مدونة د.المناصرة للإبداع الأدبي

مدونة أدبية... إبداعية... نقدية... ثقافية... 

 

فوق الرف

hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:53

                          فوق الرف

                   قصة : حسين المناصرة

إلى الصديقين: فضلان وخيران ...

   مع مودتي !!

ثمة رجلان ساخران جداً ، يجلسان في غرفة واسعة جداً، فيها طاولة  مساحتها  مستديرة جداً ، تكتظ بوجوه ذكورية كثيرة جداً، ولا أنثى -على أية حال- في هذه الغرفة ؛ حتى نساء الجن – ولله الحمد على هذه النعمة الجمّة  -  غادرنها منذ زمن بعيد إلى غير رجعة  ، ولن يفكرن يوماً – فيما أظن ، والله أعلم - أن يصطدن  فارساً لأحلامهن  الوردية من بين هذه الوجوه التي انعجنت بخميرة غيابها،  وملح بقايا حياة في ملامحها،  التي ولّت  هي الأخرى  إلى غير رجعة ؛ لكن... وللاستدراك هنا – كما عودنا البلاغيون  في قراءة الشعر الجاهلي - حسابات كثيرة في  عجائب الأزمان!!

لكن العقول – فيما يبدو – كانت ضاجة بخيالاتها، بذكرياتها أيام الفحولة ، يوم كان السيف يصول، ويجول ، ويقول: هل من مزيد ؟! ذاكرات مشبعة بالذكريات، بصور نساء شابات وهنّ  عاريات يعانقن شباباً بل فحولاً ؛  جاءوا من عمق الصحراء إلى ضباب لندن ، أو متنزهات باريس ، أو أبراج نيويورك، أو شوارع القاهرة في أيام الخديوي توفيق ، أو الخرطوم وسمرتها  اللامعة مطبوعة على خدود نسائها الجميلات !!

كانوا فحولاً ، وكنّ بلا فحول ؛ على الأقل فيما نتصور دوماً : أننا أهل الفحولة، وإن تواضعنا ، فنحن نبعُها الذي امتدّ في شرايين هذا الكون ، ودليلنا أننا خير أمة أخرجت للناس...!!

كانت الغرفة  تصدر أصواتها من  جوف الرئيس ، أو مساعده ، أو صاحب اقتراح ، أو معلق على اقتراح ، أو من  فوهة متفلسف؛ لا يترك شيئاً يمرّ دون أن  يهمز، ويلمز، ويتتافه جداً ، فيذهب كلامه أدراج الرياح...  هكذا دوماً أحمد ربي على  نعمة كبرى أنعمها عليّ ، وهي أنني لم أكن يوماً  من الأيام خلال خمسة وعشرين عاماً أجاور تلك الغرفة  ، من بين أعضائها ، طبعاً بحكم القانون  القراقوشي، لا باختياري ، وما أكتبه لكم هنا هو  خلاصة حكاية  الرجلين الساخرين اللذين يجلسان  في زاوية  الغرفة حول الطاولة المستديرة ، يرقبان ، ويستمعان ، ويتأملان ؛ ليرفدا سخرياتهما، وتخابثهما بوقودها  الذي  يحيي الحياة  وهي رميم، ويخرجاها من تلابيب عناقها للموت ؛ فكأنّ ضحكاتهما  وضحكاتنا معهما خارج الغرفة الكبرى في أخرى صغرى مغلّقة ، عنقاء تولد في قسمنا الذي اختص بالنحو، والصرف ،والبلاغة، والأدب، والنقد، وهلمّ جرا...

زوجتي ، بدأت تذكرني بضرورة مشوار المشي ، نمشي مرة  في الشهر حول الحديقة الكبيرة جداً ، هي دائماً تسعى إلى اضطهاد توهج حكاياتي ، فتقتل ملكة الإبداع لدي ، فتغدو كتابتي في درجتها الصفرية ، وحينئذ ، ربما أقبل أن أكون حول الدائرة المستديرة جداً في الغرفة الكبيرة جداً ، في قسمنا الكبير جداً ، بين تلكم الوجوه المكتظة بمواتها أو سباتها؛  ضحية لتلكم التخيلات عن الماضي  وفحولاته ؛ إلى حد أن تقع سبحتي من يدي ، ولا أشعر بها ، وأبقى أحرك يدي ، كأني أحملها ، أنظر إلى لونها الفاقع ممدة على الأرض ، حتى رفعها ، يغدو جزءاً من آلام الظهر  وانحناءاته المزعجة... كل هذا أخف من تعمّدها أن تؤذي كتابتي ، فتصفها بسخافات  القضاة ، وقصدها أن " الفاضي يعمل من حاله قاضي"!!

كان الرجلان الساخران، اللذان يجلسان  في زاوية  الغرفة حول الطاولة المستديرة ، يرقبان ، ويستمعان، ويتأملان... وهما – أيضاً – وجهان من تلكم الوجوه الصاخبة باليباب ؛ لكنهما أكثر حيوية ، وأقل اضطراباً نفسياً ،  والسبب أنهما يمارسان -عن غير قصد أو وعي منهما - الحكمة الصينية المشهورة: الضحك  يديم الحياة على الوجه!!  وبكل تأكيد لا علاقة للضحك  بأشياء أخرى تدوم أو لا تدون  في غير فضاء الوجه تحديداً ، أقول هذا حتى لا يظنّ فضلان  أو خيران، أنهما  ولدا لتوّهما من حكايات "ألف ليلة وليلة"  في بلاد  "واق الواق"؛ حيث تثمر الأشجار نساء جميلات!!

يتأملان وجه العبث السائد ، أعني تلكم الوجوه التي فقدت بريقها ، ولم تفقد بعدُ  تجربتها الممتدة في  الحياة، كانت الوجوه وجهاً يميل إلى الصفرة ، يمتقع بلون صحراء ظمأى ، تجمدت رمالها، ويبست أعشابها، وجفت ينابيعها مع تنوع في تجاويفها الخربة، ملامح ثقافية واضحة ، خبرات ربما تتظاهر أنها ما زالت حية ، أحزانها تندف عرقاً خفيفاً، يأساً مولوداً  من رحم المواد الحافظة في الأغذية المعلبة...

كان لا بدّ من أن أنهض ؛ لأشاركهم هنا حيث أكتب حكاية " فوق الرف" – إفطار الصباح ، ألم أقل لكم : إن زوجتي تكره لغتي ؟! وأن "الفلافل" الساخنة عندها - إذ تدعوني إلى تناولها قبل أن تبرد -أهم من كل كتبي، وإذا بردت ، ينبغي أن أشعرها بحرارتها ، حتى لا تغضب ، فتشير إلى أن سخافاتي أي كتاباتي هي التي تفسد  كل شيء ، بما في ذلك  سخونة "فلافل" الصباح ، فدعوني الآن رحمة بي ، أن  أتوقف ؛ لأتابع معكم  الحكاية فيما بعد ، إن بقيت -لديّ -بقايا  تنفس للإبداع ، بعد " سندويشات الفلافل"!! 

* * *

ثمة رجلان يتأملان  وجوهاً تمتلئ بالتلاشي ، وأصواتاً منتحرة كأسماك الشلالات الراكدة ، وكراسة كبيرة جداً، تدون فيها ملحوظات اجتماع مرهق بعبقريات التصويت ، والغرفة  الكبيرة جداً تبدو أكبر من حجمها ، والطاولة البيضاء المستديرة الواسعة تزداد اتساعاً ، والأضواء  تخفت كثيراً في العيون الناعسة إن لم تمت في العيون النائمة... يوشك الاجتماع المذبوح بسكاكين الروتين والخوف من البدع، أن يطوي نفسه في الكراسة  بعد أن تحبّرت صفحاتها البيضاء بكتابات عريضة ، لا إبداع فيها بتاتاً...!!

همس فضلان  عابثاً  كعادته في إذن خيران:

-         انظر إلى هذه الوجوه  جيداً؟! 

لفكرته ألف معنى ...كاد يتبع سؤاله ضحكته المجلجلة في الغرف الصغيرة  المغلّقة كعادته ، لكنه حذفها ، خنقها ، وأدها، ذبحها بسكين مثلومة !! وكان على فضلان – كعادته الفكهة -  أن يرد الصاع بصاعين، فتأمل في ثوانٍ ما قاله فضلان ، فأعاد رأسه إلى الوراء ، وأماله  بدقة متناهية ، ظناً منه أن تلك الوجوه ربما تلتفت إليه ، فتتهمه بأنه  يعبث في وقت طرح المواضيع المصيرية ؛ لذلك حافظ على توازن اقترابه من أذن فضلان، تاركاً لعينيه التأمل في الوجوه ، لتستر عري كلماته في إذن صديقه اليسرى، هذه  الأذن التي عادة ما تهمس فيها عبقريات الجان العتيقة ، وهذا ما يفسر مؤلفاته الكثيرة في الشعر الجاهلي...!!

 همس خيران ، كما تهمس جنية مؤدبة :

-         كل هؤلاء لا يضاجعون ...!!!

    أيّ مكان حينئذٍ ، سيتسع لضحكة فضلان ؟! وأيّ جنازير بإمكانها أن تلجم شفتيه ، لتمنع  انفجار ضحكة ، تبيح دم الأشياء كلها، بما فيها مراسيم الافتتاح الرسمية جداً ؟!!

    سحلت الكراسة الكبيرة جداً عن الطاولة المستديرة جداً ، تلاشت الوجوه في النظر إليها، عمت الفوضى معلنة تلقائياً عن نهاية الاجتماع ، قتلت الفوضى الهروب  الكبير من الغرفة  الواسعة جداً، بدت السماء الماطرة – بعد عشر  سنين عجاف -أكثر ألقاً وألفة ، فغدا مكتب خيران( الغرفة الصغيرة جداً ) يضحك ، فتهتز جدرانه الأربعة  أربعة أيام متصلة ، وربما سيقهقه أياماً أخرى !!

  قلت لهما :

-   حكايتكما هذه تصلح  مادة لرواية جديدة، أبطالها وجوه لا تضاجع،  تستعيد ذاكراتها !! سأسميها  "فوق الرف " !!

 يبدو أنني  كتبت مقدمتها . ضحكنا .... وبدأت أكتب حكايتي  في ظلال حكايتهما ؛ فأهديها إليهما من منظور  رد الجميل إلى  أهله!!

حكاية كنعان وجحر الضّبع

hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:46

حكاية كنعان وجحر الضّبع

قصة : حسين المناصرة 

ثلاث دقائق لا أكثر... كأنها ثلاث سنين عجاف... خرجت  بعدها فارعاً صدري  المكبّل بكلّ القيود، موغلاً في صحرائي الممتدة... من هنا عشقتها... فكان الغبار أغنيتي  الحزينة... تنفسته بعمق... شهيقاً... وزفيراً كجلمود صخر!!

ما أجلّك أيها الغبار المبجل وأعظمك!! يا سيد صحراء أجدادي يوم أن كانوا غزاة وشرفاء... أيتها الصحراء ، زمّليني ودثّريني  واجعلي  غبارك يتغلغل في مسامات جسدي  الجاف المنقوع   في أساطير جحور الضباع... كلّ الزوايا في جحورها موت... وامتداداتها مقابر... وانبلاج ظلماتها  بقايا جيف !!

كأنها ثلاث سنين عجاف... وكأنّ كنعان العربيّ آنذاك يشبه يوسف الصديق في جبه؛ تحيط  به انتهاكات التواريخ ، ومخالب الرّخ ، وخفافيش حكايات العراة، وبعض حكايات منامات طفولتي عن الغيلان، والغربان، وبوم حيّنا، وعمّارات القبور، وأكاذيب الأعراب ، وقراصنة الليل،  وقاطعي  طرق قوافل الحجاج يوم أن كانت القوافل  في مهبّ الريح!!

ثلاث دقائق مشيتها  في جحره على جمر الغضا، يوم أن كان هبل سيد القوم ، وكاشف أعراض النساء الكريمات ، وحارق ترانيم الرعاة، وهم يسترقون النظر إلى الذئاب في جحور الدّجى المدلهم ، وفي أذيالها ضباع تشتعل عيونها، تنتظر بقايا الوليمة... سرت  حينئذ معها،  بعد أن  بالت على وجه أوهامي، وأضغاث أحلامي،  وسكرتي  بعد خمس وعشرين سنة ؛ فحدثت نفسي : " فلتجرب !!" .

جربتها ثلاث دقائق فقط ، لا أظنكم  ترغبون في أن أقسم لكم بأن الوقت ثلاث دقائق فقط...كأنها دهر أو عصر جليدي... وكأنّ حكاية كنعان تشبه حكاية  أيوب عليه السلام!! كيف تصبرتَ ذاك الزمان ؟!! وكيف شرَدتْ نباهاتك ، وما عدت  تعرف من أنت ؟!! كيف  ادلهمّت حماقاتك ،  وامتسخت نفسك  إلى الأماسيخ كلّها... وانقبضتْ روحك ثلاث دقائق... وكدتَ أن تودّعها... فتغدو بقايا حياة... كانت  هنا  في هذا الجسد الممدّد ، وغادرت أو كادت... ودموع  حكايات أمك  توحي  بأن الحياة باقية ، وأن يونس- عليه السلام -  لم يمت في جوف الحوت...!!

 مشيئة الله  وحدها أنقذتني  من جحر الضبع... لم أتهوّر نقذتني !!

كنت مغزولاً  بآمالي ، ولم أصح إلا بعد أن شُجّت جبهتي بعُرض الحائط ...  ماذا أريد من  سيد  الكراسي المبجلة ، وسادن  اللوائح المنتنة ، ومُخمّر البقرطة  المجهضة، ومعاقر  كلّ  ما شحمه ورم !!

هو كنعان العربي ، سيد الصحراء ، وأحفاده من  جدهم إسماعيل، يوم أن  حمَله  أبوه  من حِبْرَى،  فزرعه في وادٍ غير ذي زرع ؛ فزمزم الماء ، وارتوى الرمل!!

لم  يبتسم سيد الكراسي ، وقبل أن أنبس ببنت شفة ، تفتقت عبقرية " كراسيه المتضخمة " :

- اسمع ، ما تريد قوله سيدخل من هنا ( وأشار إلى أذنه اليسرى) ،  وسيخرج من هنا (وأشار إلى أذنه اليمنى) !!

- عندي خمسة وعشرون سنة ،ولي ثلاث وثلاثون  حكاية، ولم أكن مكدودا...

- الجمل الثلاث التي قلتها، لم أسمعها ، ولن تدخل إلى اعتباري ، لأنّي لم أعِها، ولن أعيَها... !!

