مدونة د.المناصرة للإبداع الأدبي

مدونة أدبية... إبداعية... نقدية... ثقافية... 

 

« | »

الحكاية التي نسيتها

hmanasrah | 27 آذار, 2009 10:18

الحكاية التي نسيتها

قصة : حسين المناصرة

الرواية الثالثة

 

 1/1  جدارية: من مذكرات حفيد في القرن الحادي والعشرين .

في زمن "اللامبالاة" الهارب من بين فكي الصمت، يصبح المجانين عرّافين أزمنة الموت... ويمكن أن نصفهم، إن قررنا أن نكون مجانين مثلهم،أحياناً، بالعقلاء غير المهذبين...

لن أقصّ عليكم، يا سادة يا كرام ، الحكاية العجيبة الغريبة غير المثيرة التي حفظتها عن ظهر قلب في عقلي الباطني المغترب ، وأنا أمشي في شارع عام في مدينة النحاس ، أو هكذا توهمت... نسيتها بعد ذلك لثلاثة أيام رملية متتالية حزينة. حاولت جاهداً أن أتذكر  تلك الحكاية الضائعة في تلافيف دماغي المنهك... أن أتذكر عنوانها ، فكرتها الصارخة المعذبة... لم أفلح. كأنني فقدت ذاكرتي المتآلفة مع خوفي...

ربما حاولت ، في وقت التذكر الضائع ،أن أكتب أية حكاية أخرى سخيفة تدور في اللاوعي عن قصتي الضائعة ..لكنني لم أفلح . قلت لنفسي: ليس المهم أن أتذكر الحكاية  بعينها، لأن الأهم هو أن أواصل مغامرة الكتابة بأية صياغة عبثية، لأثبت إمكانية حياتي ، وأشكك في موتي، خاصة أن لغتي الإبداعية ، أو هكذا أرغب في أن أسميها،أجدبت في الأيام الأخيرة بالقصص المفرحة ، أو المتشائمة... لا لشيء معين، وإنما لكثرة الأفكار تهاجمني ليل نهار، صباح مساء، بين بين ، قبل بعد... تحثني على الكتابة ، فأجدها بطريقة أو بأخرى كتابة غبية  سخيفة لا تستحق أن يقرأها قارئ... فأعجز عن الكتابة المهمة..أو أعجز عن التفاعل مع الكتابة التي أريدها أن تكون ناراً موقدة؛ تشعل أوراقي الأبكار، تهزم خوفي ، تحثني على التمرد...

 مؤخراً، بدأت أرى "اللاجدوى" تسكن  الأشياء التي تحيط بي... لم أعد أغضب من أي شيء قدر غضبي على القلم المرتعب من الرقابة، يقبع بين أصابعي لأكتب  قصيدة نثرية ، أو حكاية شعبية ، أو خبراً عن موت القبيلة ، أو دراما حرب أهلية، أو سيناريو معركة تآمرية... فيقبض على أحاسيسي مقصُّ الرقيب... فأصمت!!

ما جدوى أن أكتب لكم سخافاتي في أزمنة الاستهلاك؟! لا جدوى!! أقول لنفسي في حوار غير هادئ: فخّار يكسّر بعضه... أغيب في متاهات الضياع والتلاشي بلا خوف أو فلسفة!!

حسناً... حسناً... يبدو أنني أشغلكم بسخافاتي المتآكلة، وربما ، عذراً ، بسخافاتكم، لأني واحد منكم ، أحاور جنوني الغبي..ربما كنت يائساً من أشياء كثيرة... لكنني لست ميتاً... أنا أؤمن بكم... وأحبكم... ولهذا سأقول لكم  بعض أخباري :

2/1 وصية : من مذكرات الحفيد .

أوصاني جدي، الذي ضيع أبي ، رحمهما الله ، أن أشنق نفسي بالحبل المجدول من شعر نسائه،علقه في أحد أعمدة سطح سقيفة نائية، لكني لم أهتم بما قال .

قال : إذا خسرت أهلك ، فتعلق بنسائك ، وإن خسرت نساءك،فتعلق بأصدقائك، وإن خسرت أصدقاءك ، فتعلق بأموالك التي ستشتري لك  ما تريد ، وإذا لم تستطع أن تحافظ على مالك، فعليك أن تشنق نفسك بالحبل الذي أعددته لك في السقيفة!!

بعد زمن مديد... خسرت الأشياء التي ذكرها ، ذهبت إلى السقيفة النائية ، في ليلة حالكة السواد، أشعلت نور المصباح العتيق ، رأيت الحبل البارد ينتظر عنقي اليابس ، لحظات ويكون السكون نهاية معاناتي الطويلة من عذابات الحدود والقيود، انفجارات العداء والاستهلاك، تهريب خاماتي وأيقوناتي ، التنافس على استعبادي بين شرق مريض، وغرب بغيض... عليّ أن أضع الكرسي تحت الحبل الرطب، أصعد إلى فوقها، أضع رأسي في دائرته الذابلة، أنثر الكرسي تحت رجلي، يندق عنقي... أعرق... أبكي... أغيب عن الوعي... يحمل  الحبل جثتي،أغطس في جحيم المنتحرين... يقطفون الحبل، فيصطدم رأسي بالجدران...

