hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:53
فوق الرف
قصة : حسين المناصرة
إلى الصديقين: فضلان وخيران ...
مع مودتي !!
ثمة رجلان ساخران جداً ، يجلسان في غرفة واسعة جداً، فيها طاولة مساحتها مستديرة جداً ، تكتظ بوجوه ذكورية كثيرة جداً، ولا أنثى -على أية حال- في هذه الغرفة ؛ حتى نساء الجن – ولله الحمد على هذه النعمة الجمّة - غادرنها منذ زمن بعيد إلى غير رجعة ، ولن يفكرن يوماً – فيما أظن ، والله أعلم - أن يصطدن فارساً لأحلامهن الوردية من بين هذه الوجوه التي انعجنت بخميرة غيابها، وملح بقايا حياة في ملامحها، التي ولّت هي الأخرى إلى غير رجعة ؛ لكن... وللاستدراك هنا – كما عودنا البلاغيون في قراءة الشعر الجاهلي - حسابات كثيرة في عجائب الأزمان!!
لكن العقول – فيما يبدو – كانت ضاجة بخيالاتها، بذكرياتها أيام الفحولة ، يوم كان السيف يصول، ويجول ، ويقول: هل من مزيد ؟! ذاكرات مشبعة بالذكريات، بصور نساء شابات وهنّ عاريات يعانقن شباباً بل فحولاً ؛ جاءوا من عمق الصحراء إلى ضباب لندن ، أو متنزهات باريس ، أو أبراج نيويورك، أو شوارع القاهرة في أيام الخديوي توفيق ، أو الخرطوم وسمرتها اللامعة مطبوعة على خدود نسائها الجميلات !!
كانوا فحولاً ، وكنّ بلا فحول ؛ على الأقل فيما نتصور دوماً : أننا أهل الفحولة، وإن تواضعنا ، فنحن نبعُها الذي امتدّ في شرايين هذا الكون ، ودليلنا أننا خير أمة أخرجت للناس...!!
كانت الغرفة تصدر أصواتها من جوف الرئيس ، أو مساعده ، أو صاحب اقتراح ، أو معلق على اقتراح ، أو من فوهة متفلسف؛ لا يترك شيئاً يمرّ دون أن يهمز، ويلمز، ويتتافه جداً ، فيذهب كلامه أدراج الرياح... هكذا دوماً أحمد ربي على نعمة كبرى أنعمها عليّ ، وهي أنني لم أكن يوماً من الأيام خلال خمسة وعشرين عاماً أجاور تلك الغرفة ، من بين أعضائها ، طبعاً بحكم القانون القراقوشي، لا باختياري ، وما أكتبه لكم هنا هو خلاصة حكاية الرجلين الساخرين اللذين يجلسان في زاوية الغرفة حول الطاولة المستديرة ، يرقبان ، ويستمعان ، ويتأملان ؛ ليرفدا سخرياتهما، وتخابثهما بوقودها الذي يحيي الحياة وهي رميم، ويخرجاها من تلابيب عناقها للموت ؛ فكأنّ ضحكاتهما وضحكاتنا معهما خارج الغرفة الكبرى في أخرى صغرى مغلّقة ، عنقاء تولد في قسمنا الذي اختص بالنحو، والصرف ،والبلاغة، والأدب، والنقد، وهلمّ جرا...
زوجتي ، بدأت تذكرني بضرورة مشوار المشي ، نمشي مرة في الشهر حول الحديقة الكبيرة جداً ، هي دائماً تسعى إلى اضطهاد توهج حكاياتي ، فتقتل ملكة الإبداع لدي ، فتغدو كتابتي في درجتها الصفرية ، وحينئذ ، ربما أقبل أن أكون حول الدائرة المستديرة جداً في الغرفة الكبيرة جداً ، في قسمنا الكبير جداً ، بين تلكم الوجوه المكتظة بمواتها أو سباتها؛ ضحية لتلكم التخيلات عن الماضي وفحولاته ؛ إلى حد أن تقع سبحتي من يدي ، ولا أشعر بها ، وأبقى أحرك يدي ، كأني أحملها ، أنظر إلى لونها الفاقع ممدة على الأرض ، حتى رفعها ، يغدو جزءاً من آلام الظهر وانحناءاته المزعجة... كل هذا أخف من تعمّدها أن تؤذي كتابتي ، فتصفها بسخافات القضاة ، وقصدها أن " الفاضي يعمل من حاله قاضي"!!
كان الرجلان الساخران، اللذان يجلسان في زاوية الغرفة حول الطاولة المستديرة ، يرقبان ، ويستمعان، ويتأملان... وهما – أيضاً – وجهان من تلكم الوجوه الصاخبة باليباب ؛ لكنهما أكثر حيوية ، وأقل اضطراباً نفسياً ، والسبب أنهما يمارسان -عن غير قصد أو وعي منهما - الحكمة الصينية المشهورة: الضحك يديم الحياة على الوجه!! وبكل تأكيد لا علاقة للضحك بأشياء أخرى تدوم أو لا تدون في غير فضاء الوجه تحديداً ، أقول هذا حتى لا يظنّ فضلان أو خيران، أنهما ولدا لتوّهما من حكايات "ألف ليلة وليلة" في بلاد "واق الواق"؛ حيث تثمر الأشجار نساء جميلات!!
يتأملان وجه العبث السائد ، أعني تلكم الوجوه التي فقدت بريقها ، ولم تفقد بعدُ تجربتها الممتدة في الحياة، كانت الوجوه وجهاً يميل إلى الصفرة ، يمتقع بلون صحراء ظمأى ، تجمدت رمالها، ويبست أعشابها، وجفت ينابيعها مع تنوع في تجاويفها الخربة، ملامح ثقافية واضحة ، خبرات ربما تتظاهر أنها ما زالت حية ، أحزانها تندف عرقاً خفيفاً، يأساً مولوداً من رحم المواد الحافظة في الأغذية المعلبة...
كان لا بدّ من أن أنهض ؛ لأشاركهم هنا حيث أكتب حكاية " فوق الرف" – إفطار الصباح ، ألم أقل لكم : إن زوجتي تكره لغتي ؟! وأن "الفلافل" الساخنة عندها - إذ تدعوني إلى تناولها قبل أن تبرد -أهم من كل كتبي، وإذا بردت ، ينبغي أن أشعرها بحرارتها ، حتى لا تغضب ، فتشير إلى أن سخافاتي أي كتاباتي هي التي تفسد كل شيء ، بما في ذلك سخونة "فلافل" الصباح ، فدعوني الآن رحمة بي ، أن أتوقف ؛ لأتابع معكم الحكاية فيما بعد ، إن بقيت -لديّ -بقايا تنفس للإبداع ، بعد " سندويشات الفلافل"!!
* * *
ثمة رجلان يتأملان وجوهاً تمتلئ بالتلاشي ، وأصواتاً منتحرة كأسماك الشلالات الراكدة ، وكراسة كبيرة جداً، تدون فيها ملحوظات اجتماع مرهق بعبقريات التصويت ، والغرفة الكبيرة جداً تبدو أكبر من حجمها ، والطاولة البيضاء المستديرة الواسعة تزداد اتساعاً ، والأضواء تخفت كثيراً في العيون الناعسة إن لم تمت في العيون النائمة... يوشك الاجتماع المذبوح بسكاكين الروتين والخوف من البدع، أن يطوي نفسه في الكراسة بعد أن تحبّرت صفحاتها البيضاء بكتابات عريضة ، لا إبداع فيها بتاتاً...!!
