قلنا: نحن في ربيعالعمرأحلى
أصدقاء نحن أصحاب الزمان وأنوار الأماكنكلّها ..بدموعها
وشموعها!! نحن في ظلالزهور
رحيق وفي كل اللياليضياء!!
** * قلنا ياصغيرتي :
رمزالأخوة واضح فلا مكان للتساؤل: عمّاتكون أخوتنا؟! عمّاتُقصّ حكايتنا؟! فنحن في دجىاللياليضياء!! فلنغنِ في أحراش قصتنا ولنغنِ هاهنا ...
* * *
الأيامتروي لنا
قصّة القبلة الأولى: طلبتها فتحول الزمن الأَخَوِيّ إلىذئاب..!! تناحرت .. وتجادلت حول القبلة الأولى ولم تعطِ .. وقالت:
لسنا .. بإخوة .. وقلت أنا: لسنا بإخوة ..!! فلمَ تدّعين أخوّتي لما طلبت القبلة الأولى؟! قالت: أخي.. إن كان في الأخوّة تقبيل فاعذرني .. قد نسيت واسمحلشفتي أن تقول: لسنا بإخوة..
* *
*
قلت:
لسنا بإخوة!! إذاً نحن أحباب بيننا أسوار وقصور وأبنية..سوداء ومقفول علينا الباب لا ماء .. ولا هواء ولاتحمينا .. أنظمة ولا تحكمنا .. قوانين وضِعنا في صدى الأيام فما نحن من تآخى ولا نحن هنا أحباب فمن نحن ..؟ من أنا .. من أنت..؟ إذا لم نكن أحباب..!!
** * بيننا آلاف منالأميال فلا لنا .. مكان ولا أزماننا .. أزمان نحنهنا .. يا صغيرتي ومقفول .. علينا الباب فهل من قبلة أولى ..؟ تشفي الغليل ومن ثَمّ يُقفِل أبوابَناحراس.
ثمة عشر خطوات، أقترح أن تتبع في تعليم أساسيات الكتابة بالعربية في التعليم العام، بعد أن يتقن الطالب آلية القراءة والكتابة الأولية :
1-فاعلية القراءة :
أن يقرأ الطالب في الفصل الدراسي عدداً من المقالات أو النصوص القصيرة،
المتنوعة في مضامينها وأساليبها ( يمكن أن تعدّ في كتاب مستقل) ؛لأن
القراءة الصحيحة من أهم وسائل الكتابة السليمة.وهذه القراءة أنواع، منها:
المتصفحة، والسريعة، والمدققة، والناقدة …
2- محاولة تحليل بنية النص الظاهرية :
أن يتعرف الطالب مكونات النص أو أقسامه المباشرة:
·في المبنى: اللفظة،والجملة، والعبارة، والفقرة…
· في المحتوى: الدلالة، والمعنى، والفكرة، والموضوع…
·الحاسوب: يفضل استخدام التقنيات الحديثة (الخطوط، والألوان، والأشكال الحاسوبية) في توضيح هذه التقسيمات.
3- تحليل بنية النص الداخلية:
أن يتعرف الطالب - على سبيل المثال- أنّ اللفظة متنوعة المستويات : فصيحة،
ومتوسطة، وعامية، ومبتذلة… عربية، ومعرّبة، وأجنبية… معجمية، ومهملة،
ودارجة… وأنّ الجملةَ جملٌ: رئيسة، ومساندة، وثانوية، وحشو، وأن اللغة
العربية مستويات: علمية، وإعلامية، وأدبية،ومبتذلة… وهكذا دواليك!!