  انتفضت  من مقعد متجمّر ،كأنّ انفجاراً  هزّ قاع  الأرض ، فطفتُ على سطحها...

وقبل أن أغادر، عامت نبرة من يصحو  في جحر الضبع ، في لحظة أن أمسكتْ أنيابُ  هذا الضبع بزمارة رقبته...  أي ضبع حينئذ بإمكانه  أن يتمالك أعصابه أمام سطوتك يا كنعان ، وأنت تدرك أن الحياة مجرّد كرامة، وبعض أنفٍ  له أنَفَة، تعشق الغبار ؛ عندما تكنز الغربان تفاهات  الثعالب ؟!!

كانت هناك حكاية ، وأيضاً كوابيس  تترنح في المنامات ،وأخبار عن  امتدادات مكانٍ  يحتفي  بأعقاب التواريخ ، ويدّعي أنه يمتطي قمة الهرم !! وكان كنعان  غائباً عن الوعي ، يشمّ رائحة الضبع  وجحره المنتن... وفجأة صرخت الحياة في جثته ، فهبّ  كأنه عنقاء تغوّلت ، لها أنياب مخيفة ، فعضّت الضبع  في مقتله... مات الضبع أو ربما  غاب عن الوعي ...فأي ضبع جاهل أو غبيّ بإمكانه أن يفترسك  يا كنعان؟!

صاح الديك قبيل فجرك... كانت حكاية جُحر الضّبع  أكثر  من خرافة... وربما أكثر من تفاهة موغلة  في روائحها المنتنة... بدا فمك كأنّه امتلأ بالماء... فتوقّف حينئذ عن الكلام  غير المباح!!

يومها قرّر أن يعتزل  كتابة الحكاية؛فشيخ القبيلة قد تمادى  في غيّه!!

وجه حنظلة

hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:43

وجـــــــــــــــه حنظلـــــــــــة

                     بقلم : حسين المناصرة

لم يعد بوسع حنظلة الفلسطيني إلا أن يُظهر وجهه لعيوننا  المبحلقة..كان وجهاً حزيناً... وجهاً طفولياً... باكياً... بدا مؤدّباً إلى درجة أكثر مما نتوقع... !!

كان يحمل لافتة... ظهرت فيها وجوه كثيرة مشوهة... بملامح باهتة!! وجوه صفراء... وعيون  خبيثة... وجوه ضخمة... ووجوه أخرى أصغر حجماً ، وأقل بشاعة!!

لم يعد حنظلة الفلسطيني  ينظر إلى المجهول... إنه يتمرّد  الآن على مبدعه ناجي العلي ، ولافتته هذه  تحمل لنا آلاف الأسئلة... كان السؤال الأكثر وضوحاً: ألهذه الدرجة  من الانحطاط صارت  أموركم ؟!

أسئلة كثيرة... يصعب أن  نتأملها  في قصة قصيرة : هذه الوجوه البائسة تقودكم... ألا تخجلون من أنفسكم... اللعنة... ماذا جرى لكم ؟!!

لم نكن نتبيّن بوضوح تلك الخلفية التي احتضنت الوجوه المشوهة... ربما كان وجه شارون هو تلك الخلفية... كأنه يبصق هذه الوجوه البائسة... وكانت لافتة ناجي العلي التي لم يرسمها في حياته... ترسم نفسها بعد مماته، ومن خلال حنظلة نفسه الذي أدار لنا ظهره زمناً طويلاً...!!

بزغ وجهه  الذهبي  علامة ساخرة... ويده تحمل لافتة  كتب عليها : سلطة الشطرنج !!

ظهر وجه شارون  القبيح  مجسداً للوحة الشطرنج المخططة بالمذابح الفلسطينية، والوجوه المستنفذة المشوهة مجرد حجارة تدل على جنود بؤساء مجبرين على التمثيل... أما الملك والوزير والقلعة والحصان والفيل، فكانت وجوهاً لديّان وبيغن وبيرس والنتن  وباراك وأولمرت...!!

ما أن نتأمل لوحة الشطرنج التي نلعب عليها  وجوه بعض سياسيينا  حتى نشعر بالكآبة... كيف وصل الأمر بهؤلاء إلى أن يضعوا فلسطين في خانة الهاوية ... تجرّها كلاب ضالة فاسدة لم تعد تؤمن بغير  مصالحها... وأن الخيانة عندها صارت وجهة نظر !!!

لا أعرف ما السبب الذي جعل وجه حنظلة البريء يكتفي بعلامات استفهام   تتناثر حول الوجوه الفلسطينية المشوهة... كنت أتصوره سيشبع تلك الوجوه بصاقاً... ثم  يطوي اللافتة فيدوسها تحت قدميه... وبعد ذلك يشعل عود ثقاب... فيحرقها... ويذروها بحذائه وهي  مشتعلة  فوق مزبلة خربة... ثم ينفض يديه... ويبصق... وبعد ذلك كله... يزوي وجهه عنا... ويدير لنا ظهره  !!

وما أن نحاول أن نثني حنظلة عن إدارة ظهره لنا حتى  نعجز... نجده صخرة  ضخمة تتمنّع على أيدينا التي لم تعد قادرة على أن تحمل قوتها... في هذه اللحظة بالذات  نتوسل إليه أن يظهر وجهه  لنحدثه... ونشكو إليه حالنا  التي  صارت في يد كلاب مسعورة في الفساد... وماذا بإمكاننا أن نفعل في أزمنة الفساد والفلتان والفوضى !!

ما أن تبدو علامات حُسن النيّة في محاربة الفساد، أو بوادر وحدة وطنية – وإن كانت شكلية - يسعى إليها الشرفاء... أو مقالات تهدف إلى فضح الكيان الصهيوني... حتى تبادر الآلة الصهيونية التدميرية فتقتل، وتدمر، وتتقصّد الشرفاء... وما زالت الوجوه العفنة تسرح وتمرح... وتتشدق باسم الوطن  ومصلحة المواطن... هكذا تصبح الخيانة والعمالة وجهة نظر!!!

فعلاً... الذين استحوا ماتوا... أو بالأحرى استشهدوا في مثل وضعنا الفلسطيني!!

صارت حكاية"خمسة بلدي" حكاية الوجوه السياسية المتنفذة في سلطتنا... صارت الثورة التاريخية  إمعة في أيدي هؤلاء الأكابر في الظاهر... والمشبعين بالسوس الناخر في فسادهم من الداخل... وصاروا مثل الهمّ على القلب... لا همّ لهم إلا خدمة الكيان الصهيوني... وهذا ما جعل وجه حنظلة يلعنهم... ويحرقهم... ويبصق في وجوههم !!

تصبح على خير  يا حنظلة... وقد آن للراوي – بعد أن صاح الديك -  أن ينام... وفي فمه ماااااااااء !!

دعوني أعلمكم الكتابة

hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:39

دعوني أعلمكم الكتابة !!!

                       بقلم :  حسين المناصرة

أهديها إليك  بدون مناسبة !!!

لماذا قفزتُ من جرف السياسة  كحرذون صعقته صهدة الحرارة  وجحيمها؟!   كنت قد أعدمتُ قلمي  الصاخب بلا رحمة ، كفّنته بكل الجنازير الحديدية غير المحرّمة ، وصليت عليه : متْ هنا  في هاوية الجحيم أرحم لك من أن   تتلوث  بسياسات الفوضى الخلاقة!! ثمّ ها أنا أقفز من جحيمي الساكن  في " انتظار جودو"،  يولد من جحيم  ساسة أو نجاسة أو نخّاسة بلا ضمائر ؟!!

أية ثورة  هذه التي يقودها  هؤلاء الأسياد  المشتعلون بحمم مجازرنا... كأنكم  ورثتم الأخلاق كلها  عندما تكون  مكبلة في أحافير مستنقعات بيع الكلام  وادعاءات الشرف ؟!

يا ليتني قفزت  من جرفي حيث أعدمت قلمي  إلى أعماق البحر الميت،  لأخنق لغتي  بمياهه  الكاتمة... مالحة كعلقم  الخوف  في غرف الجنون  لكنها أحلى  وأجمل... ربما كان هذا أفضل مئة مرة  من أن أشك للحظة ما بأن تخويفهم  في عقر دارهم  سيجدي نفعاً!!

يا حادي العيس ، كيف صرتَ غراباً  تنعق  في بوم جسدي  وفي لغة الأموات عندما  نعد اليتامى  والثكالى والمعوقين والشهداء والأسرى والسجون وأكوام الفساد وأعاصير الخيانة... هذا وطني يباع الآن  بالمزاد... وسيد هناك بقبعة   يسخر... وسيدة شقراء ترفع أمام عينية  الثوب عن خاصرتها... وها  هو  سيدي  المبجل يقودني من رقبتي  وجهه  بلا ملامح... لكنه يدّعي بأنه السيد المنتخب وصاحب شرعية صك  بيعي بلا مقاومة... بلا ثمن... كأنني يوسف الصديق ، يخرجه القوم –  حيث مروا من هنا -  من الجب ، وبثمن بخس   طرحوه بين يدي كل الزاهدين !!!

 

يا أيها المبجل  أو السيد المصون... يا صانع الصكوك والمراسيم... يا باعث الخراب والدمار والتشظي... يا أيها الصندوق  المحشو بكل النفايات  لتعاقب  وطني الذي احتضن النار المقدسة ، يا نخّاس دليلة ، تجرها  بحبالك إلى شمشون شارب  خمرة دماء أطفالها  في قدس الأقداس، يا عابس الوجه ، يا صاحب الضحكة الصفراء... من أنت؟! كيف غدوت  سيداً وصرنا حثالة؟!!من أي هزيمة جئت ، وفي أي الأوكار تربيت... كم كنت أحلم بالوطن بلا خفافيش... بلا جرذان ، ولا غربان ، ولا تتار... يا ابن العلقمي... يا أبا عبد الصغير... يا كرزاي الحاضر... من أنت ؟!

تدثرت بيأسي ، أعدت قراءاتي السابقة : البحث عن سعيد أبي النحس المتشائل... البحث عن وليد مسعود ...نشيد الحياة... باب الساحة... الحرافيش... حكاياتي... دواوين الشعراء... مطر ودرويش ونزار والقدس عروس عروبتكم... من أنت ؟! أأنت سيد الخرافات جئت  لتستبيح الوطن ، والدم ، والتواريخ ، وتشعل الفتنة ولا تحاور... من أي عروبة مستباحة أفقت  يا سيدي أم أنت من باكستان أو إيران ؟! بل  من أي  عار وأي خزي  تبرّجت ، فصرت سيداً   في أزمنة  التصهين والتأمرك  والتشرذم والشتيمة!!!

دعوني أعلمكم الكتابة ؟!هل تعرفون  بأنني  كنت واحداً منكم... مكثت ثلاثة شهور وهم  يحققون معي عارياً... بصاقهم عفن...ماؤهم ملوث مشتعل الحرارة ومستغول البرودة... ضرب وخنق وعصي ولغة الشتائم... وثلاثة شهور أخرى  في مستنقع الزنازين الآسنة... وثلاثة شهور ثالثة  في غرف التدخين وأول أكسيد الكربون... وثلاثة شهور رابعة  مكبلاً بإتمام  سجن عام... زمن يمرّ كأنه روح وريحان... من أنا لا شيء  يذكر  في جحيم  سجونكم... كأنني كنت  في جنة... وكان سجاني  هو المسجون...!!كأنكم قصيدتي عندما  كنت شاعركم... وها هو سيدنا المبجل  بالخرافات  يبيعنا  في  سوق النخاسة   في أوهام أوسلو بأي ثمن!!

يا سيداً أوغلت  في اغتيال  رياحيننا، وهي تنبت في جفاف وطننا المقدس ، تغتسل  بعشقه  وبنداه الذي لا نراه ، هل وصفت  مقاومتنا بالحقارة ، وبنادقنا بالمجرمة ، وشهداءنا بالقتلى، وأسرانا بكلمات كاذبة ، وسجننا وطناً ، وقدسنا ليست لنا؟!

كيف تجرؤ – يا سيد حكايتنا المغتصبة-  أن تسقط خيار مقاومتنا بلا وطن ؟! من أنت ؟!من أبوك وجدك ؟ وما ملتك ؟!ومن تكون؟! أأنت سيد أم عبد مأمور؟! أحقيقة أنت  أم أكذوبة وخيانة؟!!

 عذراً... دعوني أتعلم منكم كيف تكون الكتابة ؟!!

وجوه

hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:36

وجـــــــــوه ...

                   قصة : حسين المناصرة

كيف تهاوت بقايا الريح في قعر الفراغ ؟وشاهدت وجوهاً تتصارخ يومياً بكل الفناء؟!!

هذا وجه، يعلن حالة الأمن الكبير فوق بساط موشّى بالورود!!

وهذا وجه ، يقرر الرفاه والنعمة والأوراق الخضراء في الخريف !!

وهذا وجه، يعلن أن المرحلة هي عنق الزجاجة ، وأن الأخطاء فردية !!

وهذا وجه عاشر، يعلن هزيمة " نتن ياهو" في لغة الكلام !!

وهذا وجه ،يعلن أن الكبير هو كبير القلب ، وهو الأعمى!!

وهذا الوجه الثالث والعشرون، يجدل السوط من حديد مستورد، ويقرر أنه "للعملاء" ويضحك !

وهذا الوجه،  يتمنطق بسجادة الصلاة، وخلف الستارة يغازل "أرامل الشهداء"!!

وهذا الوجه القريب ، يتكلم ثلاث لغات، ويعلن أن للوطن لغة وحيدة هي كيف يبني من الرشاوي جسراً إلى المدى !!

وهذا الوجه الخامس والستون، يقبض ثلاثة أو أربعة رواتب من جهات تمتهن  السرية !!

وهذا الوجه ،يغني بشعارات مسحوبة من دعايات"بيبسي كولا"!!

وهذا الوجه الخامس بعد المئة، يتغنى بتاريخه العريق في كذا وكذا.. ويخفي العلاقة بالسماسرة وبنات الليل!!

وهذا الوجه، يقول بمسكنة مستلة من أثواب النساك : علينا أن نصبر في هذه المرحلة!!

وهذا الوجه الرابع والثمانون بعد الألف، ينشغل بلملمة الضرائب وتسجيل نصفها في المستندات !!

وهذا الوجه العاشر بعد عشرة الآلاف ، يمسح الدماء عن وجه الشهيد، ويتصارخ بكل كلمات الانتهازيين والسفلة !!

وهذا الوجه برقم تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين، يعلن أنه الأول بعد العشرة في تاريخ تأسيس بارات الليل لخدمة السياحة !!