همس فضلان عابثاً كعادته في إذن خيران:
- انظر إلى هذه الوجوه جيداً؟!
لفكرته ألف معنى ...كاد يتبع سؤاله ضحكته المجلجلة في الغرف الصغيرة المغلّقة كعادته ، لكنه حذفها ، خنقها ، وأدها، ذبحها بسكين مثلومة !! وكان على فضلان – كعادته الفكهة - أن يرد الصاع بصاعين، فتأمل في ثوانٍ ما قاله فضلان ، فأعاد رأسه إلى الوراء ، وأماله بدقة متناهية ، ظناً منه أن تلك الوجوه ربما تلتفت إليه ، فتتهمه بأنه يعبث في وقت طرح المواضيع المصيرية ؛ لذلك حافظ على توازن اقترابه من أذن فضلان، تاركاً لعينيه التأمل في الوجوه ، لتستر عري كلماته في إذن صديقه اليسرى، هذه الأذن التي عادة ما تهمس فيها عبقريات الجان العتيقة ، وهذا ما يفسر مؤلفاته الكثيرة في الشعر الجاهلي...!!
همس خيران ، كما تهمس جنية مؤدبة :
- كل هؤلاء لا يضاجعون ...!!!
أيّ مكان حينئذٍ ، سيتسع لضحكة فضلان ؟! وأيّ جنازير بإمكانها أن تلجم شفتيه ، لتمنع انفجار ضحكة ، تبيح دم الأشياء كلها، بما فيها مراسيم الافتتاح الرسمية جداً ؟!!
سحلت الكراسة الكبيرة جداً عن الطاولة المستديرة جداً ، تلاشت الوجوه في النظر إليها، عمت الفوضى معلنة تلقائياً عن نهاية الاجتماع ، قتلت الفوضى الهروب الكبير من الغرفة الواسعة جداً، بدت السماء الماطرة – بعد عشر سنين عجاف -أكثر ألقاً وألفة ، فغدا مكتب خيران( الغرفة الصغيرة جداً ) يضحك ، فتهتز جدرانه الأربعة أربعة أيام متصلة ، وربما سيقهقه أياماً أخرى !!
قلت لهما :
- حكايتكما هذه تصلح مادة لرواية جديدة، أبطالها وجوه لا تضاجع، تستعيد ذاكراتها !! سأسميها "فوق الرف " !!
يبدو أنني كتبت مقدمتها . ضحكنا .... وبدأت أكتب حكايتي في ظلال حكايتهما ؛ فأهديها إليهما من منظور رد الجميل إلى أهله!!
hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:46
حكاية كنعان وجحر الضّبع
قصة : حسين المناصرة
ثلاث دقائق لا أكثر... كأنها ثلاث سنين عجاف... خرجت بعدها فارعاً صدري المكبّل بكلّ القيود، موغلاً في صحرائي الممتدة... من هنا عشقتها... فكان الغبار أغنيتي الحزينة... تنفسته بعمق... شهيقاً... وزفيراً كجلمود صخر!!
ما أجلّك أيها الغبار المبجل وأعظمك!! يا سيد صحراء أجدادي يوم أن كانوا غزاة وشرفاء... أيتها الصحراء ، زمّليني ودثّريني واجعلي غبارك يتغلغل في مسامات جسدي الجاف المنقوع في أساطير جحور الضباع... كلّ الزوايا في جحورها موت... وامتداداتها مقابر... وانبلاج ظلماتها بقايا جيف !!
كأنها ثلاث سنين عجاف... وكأنّ كنعان العربيّ آنذاك يشبه يوسف الصديق في جبه؛ تحيط به انتهاكات التواريخ ، ومخالب الرّخ ، وخفافيش حكايات العراة، وبعض حكايات منامات طفولتي عن الغيلان، والغربان، وبوم حيّنا، وعمّارات القبور، وأكاذيب الأعراب ، وقراصنة الليل، وقاطعي طرق قوافل الحجاج يوم أن كانت القوافل في مهبّ الريح!!
ثلاث دقائق مشيتها في جحره على جمر الغضا، يوم أن كان هبل سيد القوم ، وكاشف أعراض النساء الكريمات ، وحارق ترانيم الرعاة، وهم يسترقون النظر إلى الذئاب في جحور الدّجى المدلهم ، وفي أذيالها ضباع تشتعل عيونها، تنتظر بقايا الوليمة... سرت حينئذ معها، بعد أن بالت على وجه أوهامي، وأضغاث أحلامي، وسكرتي بعد خمس وعشرين سنة ؛ فحدثت نفسي : " فلتجرب !!" .
جربتها ثلاث دقائق فقط ، لا أظنكم ترغبون في أن أقسم لكم بأن الوقت ثلاث دقائق فقط...كأنها دهر أو عصر جليدي... وكأنّ حكاية كنعان تشبه حكاية أيوب عليه السلام!! كيف تصبرتَ ذاك الزمان ؟!! وكيف شرَدتْ نباهاتك ، وما عدت تعرف من أنت ؟!! كيف ادلهمّت حماقاتك ، وامتسخت نفسك إلى الأماسيخ كلّها... وانقبضتْ روحك ثلاث دقائق... وكدتَ أن تودّعها... فتغدو بقايا حياة... كانت هنا في هذا الجسد الممدّد ، وغادرت أو كادت... ودموع حكايات أمك توحي بأن الحياة باقية ، وأن يونس- عليه السلام - لم يمت في جوف الحوت...!!
مشيئة الله وحدها أنقذتني من جحر الضبع... لم أتهوّر !!
كنت مغزولاً بآمالي ، ولم أصح إلا بعد أن شُجّت جبهتي بعُرض الحائط ... ماذا أريد من سيد الكراسي المبجلة ، وسادن اللوائح المنتنة ، ومُخمّر البقرطة المجهضة، ومعاقر كلّ ما شحمه ورم !!
هو كنعان العربي ، سيد الصحراء ، وأحفاده من جدهم إسماعيل، يوم أن حمَله أبوه من حِبْرَى، فزرعه في وادٍ غير ذي زرع ؛ فزمزم الماء ، وارتوى الرمل!!
لم يبتسم سيد الكراسي ، وقبل أن أنبس ببنت شفة ، تفتقت عبقرية " كراسيه المتضخمة " :
- اسمع ، ما تريد قوله سيدخل من هنا ( وأشار إلى أذنه اليسرى) ، وسيخرج من هنا (وأشار إلى أذنه اليمنى) !!
- عندي خمسة وعشرون سنة ،ولي ثلاث وثلاثون حكاية، ولم أكن مكدودا...
- الجمل الثلاث التي قلتها، لم أسمعها ، ولن تدخل إلى اعتباري ، لأنّي لم أعِها، ولن أعيَها... !!
انتفضت من مقعد متجمّر ،كأنّ انفجاراً هزّ قاع الأرض ، فطفتُ على سطحها...