سأعدّ إلى العشرة ؛ لأبدأ طقوس الموت... لا أريد التأمل كثيراً في موتي حتى لا أجبن ، فأعود إلى سخافاتي الحمقاء...

أصعد على الكرسي... أضع رأسي في الحبل... أبعثر الكرسي... ها أنا أعدمت نفسي...

  العمود الذي ربط به جدي الحبل غدا عموداً هشاً... عيدان السقف تسقط فوق رأسي ، أكاد اختنق بغبار الزمن المتهالك... أوراق تتناثر فوق رأسي... مكتوبة بحبر متعدد... إنه خطّ جدي الجميل الذي أذكره جيداً... جيداً... أنزع الحبل من رقبتي... وأبدأ في قراءة بعضها على سبيل الفضول اليائس.

 

3/1  ورقة  : من أوراق جدي الذي عاش قبل خمسين عاماً

انزع الحبل من رقبتك... كنت أعرف أنك ستأتي يوماً ما إلى هنا؛ لتنتحر بعد أن تضيق  بك  السبل.

 نعم، حسبت حسابي لهذا اليوم من أجلك ، كتبت طيلة الثمانية عشر عاماً التي عشتها معك، بعد موت أبيك في أيديهم،  آلاف الرسائل، ربما تحتاج إلى عشرين سنة  فوق عمرك  حتى تقرأها ، لكن لا بأس... اقرأ ما تستطيع أن تقرأ منها ، خذ الدينار الذي أرفقته  بكل ورقة ، كل واشرب ، وتصدق بما تبقى، البس جديداً ولا تعش سعيدا... لا تدخن ، لا تشرب خمراً، لا تنم مع مومس ، لا تحضر سينما،  لا تكثر من شرب القهوة... فأنا لم أكن مرفهاً حتى أحسب حسابك في هذه الكماليات. لم تكن جزءاً من حياتي، وحياة أجدادي الفقراء..أتفهم؟‍! أنت فقير، عليك أن تفهم معنى التقشف ، وإن لمت أحداً فالملوم أبوك الذي تركك قبل أن تولد!!

4/1  ورقة أخرى

كنت أعتقد أنك أحد الحمقى في زمنك ، ليس لأنك غبي ، بل لأنّ قلبك   أبيض...

في زمنكم المتكالب على الضغائن والشللية وصيد النساء والصفقات ، ليس لقلبك الأبيض سوى الحمق... فإذا أردت أن تكون أحد فرسان زمنك فكن من ذوي القلوب السوداء : نافق ، تأنن (كن أنانياً) ، حينها سيقولون عنك : "رجل يملأ هدومه" ... فتصير واحداً من  أسيادهم !!

 

5/1  وصية أخرى

عليك، يا بني قصدي يا حفيدي ،حتى تفهم نفسك والحياة ألا تحمل السلّم بالعرض، اجعل هذه   حكمتك في زمن الأوباش!!

ومعنى أن تحمل السلم بالعرض: الغباء ،لأنه يصعب عليك أن تمشي بين الناس بهذه الطريقة... يجب  أن تحمل السلم بالطول... أن تسايس  المارة بلباقة ومهارة لتمرّ بأمان... سيحمدون سيرتك ، لأنك عرفت كيف توازن حياتك مع المشي على جانب الحيط الحيط، وتقول: يا رب ، استرها معنا.ومن الأحسن أن تضع رأسك بين الرءوس ، وتقول يا قطّاع الرووس اقطع راسي... حكم جليلة وبليلة، خذ بها، يا بني ، نفسك، لتعش مرتاحاً  من همك... وإلا فإنك ستنتحر في بحر مالح ، ولن تجد من ينقذك ، أنا ،يا حفيدي العزيز، والحق يقال ، لم أعلمك ، الرماية ، والسباحة، وركوب الخيل... خفت أن يشتد ساعدك فترميني  كعظمة في طريق الكلاب المسعورة... كن ذكياً... واسلم لجدك الساكن تحت التراب ، وعش منعّماً بالغباء واللامبالاة.

 

6/1  رؤيا

في آخر زمنكم يخرج لكم الصُّفر المدججون بالحديد، ينهبون أرضكم ونفطكم، بمساعدة أتباع شمشون... وستكونون من غير دليلة...