وهذا الوجه المشحر التاسع والخمسون بعد العشرة آلاف، يعلن أن الضوء ينير في نهاية النفق المظلم !!

وهذا الوجه، لم يعرف إلى الآن أنه عاد إلى أرض الوطن من شدة المفاجأة التي يرددها دوماً، بالرغم أنه أصبح يملك عمارة ضخمة وعشرين رخصة، وثلاثة أكشاك، وثمانية أولاد من امرأتين، وآلاف الدولارات، وأربع عشيقات من بنات الشهداء!!

وهذا الوجه المستوزر،  يكيل قصائد المدائح في كل المناسبات الرسمية !!

وهذا الوجه الغريب، لا يعرف كيف يصرِّف أموره؛ لأنه مازال يشتغل حارس السجن القديم... والسجناء لا يجلبون غير الغم والهم، لكنه يسرق بعض أمتعتهم !!

وهذا الوجه الحادي عشر بعد الأربعين ألفاً، هو المسئول الأول عن قتل ثلاثة تحت التعذيب، وحوكم صورياً، وخرج من الباب الآخر باسم آخر !!

وهذا الوجه الذي يتصارخ في المظاهرة العامة، يشرب الخمر، فينام يومين في الأسبوع بعد كل سكرة  على " الكيف" كما يسميها!!

وهذا الوجه الخامس والخمسون بعد الخمسة والأربعين ألفاً، يقرر أن الوطن بلا هوية؛ لأن الناس البسطاء بلا هوية ، وأنه سيصبّهم في الهويات غير المعترف بها على الحدود !!

وهذا الوجه ...  الوجه ... الوجه ... الوجه ...!!

وهذا الوجه التاسع والتسعون بعد التسعمائة والتسعة والتسعين ألفاً، هو صاحب كل النساء الدائرات في الحواري، يقرأن الفناجيل لخلق الله التعساء مدعيات أنهن يكشفن حسن الطالع في المستقبل، وأن الهموم لا بد أن تزول، ويقبضن أجورهن!!

وهذا الوجه الأخير ورقمه خمسون ألفاً هو السيد الآن، يرتج... يقترب من حافة الهاوية... يملك الدولارات كلها... وعندما يموت ترث ابنة امرأته الوحيدة بقايا الريح... حينها ستسقط هذه الوجوه في الفراغ !!وينمو وجه واحد  للقبح هو" نتن... يا... هو... "!! ثم لا بدّ من أن يولد وجهنا الحقيقي... يحمل السلاح ، فيولد الوطن!!

 

الحكاية التي نسيتها

hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:18

الحكاية التي نسيتها

قصة : حسين المناصرة

الرواية الثالثة

 

 1/1  جدارية: من مذكرات حفيد في القرن الحادي والعشرين .

في زمن "اللامبالاة" الهارب من بين فكي الصمت، يصبح المجانين عرّافين أزمنة الموت... ويمكن أن نصفهم، إن قررنا أن نكون مجانين مثلهم،أحياناً، بالعقلاء غير المهذبين...

لن أقصّ عليكم، يا سادة يا كرام ، الحكاية العجيبة الغريبة غير المثيرة التي حفظتها عن ظهر قلب في عقلي الباطني المغترب ، وأنا أمشي في شارع عام في مدينة النحاس ، أو هكذا توهمت... نسيتها بعد ذلك لثلاثة أيام رملية متتالية حزينة. حاولت جاهداً أن أتذكر  تلك الحكاية الضائعة في تلافيف دماغي المنهك... أن أتذكر عنوانها ، فكرتها الصارخة المعذبة... لم أفلح. كأنني فقدت ذاكرتي المتآلفة مع خوفي...

ربما حاولت ، في وقت التذكر الضائع ،أن أكتب أية حكاية أخرى سخيفة تدور في اللاوعي عن قصتي الضائعة ..لكنني لم أفلح . قلت لنفسي: ليس المهم أن أتذكر الحكاية  بعينها، لأن الأهم هو أن أواصل مغامرة الكتابة بأية صياغة عبثية، لأثبت إمكانية حياتي ، وأشكك في موتي، خاصة أن لغتي الإبداعية ، أو هكذا أرغب في أن أسميها،أجدبت في الأيام الأخيرة بالقصص المفرحة ، أو المتشائمة... لا لشيء معين، وإنما لكثرة الأفكار تهاجمني ليل نهار، صباح مساء، بين بين ، قبل بعد... تحثني على الكتابة ، فأجدها بطريقة أو بأخرى كتابة غبية  سخيفة لا تستحق أن يقرأها قارئ... فأعجز عن الكتابة المهمة..أو أعجز عن التفاعل مع الكتابة التي أريدها أن تكون ناراً موقدة؛ تشعل أوراقي الأبكار، تهزم خوفي ، تحثني على التمرد...

 مؤخراً، بدأت أرى "اللاجدوى" تسكن  الأشياء التي تحيط بي... لم أعد أغضب من أي شيء قدر غضبي على القلم المرتعب من الرقابة، يقبع بين أصابعي لأكتب  قصيدة نثرية ، أو حكاية شعبية ، أو خبراً عن موت القبيلة ، أو دراما حرب أهلية، أو سيناريو معركة تآمرية... فيقبض على أحاسيسي مقصُّ الرقيب... فأصمت!!

ما جدوى أن أكتب لكم سخافاتي في أزمنة الاستهلاك؟! لا جدوى!! أقول لنفسي في حوار غير هادئ: فخّار يكسّر بعضه... أغيب في متاهات الضياع والتلاشي بلا خوف أو فلسفة!!

حسناً... حسناً... يبدو أنني أشغلكم بسخافاتي المتآكلة، وربما ، عذراً ، بسخافاتكم، لأني واحد منكم ، أحاور جنوني الغبي..ربما كنت يائساً من أشياء كثيرة... لكنني لست ميتاً... أنا أؤمن بكم... وأحبكم... ولهذا سأقول لكم  بعض أخباري :

2/1 وصية : من مذكرات الحفيد .

أوصاني جدي، الذي ضيع أبي ، رحمهما الله ، أن أشنق نفسي بالحبل المجدول من شعر نسائه،علقه في أحد أعمدة سطح سقيفة نائية، لكني لم أهتم بما قال .

قال : إذا خسرت أهلك ، فتعلق بنسائك ، وإن خسرت نساءك،فتعلق بأصدقائك، وإن خسرت أصدقاءك ، فتعلق بأموالك التي ستشتري لك  ما تريد ، وإذا لم تستطع أن تحافظ على مالك، فعليك أن تشنق نفسك بالحبل الذي أعددته لك في السقيفة!!

بعد زمن مديد... خسرت الأشياء التي ذكرها ، ذهبت إلى السقيفة النائية ، في ليلة حالكة السواد، أشعلت نور المصباح العتيق ، رأيت الحبل البارد ينتظر عنقي اليابس ، لحظات ويكون السكون نهاية معاناتي الطويلة من عذابات الحدود والقيود، انفجارات العداء والاستهلاك، تهريب خاماتي وأيقوناتي ، التنافس على استعبادي بين شرق مريض، وغرب بغيض... عليّ أن أضع الكرسي تحت الحبل الرطب، أصعد إلى فوقها، أضع رأسي في دائرته الذابلة، أنثر الكرسي تحت رجلي، يندق عنقي... أعرق... أبكي... أغيب عن الوعي... يحمل  الحبل جثتي،أغطس في جحيم المنتحرين... يقطفون الحبل، فيصطدم رأسي بالجدران...

سأعدّ إلى العشرة ؛ لأبدأ طقوس الموت... لا أريد التأمل كثيراً في موتي حتى لا أجبن ، فأعود إلى سخافاتي الحمقاء...

أصعد على الكرسي... أضع رأسي في الحبل... أبعثر الكرسي... ها أنا أعدمت نفسي...

  العمود الذي ربط به جدي الحبل غدا عموداً هشاً... عيدان السقف تسقط فوق رأسي ، أكاد اختنق بغبار الزمن المتهالك... أوراق تتناثر فوق رأسي... مكتوبة بحبر متعدد... إنه خطّ جدي الجميل الذي أذكره جيداً... جيداً... أنزع الحبل من رقبتي... وأبدأ في قراءة بعضها على سبيل الفضول اليائس.

 

3/1  ورقة  : من أوراق جدي الذي عاش قبل خمسين عاماً

انزع الحبل من رقبتك... كنت أعرف أنك ستأتي يوماً ما إلى هنا؛ لتنتحر بعد أن تضيق  بك  السبل.

 نعم، حسبت حسابي لهذا اليوم من أجلك ، كتبت طيلة الثمانية عشر عاماً التي عشتها معك، بعد موت أبيك في أيديهم،  آلاف الرسائل، ربما تحتاج إلى عشرين سنة  فوق عمرك  حتى تقرأها ، لكن لا بأس... اقرأ ما تستطيع أن تقرأ منها ، خذ الدينار الذي أرفقته  بكل ورقة ، كل واشرب ، وتصدق بما تبقى، البس جديداً ولا تعش سعيدا... لا تدخن ، لا تشرب خمراً، لا تنم مع مومس ، لا تحضر سينما،  لا تكثر من شرب القهوة... فأنا لم أكن مرفهاً حتى أحسب حسابك في هذه الكماليات. لم تكن جزءاً من حياتي، وحياة أجدادي الفقراء..أتفهم؟‍! أنت فقير، عليك أن تفهم معنى التقشف ، وإن لمت أحداً فالملوم أبوك الذي تركك قبل أن تولد!!

4/1  ورقة أخرى

كنت أعتقد أنك أحد الحمقى في زمنك ، ليس لأنك غبي ، بل لأنّ قلبك   أبيض...

في زمنكم المتكالب على الضغائن والشللية وصيد النساء والصفقات ، ليس لقلبك الأبيض سوى الحمق... فإذا أردت أن تكون أحد فرسان زمنك فكن من ذوي القلوب السوداء : نافق ، تأنن (كن أنانياً) ، حينها سيقولون عنك : "رجل يملأ هدومه" ... فتصير واحداً من  أسيادهم !!

 

5/1  وصية أخرى

عليك، يا بني قصدي يا حفيدي ،حتى تفهم نفسك والحياة ألا تحمل السلّم بالعرض، اجعل هذه   حكمتك في زمن الأوباش!!

ومعنى أن تحمل السلم بالعرض: الغباء ،لأنه يصعب عليك أن تمشي بين الناس بهذه الطريقة... يجب  أن تحمل السلم بالطول... أن تسايس  المارة بلباقة ومهارة لتمرّ بأمان... سيحمدون سيرتك ، لأنك عرفت كيف توازن حياتك مع المشي على جانب الحيط الحيط، وتقول: يا رب ، استرها معنا.ومن الأحسن أن تضع رأسك بين الرءوس ، وتقول يا قطّاع الرووس اقطع راسي... حكم جليلة وبليلة، خذ بها، يا بني ، نفسك، لتعش مرتاحاً  من همك... وإلا فإنك ستنتحر في بحر مالح ، ولن تجد من ينقذك ، أنا ،يا حفيدي العزيز، والحق يقال ، لم أعلمك ، الرماية ، والسباحة، وركوب الخيل... خفت أن يشتد ساعدك فترميني  كعظمة في طريق الكلاب المسعورة... كن ذكياً... واسلم لجدك الساكن تحت التراب ، وعش منعّماً بالغباء واللامبالاة.

 

6/1  رؤيا

في آخر زمنكم يخرج لكم الصُّفر المدججون بالحديد، ينهبون أرضكم ونفطكم، بمساعدة أتباع شمشون... وستكونون من غير دليلة...

يسومونكم سوء العذاب ،لتعيشوا على أعتابهم صاغرين ، يأخذون خيراتكم،وأنتم ستقبلون الأيادي والرءوس،وتهمسون بالصمت وضرورة الخوف..يبركون فوق أرضكم، ينتهكون جسدكم... وأنتم تتغابون ولا تشعرون، ضيعتم حكمة الحياة: "الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"... عجيب أمركم في آخر زمانكم؛ تصبحون فلاسفة ومحللين،ولا تفعلون غير ذلّ المهانة،وغوغائية الشجب والاستنكار... عجبي من بلاهاتكم!!

 

 

 

 

 

الرواية الثانية

 

1 / 2  الجدارية الأولى لا

في زمن اللامبالاة يغدو المجانين عرافين... نصفهم أحياناً بالعقلاء...

لن أقص عليكم الحكاية العجيبة الغريبة التي حفظتها عن ظهر قلب في عقلي الباطني المغترب ، وأنا أمشي في شارع عام في مدينة النحاس... نسيتها بعد ذلك لثلاثة أيام رملية متتالية ، حاولت جاهداً أن أتذكرها في تلافيف دماغي  ، أية فكرة من أفكارها الصارخة... لكنني لم أفلح . كأنني فقدت ذاكرتي...

حاولت  أن أكتب  حكاية أخرى سخيفة تدور في اللاوعي عن قصتي الضائعة ، لم أفلح .  قلت لنفسي : المهم أن أواصل مغامرة الكتابة، خاصة أن لغتي الإبداعية أجدبت في الأيام الأخيرة؛ لكثرة الأفكار التي  تهاجمني ، وتحثني على الكتابة..فأعجز . لم أعد أغضب من القلم،يقبع بين أصابعي لأكتب...

ما جدوى أن أكتب ؟ ما جدوى أن أغيب في متاهات الضياع والتلاشي..؟!!

 يبدو أنني أشغلكم بسخافاتي المتآكلة،وجنوني الغبي... ربما يئست من أشياء كثيرة... لكنني لست ميتاً... أؤمن بكم... أحبكم... سأقول لكم  بعض أخباري :

2 /2  الجدارية الثانية  

لما أوصاني أبي ، رحمه الله ، أن أشنق نفسي في الحبل الذي علقه في أحد أعمدة سطح سقيفة نائية ، إذا خسرت أهلي ، وأصدقائي ، وأموالي... توجهت في ليلة حالكة السواد ، إلى تلك السقيفة .أشعلت نور المصباح ، رأيت الحبل البارد ينتظر عنقي الجاف ، لحظات ويكون السكون نهاية معاناتي الطويلة...

سأعد للعشرة ، لأبدأ طقوس الموت... لا أريد التأمل كثيراً في موتي حتى لا أجبن...

العمود هش... أعمدة السقف تسقط فوق رأسي ، أختنق بغبار الزمن... الأوراق تتناثر... أوراق مكتوبة بحبر متعدد... خط أبي الجميل... أنزع الحبل من رقبتي...