وقبل أن أغادر، عامت نبرة من يصحو في جحر الضبع ، في لحظة أن أمسكتْ أنيابُ هذا الضبع بزمارة رقبته... أي ضبع حينئذ بإمكانه أن يتمالك أعصابه أمام سطوتك يا كنعان ، وأنت تدرك أن الحياة مجرّد كرامة، وبعض أنفٍ له أنَفَة، تعشق الغبار ؛ عندما تكنز الغربان تفاهات الثعالب ؟!!
كانت هناك حكاية ، وأيضاً كوابيس تترنح في المنامات ،وأخبار عن امتدادات مكانٍ يحتفي بأعقاب التواريخ ، ويدّعي أنه يمتطي قمة الهرم !! وكان كنعان غائباً عن الوعي ، يشمّ رائحة الضبع وجحره المنتن... وفجأة صرخت الحياة في جثته ، فهبّ كأنه عنقاء تغوّلت ، لها أنياب مخيفة ، فعضّت الضبع في مقتله... مات الضبع أو ربما غاب عن الوعي ...فأي ضبع جاهل أو غبيّ بإمكانه أن يفترسك يا كنعان؟!
صاح الديك قبيل فجرك... كانت حكاية جُحر الضّبع أكثر من خرافة... وربما أكثر من تفاهة موغلة في روائحها المنتنة... بدا فمك كأنّه امتلأ بالماء... فتوقّف حينئذ عن الكلام غير المباح!!
يومها قرّر أن يعتزل كتابة الحكاية؛فشيخ القبيلة قد تمادى في غيّه!!
hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:43
وجـــــــــــــــه حنظلـــــــــــة
بقلم : حسين المناصرة
لم يعد بوسع حنظلة الفلسطيني إلا أن يُظهر وجهه لعيوننا المبحلقة..كان وجهاً حزيناً... وجهاً طفولياً... باكياً... بدا مؤدّباً إلى درجة أكثر مما نتوقع... !!
كان يحمل لافتة... ظهرت فيها وجوه كثيرة مشوهة... بملامح باهتة!! وجوه صفراء... وعيون خبيثة... وجوه ضخمة... ووجوه أخرى أصغر حجماً ، وأقل بشاعة!!
لم يعد حنظلة الفلسطيني ينظر إلى المجهول... إنه يتمرّد الآن على مبدعه ناجي العلي ، ولافتته هذه تحمل لنا آلاف الأسئلة... كان السؤال الأكثر وضوحاً: ألهذه الدرجة من الانحطاط صارت أموركم ؟!
أسئلة كثيرة... يصعب أن نتأملها في قصة قصيرة : هذه الوجوه البائسة تقودكم... ألا تخجلون من أنفسكم... اللعنة... ماذا جرى لكم ؟!!
لم نكن نتبيّن بوضوح تلك الخلفية التي احتضنت الوجوه المشوهة... ربما كان وجه شارون هو تلك الخلفية... كأنه يبصق هذه الوجوه البائسة... وكانت لافتة ناجي العلي التي لم يرسمها في حياته... ترسم نفسها بعد مماته، ومن خلال حنظلة نفسه الذي أدار لنا ظهره زمناً طويلاً...!!
بزغ وجهه الذهبي علامة ساخرة... ويده تحمل لافتة كتب عليها : سلطة الشطرنج !!
ظهر وجه شارون القبيح مجسداً للوحة الشطرنج المخططة بالمذابح الفلسطينية، والوجوه المستنفذة المشوهة مجرد حجارة تدل على جنود بؤساء مجبرين على التمثيل... أما الملك والوزير والقلعة والحصان والفيل، فكانت وجوهاً لديّان وبيغن وبيرس والنتن وباراك وأولمرت...!!
ما أن نتأمل لوحة الشطرنج التي نلعب عليها وجوه بعض سياسيينا حتى نشعر بالكآبة... كيف وصل الأمر بهؤلاء إلى أن يضعوا فلسطين في خانة الهاوية ... تجرّها كلاب ضالة فاسدة لم تعد تؤمن بغير مصالحها... وأن الخيانة عندها صارت وجهة نظر !!!
لا أعرف ما السبب الذي جعل وجه حنظلة البريء يكتفي بعلامات استفهام تتناثر حول الوجوه الفلسطينية المشوهة... كنت أتصوره سيشبع تلك الوجوه بصاقاً... ثم يطوي اللافتة فيدوسها تحت قدميه... وبعد ذلك يشعل عود ثقاب... فيحرقها... ويذروها بحذائه وهي مشتعلة فوق مزبلة خربة... ثم ينفض يديه... ويبصق... وبعد ذلك كله... يزوي وجهه عنا... ويدير لنا ظهره !!
وما أن نحاول أن نثني حنظلة عن إدارة ظهره لنا حتى نعجز... نجده صخرة ضخمة تتمنّع على أيدينا التي لم تعد قادرة على أن تحمل قوتها... في هذه اللحظة بالذات نتوسل إليه أن يظهر وجهه لنحدثه... ونشكو إليه حالنا التي صارت في يد كلاب مسعورة في الفساد... وماذا بإمكاننا أن نفعل في أزمنة الفساد والفلتان والفوضى !!
ما أن تبدو علامات حُسن النيّة في محاربة الفساد، أو بوادر وحدة وطنية – وإن كانت شكلية - يسعى إليها الشرفاء... أو مقالات تهدف إلى فضح الكيان الصهيوني... حتى تبادر الآلة الصهيونية التدميرية فتقتل، وتدمر، وتتقصّد الشرفاء... وما زالت الوجوه العفنة تسرح وتمرح... وتتشدق باسم الوطن ومصلحة المواطن... هكذا تصبح الخيانة والعمالة وجهة نظر!!!
فعلاً... الذين استحوا ماتوا... أو بالأحرى استشهدوا في مثل وضعنا الفلسطيني!!
صارت حكاية"خمسة بلدي" حكاية الوجوه السياسية المتنفذة في سلطتنا... صارت الثورة التاريخية إمعة في أيدي هؤلاء الأكابر في الظاهر... والمشبعين بالسوس الناخر في فسادهم من الداخل... وصاروا مثل الهمّ على القلب... لا همّ لهم إلا خدمة الكيان الصهيوني... وهذا ما جعل وجه حنظلة يلعنهم... ويحرقهم... ويبصق في وجوههم !!
تصبح على خير يا حنظلة... وقد آن للراوي – بعد أن صاح الديك - أن ينام... وفي فمه ماااااااااء !!
hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:39
دعوني أعلمكم الكتابة !!!
بقلم : حسين المناصرة
أهديها إليك بدون مناسبة !!!
لماذا قفزتُ من جرف السياسة كحرذون صعقته صهدة الحرارة وجحيمها؟! كنت قد أعدمتُ قلمي الصاخب بلا رحمة ، كفّنته بكل الجنازير الحديدية غير المحرّمة ، وصليت عليه : متْ هنا في هاوية الجحيم أرحم لك من أن تتلوث بسياسات الفوضى الخلاقة!! ثمّ ها أنا أقفز من جحيمي الساكن في " انتظار جودو"، يولد من جحيم ساسة أو نجاسة أو نخّاسة بلا ضمائر ؟!!
أية ثورة هذه التي يقودها هؤلاء الأسياد المشتعلون بحمم مجازرنا... كأنكم ورثتم الأخلاق كلها عندما تكون مكبلة في أحافير مستنقعات بيع الكلام وادعاءات الشرف ؟!
