مدونة د.المناصرة للإبداع الأدبي

مدونة أدبية... إبداعية... نقدية... ثقافية... 

 

« | »

فوق الرف

hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:53

                          فوق الرف

                   قصة : حسين المناصرة

إلى الصديقين: فضلان وخيران ...

   مع مودتي !!

ثمة رجلان ساخران جداً ، يجلسان في غرفة واسعة جداً، فيها طاولة  مساحتها  مستديرة جداً ، تكتظ بوجوه ذكورية كثيرة جداً، ولا أنثى -على أية حال- في هذه الغرفة ؛ حتى نساء الجن – ولله الحمد على هذه النعمة الجمّة  -  غادرنها منذ زمن بعيد إلى غير رجعة  ، ولن يفكرن يوماً – فيما أظن ، والله أعلم - أن يصطدن  فارساً لأحلامهن  الوردية من بين هذه الوجوه التي انعجنت بخميرة غيابها،  وملح بقايا حياة في ملامحها،  التي ولّت  هي الأخرى  إلى غير رجعة ؛ لكن... وللاستدراك هنا – كما عودنا البلاغيون  في قراءة الشعر الجاهلي - حسابات كثيرة في  عجائب الأزمان!!

لكن العقول – فيما يبدو – كانت ضاجة بخيالاتها، بذكرياتها أيام الفحولة ، يوم كان السيف يصول، ويجول ، ويقول: هل من مزيد ؟! ذاكرات مشبعة بالذكريات، بصور نساء شابات وهنّ  عاريات يعانقن شباباً بل فحولاً ؛  جاءوا من عمق الصحراء إلى ضباب لندن ، أو متنزهات باريس ، أو أبراج نيويورك، أو شوارع القاهرة في أيام الخديوي توفيق ، أو الخرطوم وسمرتها  اللامعة مطبوعة على خدود نسائها الجميلات !!

كانوا فحولاً ، وكنّ بلا فحول ؛ على الأقل فيما نتصور دوماً : أننا أهل الفحولة، وإن تواضعنا ، فنحن نبعُها الذي امتدّ في شرايين هذا الكون ، ودليلنا أننا خير أمة أخرجت للناس...!!

كانت الغرفة  تصدر أصواتها من  جوف الرئيس ، أو مساعده ، أو صاحب اقتراح ، أو معلق على اقتراح ، أو من  فوهة متفلسف؛ لا يترك شيئاً يمرّ دون أن  يهمز، ويلمز، ويتتافه جداً ، فيذهب كلامه أدراج الرياح...  هكذا دوماً أحمد ربي على  نعمة كبرى أنعمها عليّ ، وهي أنني لم أكن يوماً  من الأيام خلال خمسة وعشرين عاماً أجاور تلك الغرفة  ، من بين أعضائها ، طبعاً بحكم القانون  القراقوشي، لا باختياري ، وما أكتبه لكم هنا هو  خلاصة حكاية  الرجلين الساخرين اللذين يجلسان  في زاوية  الغرفة حول الطاولة المستديرة ، يرقبان ، ويستمعان ، ويتأملان ؛ ليرفدا سخرياتهما، وتخابثهما بوقودها  الذي  يحيي الحياة  وهي رميم، ويخرجاها من تلابيب عناقها للموت ؛ فكأنّ ضحكاتهما  وضحكاتنا معهما خارج الغرفة الكبرى في أخرى صغرى مغلّقة ، عنقاء تولد في قسمنا الذي اختص بالنحو، والصرف ،والبلاغة، والأدب، والنقد، وهلمّ جرا...

زوجتي ، بدأت تذكرني بضرورة مشوار المشي ، نمشي مرة  في الشهر حول الحديقة الكبيرة جداً ، هي دائماً تسعى إلى اضطهاد توهج حكاياتي ، فتقتل ملكة الإبداع لدي ، فتغدو كتابتي في درجتها الصفرية ، وحينئذ ، ربما أقبل أن أكون حول الدائرة المستديرة جداً في الغرفة الكبيرة جداً ، في قسمنا الكبير جداً ، بين تلكم الوجوه المكتظة بمواتها أو سباتها؛  ضحية لتلكم التخيلات عن الماضي  وفحولاته ؛ إلى حد أن تقع سبحتي من يدي ، ولا أشعر بها ، وأبقى أحرك يدي ، كأني أحملها ، أنظر إلى لونها الفاقع ممدة على الأرض ، حتى رفعها ، يغدو جزءاً من آلام الظهر  وانحناءاته المزعجة... كل هذا أخف من تعمّدها أن تؤذي كتابتي ، فتصفها بسخافات  القضاة ، وقصدها أن " الفاضي يعمل من حاله قاضي"!!

كان الرجلان الساخران، اللذان يجلسان  في زاوية  الغرفة حول الطاولة المستديرة ، يرقبان ، ويستمعان، ويتأملان... وهما – أيضاً – وجهان من تلكم الوجوه الصاخبة باليباب ؛ لكنهما أكثر حيوية ، وأقل اضطراباً نفسياً ،  والسبب أنهما يمارسان -عن غير قصد أو وعي منهما - الحكمة الصينية المشهورة: الضحك  يديم الحياة على الوجه!!  وبكل تأكيد لا علاقة للضحك  بأشياء أخرى تدوم أو لا تدون  في غير فضاء الوجه تحديداً ، أقول هذا حتى لا يظنّ فضلان  أو خيران، أنهما  ولدا لتوّهما من حكايات "ألف ليلة وليلة"  في بلاد  "واق الواق"؛ حيث تثمر الأشجار نساء جميلات!!