3 /2  الورقة الأولى :

كل واشرب !!

4/ 2 الرسالة الثانية :

أعتقد أنك  من الحمقى !!

5 / 2  الوصية الثالثة :

لا تحمل السلم بالعرض...!!

6 /2  خرّافية :

تعيشون صاغرين... عجيب من أمركم في آخر الزمان، تصبحون فلاسفة ومحللين...

7 /2  توقف :

عليك أن تحذف كلاماً

 

 


الرواية الأولى

           

حسناً... حسناً...

لن أقص عليكم الحكاية  التي حفظتها عن ظهر قلب... كأنني فقدت ذاكرتي...

لم أعد أغضب من أي شيء قدر غضبي على القلم ،يقبع بين أصابعي لأكتب...

ما جدوى أن أكتب ؟ لا جدوى... لا جدوى !!

 يبدو أنني أشغلكم بسخافاتي المتآكلة،وجنوني الغبي...

 كتبت رواية... مزقتها... ورميتها في الزبالة...

تجمّع لدي مخطوطتان من قصائد النثر... وكانت هذه القصائد تطربنا في سجون  بلادي... حمدت الله كثيراً عندما صادروا الديوانين...

انتدبت يوماً ما  لتحكيم مسابقة  "فن الخطابة "... لن تصدقوا إذا قلت لكم :كان عدد المتسابقين سبعة آلاف .. وعدد المستمعين يقل عن العشرين...

أحمد الله كثيراً على حرصي المتين  بتأكيد علاقة الأخوة والتفاهم مع الرقابة ، إذ قصتي الحقيقية الفاعلة ، بعد أن أقنعوني ، هي هذه الرواية!!

أليست هذه حكاية عجيبة ؟‍ أليس معي الحق كلّه عندما مزقت الرواية الهاوية... وفرحت لمصادرة الديوانين غير الشرعيين... أحمد الله كثيراً لأنني لم أجد  شفاهية الخطابة في زمن الفضاء  ‍‍‍‍!! 

الدجاجة

hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:13

الــدجــاجـــــــــــــــــــــــة

                  قصة : بقلم حسين المناصرة

الدجاجة لم تعد تبيض بيضاً مسلوقاً... ولم تعد تبيض كل شهر بيضة ذهبية في جيب طفل... ولم تعد صالحة بصفتها لاحمة بين فكي سيد البيت... ولم تعد تعجب الديك الذي يكبس كل الدجاجات عداها... ولم تعد تقاقي مقاقاة الغزل... ولم تعد قادرة على أن تحضن البيض ، فيفقس بعد واحد وعشرين يوماً... ولم تعد"تتفعفل" في التراب ،فتستر عري البذور انتظاراً لموسم هطول المطر... ولم تعد صالحة للعب مع الأطفال، فتغسل شيئاً من نزقهم وعصبيتهم التي لا تطاق  عند الأمهات... ولم تعد تناجي دجاجة أخرى ، فتشكو لها همومها ، وتسمع منها همومها ، وتخفف عنها بؤسها بتعاطي بؤسها... ولم تعد تتعمد أن تتحرش بالديك الذي ينقرها في رقبتها، فتستسلم لجبروته ، مستعرضاً عضلاته أمام الأخريات... ولم تعد تهجم مع بقية الدجاج  على "العلف" الذي تعلفه "ربابة ربة البيت "، وهي تتنغم بصوت طروب : تيعا تيعا تيعا... ولم تعد تقفز إلى خمها المرتفع في جدار السقيفة ، بعيدا عن تحرشات القطط ، وبقايا المطر... ولم تعد تتشبه بصوت الديكة، فتحاول التماثل مع صوتها، ولعبتها هذه مكشوفة، إذ مهما حاولت فهي دجاجة ، وهو الديك ، لذلك ينزعج من صوتها فينقرها نقراً فيه القسوة وشيء من الدلال، بل قد يغازل دجاجة أخرى ليفجر غيرتها التي يصعب تفجيرها،والدجاج ربما لا يغار... ولم تعد تتحرش بمذود الحمارة باحثة عن بقايا الحب المتناثرة هنا أو هناك ، وساعية أحياناً إلى القفز داخل المذود مما يثير الحمارة ، فتنهق عدة نهقات " هاق هاق هاق "... ولم تعد تصعد إلى كومة التبن، تتفعفل بها ، فتمثل ولادة بيضة تبيضها ، وتشعر أنها تنساب إلى الجوار،تزغرد " قيق قيق قيق" ، فتتوهم أن بيضة جارتها الفتية هي بيضتها... ولم تعد تصفق جناحيها محاولة الطيران عندما ترى عصفوراً بجانبها يسرق الحب ، فتهجم عليه،فيطير،فتتخيل نفسها دجاجة برية ، تطمح أن تعلو، أن تتحرر من " الدجاج الداجن"... ولم تعد تمارس الركض فاردة جناحيها، تمثل أنها تسخن للطيران... ولم تعد قادرة على النوم واقفة على رجل واحدة ، غامرة رأسها تحت إبطها... ولم تعد تغسل نفسها في سطل الماء، فتنفش ريشها ، وتنقر جلدها بمنقارها،شاعرة بنشوة الماء تتسلل إلى منخريها... كانت دجاجة متيبسة في التفكير العميق الذي أخذها إلى جهة الموت بعد عشرة أيام من الحمى!!

حملتها " ربابة ربة البيت "، وطوحت بها بعيداً؛ لترتطم بين الحجارة... حينها كأنها لفظت أنفاسها الأخيرة !!

الإيغال في الزمن الموحش

hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:09

الإيغال في الزمن الموحش

                      قصة : حسين المناصرة

تكتكت  بحذر أعقاب الأحذية المستوردة فوق  بقايا الحجارة المرصوفة على الطين الأحمر في الشتاء الحزين... ها هم يقرعون النافذة المغلقة بلا إحكام... ثلاثة يقفون بأسلحتهم على الباب الخشبي المنهك بالندى ورذاذ المطر... هل يفتح النافذة أم الباب ؟ سؤال حير الجندي الغريب المنتمي إلى عالم الديسكو  وقصّات المارينز...

الوشاية تقول:إنه ينام هنا ، والقارعون لصمته يقرعون النافذة المجاورة للباب، يفتحها كشق التمرة، يتأكد من الطارقين... يخرج من النافذة الخلفية المتدلية من سطح السقيفة النائمة على بقايا الأطلال المنحدرة منذ خمسين عاماً، هي  هذا الزمن الموحش الذي يجعل الناس يفرون بجلودهم خوف الفناء...

بقايا موقد... بقايا عتبات... بقايا زير تعفن... بقايا حجارة ممتلئة بذكريات الصبا وخرابيش الدجاج لأطفال لم يتقنوا رسم الحروف...

ستة عشر جندياً  يقفون على الزوايا مصوبين البنادق إلى النافذتين الجداريتين والباب الوحيد... هنا سيموت إذا بدرت منه أية علامة من علامات المقاومة  والتمرد..ثلاث سنوات  يخططون لهذه اللحظة... كان بارعاً في اصطيادهم عندما ينفردون... هاهم عشرون أو ثلاثون وربما خمسون جاءوا ليصطادوا واحداً...

ربما تجدون معه بعض العشاق... أو امرأته المنسلة إليه في العتمة... أو طفلاً من أطفاله الخمسة... أو أمه المحدودبة حملوها إليه على حمار أنيس... ربما تجدون بحوزته قنبلة يدوية من أسلحتكم المبيعة بالسوق السوداء، وبندقية قديمة ألمانية ، وخنجراً يمنياً ، وكوفية زرقاء مطرزة بألوان الوطن!!

ربما لا تجدونه عندما تكسرون الباب والنافذتين ، كيف عرف أنكم أنتم ؟!  فتح مسامات الجدران، نظر من خلالها  إلى أشباحكم  اللعينة، وعرف أنكم أنتم المرتعبون!! حينها لن يتفاجأ...

 لماذا لم يفجّر نفسه بالسقيفة وبكم ؟! ربما تجدون ما هو أكثر رعباً مما أنتم فيه.. قد تجدونه فوق رءوسكم من كل الجهات، يفجّر بكم القنابل ومعه عشرة رجال... كان عليكم أن تحتاطوا لمثل هذا الأمر ، وتتوقعوا أن تكون تحت السقيفة أنفاق تطيح به إلى البعيد، فيعود إليكم محاصِراً ..

 أقترح عليكم  أن تفجروا المكان كله... وننهي الحكاية!!

 لكن هذا الضابط يريد أن يتلاعب به حياً ؛ يخلع أظافره ، رموشه، عينيه، أذنيه، لسانه... وحينها يروي غليله ؛ فيقتله خنقاً!!

كسروا الباب والنافذتين ، حفروا أرضية السقيفة .. نظروا في كل الجهات  والمدى.. غير معقول ألا يكون هنا...!!

هاجس روحاني  قال له قبيل تلك اللحظة : قم الآن ، اصعد إلى السطح ، راقب الفضاء... كان يشعر بهم قادمين إليه...

 انتظرهم حتى  شربوا اليأس... رمى إليهم أربع قنابل في  كل الجهات، معركة قامت لنصف دقيقة... ماتت منهم وجوه عابسة... وجهه الوحيد الذي يبتسم  في حالة الشهادة... وهم  يوغلون في الزمن الموحش  فطائس لغرباء منتنين؛ جاءوا من  بارات الليل؛ ليموتوا  هنا  بلا ثمن!!

زجاجات عطر الموتى

hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:05

زجاجات عطر الموتى

                   قصة: حسين المناصرة

زحف على الشارع حتى تمزقت ثيابه البالية... لعبة جديدة قرر أن يمارسها منذ اللحظة التي أصبح فيها أضحوكة يتسلى بها الآخرون،إنهم لم يعودوا يجدون فرصة لهزلهم بعيداً عن جثته التي تنزاح بطريقة مضحكة في تكنيسها للشارع، تشق مسرباً تعوّد الناس أن يروه  في طرق الحمير على الأماكن الوعرة...

هكذا وجد نفسه قبل عامين مرمياً على قارعة الطريق  بعيداً عن المدينة المتناهية في الفراغ ومجموعة كبيرة من الأصفار... كأنّ حاله غير طبيعية عندما أفاق من قيلولة، أو إغماءة ، أو تخدير ، أو ضربة عنيفة على رأسه... نظر حوله كانت الحماطات عارية من أوراقها... تنفخ المغر أجوافها المخيفة... السكون التام يفكك أجزاء الخلاء إلى أشلاء الرعب...

 مد بصره يتفحص انحدار المسافات... التصقت بصدره كماشات الوهن... كأنه لم يعد يعرف ما الحالة التي وصل إليها ، متعباً ، منهكاً... يتقيأ أمعاءه كلها .

انعجنت ثيابه بالعرق الحار،رغم برودة الهواء... ربما بكى بما يكفي لنزف عروقه الحمراء من مسارب الدمع المتدفق على الصدر الخافق كمروحة كهربائية عتيقة..الحالة ميئوس منها...

حالته أم حالة الرجل الذي جاء يساعده  قبل أن يحدث له ما حدث!!ضرب جبينه بيده المرتعشة... أين ذلك الرجل؟! أين تلك الفتاة الجميلة؟!أمنية العاشق؟!ربما كانت حبيبته الهاربة... تدافعوا وراءها... هجموا على جسدها الضئيل... كانت أمها بائسة لم تستطع الهرب!!ما الذي يحدث له؟! ضرب جبينه بيده المرتعشة!! فرك عينيه!! حلّق في المسافات بحثاً عن بقايا البشر الهاجمين على المخلوق الضئيل!!

الفراغ يقرع طبول الصمت في آنية الريح وبقايا الروائح  المنبعثة من ثنايا الأشياء الرطبة... حاول أن يرتفع على قدميه..عجز عن تحريك اليسرى... التفت إلى بقايا ثيابه المدعوكة بالتراب!! ذاكرته وحيدة تتحرك في الاتجاهات كلها !!

كان صغيراً ، تلهى كثيراً بزجاجات عطر الموتى... الناس يتجمعون من كل الأرجاء ، يتناثرون كحبات الرمل ، يجلسون في كل النواحي ، ينتظرون نهاية تجهيز الجنازة... وهو ينتظر متى يفرغون من سكب الزجاجات على الميت ، يلقونها على الأرض ، يندس باحثاً عنها بعد أن يرحلوا... هواية غريبة كانت تسكنه !!هناك في البيت القديم لا تتسرب نملة من بين أقدام الرجال الذين أحاطوا بالميت يغسلونه... تتدافع الأرجل خارجة بوهج الجنازة المحلاة بالرياحين والروائح الزكية"إنا لله وإنا إليه راجعون"...

كنملة خائفة ينظر إلى الوجوه التي ترفع الجنازة على الأكتف، يشفق على زجاجات عطر الموتى من الأرجل الثقيلة ..فتح أحدهم زجاجة عطر صغيرة... رشّها على الكفن... ألقاها على الأرض  تحت رحمة الأرجل المشدودة خوفاً من تمايل النعش أو سقوطه... جازف بنفسه... غاص إليها... أمسكها... دحرته الأرجل هنا وهناك... خرج بالزجاجة  من غير غطاء !! رائحتها زكية... رغم أحزان الموتى التي تفوح منها...

 يحملونهم إلى هناك... إلى المكان البعيد... لا يعودون إلى هنا بتاتاً..يصعدون إلى السماء... السماء غائمة... والسكون خناجر في الروح الساكنة في قيود الجسد!! ماذا بإمكانه أن يفعل غير أن ينظر إلى بقايا الناس تنزاح خلف الجنازة... أو تنزاح هاجمة على المخلوق الضئيل...

كان صغيراً لا يذكر أشياء كثيرة ، ربما هذه الذكرى الحية في حياته الأولى... ما زالت  تلاحقه بعد أن أوغل في السنين... كيف يقص حكايته هذه... تخيل له ابناً صغيراً في سن السادسة ، تدافع نحوه ، احتضنه ، تراجع... لا يستطيع أن يخبره تلك الحكاية القديمة... بل تلك الحكايات...!!كان صغيراً لا يذكر أشياء كثيرة... الوالد المريض . الخروف المريض... انشطار رأسه عندما وقع عن السطح... النساء ومشكلاتهن الكثيرة... حزيران البائس !! أفكار متناثرة تجعله غير عابئ بالأشياء من حوله...