يا ليتني قفزت من جرفي حيث أعدمت قلمي إلى أعماق البحر الميت، لأخنق لغتي بمياهه الكاتمة... مالحة كعلقم الخوف في غرف الجنون لكنها أحلى وأجمل... ربما كان هذا أفضل مئة مرة من أن أشك للحظة ما بأن تخويفهم في عقر دارهم سيجدي نفعاً!!
يا حادي العيس ، كيف صرتَ غراباً تنعق في بوم جسدي وفي لغة الأموات عندما نعد اليتامى والثكالى والمعوقين والشهداء والأسرى والسجون وأكوام الفساد وأعاصير الخيانة... هذا وطني يباع الآن بالمزاد... وسيد هناك بقبعة يسخر... وسيدة شقراء ترفع أمام عينية الثوب عن خاصرتها... وها هو سيدي المبجل يقودني من رقبتي وجهه بلا ملامح... لكنه يدّعي بأنه السيد المنتخب وصاحب شرعية صك بيعي بلا مقاومة... بلا ثمن... كأنني يوسف الصديق ، يخرجه القوم – حيث مروا من هنا - من الجب ، وبثمن بخس طرحوه بين يدي كل الزاهدين !!!
يا أيها المبجل أو السيد المصون... يا صانع الصكوك والمراسيم... يا باعث الخراب والدمار والتشظي... يا أيها الصندوق المحشو بكل النفايات لتعاقب وطني الذي احتضن النار المقدسة ، يا نخّاس دليلة ، تجرها بحبالك إلى شمشون شارب خمرة دماء أطفالها في قدس الأقداس، يا عابس الوجه ، يا صاحب الضحكة الصفراء... من أنت؟! كيف غدوت سيداً وصرنا حثالة؟!!من أي هزيمة جئت ، وفي أي الأوكار تربيت... كم كنت أحلم بالوطن بلا خفافيش... بلا جرذان ، ولا غربان ، ولا تتار... يا ابن العلقمي... يا أبا عبد الصغير... يا كرزاي الحاضر... من أنت ؟!
تدثرت بيأسي ، أعدت قراءاتي السابقة : البحث عن سعيد أبي النحس المتشائل... البحث عن وليد مسعود ...نشيد الحياة... باب الساحة... الحرافيش... حكاياتي... دواوين الشعراء... مطر ودرويش ونزار والقدس عروس عروبتكم... من أنت ؟! أأنت سيد الخرافات جئت لتستبيح الوطن ، والدم ، والتواريخ ، وتشعل الفتنة ولا تحاور... من أي عروبة مستباحة أفقت يا سيدي أم أنت من باكستان أو إيران ؟! بل من أي عار وأي خزي تبرّجت ، فصرت سيداً في أزمنة التصهين والتأمرك والتشرذم والشتيمة!!!
دعوني أعلمكم الكتابة ؟!هل تعرفون بأنني كنت واحداً منكم... مكثت ثلاثة شهور وهم يحققون معي عارياً... بصاقهم عفن...ماؤهم ملوث مشتعل الحرارة ومستغول البرودة... ضرب وخنق وعصي ولغة الشتائم... وثلاثة شهور أخرى في مستنقع الزنازين الآسنة... وثلاثة شهور ثالثة في غرف التدخين وأول أكسيد الكربون... وثلاثة شهور رابعة مكبلاً بإتمام سجن عام... زمن يمرّ كأنه روح وريحان... من أنا لا شيء يذكر في جحيم سجونكم... كأنني كنت في جنة... وكان سجاني هو المسجون...!!كأنكم قصيدتي عندما كنت شاعركم... وها هو سيدنا المبجل بالخرافات يبيعنا في سوق النخاسة في أوهام أوسلو بأي ثمن!!
يا سيداً أوغلت في اغتيال رياحيننا، وهي تنبت في جفاف وطننا المقدس ، تغتسل بعشقه وبنداه الذي لا نراه ، هل وصفت مقاومتنا بالحقارة ، وبنادقنا بالمجرمة ، وشهداءنا بالقتلى، وأسرانا بكلمات كاذبة ، وسجننا وطناً ، وقدسنا ليست لنا؟!
كيف تجرؤ – يا سيد حكايتنا المغتصبة- أن تسقط خيار مقاومتنا بلا وطن ؟! من أنت ؟!من أبوك وجدك ؟ وما ملتك ؟!ومن تكون؟! أأنت سيد أم عبد مأمور؟! أحقيقة أنت أم أكذوبة وخيانة؟!!
عذراً... دعوني أتعلم منكم كيف تكون الكتابة ؟!!
hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:36
وجـــــــــوه ...
قصة : حسين المناصرة
كيف تهاوت بقايا الريح في قعر الفراغ ؟وشاهدت وجوهاً تتصارخ يومياً بكل الفناء؟!!
هذا وجه، يعلن حالة الأمن الكبير فوق بساط موشّى بالورود!!
وهذا وجه ، يقرر الرفاه والنعمة والأوراق الخضراء في الخريف !!
وهذا وجه، يعلن أن المرحلة هي عنق الزجاجة ، وأن الأخطاء فردية !!
وهذا وجه عاشر، يعلن هزيمة " نتن ياهو" في لغة الكلام !!
وهذا وجه ،يعلن أن الكبير هو كبير القلب ، وهو الأعمى!!
وهذا الوجه الثالث والعشرون، يجدل السوط من حديد مستورد، ويقرر أنه "للعملاء" ويضحك !
وهذا الوجه، يتمنطق بسجادة الصلاة، وخلف الستارة يغازل "أرامل الشهداء"!!
وهذا الوجه القريب ، يتكلم ثلاث لغات، ويعلن أن للوطن لغة وحيدة هي كيف يبني من الرشاوي جسراً إلى المدى !!
وهذا الوجه الخامس والستون، يقبض ثلاثة أو أربعة رواتب من جهات تمتهن السرية !!
وهذا الوجه ،يغني بشعارات مسحوبة من دعايات"بيبسي كولا"!!
وهذا الوجه الخامس بعد المئة، يتغنى بتاريخه العريق في كذا وكذا.. ويخفي العلاقة بالسماسرة وبنات الليل!!
وهذا الوجه، يقول بمسكنة مستلة من أثواب النساك : علينا أن نصبر في هذه المرحلة!!
وهذا الوجه الرابع والثمانون بعد الألف، ينشغل بلملمة الضرائب وتسجيل نصفها في المستندات !!
وهذا الوجه العاشر بعد عشرة الآلاف ، يمسح الدماء عن وجه الشهيد، ويتصارخ بكل كلمات الانتهازيين والسفلة !!
وهذا الوجه برقم تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين، يعلن أنه الأول بعد العشرة في تاريخ تأسيس بارات الليل لخدمة السياحة !!
وهذا الوجه المشحر التاسع والخمسون بعد العشرة آلاف، يعلن أن الضوء ينير في نهاية النفق المظلم !!
وهذا الوجه، لم يعرف إلى الآن أنه عاد إلى أرض الوطن من شدة المفاجأة التي يرددها دوماً، بالرغم أنه أصبح يملك عمارة ضخمة وعشرين رخصة، وثلاثة أكشاك، وثمانية أولاد من امرأتين، وآلاف الدولارات، وأربع عشيقات من بنات الشهداء!!