4- تحليل بنية النص العميقة:
أن
يتعرف الطالب نظام اللغة العربية أو مستويات النص . وهنا لا بدّ أن يتعلم
بعض القواعد المتفق عليها ، بدون أن ينشغل بالاستثناءات على القواعد في
النظام اللغوي للعربية ، الذي يتكون من المستويات الآتية:
·المستوى الكتابي: قواعد الإملاء ، ومواضع استخدام علامات الترقيم…
·المستوى النحوي: الإعراب( الضبط) والتركيب …
·المستوى الصرفي: بناء الكلمة ( المشتقات)…
·المستوى الأسلوبي: الكتابة المباشرة، والكتابة المجازية( الأدبية) …
·المستوى الدلالي: دلالة اللفظة من خلال سياق الجملة ، بحكم تعدد دلالات الألفاظ المعجمية…
·المستوى الصوتي( الحروف الصامتة والحروف الصائتة) :التفريق بين الحروف في النطق( مخارج الحروف)، مثل: ض/ظ ،ز/ذ ، س/ص…
5-الوعي بأجناس الكتابة:
أن يتعرف الطالب الخصائص العامة لأجناس الكتابة العربية:الأثر(القرآن
والسنة)، المثل،الخبر، الحكاية، القصة، القصيدة، الرواية، المسرحية،
السيرة، البحث، التقرير، الخطاب الإداري( أي الكتابة بأنواعها من درجة
الصفر، مروراً بالفصيح ، والمتوسط، إلى الإعجاز في "القرآن الكريم ")…
6- الوعي بجماليات الكتابة الرقمية من خلال الحاسوب والإنترنت:
أن يتعرف الطالب إمكانات التعديل في النص الرقمي، ومحسناته التفاعلية من خلال: الخط ، والشكل، واللون، والضوء، والصورة…
7- التدرّب على تحرير النصوص :
ممارسة
تحرير (تصحيح) النصوص مبنى ومعنى… والتدرب على اكتشاف الأخطاء ومحاولة
تصحيحها … واستخدام الوسائل الحديثة في التصحيح كالمدقق الإملائي.
8-مغامرة الكتابة :
أن
تبدأ كتابة الطالب من محاكاة المقروء ، مروراً بالمغامرة بأي شكل لغوي
مكتوب ، على أن تنتهي بالاحتراف الميسر القابل للتطوير باستمرار.ومن المهم
أن نشير إلى أن المغامرة تعني تعويد الطالب على أن يكون جريئاً في الكتابة
.
9-تقويم الكتابة ذاتياً :
المراجعة، والتدقيق، واستخدام وسائل التقويم الحديثة ؛ لمعرفة مستوى
التقدم من خلال الاختبارات . ومن الضروري هنا أن يتعود الطالب على أن
يقوّم كتابته بطرق ذاتية… لا أن نشعره دوماً بأننا المسؤولون عن تقويم
أدائه في الكتابة.
10-الكتابة بصفتها إبداعاً :
بث
روح الإبداع لدى الطالب وتنمية تجربته في الكتابة الإبداعية في مجالات:
الأدب، والعلم، والإعلام، والثقافة، والإدارة، والمعيشة… ونخطئ عندما نظنّ
أن الإبداع في اللغة العربية يقتصر على الجانب الأدبي دون الجوانب
المعرفية والإبداعية الأخرى .
برعاية
الأستاذ عبد العزيز محي الدين خوجة وزير الثقافة والإعلام بالمملكة
العربية السعودية، أقيمت الأيام الثقافية الفلسطينية في مركز الملك فهد
الثقافي بالرياض، من 27/11- 1/12/1430هـ الموافق 15-18/11/2009م. وهي أيام
ثقافية بمناسبة القدس عاصمة للثقافة العربية في عام 2009م، إذ جاءت هذه
الأيام تتويجاً لسلسلة من الفعاليات الثقافية التي أقيمت في المملكة؛ لكون
القدس جزءاً حميماً من الثقافتين العربية والإسلامية، اللتين ترعاهما
المملكة في هذه الأيام رعاية عميقة، ومتجذرة في خصوصية العلاقة مع فلسطين
تاريخاً وقضية وشعباً!!
