو عمارة وليس كذلك الفيزيائي الذي يمكن أن يرصد بدقة متناهية ويحدس عن متى يحدث كسوف الشمس أو خسوف القمر, وليس ذلك الفرد الذي يعرف الفرق بين الجول والوات, أو بين البارومتر والثرمومتر (وحدات قياس الضغط والحرارة). كل هؤلاء يعتبرون أكاديميين ( علامة في مجالاتهم) بل وهناك رجال عباقرة في العلوم التطبيقية والعلوم الأخرى, لكنهم ليسوا بالضرورة مثقفين. وإذا كانوا كذلك فليس نتيجة معارفهم المتخصصة هذه, بل نتيجة لحالة كينونة أخرى تميز الإنسان المثقف. بالطبع فحينما أسوق مثل هذه الأمثلة, لا أريد أن الغي مواد الجغرافيا, التاريخ, الرياضيات الفيزياء والعلوم الأخرى من المقررات من البرامج الدراسية, كلا بالطبع, لكن الذي أثيره هنا هو الطريقة التي نعلم بها هذه المواد. يجب أن نعلم النشء والأجيال الجديدة بطريقة مغايرة, حسب معيار أخر. ليس لتأهيل جغرافيين, فيزيائيين أو متخصصين في الرياضيات للمستقبل, فهناك كليات متخصصة لذلك في الجامعات, لكن ينبغي أن ندرس هذه المواد لكي تساهم في تشكيل الثقافة, الثقافة التي تنسجم مع رغباتنا وحيواتنا, حسب مفهوم شيلر.
هذا جانب من الحديث, في الجانب الأخر يبقى كل الذي قيل في التعليم شيئا غير قابل للتطبيق أو بمعنى أخر ليس هنالك وسيلة لتعليم جيد وتأهيل تلاميذ أكفاء, إذا لم نؤهل في المقام الأول أساتذة جيدين, ونموذج بخت الرضا في السودان نموذج جيد ينبغي تطويره بإعادة النقاش والبحث في أصول التربية والتعليم من خلاله, ويسعدني في هذا المقام أن اذكر أساتيذ أجلاء تم تدريبهم في بخت الرضا أو في معهد المعلمات بكسلا ثم حملوا وحملن أمانة العمل في التعليم ردحا من الزمان. ولقد شرفت بان أكون تلميذا على يديهم, أذكر منهم الأستاذة الخالة علوية حسن محمد التي درستني في المدرسة الأولية ولقد حببتنا المسرح والرسم, وأذكر بأننا قمنا, تحت قيادتها الصارمة لنا في أمسيات الجمعيات الأدبية في سبعينيات القرن الماضي, بتمثيل مسرحية الكلبة لأيكة وتاجر البندقية, كما إنها تركت رسومات على جدران المدرسة بقيت فترة من الزمن ثم تلاشت كما تلاشت أغلب الأشياء الجميلة من حياتنا, وأذكر كذلك الأستاذ والشقيق الأكبر عمر أحمد طه الذي درست على يديه في الصف الخامس مادة الرياضيات, ثم في الثانوية العامة. ولا زلت أذكر ذلك اليوم الذي دخل علينا الفصل وبدأ في كتابة النوتة الموسيقية على السبورة ثم طلب منا أن نردد وراءه حروف النوتة, وبقيت تلك الحصة, بالرغم من أنه خرج من إطار المقرر محفورة بذاكرتي حتى الآن, لأنه ربط بين الموسيقى والرياضيات. وأذكر كذلك الأستاذ الجليل العم صالح محمد طه, حينما كان مديرا للمدرسة, فقد بادر بإنشاء مكتبة صغيرة بالمدرسة وكان يفرض علينا قراءة كتب القصص والروايات ثم يطلب من كل طالب كتابة موجز للقصة التي قرأها. وهذا إضافة لأساتيذ علامة آخرين أمثال عبد الحليم قرناص, حسن أحمد علي, أزهري بشارة, أستاذ حلبي, محمد عبد الدائم وأخريين. عودا للبدء أقول بأنه ليس هنالك وسيلة لتعليم جيد, دون تأهيل أساتذة جيدين. نعم ليس هنالك وسيلة أخرى, فمفتاح تعليم راق وبنوعية ممتازة لا يكمن في المناهج والبرامج الدراسية التي لا تعد أكثر من كلمات وحروف ميتة على الورق, إذا لم تتوفر أساتذة علامة قادرين على فك طلاسم الحروف. الملاحظة, الاهتمام بمسؤولية, النظرة الناقدة المحللة هي التي ينبغي أن ننشد منه ونكرس له أساتذة مؤهلين, كما أثبتتها بعض التجارب التي طبقت في التعليم إبان فترة الإنجليز, ثم بعدهم في مراحل التعليم المختلفة إلى الدرجة التي اشتهر خلالها أساتذة كبار مثل الأستاذ الكاتب حسن نجيلة والذي لا يلبث أن يحل منقولا بمدرسة ما في زمانه, لترى نسبة نجاح طلاب المدرسة المحظوظة قد ارتفعت