وهذا الوجه المستوزر، يكيل قصائد المدائح في كل المناسبات الرسمية !!
وهذا الوجه الغريب، لا يعرف كيف يصرِّف أموره؛ لأنه مازال يشتغل حارس السجن القديم... والسجناء لا يجلبون غير الغم والهم، لكنه يسرق بعض أمتعتهم !!
وهذا الوجه الحادي عشر بعد الأربعين ألفاً، هو المسئول الأول عن قتل ثلاثة تحت التعذيب، وحوكم صورياً، وخرج من الباب الآخر باسم آخر !!
وهذا الوجه الذي يتصارخ في المظاهرة العامة، يشرب الخمر، فينام يومين في الأسبوع بعد كل سكرة على " الكيف" كما يسميها!!
وهذا الوجه الخامس والخمسون بعد الخمسة والأربعين ألفاً، يقرر أن الوطن بلا هوية؛ لأن الناس البسطاء بلا هوية ، وأنه سيصبّهم في الهويات غير المعترف بها على الحدود !!
وهذا الوجه ... الوجه ... الوجه ... الوجه ...!!
وهذا الوجه التاسع والتسعون بعد التسعمائة والتسعة والتسعين ألفاً، هو صاحب كل النساء الدائرات في الحواري، يقرأن الفناجيل لخلق الله التعساء مدعيات أنهن يكشفن حسن الطالع في المستقبل، وأن الهموم لا بد أن تزول، ويقبضن أجورهن!!
وهذا الوجه الأخير ورقمه خمسون ألفاً هو السيد الآن، يرتج... يقترب من حافة الهاوية... يملك الدولارات كلها... وعندما يموت ترث ابنة امرأته الوحيدة بقايا الريح... حينها ستسقط هذه الوجوه في الفراغ !!وينمو وجه واحد للقبح هو" نتن... يا... هو... "!! ثم لا بدّ من أن يولد وجهنا الحقيقي... يحمل السلاح ، فيولد الوطن!!
hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:18
الحكاية التي نسيتها
قصة : حسين المناصرة
الرواية الثالثة
1/1 جدارية: من مذكرات حفيد في القرن الحادي والعشرين .
في زمن "اللامبالاة" الهارب من بين فكي الصمت، يصبح المجانين عرّافين أزمنة الموت... ويمكن أن نصفهم، إن قررنا أن نكون مجانين مثلهم،أحياناً، بالعقلاء غير المهذبين...
لن أقصّ عليكم، يا سادة يا كرام ، الحكاية العجيبة الغريبة غير المثيرة التي حفظتها عن ظهر قلب في عقلي الباطني المغترب ، وأنا أمشي في شارع عام في مدينة النحاس ، أو هكذا توهمت... نسيتها بعد ذلك لثلاثة أيام رملية متتالية حزينة. حاولت جاهداً أن أتذكر تلك الحكاية الضائعة في تلافيف دماغي المنهك... أن أتذكر عنوانها ، فكرتها الصارخة المعذبة... لم أفلح. كأنني فقدت ذاكرتي المتآلفة مع خوفي...
ربما حاولت ، في وقت التذكر الضائع ،أن أكتب أية حكاية أخرى سخيفة تدور في اللاوعي عن قصتي الضائعة ..لكنني لم أفلح . قلت لنفسي: ليس المهم أن أتذكر الحكاية بعينها، لأن الأهم هو أن أواصل مغامرة الكتابة بأية صياغة عبثية، لأثبت إمكانية حياتي ، وأشكك في موتي، خاصة أن لغتي الإبداعية ، أو هكذا أرغب في أن أسميها،أجدبت في الأيام الأخيرة بالقصص المفرحة ، أو المتشائمة... لا لشيء معين، وإنما لكثرة الأفكار تهاجمني ليل نهار، صباح مساء، بين بين ، قبل بعد... تحثني على الكتابة ، فأجدها بطريقة أو بأخرى كتابة غبية سخيفة لا تستحق أن يقرأها قارئ... فأعجز عن الكتابة المهمة..أو أعجز عن التفاعل مع الكتابة التي أريدها أن تكون ناراً موقدة؛ تشعل أوراقي الأبكار، تهزم خوفي ، تحثني على التمرد...
مؤخراً، بدأت أرى "اللاجدوى" تسكن الأشياء التي تحيط بي... لم أعد أغضب من أي شيء قدر غضبي على القلم المرتعب من الرقابة، يقبع بين أصابعي لأكتب قصيدة نثرية ، أو حكاية شعبية ، أو خبراً عن موت القبيلة ، أو دراما حرب أهلية، أو سيناريو معركة تآمرية... فيقبض على أحاسيسي مقصُّ الرقيب... فأصمت!!
ما جدوى أن أكتب لكم سخافاتي في أزمنة الاستهلاك؟! لا جدوى!! أقول لنفسي في حوار غير هادئ: فخّار يكسّر بعضه... أغيب في متاهات الضياع والتلاشي بلا خوف أو فلسفة!!
حسناً... حسناً... يبدو أنني أشغلكم بسخافاتي المتآكلة، وربما ، عذراً ، بسخافاتكم، لأني واحد منكم ، أحاور جنوني الغبي..ربما كنت يائساً من أشياء كثيرة... لكنني لست ميتاً... أنا أؤمن بكم... وأحبكم... ولهذا سأقول لكم بعض أخباري :
2/1 وصية : من مذكرات الحفيد .
أوصاني جدي، الذي ضيع أبي ، رحمهما الله ، أن أشنق نفسي بالحبل المجدول من شعر نسائه،علقه في أحد أعمدة سطح سقيفة نائية، لكني لم أهتم بما قال .
قال : إذا خسرت أهلك ، فتعلق بنسائك ، وإن خسرت نساءك،فتعلق بأصدقائك، وإن خسرت أصدقاءك ، فتعلق بأموالك التي ستشتري لك ما تريد ، وإذا لم تستطع أن تحافظ على مالك، فعليك أن تشنق نفسك بالحبل الذي أعددته لك في السقيفة!!
بعد زمن مديد... خسرت الأشياء التي ذكرها ، ذهبت إلى السقيفة النائية ، في ليلة حالكة السواد، أشعلت نور المصباح العتيق ، رأيت الحبل البارد ينتظر عنقي اليابس ، لحظات ويكون السكون نهاية معاناتي الطويلة من عذابات الحدود والقيود، انفجارات العداء والاستهلاك، تهريب خاماتي وأيقوناتي ، التنافس على استعبادي بين شرق مريض، وغرب بغيض... عليّ أن أضع الكرسي تحت الحبل الرطب، أصعد إلى فوقها، أضع رأسي في دائرته الذابلة، أنثر الكرسي تحت رجلي، يندق عنقي... أعرق... أبكي... أغيب عن الوعي... يحمل الحبل جثتي،أغطس في جحيم المنتحرين... يقطفون الحبل، فيصطدم رأسي بالجدران...
سأعدّ إلى العشرة ؛ لأبدأ طقوس الموت... لا أريد التأمل كثيراً في موتي حتى لا أجبن ، فأعود إلى سخافاتي الحمقاء...
