مدونة د.المناصرة للإبداع الأدبي

مدونة أدبية... إبداعية... نقدية... ثقافية... 

 

« | »

حكاية كنعان وجحر الضّبع

hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:46

حكاية كنعان وجحر الضّبع

قصة : حسين المناصرة 

ثلاث دقائق لا أكثر... كأنها ثلاث سنين عجاف... خرجت  بعدها فارعاً صدري  المكبّل بكلّ القيود، موغلاً في صحرائي الممتدة... من هنا عشقتها... فكان الغبار أغنيتي  الحزينة... تنفسته بعمق... شهيقاً... وزفيراً كجلمود صخر!!

ما أجلّك أيها الغبار المبجل وأعظمك!! يا سيد صحراء أجدادي يوم أن كانوا غزاة وشرفاء... أيتها الصحراء ، زمّليني ودثّريني  واجعلي  غبارك يتغلغل في مسامات جسدي  الجاف المنقوع   في أساطير جحور الضباع... كلّ الزوايا في جحورها موت... وامتداداتها مقابر... وانبلاج ظلماتها  بقايا جيف !!

كأنها ثلاث سنين عجاف... وكأنّ كنعان العربيّ آنذاك يشبه يوسف الصديق في جبه؛ تحيط  به انتهاكات التواريخ ، ومخالب الرّخ ، وخفافيش حكايات العراة، وبعض حكايات منامات طفولتي عن الغيلان، والغربان، وبوم حيّنا، وعمّارات القبور، وأكاذيب الأعراب ، وقراصنة الليل،  وقاطعي  طرق قوافل الحجاج يوم أن كانت القوافل  في مهبّ الريح!!

ثلاث دقائق مشيتها  في جحره على جمر الغضا، يوم أن كان هبل سيد القوم ، وكاشف أعراض النساء الكريمات ، وحارق ترانيم الرعاة، وهم يسترقون النظر إلى الذئاب في جحور الدّجى المدلهم ، وفي أذيالها ضباع تشتعل عيونها، تنتظر بقايا الوليمة... سرت  حينئذ معها،  بعد أن  بالت على وجه أوهامي، وأضغاث أحلامي،  وسكرتي  بعد خمس وعشرين سنة ؛ فحدثت نفسي : " فلتجرب !!" .

جربتها ثلاث دقائق فقط ، لا أظنكم  ترغبون في أن أقسم لكم بأن الوقت ثلاث دقائق فقط...كأنها دهر أو عصر جليدي... وكأنّ حكاية كنعان تشبه حكاية  أيوب عليه السلام!! كيف تصبرتَ ذاك الزمان ؟!! وكيف شرَدتْ نباهاتك ، وما عدت  تعرف من أنت ؟!! كيف  ادلهمّت حماقاتك ،  وامتسخت نفسك  إلى الأماسيخ كلّها... وانقبضتْ روحك ثلاث دقائق... وكدتَ أن تودّعها... فتغدو بقايا حياة... كانت  هنا  في هذا الجسد الممدّد ، وغادرت أو كادت... ودموع  حكايات أمك  توحي  بأن الحياة باقية ، وأن يونس- عليه السلام -  لم يمت في جوف الحوت...!!

 مشيئة الله  وحدها أنقذتني  من جحر الضبع... لم أتهوّر نقذتني !!

كنت مغزولاً  بآمالي ، ولم أصح إلا بعد أن شُجّت جبهتي بعُرض الحائط ...  ماذا أريد من  سيد  الكراسي المبجلة ، وسادن  اللوائح المنتنة ، ومُخمّر البقرطة  المجهضة، ومعاقر  كلّ  ما شحمه ورم !!

هو كنعان العربي ، سيد الصحراء ، وأحفاده من  جدهم إسماعيل، يوم أن  حمَله  أبوه  من حِبْرَى،  فزرعه في وادٍ غير ذي زرع ؛ فزمزم الماء ، وارتوى الرمل!!

لم  يبتسم سيد الكراسي ، وقبل أن أنبس ببنت شفة ، تفتقت عبقرية " كراسيه المتضخمة " :

- اسمع ، ما تريد قوله سيدخل من هنا ( وأشار إلى أذنه اليسرى) ،  وسيخرج من هنا (وأشار إلى أذنه اليمنى) !!

- عندي خمسة وعشرون سنة ،ولي ثلاث وثلاثون  حكاية، ولم أكن مكدودا...

- الجمل الثلاث التي قلتها، لم أسمعها ، ولن تدخل إلى اعتباري ، لأنّي لم أعِها، ولن أعيَها... !!

  انتفضت  من مقعد متجمّر ،كأنّ انفجاراً  هزّ قاع  الأرض ، فطفتُ على سطحها...

وقبل أن أغادر، عامت نبرة من يصحو  في جحر الضبع ، في لحظة أن أمسكتْ أنيابُ  هذا الضبع بزمارة رقبته...  أي ضبع حينئذ بإمكانه  أن يتمالك أعصابه أمام سطوتك يا كنعان ، وأنت تدرك أن الحياة مجرّد كرامة، وبعض أنفٍ  له أنَفَة، تعشق الغبار ؛ عندما تكنز الغربان تفاهات  الثعالب ؟!!

كانت هناك حكاية ، وأيضاً كوابيس  تترنح في المنامات ،وأخبار عن  امتدادات مكانٍ  يحتفي  بأعقاب التواريخ ، ويدّعي أنه يمتطي قمة الهرم !! وكان كنعان  غائباً عن الوعي ، يشمّ رائحة الضبع  وجحره المنتن... وفجأة صرخت الحياة في جثته ، فهبّ  كأنه عنقاء تغوّلت ، لها أنياب مخيفة ، فعضّت الضبع  في مقتله... مات الضبع أو ربما  غاب عن الوعي ...فأي ضبع جاهل أو غبيّ بإمكانه أن يفترسك  يا كنعان؟!

صاح الديك قبيل فجرك... كانت حكاية جُحر الضّبع  أكثر  من خرافة... وربما أكثر من تفاهة موغلة  في روائحها المنتنة... بدا فمك كأنّه امتلأ بالماء... فتوقّف حينئذ عن الكلام  غير المباح!!

يومها قرّر أن يعتزل  كتابة الحكاية؛فشيخ القبيلة قد تمادى  في غيّه!!

تعليقات

اضافة تعليق
authimage



 
A service provided by Al Bawaba