هل بكى !!لقد ملّ اللعب بزجاجات عطر الموتى... عاد الرجال... شعر أنه يوغل في الصحراء بعيداً بعيداً حتى التلاشي !! يبحث عن الميت في كل الأشياء من حوله... ربما ينام في ذلك الركن... سأل أمه بعد يومين إن كان سيعود أبوه... بكت أمه... احتضنته لأول مرة!! لماذا لا يذكر الآن، وهو جثة في العراء،  غير زجاجات عطر الموتى!! ربما يشفق على نفسه كثيراً !! وربما أيضاّ تمنى لو كان ما يحدث له كابوساً في سرير نومه لا حقيقة !!

شر البلية ما يضحك

hmanasrah | 26 آذار, 2009 15:28

شر البلية ما يضحك !!

                         قصة : حسين المناصرة

التعاسة والسعادة ؟!

سؤال غريب ! وإجابة ستكون أغرب !

 يا أستاذ ، ما رأيك بالسعادة والتعاسة  ؟!

تجنبت هذا التساؤل الغبي ثلاثة شهور متتالية... وما زالت تصرّ على أن أجيب؛ لتضع إجابتي  في مقالة منفصلة في الجريدة المشهورة ، وأنها تحرص على اسمي كحرصها على وظيفتها الجديدة ( مراسلة  ثقافية في صحيفة الحياة) !!

من يقدر على مواجهة نفسه ، فيعري داخله؛ ليقول لنا إنه سعيد أو تعيس؟! بكل تأكيد لن يستطيع أي قلم أن يخطّ أفكاراً واضحة في هذا الفضاء !! هل جننت حتى أجيب عن تساؤلها؟!!

أصرّتْ... فكتبتُ هازئاً بإصرارها الطفولي :

ربما تكون العلاقات مع الذات عندما تبدو ضيقة جداً  سعادة... أو ربما سعادة بائسة..أو تشاؤل... وربما تكون العلاقات الموضوعية مع الآخر  تعاسة، فتتلون الأشياء بلون قاتم،فلا يكون هناك ارتياح لأشياء كثيرة جداً!!

لا نستطيع الحديث عن فلسفة التعاسة والسعادة ما دام الشيء المشترك بين الناس حسب رأي الفلاسفة هو الألم ،كما لا نستطيع أن نتصور أنفسنا  خبراء نفسيين نحلل الآخرين، ونترك ذواتنا المعقدة !!

نشرت الأسطر الخمسة... كأنها وقعت على كنز ثمين... نجحت إذ استطاعت أن تقنع الكاتب الكبير الدكتور علاء أمين  كي يكتب لها الأسطر الخمسة !!

 

* * *

كأن الحياة اليوم غدت أكثر تعاسة من أي يوم مضى!! الهواء الملوث !! الأغذية الملوثة !! الأوبئة المنتشرة !! اليورانيوم المنضّب !! السرطان والإيدز !!المافيا!! بطر الاستهلاك !!الفقر المدقع!! الحروب الطاحنة!!الاستعمار الجديد!!ضياع المراهقين !! سخافة الثقافة الدارجة!!هشاشة الوعي !! بؤس الناس وترهلهم!! تردي اللغة والوعي!! شطط الشوفينية والبراجماتية !! اغتراب العقلاء،  وتسول المبدعين، ويأس المتفائلين !! كثرة الهزائم والصراعات !!هيمنة الصهيونية واغتراب فلسطين !!الدعايات الخادعة !! الوقت المهدور !! بلادة طلاب المدارس وعبقرية درجاتهم المزيفة !! استلاب البيوت  بآفات العصر !!حزن الآباء على أبنائهم الضائعين بلا سبب!! الأخبار التي تحمل المآسي والرعب!! القيود الكثيرة التي تخنق عادية الحياة !! البيروقراطية والروتين  والفساد !! الخطابات الانتهازية!! المشاعر الكئيبة !! فقد الثقة بالذات وبين الناس... الإنسان... المكان... اللغة... الزمان... الأحداث... الأفكار... الآلة... أشياء كثيرة يمكن أن توصف بالتعاسة... الإنسان نفسه غدا شيئاً تعساً  في هذا الزمن ، زمن العولمة الخادعة !! حتى أعيادنا صارت بائسة !!

أين السعادة إذن ؟!

الإيمان بالله !! بقايا من التفاؤل والأمل !! إصرار على التمسك بالفضيلة!! حرص على التوازن العقلي !!رفع شعار :" من رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته"!! بسمة طفل  مشرقة في عيونه !! دخل مادي يؤمّن مطالب الحياة العادية !! دعاء :" اللهم من أرادني بسوء فأشغله بنفسه". دعوة خير من الوالدين أو من أحدهما !! خطاب تقدير من الجهة التي تعمل بها !! رحلة قصيرة تكسر المألوف والروتين اليومي !! مكان خاص تنزوي فيه عن الآخرين  تفكر... تقرأ... تكتب شيئاً سخيفاً!!

 

* * *

في الساعة السادسة أنهضوه من النوم؛ كي يوصل الأولاد والبنات إلى مدارسهم...

قبل الساعة الثامنة والنصف  حضّر عشرات الأوراق؛ كي يقدمها إلى سفارة دولة عربية ، ليحصل على تأشيرة  سفر...

ما بين الثامنة والنصف والثانية عشرة راجع السفارة ثلاث مرات، والنهاية بلا أمل، بل خسر مبلغاً كبيراً جراء الاتصالات الهاتفية الكثيرة إلى تلك البلد!!

أعاد الأولاد من مدارسهم  إلى البيت !! خرج إلى الإنترنت... ثلاث ساعات وهو يتابع ما غمّ  وهمّ في انتفاضة الأقصى !!

ذهب إلى المخبز... ارتطم وجهه بقوة  في الجدار الزجاجي !! تدفق الدم من أنفه... دارت به الأرض دورتين أو أكثر... عاد إلى توازنه بمساعدة الآخرين !! بعد ذلك السؤال:"ما رأيك في السعادة والتعاسة" !! ضحك من أعماق قلبه، شعر بالسعادة تغمره، تذكّر أن "شر البلية ما يضحك".

وأخيراً استطعت أن  أصل إلى موقع السعادة الحقيقية ، فإن كان وجدها الكاتب الفرنسي برناردين دي سان بير في رواية " الكوخ الهندي" ، فأنا شخصياً ، وأعوذ بالله من كلمة أنا ، وجدتها  في "شر البلية ما يضحك "!!

تداعيات الهجاء

hmanasrah | 26 آذار, 2009 15:23

تداعيات الهجاء

                     قصة : حسين المناصرة

تعودت أيها القاص المنتفخ أن تنزع قصصك عن الواقع نزعاً ، تهرب إلى المجرد ، الغامض ، الرمزي، المنقطع عن التواصل... تردد كالببغاء:على الآخر أن يفهمني، أن يعيد إنتاج ما أكتب، أن يكدّ ذهنه وجوارحه كلها ليفهم...

إن لم يفهم فإلى الهاوية ،كل القراء الذين لا يفهمون ما أكتب إلى الهاوية،أنا لا أكتب مادة مستهلكة ،  لا أكتب "بورغر"و" آيس كريم" و"  سفن أب"، أكتب لغة فوق اللغة، مختلفة،  أسطورية جديدة... ليست مهمتي أن يفهموني...

حتى يفهم الآخر عليه أن يكد ويكد ويكد... أن يفهم شيئاً واحداً، هو أن لغتي تحتاج إلى قارئ عبقري،مختلف، منتج ،أسطوري،يمتلك جماليات خارقة يستطيع بوساطتها أن يفكك كتابتي إلى مزيد من الذرات؛ ليصل إلى أعماق أعماقها بتآويل عجيبة غريبة،أن يعيد كتابتها في مئات الصفحات... هذه  الخرافة!! هكذا بدأت...

هكذا ستتوقف قصصي  بعد أن أموت لتخلد في أذهان القراء،تشير دوماً إلى أنني عبقري زماني، لم يفهم أحد ما أقول ،ولن يخلق فيما بعد من يفهم... بكل تواضع أقول:من هنا تبدأ عبقريتي الخالدة...

                                * * *

ماذا تفعل الآن تجاه " حكايتها " ؟! انتظرت ولادتها خمسة عشر عاماً ؟! قل ماذا تريد أن تكتب عنها ؟! هل تكتبها بلغتك المعهودة ؟ أم تكتبها بلغة مباشرة  واضحة... ؟!

  عبر ثلاثين عاماً  تكتب بلغة تجريبية ، حداثية ، تكسر المألوف والمستقر ، تهدم الجماليات كلها، تتمرد على الرؤى كلها ، كنت رمزاً من رموز الكتابة الجديدة... لم تدرك يوماً أنك  تزداد عقماً يوماً بعد يوم...

عليك الآن أن تعلن جنازة أكثر من ثلاثين كتاباً نشرتها، بلا نقطة دموع. جعلت الآخرين الببغاوات يرددون اسمك ، كبطل ورقي للكتابة السريالية  المعاصرة ...

الببغاوات تردد لغتك في مقالات نقدية لم تفهم منها شيئاً .  أعداؤك كتبوا عنك بإعجاب خوفاً من أن يُتَّهموا بالتخلف والتقليدية... مسكين أنت ، هم أكثر مسكنة منك ، تضحك على حالك عندما تتصور  نفسك عبقري زمانك، داخلك الأعمى يعرف أنك هش ، ممسوخ بين ألف ليلة وليلة ووليم فوكنر... كنت في المحافل طاووساً فوق رءوس الجميع ، وأنت لست بأكثر من أعقاب سجائر ملقاة على أطراف المقاعد في مقهى قديمة، يديرها رجل عجوز لا يرى الأشياء بوضوح...

 ماذا عليك أن تفعل  تجاه حكايتها ؟! هل تكتبها بسرياليتك الفجة "العجة" ، أم  تكتبها كما حدثت في الواقع ، هل بدأت تشعر بأن خيالية الواقع أكبر من خيالية كتاباتك كلها... لماذا لم  تصدق في الماضي أن بعض ما يحدث في الواقع  أكبر من أية كتابة، من أية قصيدة شعرية  أو ملحمة أو رواية رباعية أو لوحة تشكيلية ضاجة بالألوان؟!

 اشحن الآن نفسك بالدراما التراجيدية ، اكتب مأساتها البسيطة لتنسف العالم القبيح من حولك.. عد إلى ذاتك مرة واحدة... قل :إلى الجحيم تلك  الحقوق التي تخص حرية الإنسان... إن بقيت الحرية  توضع في هذا العالم للأقوياء... أنت سخيف ، ضعيف ، عاجز منذ ولادتك ، ربما ستبقى على هذا إلى موتك... من المهد إلى اللحد ، كما يقولون.

 أيها السريالي الغبي، الطبل الأجوف ، أنت تسير إلى الهاوية... هيا... هيا... قم الآن  من رمقك الأخير ،اجمع كتبك، نسخة واحدة من كل كتاب  تكفي، أشعل النار بها، تعرّ من سخافاتك ، اكتب مرثية وحيدة يفهما الناس... يبكون... يغضبون... يفعلون شيئاً!!  قم أيها العاصي الآن ، في هذه اللحظة بالذات ، اهدم عرشك السفسطائي الديماغوجي النتن... لا تندم على شيء ، عليك أن تندم، إن ندمت ، لأنك لم تفعل هذا منذ سنوات طويلة، سنوات الشباب، كنت أخرق ، وما زلت إن لم تحرق كتبك ..قل لها إلى الجحيم... اكتب قصة عن حكايتها، وهي التي لم يتجاوز عمرها أسبوعين ،تحمل شقاء العالم كله ، هل لها وطن ؟ أم أنها مشردة؟ أم أنها "بلا" كإخوتها الصغار... لماذا لم يسمحوا لها  أن تعبر... لماذا تحمل وثيقة  لم يعترف بها إلا في المواسم.. بأية  صفة ستعيش؟!!

لن تصدقوا أنها (إسراء) تنام لحظات... ثم تصحو مذعورة ،تصرخ ، تنام ، تصرخ ، تنام ، تصرخ ، تنام تصرخ... رخ .. رخ .. رخ .. رخ .

الرخ طير أسطوري يتغذى  كبد البشر .. اكتب أيها العاصي عن الرخ... ... الغول... الذئب... الثعلب... الحيوانات البشعة التي تحاصرها بقيودها ، وحوش تتمدد  لتحاصر طفلة رأت النور أمس... سارت بين حقول الألغام  وبقايا الجثث... رأت الدوائر تعج بتبغ "الماربورو" ، عاصرت الحدود المتقيحة هنا وهناك وهنالك... في الأمكنة المزروعة بالقيود وأسياخ الحديد... تنام  على هدير أصوات السيارات... تزكم روائح البول والعوادم أنفها... تعرق... ينسلخ جلدها الرقيق..اكتب أيها السريالي المتوحش عن كونك عشت أوهام الثقافة والإبداع ، الهمس قرب آذان الغواني في ملاهي الليل... بعيداً... لا شيء يقربك من مأساة واقعك سوى أحشائك تنفض روائح الخمر وعرق السجائر... كنت تحلم... أصبت بتخمة انهيارات الحلم لثلاثين عاماً في ثلاثين كتاباً ، في ثلاثين دولة ، في ثلاثمئة حفلة، في ثلاثة آلاف دولار ، في ثلاثة ملايين كلمة سريالية..في ثلاثين مليار حرف عن العروبة... أيها الأحمق  غدوت عارياً متقيح الجسد، متبخر العقل، مهدود الحواس والمشاعر  أمام حكايتها  البريئة... البرعم الذي تفتح على المواجع وآثام الصراع بين القبائل... وشريعة الوأد التي تدفن الفقراء..تداعيات ... كنت وما زلت...

"أنا سيد الناس ولغتي سيدة الكلام...

كابوس يقلق المضاجع الآمنة.. ولغتي زانية تكشف العورات...

فارس الكسر  والتعفيص والرفض للنعم ولغيرها  أيضاً ،ولكل الكلام !!

ولغتي فرس جامح  تهب كإعصار  المساء يحيل الديار إلى الهباء والعدم...  "

من أنا ؟‍ ‍! ما لغتي ؟! كيف أكون من غير أن أكون !!إنني أعلن فشلي أمام حكايتها... عروس الحياة... كومة القيود منذ آلاف السنين... كومة القرارات السريعة !! اكتأبت... اضطربت... ثارت... لم تعد تسمع أغنية جميلة !! لم تعد تفرح بعرس الحلم الكبير في وطن غير آمن من غير سوء !! اللعنة !!

                                        ***

 حكايتها :وردة برية ولدت من رحم الفرح  في البراري المقفرة... عاشقة للحياة، للنور ، تشرب الرياحين من عروق أمها... حورية تسبح في بحر هادئ لم تأته زوابع الصيف... أو أعاصير الشتاء... الأرض كبداية الخلق بعد الطوفان... لكنها لمّا ولدت تحولت   إلى طوفان  تسيّره الذئاب...