أصعد على الكرسي... أضع رأسي في الحبل... أبعثر الكرسي... ها أنا أعدمت نفسي...
العمود الذي ربط به جدي الحبل غدا عموداً هشاً... عيدان السقف تسقط فوق رأسي ، أكاد اختنق بغبار الزمن المتهالك... أوراق تتناثر فوق رأسي... مكتوبة بحبر متعدد... إنه خطّ جدي الجميل الذي أذكره جيداً... جيداً... أنزع الحبل من رقبتي... وأبدأ في قراءة بعضها على سبيل الفضول اليائس.
3/1 ورقة : من أوراق جدي الذي عاش قبل خمسين عاماً
انزع الحبل من رقبتك... كنت أعرف أنك ستأتي يوماً ما إلى هنا؛ لتنتحر بعد أن تضيق بك السبل.
نعم، حسبت حسابي لهذا اليوم من أجلك ، كتبت طيلة الثمانية عشر عاماً التي عشتها معك، بعد موت أبيك في أيديهم، آلاف الرسائل، ربما تحتاج إلى عشرين سنة فوق عمرك حتى تقرأها ، لكن لا بأس... اقرأ ما تستطيع أن تقرأ منها ، خذ الدينار الذي أرفقته بكل ورقة ، كل واشرب ، وتصدق بما تبقى، البس جديداً ولا تعش سعيدا... لا تدخن ، لا تشرب خمراً، لا تنم مع مومس ، لا تحضر سينما، لا تكثر من شرب القهوة... فأنا لم أكن مرفهاً حتى أحسب حسابك في هذه الكماليات. لم تكن جزءاً من حياتي، وحياة أجدادي الفقراء..أتفهم؟! أنت فقير، عليك أن تفهم معنى التقشف ، وإن لمت أحداً فالملوم أبوك الذي تركك قبل أن تولد!!
4/1 ورقة أخرى
كنت أعتقد أنك أحد الحمقى في زمنك ، ليس لأنك غبي ، بل لأنّ قلبك أبيض...
في زمنكم المتكالب على الضغائن والشللية وصيد النساء والصفقات ، ليس لقلبك الأبيض سوى الحمق... فإذا أردت أن تكون أحد فرسان زمنك فكن من ذوي القلوب السوداء : نافق ، تأنن (كن أنانياً) ، حينها سيقولون عنك : "رجل يملأ هدومه" ... فتصير واحداً من أسيادهم !!
5/1 وصية أخرى
عليك، يا بني قصدي يا حفيدي ،حتى تفهم نفسك والحياة ألا تحمل السلّم بالعرض، اجعل هذه حكمتك في زمن الأوباش!!
ومعنى أن تحمل السلم بالعرض: الغباء ،لأنه يصعب عليك أن تمشي بين الناس بهذه الطريقة... يجب أن تحمل السلم بالطول... أن تسايس المارة بلباقة ومهارة لتمرّ بأمان... سيحمدون سيرتك ، لأنك عرفت كيف توازن حياتك مع المشي على جانب الحيط الحيط، وتقول: يا رب ، استرها معنا.ومن الأحسن أن تضع رأسك بين الرءوس ، وتقول يا قطّاع الرووس اقطع راسي... حكم جليلة وبليلة، خذ بها، يا بني ، نفسك، لتعش مرتاحاً من همك... وإلا فإنك ستنتحر في بحر مالح ، ولن تجد من ينقذك ، أنا ،يا حفيدي العزيز، والحق يقال ، لم أعلمك ، الرماية ، والسباحة، وركوب الخيل... خفت أن يشتد ساعدك فترميني كعظمة في طريق الكلاب المسعورة... كن ذكياً... واسلم لجدك الساكن تحت التراب ، وعش منعّماً بالغباء واللامبالاة.
6/1 رؤيا
في آخر زمنكم يخرج لكم الصُّفر المدججون بالحديد، ينهبون أرضكم ونفطكم، بمساعدة أتباع شمشون... وستكونون من غير دليلة...
يسومونكم سوء العذاب ،لتعيشوا على أعتابهم صاغرين ، يأخذون خيراتكم،وأنتم ستقبلون الأيادي والرءوس،وتهمسون بالصمت وضرورة الخوف..يبركون فوق أرضكم، ينتهكون جسدكم... وأنتم تتغابون ولا تشعرون، ضيعتم حكمة الحياة: "الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"... عجيب أمركم في آخر زمانكم؛ تصبحون فلاسفة ومحللين،ولا تفعلون غير ذلّ المهانة،وغوغائية الشجب والاستنكار... عجبي من بلاهاتكم!!
الرواية الثانية
1 / 2 الجدارية الأولى لا
في زمن اللامبالاة يغدو المجانين عرافين... نصفهم أحياناً بالعقلاء...
لن أقص عليكم الحكاية العجيبة الغريبة التي حفظتها عن ظهر قلب في عقلي الباطني المغترب ، وأنا أمشي في شارع عام في مدينة النحاس... نسيتها بعد ذلك لثلاثة أيام رملية متتالية ، حاولت جاهداً أن أتذكرها في تلافيف دماغي ، أية فكرة من أفكارها الصارخة... لكنني لم أفلح . كأنني فقدت ذاكرتي...
حاولت أن أكتب حكاية أخرى سخيفة تدور في اللاوعي عن قصتي الضائعة ، لم أفلح . قلت لنفسي : المهم أن أواصل مغامرة الكتابة، خاصة أن لغتي الإبداعية أجدبت في الأيام الأخيرة؛ لكثرة الأفكار التي تهاجمني ، وتحثني على الكتابة..فأعجز . لم أعد أغضب من القلم،يقبع بين أصابعي لأكتب...
ما جدوى أن أكتب ؟ ما جدوى أن أغيب في متاهات الضياع والتلاشي..؟!!
يبدو أنني أشغلكم بسخافاتي المتآكلة،وجنوني الغبي... ربما يئست من أشياء كثيرة... لكنني لست ميتاً... أؤمن بكم... أحبكم... سأقول لكم بعض أخباري :
2 /2 الجدارية الثانية
لما أوصاني أبي ، رحمه الله ، أن أشنق نفسي في الحبل الذي علقه في أحد أعمدة سطح سقيفة نائية ، إذا خسرت أهلي ، وأصدقائي ، وأموالي... توجهت في ليلة حالكة السواد ، إلى تلك السقيفة .أشعلت نور المصباح ، رأيت الحبل البارد ينتظر عنقي الجاف ، لحظات ويكون السكون نهاية معاناتي الطويلة...
سأعد للعشرة ، لأبدأ طقوس الموت... لا أريد التأمل كثيراً في موتي حتى لا أجبن...
العمود هش... أعمدة السقف تسقط فوق رأسي ، أختنق بغبار الزمن... الأوراق تتناثر... أوراق مكتوبة بحبر متعدد... خط أبي الجميل... أنزع الحبل من رقبتي...
3 /2 الورقة الأولى :
كل واشرب !!
4/ 2 الرسالة الثانية :
أعتقد أنك من الحمقى !!
5 / 2 الوصية الثالثة :
لا تحمل السلم بالعرض...!!
6 /2 خرّافية :
تعيشون صاغرين... عجيب من أمركم في آخر الزمان، تصبحون فلاسفة ومحللين...