ويعد الدكتور عبد العزيز محمد
السبيّل وكيل وزارة الثقافة والإعلام للشئون الثقافية شعلة من النشاط
والحيوية في تفعيل "القدس عاصمة للثقافة العربية" من بدئها إلى الحرص على
أن تبقى عاصمة للعواصم الثقافية العربية ، مادامت مكبلة بجنازير الاحتلال
الصهيوني.وقد حرص الدكتور السبيّل على حضور الفعاليات الأساسية كلها ، وما
نتج عنها أيضاً من فعاليات جانبية. يقول الدكتور السبيّل في كلمته التي
قدم بها الكتيب التعريفي الذي صدر بمناسبة هذه الأيام:"تأتي هذه الأيام
تتويجاً لعشرات الأنشطة التي قامت بها الأندية الأدبية، وفروع جمعيات
الثقافة والفنون في معظم مدن ومحافظات المملكة. هذه الأنشطة اشتملت على
معارض متنوعة، وأمسيات شعرية، وندوات أدبية، ومحاضرات ثقافية، تركزت كلها
على الثقافة الفلسطينية…".
ولا
أبالغ إذا قلت: إن الشؤون الثقافية بالمملكة العربية السعودية تعد حالياً
في أزهى حللها تطوراً، وانفتاحاً، واحتفاء بالثقافة العربية، وبخاصة
الثقافة الفلسطينية؛ لذلك لا أبالغ أيضاً إذا اعتبرت الأيام الفلسطينية
ناجحة مئة بالمئة؛ سواء في مجال المعرض التشكيلي، أو الندوات والأمسيات
الثقافية، أو الفعاليات الشعبية، وبخاصة فلكلور الدبكة الفلسطينية، أو
كوكبة المثقفين والمثقفات والمبدعين والمبدعات الذين شاركوا في هذه
الفعاليات. وقد أكد عدد من الزملاء المثقفين العاملين في وزارة الثقافة
والإعلام السعودية أن أيام فلسطين الثقافية تعد من أفضل الأيام العربية
والأجنبية التي أقيمت في المملكة.
أيضاً
كان للسفارة الفلسطينية بالرياض دور فاعل في تنظيم هذه الأيام
الثقافية إلى جانب وزارة الإعلام والثقافة السعودية ، بحيث يمكن الحديث عن
دور ثقافي جيد بدأت السفارة تنتهجه مؤخراً ، وتحديداً منذ أن تسلم
السفارة الأستاذ جمال عبد اللطيف الشوبكي ، وأمسك بالأمور الثقافية
الدكتور ماهر الكركي ، وبكل تأكيد يعد " أبو محمود" قديماً متجدداً في
المجال الثقافي، وأذكر أنني كتبت مرة مقالة عن سفارتنا ، قبل عهدها
الحالي،بينت فيها أنها كانت كالأرض البور ، لا يوجد فيها ما يوحي بالثقافة
باستثناء ابتسامة"أبو محمود" الذابلة، الذي كان يحرص على حضور المناسبات
الثقافية التي تتعلق بفلسطين . يبدو الأمر في أيامنا هذه قد تغير، وأن
السنوات الخمس عشرة الماضية كانت أرضاً بوراً ، وأنّ على السفارة اليوم أن
تفعّل الجانب الثقافي بالمملكة ، وأن تنشئ مركزاً ثقافياً مستقلاً ، وتعيد
إحياء فاعلية اتحاد الكتاب الفلسطينيين – فرع المملكة ؛ لأن حربنا مع
الكيان الصهيوني غدت أكثر شراسة في الجانب الثقافي أو الخطاب الثقافي
الشامل !!