يخاف النحويون من الفوضى اللغوية كما تخاف الشرطة من أشكال المظاهرات السياسية المختلفة. لكن ينبغي أن يسأل هؤلاء النحويون واللغويون العرب بشكل خاص والنحويون بشكل عام أنفسهم عن في أي عصر كانت اللغة تتحول وتتغير حسب نسق منتظم مع حركة التقعيد اللغوي؟. كيف كتب هوميروس أعماله الإبداعية الخالدة, في الوقت الذي لم تكن تعرف فيه البشرية النحو والقواعد؟ والسؤال نفسه قائم حول الإبداع الشعري العربي ما قبل الإسلام وما بعده, الشعر الجاهلي وفن الخطابة لدى العرب, بالرغم من ما أثاره طه حسين حول تاريخية هذا الشعر, في كتابه المحظور في الشعر الجاهلي. كيف كتبت المعلقات بهذا الإيقاع الشعري واللغة المقطرة في وقت لم يكن يعرف فيه العرب القواعد والنحو, هذا دون التطرق إلى القران. لقد نسي هؤلاء أن لا شيء يتعلق بالبشر نقي صاف, واللغة من أكثر لأشياء غير النقية عند الإنسان. إنها بطبيعتها فوضوية, ويصيبها التساقط والنسيان. دون أن يمنع ذلك من ظهور مصطلحات أخرى. فالتساقط اللغوي إذا جاز التعبير, يسود على كل اللغات تماما مثلما يصيب التساقط أوراق الشجر. وليس هنالك شرطي نحوي أو عالم لغوي, له القدرة في أن يوقف هذا التساقط. فاللغات التي تتحدث بها الإنسانية هي هذه اللغات التي ولدت من رحم هذه الفوضى, مثل اللغات الأوربية, اللغات الأسيوية والإفريقية. والعربية ولهجاتها المختلفة, هي لغة مثلها مثل لغات العالم لم يبتدعها الرب في السماء إنما هي بنت الأرض, ولدت فوق تلك الصحراء القاحلة, وبالرغم من ذلك, نجدها بلهجات مختلفة في بيروت, دمشق, بغداد, القاهرة, الخرطوم, طرابلس الغرب وفي مراكش. لقد قاومت هذه اللهجات عمليات التقعيد وشرطتها المدججة بأدوات النحو, وبسطت نفوذها وبقيت حية في وجدان الناس وحياتهم اليومية, فهي التي تستخدم في التعبير اليومي, عند لحظات الفرح والسعادة, عند لحظات الخوف والحزن, وكذلك عند لحظات الموت والحياة. فالخالق من جهة واللغة من جهة أخرى يتم خلقها بواسطة الشعوب وكبار مبدعيها, لتستمر في التعبير بكلمات تصيغها الذاكرة البشرية, مدفوعة بالآمال والآلام, بالأحزان والأفراح, من خلال الأغاني التي صاغت وجداننا منذ الطفولة, الأصوات التي تلتقطها آذاننا والتي تعبر عن كلمات الحب والكره, كلمات الترغيب والترهيب. اللغة التي رضعنا كلماتها مع قطرات حليب الأم ( أهي محض صدفة أن نقول اللغة الأم وليست اللغة الأب) اللغة المعاشة التي عانينا ونعانى من تعلمها طيلة مشوار الحياة. إنها اللغة التي يكتب بها المبدعون أعمالهم دون أن يفكروا في القواعد والنحو, لأنهم ببساطة, يعتبرون اللغة بيتهم, يعيدون ترتيبها وفق أمزجتهم, كما يقول هيدغر (اللغة بيت الشاعر) فليست الكلمات هي التي خلقت بندر شاه, فبندر هو الذي خلقها, ( انت وين لقيت الكلام يا سجم الرماد؟) وليست هي التي خلقت كذلك الأوديسة, إنما الأوديسة هي التي خلقتها, وليست الكلمات هي التي شكلت جحيم دانت, أقول جحيم دانت لأنني أفضلها عن فردوسه. فإذن لا ينبغي أن يخشى النحويون من الفوضى اللغوية, لأنها لن تصيب اللغة بخلل بل العكس, قد يحدث أن يولد في إحدى أحياء القاهرة أو بغداد أو امدرمان أو دمشق أو في أي قرية نائية واحدا من أمثال المتنبي, أو أبو نواس أو ابن خلدون أخر.
إن تعدد التراكيب الصوتية, المصطلحات والألفاظ والمعاني المتعددة, وحتى الأساليب النحوية دليل قاطع على ما تتمتع بها العربية من قوة هائلة وخصوبة لا تنضب كما أنها دليل أيضا على فاعلية اللغة ومقاومتها للتغييرات الحتمية. يحدث تقدم وتطور في اللغة عندما يكون عمق الإبداع الأدبي متوقفا على تغييرات خفيفة في المعاني والأصوات. فبالرغم من كل السنوات التي نقضيها دراسة النحو والقواعد, نجد أنفسنا نبتكر ونخرق أسس ونواميس النحو باستمرار.