7 /2 توقف :
عليك أن تحذف كلاماً
الرواية الأولى
حسناً... حسناً...
لن أقص عليكم الحكاية التي حفظتها عن ظهر قلب... كأنني فقدت ذاكرتي...
لم أعد أغضب من أي شيء قدر غضبي على القلم ،يقبع بين أصابعي لأكتب...
ما جدوى أن أكتب ؟ لا جدوى... لا جدوى !!
يبدو أنني أشغلكم بسخافاتي المتآكلة،وجنوني الغبي...
كتبت رواية... مزقتها... ورميتها في الزبالة...
تجمّع لدي مخطوطتان من قصائد النثر... وكانت هذه القصائد تطربنا في سجون بلادي... حمدت الله كثيراً عندما صادروا الديوانين...
انتدبت يوماً ما لتحكيم مسابقة "فن الخطابة "... لن تصدقوا إذا قلت لكم :كان عدد المتسابقين سبعة آلاف .. وعدد المستمعين يقل عن العشرين...
أحمد الله كثيراً على حرصي المتين بتأكيد علاقة الأخوة والتفاهم مع الرقابة ، إذ قصتي الحقيقية الفاعلة ، بعد أن أقنعوني ، هي هذه الرواية!!
hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:13
الــدجــاجـــــــــــــــــــــــة
قصة : بقلم حسين المناصرة
الدجاجة لم تعد تبيض بيضاً مسلوقاً... ولم تعد تبيض كل شهر بيضة ذهبية في جيب طفل... ولم تعد صالحة بصفتها لاحمة بين فكي سيد البيت... ولم تعد تعجب الديك الذي يكبس كل الدجاجات عداها... ولم تعد تقاقي مقاقاة الغزل... ولم تعد قادرة على أن تحضن البيض ، فيفقس بعد واحد وعشرين يوماً... ولم تعد"تتفعفل" في التراب ،فتستر عري البذور انتظاراً لموسم هطول المطر... ولم تعد صالحة للعب مع الأطفال، فتغسل شيئاً من نزقهم وعصبيتهم التي لا تطاق عند الأمهات... ولم تعد تناجي دجاجة أخرى ، فتشكو لها همومها ، وتسمع منها همومها ، وتخفف عنها بؤسها بتعاطي بؤسها... ولم تعد تتعمد أن تتحرش بالديك الذي ينقرها في رقبتها، فتستسلم لجبروته ، مستعرضاً عضلاته أمام الأخريات... ولم تعد تهجم مع بقية الدجاج على "العلف" الذي تعلفه "ربابة ربة البيت "، وهي تتنغم بصوت طروب : تيعا تيعا تيعا... ولم تعد تقفز إلى خمها المرتفع في جدار السقيفة ، بعيدا عن تحرشات القطط ، وبقايا المطر... ولم تعد تتشبه بصوت الديكة، فتحاول التماثل مع صوتها، ولعبتها هذه مكشوفة، إذ مهما حاولت فهي دجاجة ، وهو الديك ، لذلك ينزعج من صوتها فينقرها نقراً فيه القسوة وشيء من الدلال، بل قد يغازل دجاجة أخرى ليفجر غيرتها التي يصعب تفجيرها،والدجاج ربما لا يغار... ولم تعد تتحرش بمذود الحمارة باحثة عن بقايا الحب المتناثرة هنا أو هناك ، وساعية أحياناً إلى القفز داخل المذود مما يثير الحمارة ، فتنهق عدة نهقات " هاق هاق هاق "... ولم تعد تصعد إلى كومة التبن، تتفعفل بها ، فتمثل ولادة بيضة تبيضها ، وتشعر أنها تنساب إلى الجوار،تزغرد " قيق قيق قيق" ، فتتوهم أن بيضة جارتها الفتية هي بيضتها... ولم تعد تصفق جناحيها محاولة الطيران عندما ترى عصفوراً بجانبها يسرق الحب ، فتهجم عليه،فيطير،فتتخيل نفسها دجاجة برية ، تطمح أن تعلو، أن تتحرر من " الدجاج الداجن"... ولم تعد تمارس الركض فاردة جناحيها، تمثل أنها تسخن للطيران... ولم تعد قادرة على النوم واقفة على رجل واحدة ، غامرة رأسها تحت إبطها... ولم تعد تغسل نفسها في سطل الماء، فتنفش ريشها ، وتنقر جلدها بمنقارها،شاعرة بنشوة الماء تتسلل إلى منخريها... كانت دجاجة متيبسة في التفكير العميق الذي أخذها إلى جهة الموت بعد عشرة أيام من الحمى!!
حملتها " ربابة ربة البيت "، وطوحت بها بعيداً؛ لترتطم بين الحجارة... حينها كأنها لفظت أنفاسها الأخيرة !!
hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:09
الإيغال في الزمن الموحش
قصة : حسين المناصرة
تكتكت بحذر أعقاب الأحذية المستوردة فوق بقايا الحجارة المرصوفة على الطين الأحمر في الشتاء الحزين... ها هم يقرعون النافذة المغلقة بلا إحكام... ثلاثة يقفون بأسلحتهم على الباب الخشبي المنهك بالندى ورذاذ المطر... هل يفتح النافذة أم الباب ؟ سؤال حير الجندي الغريب المنتمي إلى عالم الديسكو وقصّات المارينز...
الوشاية تقول:إنه ينام هنا ، والقارعون لصمته يقرعون النافذة المجاورة للباب، يفتحها كشق التمرة، يتأكد من الطارقين... يخرج من النافذة الخلفية المتدلية من سطح السقيفة النائمة على بقايا الأطلال المنحدرة منذ خمسين عاماً، هي هذا الزمن الموحش الذي يجعل الناس يفرون بجلودهم خوف الفناء...
بقايا موقد... بقايا عتبات... بقايا زير تعفن... بقايا حجارة ممتلئة بذكريات الصبا وخرابيش الدجاج لأطفال لم يتقنوا رسم الحروف...
ستة عشر جندياً يقفون على الزوايا مصوبين البنادق إلى النافذتين الجداريتين والباب الوحيد... هنا سيموت إذا بدرت منه أية علامة من علامات المقاومة والتمرد..ثلاث سنوات يخططون لهذه اللحظة... كان بارعاً في اصطيادهم عندما ينفردون... هاهم عشرون أو ثلاثون وربما خمسون جاءوا ليصطادوا واحداً...
ربما تجدون معه بعض العشاق... أو امرأته المنسلة إليه في العتمة... أو طفلاً من أطفاله الخمسة... أو أمه المحدودبة حملوها إليه على حمار أنيس... ربما تجدون بحوزته قنبلة يدوية من أسلحتكم المبيعة بالسوق السوداء، وبندقية قديمة ألمانية ، وخنجراً يمنياً ، وكوفية زرقاء مطرزة بألوان الوطن!!
ربما لا تجدونه عندما تكسرون الباب والنافذتين ، كيف عرف أنكم أنتم ؟! فتح مسامات الجدران، نظر من خلالها إلى أشباحكم اللعينة، وعرف أنكم أنتم المرتعبون!! حينها لن يتفاجأ...