يتأملان وجه العبث السائد ، أعني تلكم الوجوه التي فقدت بريقها ، ولم تفقد بعدُ  تجربتها الممتدة في  الحياة، كانت الوجوه وجهاً يميل إلى الصفرة ، يمتقع بلون صحراء ظمأى ، تجمدت رمالها، ويبست أعشابها، وجفت ينابيعها مع تنوع في تجاويفها الخربة، ملامح ثقافية واضحة ، خبرات ربما تتظاهر أنها ما زالت حية ، أحزانها تندف عرقاً خفيفاً، يأساً مولوداً  من رحم المواد الحافظة في الأغذية المعلبة...

كان لا بدّ من أن أنهض ؛ لأشاركهم هنا حيث أكتب حكاية " فوق الرف" – إفطار الصباح ، ألم أقل لكم : إن زوجتي تكره لغتي ؟! وأن "الفلافل" الساخنة عندها - إذ تدعوني إلى تناولها قبل أن تبرد -أهم من كل كتبي، وإذا بردت ، ينبغي أن أشعرها بحرارتها ، حتى لا تغضب ، فتشير إلى أن سخافاتي أي كتاباتي هي التي تفسد  كل شيء ، بما في ذلك  سخونة "فلافل" الصباح ، فدعوني الآن رحمة بي ، أن  أتوقف ؛ لأتابع معكم  الحكاية فيما بعد ، إن بقيت -لديّ -بقايا  تنفس للإبداع ، بعد " سندويشات الفلافل"!! 

* * *

ثمة رجلان يتأملان  وجوهاً تمتلئ بالتلاشي ، وأصواتاً منتحرة كأسماك الشلالات الراكدة ، وكراسة كبيرة جداً، تدون فيها ملحوظات اجتماع مرهق بعبقريات التصويت ، والغرفة  الكبيرة جداً تبدو أكبر من حجمها ، والطاولة البيضاء المستديرة الواسعة تزداد اتساعاً ، والأضواء  تخفت كثيراً في العيون الناعسة إن لم تمت في العيون النائمة... يوشك الاجتماع المذبوح بسكاكين الروتين والخوف من البدع، أن يطوي نفسه في الكراسة  بعد أن تحبّرت صفحاتها البيضاء بكتابات عريضة ، لا إبداع فيها بتاتاً...!!

همس فضلان  عابثاً  كعادته في إذن خيران:

-         انظر إلى هذه الوجوه  جيداً؟! 

لفكرته ألف معنى ...كاد يتبع سؤاله ضحكته المجلجلة في الغرف الصغيرة  المغلّقة كعادته ، لكنه حذفها ، خنقها ، وأدها، ذبحها بسكين مثلومة !! وكان على فضلان – كعادته الفكهة -  أن يرد الصاع بصاعين، فتأمل في ثوانٍ ما قاله فضلان ، فأعاد رأسه إلى الوراء ، وأماله  بدقة متناهية ، ظناً منه أن تلك الوجوه ربما تلتفت إليه ، فتتهمه بأنه  يعبث في وقت طرح المواضيع المصيرية ؛ لذلك حافظ على توازن اقترابه من أذن فضلان، تاركاً لعينيه التأمل في الوجوه ، لتستر عري كلماته في إذن صديقه اليسرى، هذه  الأذن التي عادة ما تهمس فيها عبقريات الجان العتيقة ، وهذا ما يفسر مؤلفاته الكثيرة في الشعر الجاهلي...!!

 همس خيران ، كما تهمس جنية مؤدبة :

-         كل هؤلاء لا يضاجعون ...!!!

    أيّ مكان حينئذٍ ، سيتسع لضحكة فضلان ؟! وأيّ جنازير بإمكانها أن تلجم شفتيه ، لتمنع  انفجار ضحكة ، تبيح دم الأشياء كلها، بما فيها مراسيم الافتتاح الرسمية جداً ؟!!

    سحلت الكراسة الكبيرة جداً عن الطاولة المستديرة جداً ، تلاشت الوجوه في النظر إليها، عمت الفوضى معلنة تلقائياً عن نهاية الاجتماع ، قتلت الفوضى الهروب  الكبير من الغرفة  الواسعة جداً، بدت السماء الماطرة – بعد عشر  سنين عجاف -أكثر ألقاً وألفة ، فغدا مكتب خيران( الغرفة الصغيرة جداً ) يضحك ، فتهتز جدرانه الأربعة  أربعة أيام متصلة ، وربما سيقهقه أياماً أخرى !!

  قلت لهما :

-   حكايتكما هذه تصلح  مادة لرواية جديدة، أبطالها وجوه لا تضاجع،  تستعيد ذاكراتها !! سأسميها  "فوق الرف " !!

 يبدو أنني  كتبت مقدمتها . ضحكنا .... وبدأت أكتب حكايتي  في ظلال حكايتهما ؛ فأهديها إليهما من منظور  رد الجميل إلى  أهله!!

تعليقات

اضافة تعليق
authimage



 
A service provided by Al Bawaba