قصة غير موفقة... الطابع فيها  رومانسي... يهيمن عليها ثنائية الأسود والأبيض... كما أن اللغة هنا غير مقنعة... قد تؤدي إلى تفكك "تأزم الفكرة" ، ومن ثمّ تكون حكايتها ضحية لرومانسية الكتابة... عليّ أن أغيّر السيمفونية... أن أعزف على لغة أخرى ...

* * *

كان يا مكان في قديم الزمان ( تحاشياً لمقص الرقيب ) أيها السادة الكرام ،طفلة اسمها إسراء، ولدت في حجر والديها كما الشمس في حالة الإشراق ، أو القمر في لحظة اكتماله... وكان الغول الملعون  قد ملّ من وحدته منذ أن عرف بولادتها ، سمع عن جمالها، قرّر أن يخطفها ، لتكون ابنته... وربما عندما تكبر يجعلها زوجته!! أخفى الغول نفسه في صورة أمير شاب ، ذهب كفارس شهم إلى بيت الراعي حسن والد إسراء،قرر في نفسه أنه سيسرقها  عندما ينام والداها ، أو أن يضع لهما مخدراً في الشراب ، فيسهّل من مهمته... المهم أن يخطفها !! خطفها... أخذها إلى  الأهوال... إلى قصره فوق الغيوم... لم ترضع من ثدي... لم تقبل أن تأكل من يد... لم .. لم .. لم.. وبعد ذلك... قرر أن يخطف أمها... وأن يقتل أباها !!

 تبدو حكايتها هنا غير مقنعة..لأنّ النهاية يجب أن تكون سعيدة كما عودتنا الحكايات الشعبية؛ أي أن يُلمّ الشمل بين إسراء ووالديها ، بعد أن كبرت في كنف الغول... يبحث عنها  ابن عمها في البراري... ينادي :"إسراء يا بنت الغول دلي لي شعرك لأطول"،تدلي له شعرها،تخفيه عن عيني والدها الغول الذي يشم رائحة الإنس ،تصرخ في وجهه : إنك جئت  بالرائحة في أذيالك .. ينام .. يقوم ماجد العربي  ابن عمها ، يتناول سيف الغول... يضربه ضربة واحدة ،يعود بها إلى أمها  التي ما أن تشم رائحتها حتى يرتد إليها بصرها،يعود الماء إلى العين  التي جفت بعد أن خطفت!! أقيمت الأفراح والليالي الملاح ،تزوجا( ماجد وإسراء)،وعاشا في سعادة وهناء ، وأنجبا الصبيان والبنات!!

* * *

على أية حال لا يوجد أضمن من الأسلوب الصحفي... على طريقة المراسلين الصحفيين ، لأقص حكاية إسراء بخطابية صحفية تثير القراء ، تستحث شفقتهم... بعدها بلحظات ينسون؛ لأن التلفاز سيبث أغنية لعمر ذياب وحوله مئة بنت بأشكال وألوان ، أو لكاظم الساهر وحوله العدد نفسه في شكل واحد ، أو .. أو .. أو .. كلهم في الهواء سواء... كأننا شعب لم يعرف المصائب... حياتنا رقص وغناء والمصايب فوق رءوسنا تزخ زخاً...

ما زالت  حكاية ابنة الخمسة عشر يوماً على حالها... لم يسمح لها الكيان الصهيوني بالعبور ، بحجة أنها تحتاج إلى مرافق غير أمها التي لا تستطيع أن ترافقها مسافة مئة متر لكون مسارب  العبور متناقضة... ومما يجدر ذكره أن والدتها وضعتها  في الشهر السابع ، وهنا مكن الخطأ إذ كان من المفترض أن تلدها بعد تسعة شهور. لذلك حمّلت  سلطة الاحتلال المسئولية لسلطة أوسلو  التي عدتها المسئولة عن كل ما يحدث لإسراء بسبب أن هذه السلطة الأخيرة  لم تعمل على تأخير الولادة... وصرح مصدر غير مسئول، لم يفصح عن اسمه، أن بإمكانها  المغادرة بشرط أن توقع على وثيقة تقرّ فيها بأنها لم تعد مواطنة!!في ضوء ذلك وبناء على تضاد وجهات النظر، صرح الناطق باسم حقوق الإنسان بأن...

اللعنة،هذه ليست قصة هذه مأساة جرائد ،تغلف الأشياء بلغة خطابية لا تتغلغل إلى داخل الحقائق، كما أنها لغة ركيكة ، وغالباً ما تكون مليئة بالأخطاء اللغوية والمطبعية..

                                * * *

أليس من حقها أن تبدي موقفها الخاص؟!على المبدع الحقيقي أن يجعل الشخصية تنطق بما في داخلها،أن يفجر أعماقها كما يراها في حقائقها الآنة بالصرخات الإنسانية الموجعة !!

هيا لنغير الحكي إلى طريقة أفضل،إلى أسلوب أكثر حميمية عن طريق العزف على أوتار المشاعر  الكامنة في مأساة إسراء الجوانية!!

* * *

قالت الأعرابية " يوم ولادتكم بشارة لموتكم "... كلنا سنموت ما دمنا قد ولدنا.. سبحان الذي أسرى بعبده من مكة... إلى الأقصى... فكان المعراج !! نحن في هذا العالم كبش فداء نسري من هنا إلى هناك أو هنالك... لا نعرج  إلا إلى المزيد من الآلام... ليس من حق الآباء أن ينجبوا أطفالاً... ربما عليهم أن يستشيروهم  قبل أن يوجدوهم !!

في ليلة ظلماء هتف الهاتف في ذاكرة " دنيا" ستحملين طفلة،سميها "إسراء"... مباركة هذه الفتاة الفاضلة...!!

ألحت عليه كثيراً... سننجب هذه المرة بنتاً... سأسميها إسراء كما سمعت في المنام... اسمها إسراء... ألا تستطيع أن تقدر هذه البشارة!! البيت بلا بنات كأنه بيت "عزوبية"... كأنه غصن زيتون جاف... لا بد أن تكون الولادة  عند الأقصى!!

                                * * * 

تبدو هذه الكتابة ستحول القصة إلى رواية... المساحة شاسعة بين إسراء هاجساً في المنام... وبين إسراء بعد أسبوعين من ولادتها ، إذ علينا أن نضيف أسبوعين إلى عمرها في بطن أمها ، وأيضاً أسابيع كثيرة قبل أن تحمل بها أمها... القصة طويلة عريضة... قد تطول الرواية في بناء العقد الكثيرة المتشكلة في  الأسبوعين  من عمرها الحقيقي بعد الولادة...  

أعدكم بعد أن طرحت لكم مشكلتها  أن أكتب قصتها بطريقة جديدة تختلف عن هذه الطرق التي اعتمدت فيها أسلوبي السردي الذي تعودت عليه طوال ثلاثين عاماً... سأترك القارئ يكتب القصة التي يريدها... ولعل المهم، من وجهة نظري، أنكم الآن عرفتم أن إسراء واقعة في مشكلة كبيرة ، وأنها  تبحث عن حل لمشكلتها !! أو دعونا ننتظر  حكايتها فيما بعد!!عندما تكتبها بنفسها‍‍!!

الذبابة الزرقاء

hmanasrah | 26 آذار, 2009 15:19

الذبابة الزرقاء!!

                   قصة : حسين المناصرة

لثلاثة أيام متتالية يحاول أن يصطاد ذبابة تحاصره في الغرفة الضيقة...

وحده كان يعيش مطمئناً... وفجـأة بلا مقدمات ظهرت بين عينيه ذبابة !!

بودّه لو يقتلها شنقاً... لكنه لم يستطع أن يمسك بها بالطريقة التي تعود عليها قبل ذلك  في محاربة الذباب... كان يلقي الكتاب بخفة، فتقبع تحته  أية ذبابة  معادية مخنوقة آنة ، ثم تغيب في الموت  الرهيب...

في اليوم الأول كانت الذبابة صغيرة الحجم ، بأجنحة يانعة قصيرة... كأنها فقست  لتوها من بيضتها غير المرئية التي وضعت في الغرفة بطريقة الخطأ،والأرجح بمؤامرة ذكية...

لعبت به هذه الذبابة  منذ  ظهورها "حيص بيص" أو "شذر مذر" كما يقولون... وهو يظن أنه كان وما زال يسيطر على الوضع بأكمله ، هكذا رتّب الأمر، ولا مانع أن يلعب مع ذبابة لعبة "القط والفأر" ، هو القط وهي الفأر...  ربما هكذا تصور نفسه في لحظة عبث... وقد قالوا: الذي لا يجد من يقاتله يقاتل ذباب قفاه...

يذهب ليتغوط  في الخلاء... يهجم الذباب على فضلاته  النازة  من المؤخرة.. يتقاتل مع الذباب وقد  أحنى جذعه حتى  أفعمت الرائحة منخرية  المنتفخين، وتدلت شفتاه بامتداد حرارة الشمس !! حكاية غريبة، وسخرية سخيفة  !!

 ولكن هذه الذبابة هاجمت غرفته العادية... ومن حقه أن يدافع عن ممتلكاته، حتى وإن كانت  هذه الممتلكات  كما يشعرونه  غير ثمينة... فالأمر ليس فضلاته  المتسربة في الخلاء ، بعيداً عن وطء المارين... إنها غرفته !! أليس معه الحق كله  أن يقاتل الذبابة حتى الموت؟!!

في اليوم الثاني بعد أن اختفت الذبابة ليلا "زنّت"  فوق رأسه  غافياً من شدة الإرهاق ، فجاءت زنّتها  كأنها رعدة حلت فجأة بلا " حاذور أو تستور " كما يقولون ! قام من نومه فزعاً... نظر إلى الجهات  كلها.. شاهدها  ساخرة منه... توقفت للحظات على الجدار المقابل لعينيه المشبعتين بالحمرة، تأملها وسناً كسولاً... فرك عينيه  الخاملتين جيداً... كان حجمها أكبر من أمس بقدر الضعفين!! إنها  الآن تبدو ذبابة متكاملة بالغة...

 ربما تنظر إليه بتشف أو بسخرية،كأنها تقول له، كما يتصورها  طبعاً : لن أتركك بعد الآن في راحة أو سلام حتى أقلعك من جذورك !! حاول قتلها بوسادته، بغطائه،بحذائه، بجسده ، بكل ما حوله،يلحقها  "قرنة إلى قرنة"...

وأخيراً ، عاجزاً ،حكّ قفا رقبته... هنا تذكر كلام جدته : "من يحك قفا رقبته، منكم يا شطار، معناه أنه مهزوم!!".

في كل محاولة  لحربها  بطريقته العفوية الخاطئة خسر شيئاً !! لعلّ انقلاب أثاث غرفته، كما ظن ، رأساً على عقب  الخسارة الكبرى!! فلو رأى أحدهم  هذه الحالة لما صدّق أنه تعارك مع ذبابة اقتحمت عليه سكونه الذي تعوده الآخرون، على قلتهم، منه !!

 تعبت يده اليمنى من حمل الأشياء أثناء المعركة الأقرب إلى الحلم الكابوسي... تناثرت كتبه وأوراقه... تمزق بعضها !! قرر أن يهدأ لبعض الوقت ، يتأمل حاله المهشّمة... أغمض عينه اليسرى ، راقبها بضيق انفتاح عينه اليمنى،  أبدت أنها تتمتع بإغاظته متنقلة من  بقعة إلى أخرى؛ تنفث الجراثيم... مبددة بأزيزها سكونه  الرهيب... دافعة به إلى التفكير بالجنون في أية لحظة ، لانفلات التوازن من مسامات جسده شبه المعرّى!!

في اليوم الثالث ، الصباح تحديداً ،اقتربت الذبابة ،وهو نائم ،من شاربيه ،كادت أن تقف عليهما... ربما قصدت أن تتلاعب بأنفه ، لتفعل ما فعلته جدتها التي دخلت أنف " النمرود " ثم رأسه !! صفع وجهه بصفعات مؤذية... هربت إلى الجدار المقابل !! تنظر إليه!! استغرب من لونها الذي تحول من الأسود إلى  الأزرق.. اللون الأزرق في الذباب  يعني لون القتل والسم !! لا شك أنه ارتعب كثيراً ، وهو يراها أخطر مما تصورها !! تيقن أنها من النوع السام لمّا ضربت الجدار برأسها ، تصور الجدار آناً أو متأذياً من هذه الحركة السامة !! الذبابة الزرقاء غير الذبابة العادية السوداء...

الأمر لم يعد على نحو:" إذا وقع الذباب على طعام ، رفعت يدي، ونفسي تشتهيه"، أو "إذا وقعت ذبابة في كوب الشاي، اغمس جناحيها فيه، ففي أحدهما السم، وفي الآخر الشفاء"... المسألة أخطر بكثير... هذه ذبابة زرقاء، غريبة، يراها لأول مرة... قرأ كثيراً عن ذباب الهكسوس، والتتار، والرومان، والأتراك، والإنجليز... ولم يجد ألعن بل أقذر من هذه الذبابة !!

فتح المنجد المتوافر لديه لينظر الفعل ذبب ، صدمته المعاني: الجفاف، العطش، الهزال، الجنون، دخول الذباب  في المنخر، الطاعون، الشؤم،الشر الدائم... وأخيراً " الذباب حشرات... وهي أجناس شتى. كثيراً ما تتغذى بالأوساخ، فتنقل الجراثيم والأمراض" وأيضاً " أرض ذبوبة ومذبوبة كثيرة الذباب"... صفع جبهته صفعة قوية... همس: غرفة مذبوبة كثيرة الذباب !! اللعنة !!

لبس عتاد المعركة والملابس الواقية،للذبّ معنى وحيد إيجابي: الدفاع عن الأهل  والقوم  !!

ارتعب من فكرة أن يموت  بلسعة ذبابة!! ربما تخيّل نفسه بعد اللسعة ينام حتى يموت!!

أعلن الحرب عليها بلا هوادة... وضع السكاكر المسمومة في مواقع عديدة لاصطيادها .. تأكل كل ما تريده... بل تتحرك بحرية تامة في غرفته... ترعبه بقدرتها على التحدي... ما أن يحاول قتلها  حتى تهرب منه نزقة فرحة ساخرة... يتألم وهو يتلقى صفعاته الحادة على جسده الموجوع... لم يترك جزئية من جسده لم يتصور الذبابة واقفة عليها... فيوجع نفسه ضرباً !!