شخصياً،
لم أتعود أن أكتب عن المناسبات الثقافية؛ لأنني لست إعلامياً، وإن كنت أحب
مهنة الإعلاميين، كذلك لا أريد أن أتحدث عن الأشخاص؛ حتى لا أتهم
بأني أنافقهم … ما يهمني هنا هو أن أعبر عن غبطتي بالأيام الثقافية
الفلسطينية بالرياض، التي تابعتها عن كثب، وحضرت فعالياتها، ووجدت أنها
تعبر عن الفلسطيني في أعماقه الكنعانية العربية، والإسلامية، والإنسانية،
وأن فلسطين من خلال ثقافتها المتجذرة وعدالة قضيتها الوطنية لا يمكن أن
تفقد الأمل في أنها ستنتصر يوماً ما على الجلاد الصهيوني الذي غدا يسرق
ويزور كل شيء في فلسطين، بما في ذلك الفلكلور الفلسطيني ، وأن هذا
الاحتلال الغاصب لا يمكن أن يعيش - بإذن الله - أكثر مما عاش، وأنّ فلسطين
ستتحرر كلها ، ولن يجد الغزاة سوى العار والذل وتواريخ المزابل؛ لأنهم
عابرون في كلام عابر كما قال محمود درويش.
يجد
الفلسطيني الآن في الخطاب الثقافي أمنه الحقيقي ؛ لأن الثقافة الفلسطينية
ما زالت تدافع عن معاقلها؛ متصدية للغزو الصهيوني الإجرامي ، وقد غدا
الفلسطيني الآن لا يثق بأي مستوى من مستويات الخطاب السياسي الفلسطيني؛
سواء ما تمثله السلطة الفلسطينية ، التي أعلنت مؤخراً فشلها الذريع في
المفاوضات مع " إسرائيل" طيلة ثمانية عشر عاماً ، أو ما تمثله حماس من
إنشاء دويلة هزيلة ، يحاصرها الاحتلال ، وستصبح غاية سلطة حماس أن تتفاوض
مع الكيان الصهيوني بطرق غير مباشرة ؛ لتغدو غزة هي الدويلة الفلسطينية
أولاً وأخيراً ، وستكون المفاوضات باسم شاليط مرة، أو الغاز أخرى، أو
إطلاق بعض الصواريخ ثالثة، أو السماح للصيادين بالتقاط بعض الأسماك من
البحر رابعة …إلخ !! ولو بقيت إسرائيل لعشرين سنة أخرى ، ستعلن سلطة حماس
في نهايتها أنها فشلت في مفاوضاتها مع الاحتلال في ظل هدنة طويلة ، ولم
تعد الهدنة صالحة ، وهنا سيكون برنامج سلطة حماس - بغض النظر عن مدى
إيجابيته فلسطينياً- هو الذي يعجب إسرائيل في سياق تدمير الوحدة الوطنية
الفلسطينية هو البرنامج المفضل البديل عن السلطة الفاشلة في تحقيق أية
تسوية عادلة لمصلحة الفلسطينيين، كما كانت تعد !!
هذه
مقالة تعرِّف الأيام الثقافية الفلسطينية بالرياض ، ولا بدّ أن أكتب مقالة
أخرى عن الثقافة الفلسطينية في هذه الأيام، من خلال المعرض التشكيلي،
والأمسيات الشعرية، والندوات الثقافية، متمثلة بالحضور اللافت لفرقة أصايل
للفلكلور الشعبي، والباحث الأستاذ موسى أبو غربية الوكيل المساعد بوزارة
الثقافة الفلسطينية، والشاعر الشعبي الأستاذ موسى الحافظ، والشاعر مازن
إسماعيل الدويكات، والباحث جميل حسين السلحوت، وغيرهم .
حسين المناصرةزرقاء اليمامة والتنفس حلماًدار فضاءات ، عمان ،2009م.
