تحدٍّ... ثم فوز
لا زلتُ أذكر الانتفاضة العنيفة التي حصلتْ في بيتنا عندما أعلمتُ أهلي برغبتي في دخول تلك الجامعة، حينها لم يتوانَ والدي عن محاولات ردعي ومصادرة حقّي في الاختيار باستخدام أسلوب الترغيب مرة والترهيب مرات، والتوعُّد بحرماني من المصروف إنْ تجرّأت على فتح هذا الموضوع ثانيةً، وحجته أنني فتاة ملتزمة وخَجولة؛ لذلك سأكون في هذه الجامعة كالطائر الذي يغرّد خارج سربه فجوّها ـ حسب زعمه ـ لا يناسبني لأنّه ملبّد بالفساد والاختلاط الفاحش فضلاً عن الشُّبُهات الى قد تصدر من الطلاب والطالبات وحتى من بعض الأساتذة. وبدأتْ سلسلة المفاوضات تجري على قدَمٍ وساق، وكانت والدتي الوسيط الذى سعى بكلِّ جهده للتخفيف من حِدّة النزاع، إلاّ أن كلّ المحاولات باءت بالفشل، ولم يكن أمامي خَيار الاّ اللجوء إلى الحلول السِّلمية، فحاولتُ من خلال منطق الحوار والمناقشة الهادئة إقناعه بأنّ هذه الأجواء ليست حِكراً على هذه الجامعة، وحاولتُ طمأنته أيضاً بأنّ تربيتي واعتزازي بشخصيتي الإسلامية تحصِّناني وتحمياني. واشتدّت ثورته.. وتمسكتُ بإصراري على متابعة النضال، وعندما لمس مدى جِدِّيتي وسعيِي الحثيث للوصول الى مبتغاي، ولمّا استوثق من أنّ هدفي إلى جانب الحصول على مؤهل علمي رفيع المستوى ـ الدعوة إلى الله في عقر دار هذه الجامعات التغريبية ـ تنازل في نهاية الأمر ورضخ لرغبتي، ولكنه بالمقابل دعاني لأنْ أتحمّل تَبعات خَياري. ومرت الأيام كنتُ خلالها أحاول أن أُثْبت لوالدي بأنني قوية وثابتة، واستطعتُ بحمد الله تعالى في مدة وجيزة أنْ أصبح مثال الطالبة المجدّة في دراستها، الخلوقة في تعاملها مع زميلاتها وزملائها وأساتذتها، حتى حُزت على محبة واحترام الجميع... وأتى ذلك اليوم الذي كافأني فيه الله على صبري، ففي إحدى المحاضرات تطرّق الأستاذ إلى مواضيع تمسّ الإسلام وتناولها بشيء من التجريح القاسي، تضايقت من حديثه هذا لكونه يجافي الحقيقة؛ كما أحزنني جداً ردة فعل بعض الطلاب الذين سُرّوا بتعليقاته الساخرة، أمّا البعض الآخر ـ ممن لديهم شيئاً من الغَيْرة على الدين ـ فلقد أَلجم الصمت لسانهم إلاّ أنّ وجوههم كانت تُفصح عن مدى انزعاجهم، وازدادت التعليقات حِدّة إلى درجة شعرت معها بأنني سأنفجر حنقاً وغيظاً، فلم أشعر إلاّ ويدي ترتفع عالياً ولساني يطلب الإذن من الأستاذ لإبداء رأيي. صمْتٌ غريب لفّ قاعة المحاضرات حينما بدأتُ بمناقشة الأستاذ بهدوء ولا أعرف من أين هبطت عليّ تلك الفصاحة التي ساعدتني على تفنيد كل تهمة وجّهها وكل شُبهة طرحها. كانت نظرات الطلاب تنصبّ عليّ حيناً وعلى الأستاذ الذي تلوّن وجهه ممّا اضطره إلى إغلاق باب النقاش معلناً عن عجزه على الردّ.. رضاً داخلي غمرني في تلك اللحظة لأنني أدركتُ أنّ الساعات التي كنت قد أنفقتها في طلب العلم الشرعي، وأتزود فيها بالمطالعة والقراءة لم تذهب سُدى، أما قمّة المفاجأة فكانت أثناء خروجي من قاعة المحاضرات، فبعض الطلبة والطالبات رفعوا شعار النصر، وبدأوا يُغدقون عليّ عبارات التشجيع والثناء، أمّا البعض الآخر الذين كانوا يسخرون ويضحكون منذ قليل، فلقد تحلّقوا حولي مطالبين بمزيدٍ من الشرح والتوضيح حول ما تمّ تداوله في القاعة بالإضافة إلى مسائل أخرى. مازلت أذكر جيداً وجه أمي ولسانها الذي أخذ يلهج بحمد الله تعالى عندما أخبرتُها بما جرى معي في الجامعة، أمّا والدي فلن أنسى أبداً عينيه اللتين اغرورقتا بالدموع وقُبلته الحارة على جبيني وترداده على مسامعي قول رسول الله صلى الله عليه مسلّم: " أنت على ثغرة من ثغور الإسلام الله الله أنْ يُؤتى الإسلام من قِبَلك".