قرأ الكتب عن  مخاطر الذباب... اشترى المبيدات المتاحة!! حاول معها بكل الكلمات الطيبة!! فتح النوافذ لتخرج من غرفته تلقاء نفسها بسلام... وعدها أن يساعدها قدر استطاعته إذا قررت أن تعيش بعيداً عنه.. لم يترك وسيلة للخداع إلا  وأغراها بها،  المهم أن تخرج من غرفته... بكى بحرقة متوسلاً أن تغادر غرفته... كانت تحاصره غير مبالية  بانكباسه في عنق الزجاجة !!

 غابت عن ذهنه فكرة أنها تضع البيوض في كل مكان تقف عليه... البيوض  التي لا ترى بالعين المجردة... أرعبته الفكرة عندما اشتعلت في رأسه... الذبابة غير مبالية بحربها معه... إنها ذات هدف لعين، هدف استيطاني... أن تضع البيوض في كل مكان!! تصور الغرفة ممتلئة بالذباب!! مستعمرات ذبابية تنتشر في  كل أنحاء غرفته! حتى ملابسه لم تخل من نفاياتها!! ماذا بإمكانه أن يفعل تجاه هذا الذباب اللعين،هو الآن عاجز عن اصطياد  الذبابة الأم ؟!

جنّد كل الذين يعرفهم من خلف الجدران... حدّثهم عن الذبابة الزرقاء... استهتروا بأفكاره... ربما سخروا منه... كيف يرتعب هذا العملاق من ذبابة ؟! بعضهم حاول مساعدته لرفع العتب، لا أكثر ولا أقل... بعضهم ما زال يخطط!!

الذبابة لم تترك لهم مجالاً لينجحوا في دحرها ، أو هز شعرة من رأسها... أو ثنيها عما جاءت من أجله !! ناموا مع شعاراتهم الرنانة، المحذرة، المستنكرة، الشاجبة، الداعية إلى عقد مؤتمر دولي لحل مشكلة الرجل المذبوب مع الذبابة الغازية!!

الذبابة غدت ذباباً... هو غدا بين فكي الكماشة... تناثرت أشياؤه هنا وهناك... الذبابة وبناتها  يجعلنه أسيراً  مشرداً  مذبوحاً !! حكاية الرجل الذي اغتصبته ذبابة!! وخلفت منه ذبابات  كثيرة!!  حكاية أسطورية !! الذباب يهجم على رأسه!! يقاوم.. قاوَمَ(بفتح الميم ) ... قاوِمْ( بسكونها) ...

الذبابة الأم لا تمانع أن يبقى معها في الغرفة بشرط أن يحترم  حق الذباب في الوجود، أن يقتنع بأنه ذبابة  تعيش بين الذباب... عليه أن ينسى إنسانيته... رجولته... عقله... تاريخه... أرضه... أشياءه الخاصة... أن يتفانى في رعاية حقوق الذباب والأرض الذبوبة أو المذبوبة! عليه أن يتنفس الهواء الذبابي بكل ارتياح... أن تكون حقوقه أقل من حقوق أية ذبابة  مقموعة  من بقية الذباب!!

إنه غدا ذبابة !! لكن حجمه أصغر بكثير من حجم الذبابة التي استعمرته … اقتنع أخيراً أنه  راضٍ بدور " الهسهسة" !! إنه الآن  ابن(...) !! آسف... ابن ذبابة!!

حارب نفسه الذبابية... رأى نفسه يخنق نفسه برش المبيد... هبّ من نومه صارخاً يابس الريق... حمد الله على أنّ ما رآه  كان كابوساً... ثم فكر: ربما هو حقيقة بطريقة أو بأخرى!!  

الليل وحليمة

hmanasrah | 26 آذار, 2009 15:15

الليل .. وحليمة

                        قصة : حسين المناصرة

 

توقفت  إشارة منبه الساعة الجدارية على الحادية عشرة ليلاً... كان الصمت عالماً رهيباً؛  يلف المكان بطبقات من التوجس والترقب وانتظار  اللحظة العصيبة المواتية  بين طرفة عين وأخرى... نباح الكلاب  العابث  الأهوج  الصوت الوحيد  الذي يخربش وجه السكون الممتد إلى قعر بئر رهيبة !!

كان الوادي الأصم خالياً من البيوت الحجرية... عرائش من الطين... بيوت شعر متناثرة هنا وهناك !! سماء داكنة باللون الأسود ، والنجوم لا تكاد تظهر لمعانها  المعتاد في  الليالي القليلة المقمرة !!

خربشات تصدر أحياناً  عن عبث القطط ، أو حركات الماعز، أو "عنفصات" الحمير ، أو أية حركات أخرى غريبة في زمن  مشبع بالحذر الذكوري،  ونعاس النساء ، ونوم الصغار!!

كان نهار اليوم  من صباحه إلى مسائه  شاقاً ممتلئاً  بالترقب وبناء السدود  والمراقب  لمراقبة  خارج المكان  والتسلح ضد الأشياء الغريبة... الكل مارس العمل ، رجالاً ونساء وأطفالاً وشيوخاً !! لقد تعوّدوا  على الطوارئ... المكان محاط بالرعب... يستعدون نهاراً... ويراقبون ليلاً  بعيون حراس تعوّدوا  على أن يكونوا محلّ ثقة الجميع بهم !!

العالم الآخر يموج بالخراب... وهم هنا يحاولون قدر المستطاع أن يحاربوا الخوف  والجوع... والمجهول أولاً وأخيراً !! هكذا رضعوا الحرص مع حليب أمهاتهم !! ولما كبروا ناموا مع زوجاتهم بعيون مفتوحة  يقظة ، حتى انزرعوا  في أرض  غرائز البقاء بكل عنفوان وتجدد!!

إنهم يعملون نهاراً... ويراقبون ليلاً...

النهار ليس خطراً... أربعة أشخاص  يستطيعون مراقبة الجهات الأربع... يرون على مدّ البصر كل الأشياء الغريبة !! لا خوف من النهار!!

 الليل البهيم موطن الخوف والرعب .. يحتاج إلى حراسة مشددة .. مئات السنين والليل يحمل المجهول !! التوقع  بالشر !! وحكمتهم"الليل بلا عيون،فكونوا حذرين"...

سنوات عجاف مرت  على العجوز الذي يروي  حكايات الحذر عن أجداده !! كان الليل الأعمى مصيبة تواجههم جميعاً !! وفيه جندوا بدل الأربعة أربعين  للحراسة ، وأحياناً ثمانين ، وفي الأوقات العصيبة مئة وعشرين... وقد يصل العدد إلى مئتين وأربعين  في الجهة الواحدة عندما  يلبسهم الرعب!!

فقط يراقبون  بعيون البوم والقطط البرية... إنهم خفافيش ليل!!

المجهول يترصدهم... فيحاربون رائحته في صوت البوم... ونعيق الغربان... وهبوب الزوابع...

لم يحدث أن هوجموا يوماً ما... ومع هذا كانت مراقباتهم تزداد يقظة... وتشتد حرصاً... قاعدتهم في ذلك :" من مأمنه يؤتى الحذر"!! الخوف يشتعل في رءوسهم... الشعور بالأمان  موطن الرعب الأول الذي يسكن الليل الأصم !!

النساء حذرات حتى الثمالة... الأطفال يرضعون الحليب وعيونهم تنظر إلى  المدى... الرجال لم يتعودوا الانشغال بسخافات الحياة الآمنة... هم مستفزون... يتجولون... يراقبون... يخططون!! وإذا سمعوا بوماً افترشوا قلقهم... وإذا طار  فوقهم غراب تلحفوا بالخوف... وإن شاهدوا زوبعة، يخترق رأسها الفضاء، ظنوا أن الأرواح الشريرة  تستعد لحربهم!!

صنعوا كلّ ما يحتاجون إليه من معدات الحرب!! تسلّحوا بالعصي، الأدوات الحادة، الحجارة المسننة ، الخيول المجهزة... وفي النهار تدرّبوا على كل شيء إلا الراحة  المحذوفة من قواميسهم !!

 أخيراً ،عندما  توقف عقرب الساعة الجدارية على الحادية عشرة تقريباً  وبلا مقدمات، أدركوا أن  في الأمر خطراً كبيراً ، إذ كيف يمكنهم أن يثقوا بالسلامة مع هذا التوقف العجيب؟!

منذ مئات السنين والعقرب يجرّهم من حذر إلى حذر أكثر فاعلية... ومع هذا التوقف يغدو الزمن حالة خوف رهيبة... يناقشون المسألة ليل نهار... كثر الخطباء... زاد عدد المتقعّرين بالمفردات !! توصلوا إلى أن عدوّهم كان  استمرار الزمن... وها هو قد توقف أخيراً... عليهم أن يتوقفوا مثله !!

خيّم عليهم النعاس... استغرقوا في النوم... اكتفوا بمراقبة العالم الآخر عن  طريق الدشات الفضائية الجاثمة فوق سطوحهم... وقعوا في بحر الدعة  والبطر!! غاب الحذر... غاب الخوف... غابت المراقبة... تساوى الليل بالنهار... الأشياء كلها لم تعد ذات جدوى... حظائر من البشر... يثرثرون... يأكلون... يشربون... يتغوّطون...!! عجول بشرية  بدينة!!  الآخر يطعمهم... الآخر... الآخر يرقصهم... الآخر ينتهكهم... يمتص دماءهم... والغريب أنهم مقتنعون بكونهم حضاريين!!  عالم ثالث يموج بالخرافات والأكاذيب !! ليلهم رقص... وموتهم بلا ثمن!!والعارفون منهم ، يقولون بحسرة غامرة : "ألا ليت حليمة تعود إلى عادتها القديمة"!!

تضاريس الشيخ فياض

hmanasrah | 26 آذار, 2009 15:08

تضاريس الشيخ فياض

                           قصة: حسين المناصرة

 عندما تنظر إلى وجه الشيخ فياض،  ينتابك شعور من البؤس المزمن الذي يجعلك تأكل أظافرك القصيرة، وتحك كثيراً  في قفا رأسك غير المحلوق...  

خارطة العالم تكوّن ملامح وجهه الشديد  التجعد...

كنت مصراً على أن أرى خارطة فلسطين ، بصفتها تجعيدة في بحر تجعدات وجهه الجاف... ثم أكتشف فجأة أن خارطة العالم في هذا الوجه الذي تجاوز مئة عام، لا تلبث أن  تتحول فجأة أيضاً إلى خارطة  خضراء لفلسطين، إلى  خارطة مليئة بالحجارة والأطفال، وأشياء أخرى تشوه الوجه كحبيبات سرطانية سوداء... تصورتها للحظة مستوطنات، ومعسكرات، وقاذفات صواريخ... صهيونية!!

 كان الوجه مؤذياً من خلال هذا التصور القبيح للوجود الصهيوني في فلسطين.. لكنه الواقع السرطاني على أية حال...!!

فجأة ثالثة أو رابعة ،  لعنت الشيطان، وانتبهت إلى أنّ ملامح الوجه ينبغي أن تكون طفولية... وفعلاً كانت هذه الملامح هي الأكثر تجلياً... في هذا التصور القمحي رأيت الأطفال يخرجون من مدارسهم  في صباح ندي ، يحملون الحجارة؛ لينفضوها  في نوافذ الدبابات المصفّحة...!!

* * *

كان الصمت يخيم على المكان الذي  يواجه الشمس الخفيفة في عصرية شتوية في مدينة الرياض ، يصمت الشيخ فياض ، ولا تعود تعرف هل هو نائم أم سارح في ذكريات بعيدة ؟!! ثم لا تلبث أن تسمعه  يصرخ  فجأة :

- يا ولد، ابعد عن الحيط  ؛ لَيْكُر وتدفنك الحجار... يا ولد،اسمع الكلام   !!

- صلّ على النبي يا حاج فياض ،  لا ولد، ولا تلد،  ولا حيط !! ما في غير جدران إسمنتية ، بعدين أنت في المدينة!!

- ما أنت شايف الولد يلعب على الحيط... هذا مش ولد... هذا جني مقرود !!

- بسم الله الرحمن الرحيم... طيب، يا ولد... ابعد عن الحيط... هيو راح...

- راح ؟!!

- راح ..

- ما ظل عندي نظر  يا بعد عمك ، أكيد راح !!

- أحلفلك بالله إنه راح ؟!

- خلص ، مصدقك !!

هذه عادة الشيخ فياض ، لا يقتنع إلا بمجاراته في أي موضوع يطرحه من ذاكرته... في صحوه يهذي ، وفي نومه يهذي!!

 تشعر أنه  يعيش عالماً اختفى منذ خمسين  عاماً ، بل أكثر... خاصة عندما تجده يخاطب " نعمة" يقول لها : "  يا بنت، وين الشاي "...

نعمة زوجته ،توفيت قبل عشرين عاماً ، كانت أكبر منه بعامين  عندما تزوجها، وما زال يناديها  : يا بنت !!

* * *

على الرغم من أنّ  تضاريس وجه الشيخ فياض  التي تريك وجهاً  مرتبكاً جافاً؛ فإنك لا بد من أن تكتشف فجأة عاشرة أو أكثر، أن هذا الوجه بلا تضاريس، يكون هذا  تحديداً في اللحظة التي يبدأ  فيها منتشياً يقص عليك  حكاية  " أبو زيد الهلالي"...

 يقصّها عليك كلها أو أجزاء منها... وقد سمعتها منه أكثر من مئة مرّة ، وفي كل مرة يتصور نفسه أنّه يقصها للمرة الأولى، ولا بدّ من أن تُظهر له أنك مصغِ؛ لأنه يسألك دوما : " سامع... نمت... وين وصلنا... فاهم... ".

 ولا بد من أن ترد  عليه ؛ لتشعره بانتباهك وحرصك  على سماع القصة، وكأنك تسمعها فعلاً لأول مرة ، وتشجعه ببعض العبارات بين الفينة والأخرى على أن يتابع... وهنا يفتح عينيه، وكأنه  يمتلك  عينين  شابتين... فيبتسم لك، ويؤكد مراراً – هامساً لك -  أنك الوحيد  الذي " يستاهل" أن يقصّ عليه هذه الحكاية العظيمة... وينتشي أكثر فأكثر وهو يتغنى  بأشعار  أبي زيد الهلالي   في الغزل  والفروسية !!

* * *

كثيراً ما تتكشف لك تضاريس وجه  الشيخ فياض البائسة  في لحظاته اليائسة، وخاصة عند معاناته من الإمساك؛ إنها حالة أكثر  سوءاً من الموت ، وهنا  تحديداً  تسمعه يردد كثيراً :" يا الله حسن الخاتمة "!!