يسومونكم سوء العذاب ،لتعيشوا على أعتابهم صاغرين ، يأخذون خيراتكم،وأنتم ستقبلون الأيادي والرءوس،وتهمسون بالصمت وضرورة الخوف..يبركون فوق أرضكم، ينتهكون جسدكم... وأنتم تتغابون ولا تشعرون، ضيعتم حكمة الحياة: "الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"... عجيب أمركم في آخر زمانكم؛ تصبحون فلاسفة ومحللين،ولا تفعلون غير ذلّ المهانة،وغوغائية الشجب والاستنكار... عجبي من بلاهاتكم!!

 

 

 

 

 

الرواية الثانية

 

1 / 2  الجدارية الأولى لا

في زمن اللامبالاة يغدو المجانين عرافين... نصفهم أحياناً بالعقلاء...

لن أقص عليكم الحكاية العجيبة الغريبة التي حفظتها عن ظهر قلب في عقلي الباطني المغترب ، وأنا أمشي في شارع عام في مدينة النحاس... نسيتها بعد ذلك لثلاثة أيام رملية متتالية ، حاولت جاهداً أن أتذكرها في تلافيف دماغي  ، أية فكرة من أفكارها الصارخة... لكنني لم أفلح . كأنني فقدت ذاكرتي...

حاولت  أن أكتب  حكاية أخرى سخيفة تدور في اللاوعي عن قصتي الضائعة ، لم أفلح .  قلت لنفسي : المهم أن أواصل مغامرة الكتابة، خاصة أن لغتي الإبداعية أجدبت في الأيام الأخيرة؛ لكثرة الأفكار التي  تهاجمني ، وتحثني على الكتابة..فأعجز . لم أعد أغضب من القلم،يقبع بين أصابعي لأكتب...

ما جدوى أن أكتب ؟ ما جدوى أن أغيب في متاهات الضياع والتلاشي..؟!!

 يبدو أنني أشغلكم بسخافاتي المتآكلة،وجنوني الغبي... ربما يئست من أشياء كثيرة... لكنني لست ميتاً... أؤمن بكم... أحبكم... سأقول لكم  بعض أخباري :

2 /2  الجدارية الثانية  

لما أوصاني أبي ، رحمه الله ، أن أشنق نفسي في الحبل الذي علقه في أحد أعمدة سطح سقيفة نائية ، إذا خسرت أهلي ، وأصدقائي ، وأموالي... توجهت في ليلة حالكة السواد ، إلى تلك السقيفة .أشعلت نور المصباح ، رأيت الحبل البارد ينتظر عنقي الجاف ، لحظات ويكون السكون نهاية معاناتي الطويلة...

سأعد للعشرة ، لأبدأ طقوس الموت... لا أريد التأمل كثيراً في موتي حتى لا أجبن...

العمود هش... أعمدة السقف تسقط فوق رأسي ، أختنق بغبار الزمن... الأوراق تتناثر... أوراق مكتوبة بحبر متعدد... خط أبي الجميل... أنزع الحبل من رقبتي...

3 /2  الورقة الأولى :

كل واشرب !!

4/ 2 الرسالة الثانية :

أعتقد أنك  من الحمقى !!

5 / 2  الوصية الثالثة :

لا تحمل السلم بالعرض...!!

6 /2  خرّافية :

تعيشون صاغرين... عجيب من أمركم في آخر الزمان، تصبحون فلاسفة ومحللين...

7 /2  توقف :

عليك أن تحذف كلاماً

 

 


الرواية الأولى

           

حسناً... حسناً...

لن أقص عليكم الحكاية  التي حفظتها عن ظهر قلب... كأنني فقدت ذاكرتي...

لم أعد أغضب من أي شيء قدر غضبي على القلم ،يقبع بين أصابعي لأكتب...

ما جدوى أن أكتب ؟ لا جدوى... لا جدوى !!

 يبدو أنني أشغلكم بسخافاتي المتآكلة،وجنوني الغبي...

 كتبت رواية... مزقتها... ورميتها في الزبالة...

تجمّع لدي مخطوطتان من قصائد النثر... وكانت هذه القصائد تطربنا في سجون  بلادي... حمدت الله كثيراً عندما صادروا الديوانين...

انتدبت يوماً ما  لتحكيم مسابقة  "فن الخطابة "... لن تصدقوا إذا قلت لكم :كان عدد المتسابقين سبعة آلاف .. وعدد المستمعين يقل عن العشرين...

أحمد الله كثيراً على حرصي المتين  بتأكيد علاقة الأخوة والتفاهم مع الرقابة ، إذ قصتي الحقيقية الفاعلة ، بعد أن أقنعوني ، هي هذه الرواية!!

أليست هذه حكاية عجيبة ؟‍ أليس معي الحق كلّه عندما مزقت الرواية الهاوية... وفرحت لمصادرة الديوانين غير الشرعيين... أحمد الله كثيراً لأنني لم أجد  شفاهية الخطابة في زمن الفضاء  ‍‍‍‍!! 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage



 
A service provided by Al Bawaba