لماذا لم يفجّر نفسه بالسقيفة وبكم ؟! ربما تجدون ما هو أكثر رعباً مما أنتم فيه.. قد تجدونه فوق رءوسكم من كل الجهات، يفجّر بكم القنابل ومعه عشرة رجال... كان عليكم أن تحتاطوا لمثل هذا الأمر ، وتتوقعوا أن تكون تحت السقيفة أنفاق تطيح به إلى البعيد، فيعود إليكم محاصِراً ..
أقترح عليكم أن تفجروا المكان كله... وننهي الحكاية!!
لكن هذا الضابط يريد أن يتلاعب به حياً ؛ يخلع أظافره ، رموشه، عينيه، أذنيه، لسانه... وحينها يروي غليله ؛ فيقتله خنقاً!!
كسروا الباب والنافذتين ، حفروا أرضية السقيفة .. نظروا في كل الجهات والمدى.. غير معقول ألا يكون هنا...!!
هاجس روحاني قال له قبيل تلك اللحظة : قم الآن ، اصعد إلى السطح ، راقب الفضاء... كان يشعر بهم قادمين إليه...
انتظرهم حتى شربوا اليأس... رمى إليهم أربع قنابل في كل الجهات، معركة قامت لنصف دقيقة... ماتت منهم وجوه عابسة... وجهه الوحيد الذي يبتسم في حالة الشهادة... وهم يوغلون في الزمن الموحش فطائس لغرباء منتنين؛ جاءوا من بارات الليل؛ ليموتوا هنا بلا ثمن!!
hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:05
زجاجات عطر الموتى
قصة: حسين المناصرة
زحف على الشارع حتى تمزقت ثيابه البالية... لعبة جديدة قرر أن يمارسها منذ اللحظة التي أصبح فيها أضحوكة يتسلى بها الآخرون،إنهم لم يعودوا يجدون فرصة لهزلهم بعيداً عن جثته التي تنزاح بطريقة مضحكة في تكنيسها للشارع، تشق مسرباً تعوّد الناس أن يروه في طرق الحمير على الأماكن الوعرة...
هكذا وجد نفسه قبل عامين مرمياً على قارعة الطريق بعيداً عن المدينة المتناهية في الفراغ ومجموعة كبيرة من الأصفار... كأنّ حاله غير طبيعية عندما أفاق من قيلولة، أو إغماءة ، أو تخدير ، أو ضربة عنيفة على رأسه... نظر حوله كانت الحماطات عارية من أوراقها... تنفخ المغر أجوافها المخيفة... السكون التام يفكك أجزاء الخلاء إلى أشلاء الرعب...
مد بصره يتفحص انحدار المسافات... التصقت بصدره كماشات الوهن... كأنه لم يعد يعرف ما الحالة التي وصل إليها ، متعباً ، منهكاً... يتقيأ أمعاءه كلها .
انعجنت ثيابه بالعرق الحار،رغم برودة الهواء... ربما بكى بما يكفي لنزف عروقه الحمراء من مسارب الدمع المتدفق على الصدر الخافق كمروحة كهربائية عتيقة..الحالة ميئوس منها...
حالته أم حالة الرجل الذي جاء يساعده قبل أن يحدث له ما حدث!!ضرب جبينه بيده المرتعشة... أين ذلك الرجل؟! أين تلك الفتاة الجميلة؟!أمنية العاشق؟!ربما كانت حبيبته الهاربة... تدافعوا وراءها... هجموا على جسدها الضئيل... كانت أمها بائسة لم تستطع الهرب!!ما الذي يحدث له؟! ضرب جبينه بيده المرتعشة!! فرك عينيه!! حلّق في المسافات بحثاً عن بقايا البشر الهاجمين على المخلوق الضئيل!!
الفراغ يقرع طبول الصمت في آنية الريح وبقايا الروائح المنبعثة من ثنايا الأشياء الرطبة... حاول أن يرتفع على قدميه..عجز عن تحريك اليسرى... التفت إلى بقايا ثيابه المدعوكة بالتراب!! ذاكرته وحيدة تتحرك في الاتجاهات كلها !!
كان صغيراً ، تلهى كثيراً بزجاجات عطر الموتى... الناس يتجمعون من كل الأرجاء ، يتناثرون كحبات الرمل ، يجلسون في كل النواحي ، ينتظرون نهاية تجهيز الجنازة... وهو ينتظر متى يفرغون من سكب الزجاجات على الميت ، يلقونها على الأرض ، يندس باحثاً عنها بعد أن يرحلوا... هواية غريبة كانت تسكنه !!هناك في البيت القديم لا تتسرب نملة من بين أقدام الرجال الذين أحاطوا بالميت يغسلونه... تتدافع الأرجل خارجة بوهج الجنازة المحلاة بالرياحين والروائح الزكية"إنا لله وإنا إليه راجعون"...
كنملة خائفة ينظر إلى الوجوه التي ترفع الجنازة على الأكتف، يشفق على زجاجات عطر الموتى من الأرجل الثقيلة ..فتح أحدهم زجاجة عطر صغيرة... رشّها على الكفن... ألقاها على الأرض تحت رحمة الأرجل المشدودة خوفاً من تمايل النعش أو سقوطه... جازف بنفسه... غاص إليها... أمسكها... دحرته الأرجل هنا وهناك... خرج بالزجاجة من غير غطاء !! رائحتها زكية... رغم أحزان الموتى التي تفوح منها...
يحملونهم إلى هناك... إلى المكان البعيد... لا يعودون إلى هنا بتاتاً..يصعدون إلى السماء... السماء غائمة... والسكون خناجر في الروح الساكنة في قيود الجسد!! ماذا بإمكانه أن يفعل غير أن ينظر إلى بقايا الناس تنزاح خلف الجنازة... أو تنزاح هاجمة على المخلوق الضئيل...
كان صغيراً لا يذكر أشياء كثيرة ، ربما هذه الذكرى الحية في حياته الأولى... ما زالت تلاحقه بعد أن أوغل في السنين... كيف يقص حكايته هذه... تخيل له ابناً صغيراً في سن السادسة ، تدافع نحوه ، احتضنه ، تراجع... لا يستطيع أن يخبره تلك الحكاية القديمة... بل تلك الحكايات...!!كان صغيراً لا يذكر أشياء كثيرة... الوالد المريض . الخروف المريض... انشطار رأسه عندما وقع عن السطح... النساء ومشكلاتهن الكثيرة... حزيران البائس !! أفكار متناثرة تجعله غير عابئ بالأشياء من حوله...
هل بكى !!لقد ملّ اللعب بزجاجات عطر الموتى... عاد الرجال... شعر أنه يوغل في الصحراء بعيداً بعيداً حتى التلاشي !! يبحث عن الميت في كل الأشياء من حوله... ربما ينام في ذلك الركن... سأل أمه بعد يومين إن كان سيعود أبوه... بكت أمه... احتضنته لأول مرة!! لماذا لا يذكر الآن، وهو جثة في العراء، غير زجاجات عطر الموتى!! ربما يشفق على نفسه كثيراً !! وربما أيضاّ تمنى لو كان ما يحدث له كابوساً في سرير نومه لا حقيقة !!
| « | آذار 2009 | » | ||||
|---|---|---|---|---|---|---|
| اث | ثل | ار | خم | جم | سب | اح |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 | 31 | |||||