لا ينبغي أن تسأله عن الماضي ، وإن سألته يقول :" خلّ الأموات في قبورهم مرتاحين "!!

* * *

في لحظة عبقرية شدّ  فيها الشيخ فياض ملامح وجهه ، ونظر إليّ نظرة  تتقصد أن تزن  حجمي المتضعضع؛ ليثق بي، ثم قال باهتمام شديد... اسمع... خذ مني هذه الوصية يا بعد عمك :

-هذه الصحراء لا تصلح للسكن ، أبو زيد الهلالي هرب منها إلى الجبال... في آخر الزمان ستقوم حرب ، وحينها لن تجد  مخبأ في هذه الصحراء... اترك الصحراء  وهاجر إلى الجبال، أسلم لك وأسلم لأولادك ومرتك !!

- يا شيخ فياض ، الله يطول عمرك... آخر الزمان بعيد عنا !!

- بعيد... بعيد...!! بديت تخرّف... باقي على آخر الزمان  عشر سنوات أو أقل!!

- طيب يا عمي ، طيب... أكيد لازم نهرب إلى الجبال  في أقرب فرصة!!

 - هيك بديت تفهم ، ما تخرّب العلاقة بيني وبينك... أنا بأقول : إنك بتفهم... بدك تصير مثل  التيوس، خليك في الصحراء!!

رحم الله الشيخ فياض ، توفي منذ أكثر من عشرين عاماً... لم تقم القيامة ، ولم أرحل من الصحراء...!!

أنا والشيء التافه المكسور

hmanasrah | 26 آذار, 2009 12:11

أنا والشيء التافه المكسور

                              بقلم : حسين المناصرة

 

( 1)

 

هذا الشيء التافه المكسور يثير أعصابي !!

 يدفعني  إلى التقيّؤ، بل يجعل الحساسية  ذات الحوافر الحمراء تكسو جسدي... فتغشاني حكة غريبة تتحول إلى هرش... فيظنّ الرائي أنني أجرب ، أو لم أستحم منذ عشرات الشهور!!

لم يكن بوسعي أن  أتحاشاه  منذ أن أوصاني جدي نقلاً عن جده الأول رحمهما الله، تلك الوصية التي ما زالت تدق دقاً عنيفاً في رأسي الأشيب ، فأتخيل لحظتها آنذاك بعفويتها ،  ماثلة أمام عينيّ المتعبتين ، وحميمية بأنسها الممتد في عروقي المتشائمة من هذا الشيء التافه المكسور على وجه التحديد...

قال بصوته الحنون الواهن :

الجامعة ليست مثل المدرسة... قد يمهلني  عزرائيل فأراك ...

 أنت يا جدّي  ستعيش !!  ستسمي ابني الأول على اسمك... سأتخرج  في الجامعة، وأعمل،وأحبّ ،وأتزوج، وأنجب... على الأقل ستعيش عشر سنوات!!

مات جدي بعد شهرين  دون أن أراه... إنه يسكن الآن في مخيلتي ؛ يقرأ عليّ وصاياه الثلاث :

لا تفض ِ بسرك لزوجك !!

كنت دوماً، أفضي بسري إليها ، وكانت تفضح أسراري، كلما غضبت !!

لا تقترض مالاً من لئيم معدم ، قد اغتنى فجأة!!

كنت دوماً أقرض اللئيمين المعدمين على أمل أن يغنوا... فأيئس من سدادهم ، ولا أعود أطالبهم بها ، ولا يتذكرونني!!

لا تصاحب شيئاً تافهاًً مكسوراً!!

لم أصاحب هذا الشيء التافه المكسور ، ولم يوجد من بين أفراد  عائلتي الممتدة من انتسب إلى الأشياء التافهة؛ فالجدّ  قد  أوصى الجميع على أية حال بهذه الوصية  المتواترة أباً عن جد  !!

 

( 2)

عندما تظاهرنا في الجامعة نطالب باتحاد للطلبة... كان وجهه التافه المكسور بعذابات تحيات الذل التي ينهق بها صباح مساء  لأسياده  القاهرين  لإنسانية طفولته التي ماتت في ثنايا تدريبات مملة، تُعوِّده  على إذلال أي مواطن مقهور بالعصا، والمهانة ، وكل ما تصل إليه عبقريته المبدعة في  التآمر والتعذيب!!

قيّد يديّ خلف ظهري ، لم يترك شتيمة من تحت السرّات... دون أن يشتمني بها... هوى  كثيراً بالعصا على ظهري ، وساقيّ ، وبكثير منها على مؤخرتي... فغدت مؤخرة قرد ، يشوبها كثير من الزرقة!!

 

( 3)

 

لم أكن أعرف ، وأنا أسير آمناً في الشارع العام مساءً ، أن هذا الشيء ذا الوجه المكسور بعذابات تحيات الذلّ ، الذي خرج من الظلام المظلل بالأشجار الداكنة ، يشهر مسدسه في وجهي ، يصفعني ، يطلب مني أن أعترف بأنني اقتحمت حديقة منزله الفاره... لأغازل ابنته... أو زوجته الجديدة  -  أنه شيء تافه منهم، كان  قد  تقاعد  منذ زمن بعيد... وما زال يحلم  بأنه فارس الفرسان في الغزو والخذلان، والتمادي على خلق الله!!

  سوء حظي يجعل  الأشياء  التافهة كلّها، التي عرفته أو لم تعرفه، تتحالف معه في "مغفر حيّنا"، الذي  كان يحكمه قبل عشرة أعوام... وببساطة  القمع الموغل في أعماقهم ، سجنوني  شهراً  مع الأشغال الشاقة في تنظيف "المراحيض المنتنة " ؛ بتهمة " زقر" الحجارة  على بيوت الجيران .. كانت هذه  التهمة، ولله الحمد الذي لا يحمد على مكروه سواه،  أخف من " انتهاك حرمة المنازل المجاورة "!!

( 4)

 

كان ذو الوجه التافه المكسور بعذابات تحيات الذل، يكتب عني التقارير... يحذرهم مني ، ويبين فيها أني الأخطر .. بكذا .. وكذا .. وكذا !!

لم يفرق لسوء حظي  بيني  و (بين ) رفيقي... كان رفيقي مشاكساً مؤدباً... وكنت مسالماً متغابياً... كان هذا الشيء يكتب عن رفيقي  الذي سماه باسمي... خلط كعادته  بين الأسماء... فصرت صاحب ملفات  أمنية لا أول لها من آخر...  وعليّ أن أثبت وجودي لعدة أعوام  صباحَ مساء... أوقّع جبرياً في دائرة الأشياء التافهة...

صادفته بعد عامين من عذابات ذلّ التواقيع الجبرية... سلّم عليَ بحرارة المنافقين... وسألني عن رفيقي المشاكس  فلان... ولما أخبرته أنّ اسمه ليس اسمي, وأنني فلان الذي يقصده... اعتذر لي عن التقارير التي كان يكتبها لما كنّا طلاباً عنه باسمي؛ متهماً سلوكياته بالتخريب والتحريض على المسئولين  الأمنيين،  ووعد بأن يزيل ما وقع من غموض  وسوء فهم غير مقصود في حقي، مع عدم براءتي  من تحمل بعض المسئولية في رأيه...

كان فرحي كبيراً عندما توقفت دائرة الأشياء التافهة عن ملاحقتي بعد ثلاثة أعوام  من لقائي الميمون بذلك الشيء التافه المكسور !!هكذا يغدو التشاؤم تفاؤلاً في تجربتي معه.

(5)

 

هكذا – أيضاً – كنت المحظوظ   باحتفاءات ذي الوجه التافه المكسور بعذابات تحيات الذلّ، يتبعني كظلّي ، ويرسم لي تفاصيل مشاوير حياتي... حتى عندما صرت مهماً... كنت أتواضع، ولا أجلس  في الصف الأول المحجوز  في المناسبات العامة ، لكبار الشخصيات منهم...

أصرّ أحدهم آمراً أن أجلس في الصف الأول... أن أرفع الورقة التي كتب عليها " محجوز " وأجلس... ولأول مرة أمارس الجلوس في الصف الأول...

جاءني  الشيء الآخر راكضاً من هناك ، يعنفني ، غاضباً ، هامساً بلحيته الكثة، وكرشه الممتد... ووجهه  المكسور بعذابات تحيات الذل ، مستنكراً:

لماذا تجلس في المكان المحجوز لكبار الشخصيات ؟!

هم طلبوا مني الجلوس هنا... سأقوم !!

تدخل وكيل  الأشياء التافهة :

دعه يجلس !!

ارتدّ كأفعى لسعتها أفعى  أضخم... نظر إليَ  بحقد ،يريد أن يلتهم فأريتي التي  لا تتقيد بتناقضات الأشياء التافهة!! تحاشيت النظر إلى عينيه المفترستين التافهتين، تصورتهما مدفعين صدئين مصوبين نحوي، وعلى استعداد للانفجار في أية لحظة!!

 

( 6)

 

كانت إشارة المرور في الشارع العريض مزدحمة  أشد الازدحام ، وكعادتها يقطعها  صفراء  أو مشوبة ببعض الحمرة ثلاثون  أو خمسون سيارة أو أكثر...

اختارني من بينهم... أنت قطعت الإشارة... سحب رخصتي... سجنني في سيارة المرور... دوّن مخالفة كبيرة... وكتب : يسجن مدة ثمان وأربعين ساعة...

لم يكن  مجدياً التدخل في قراراته الانتقائية التافهة... ليس بإمكاني أن أنكر افتراءه عليّ  بقطع الإشارة... عملي الرسمي في مؤسسة حكومية كبيرة لم يشفع لي... كان حاقداً... وكنت ضحية  مقهورة  بلا  رصيد من الوساطات التي تجدي – عادة -  مع الأشياء التافهة المكسورة  في مثل هذه الحالات !

كان اعترافي بـ "اللاذنب" فضيلة!! والمهم أنني لم أصاحب شيئاً  تافهاً مكسوراً، بناء على وصية جدي- يرحمه الله !!

( 7)

 

لم يكن بوسعي أن أقبل ما طرحه  عليّ  هذا الشيء  ذو الوجهه المكسور بعذابات تحيات الذلّ، فأكون المخطئ  في الأوراق  الرسمية في حادث الاصطدام بين سيارة الحكومة وسيارتي... لقد استعدّ ، وهو يبتسم بلون أصفر تافه، أن يدفع تكلفة إصلاح السيارتين المصدومتين ( سيارة الحكومة وسيارتي) ... فالموقف في رأيه الواضح أنه المخطئ في الحادث مئة بالمئة ، وحفاظاً  على شرائطه القليلة فوق كتفه اليسرى التافهة، طلب مني  بتواضع التافهين أن أعترف بأن سيارة الحكومة كانت متوقفة ، وأن سيارتي  هي التي صدمتها ، وليس العكس!! 

لم يعجبه أن أرفض هذه المودّة منه ،وحسن نيته في التصالح "البراجماتي" معي... بل لم يعجبه أكثر أن أشير إلى لحيته الكثّة الدالة على  مظهر يخدع به الأغبياء...

 النتيجة : أنا الضحية  في دائرة الأشياء التافهة... أدخلوني السجن... وصار الحق عليّ مئة بالمئة...!!

حمدت الله أنّها  كانت  أهون المصائب... ولو رويت لكم تفاصيل هذه الحكاية المملّة مع الأشياء التافهة المكسورة... لوقف بعض شعر رأسكم... وربما شابه البياض !!

 

( 8)

جاء الشيء المكسور؛ ليحكم  في حادث مروري...

كان  الخصم معترفاً بأنه المخطئ ، ويريد أن يدفع ثمناً زهيداً!!

رآني... فحكم لخصمي...!!

كانت خلقتي المقهورة  سبباً يوحي له  بأن الحق عليّ...

وكانت خلقة الآخر كفيلة بأن تجعله صاحب حق زوراً وبهتاناً !!

(9)

 

ماراً من هناك... لا دخل لي بما حدث...

كان المراهق يقود سيارة " لكزيس" حديثة... مسرعاً... مجنوناً... انعجنت سيارته في اصطدام عنيف بالجدران والأشجار والأعمدة... وقفت لأتفرج  كعادة المتفرجين  الحمقى عندما تقع الحوادث المفجعة...

 قال المراهق الذي نجا من الموت بأعجوبة: إنه حاول أن يتلاشى الاصطدام بسيارتي، فحدث معه ما حدث... كلّ الأشياء الآدمية التافهة الواقفة لتتفرج أيدته...

فرح الشيء التافه المكسور بهذه النتيجة التي تدينني،فأدفع ثمن سيارة جديدة... لكنّ لطف الله  بي  قتل فرحته اللئيمة؛ فماتت ميتة مفجعة ‍‍!!

بزغ الرجل الطيب من بين الضالين الأفاقين  مشرقاً وجهه... يصرخ في الأشياء التافهة كلها من حوله... أتشهدون زوراً... ؟! ألا تخافون الله... ؟! ما دخل هذا المسكين (يعني أنا ) بما عمله هذا المراهق المجنون ؟!‍‍‍

كاد الشيء المكسور أن يسقط من الإعياء الفجائي... لكنه تمالك نفسه ، ولم يملك إلا أن يسلمني  بطاقتي  على مضض ، ويعفو عني باشمئزاز... ويطلب  من الرجل الطيب بحقد أعمى أن  يكتب في الوثائق الرسمية  شهادته ببراءتي  ‍‍!!

كان الرجل  ملاكاً ، ولد  في لحظتها  من رحم السماء  التي تحتقر كل الأشياء التافهة المكسورة!!

 

(10)

 

ذاكرتي  مشبعة بالأشياء التافهة!!

الشيء التافه ذو الوجهه المكسور بعذابات تحيات الذل، يتبعني كظلي ، ويرسم لي تفاصيل حياتي المملة...

أنا الضحية  المقهورة  بلا  رصيد من الوساطات المتعفنة...

اعترافي بـ "اللاذنب" فضيلة في أزمنة الوباء وشهادات الزور...

  سوء حظي المتعثر يجعل الأشياء التافهة تتعاطف معه ضدي!!

قال جدي ، يرحمه الله  :  " لا تصاحب شيئاً تافهاً "!!

بزغ الرجل الطيب(الملاك السماوي) من بين الضالين الأفاقين مشرقاً... يصرخ في الأشياء التافهة  كلّها من حوله...

أتشهدون زوراً... ؟!

 ألا تخافون الله... ؟!

3/3/2006
 
A service provided by Al Bawaba