مجموعتان قصصيتان:
1-المجموعة الأولى بعنوان " وجهي وزرقاء اليمامة "، وهي قصص قصيرة ، تقع في مئة وعشر صفحات من القطع المتوسط ،وتضم إحدى وعشرين قصة قصيرة .2-المجموعة الثانية بعنوان " التنفس حلماً"، وهي قصص قصيرة جداً ، تقع في خمس وخمسين صفحة، وتضم إحدى وستين قصة قصيرة جداً.وما يجدر ذكره أن المناصرة أصدر أربع مجموعات قصصية قبل هاتين المجموعتين ، وهي :لقاء في الفوج الأخير (1995)،والتبغ واللعنة آخر ما توصل إليه عبد الله المسكين(1996)،وبقايا من الهذيان ( 1999) ، والليلة الشاردة الواردة (1999) ، وهذه المجموعة الأخيرة قصص قصيرة جداً .
وقد أهداه المؤلف إلى الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي " ناقداً رائداً،ومبدعاً متألقاً، وإنساناً حكيماً".
يضم الكتاب تصديراً وثمانية فصول .
يقول المؤلف في التصدير:"إن ممارسة النقد قد تفضي دوماً إلى طرح إشكالية معينة، ومحاولة الدوران فيها وحولها دون الوصول إلى أحكام نهائية وقاطعة؛ لأن انفتاح النصوص السردية – عادة- يحمل في طياته انفتاحاً جوهرياً في مقارباتها تجاه الحفر الدلالي ومحاولة التأويل وملامسة النتائج لا أكثر ولا أقل".
يتناول الفصل الأول " جماليات تشكيل مكة المكرمة في ذاكرة السارد" ، من خلال روايات : " أيامي" لأحمد السباعي، و" ثمن التضحية" لحامد دمنهوري، و" لا ظل تحت الجبل" لفؤاد عنقاوي، و"اليد السفلى" لمحمد عبده يماني، و" غداً أنسى " لأمل شطا، و" لا تقل وداعاً " لسيف الدين عاشور، و" سقيفة الصفا" لحمزة بوقري، و"مدن تأكل العشب " لعبده خال، و"خاتم" لرجاء عالم، و" الحفائر تتنفس " لعبد الله التعزي، و"ميمونة" لمحمود تراوري.
ويتناول الفصل الثاني " نموذج كبش الفداء النسوي: وعي الذات وآفاق الحل في نماذج روائية سعودية " ، وهي روايات : " بنات الرياض" لرجاء الصانع، و" القارورة " ليوسف المحيميد، و" عيون قذرة " لقماشة العليان، و"ملامح" لزينب حفني .
ويتناول الفصل الثالث" روائية السيرة الذاتية في نماذج سيرية سعودية" ، وهي سير: "حكاية سحارة " لعبد الله الغذامي، و" أيام في القاهرة وليالٍ أخرى" لعلي الدميني، و"سيرة سيف بن أعطى" لفيصل اكرم .
ويتناول الفصل الرابع " نسوية تلقي رواية بنات الرياض" ، من خلال ظاهرة رواية "بنات الرياض"، ودور النسق الاجتماعي النسوي، ومصطلحات التلقي النسوي، وتوريط التلقي أو وعيه، والتابوهات بين الإثارة والفن، ومعيارية التلقي وانفتاحه .
ويتناول الفصل الخامس" بدايات النقدة السردي بين النص المكتوب والنص المنظور " ، من خلال إشكاالية النص المكتوب بين الفن والمضمون ، وتوقعات جماليات النص السردي المنظور .
ويتناول الفصل السادس مقاسردية " حمار حمزة شحاتة مقاربة في الرؤى والدلالات" ؛ وذلك من خلال مثالية الحمار وأنسنته،وبغلنة الإنسان ووحشيته، وعلاقة الإنسان بالحمار والطبيعة .
ويتناول الفصل السابع إشكالية :" تركي الحمد : نجاح الرواية السعودية أم فشلها؟!"، من خلال رواياته : العدامة، والشميسي، والكراديب، وشرق الوادي، وجروح الذاكرة ، وريح الجنة .
وأخيراً ، يتناول الفصل الثامن في ضوء القراءة الببليوغرافية" ببليوغرافيا نقد الروايةفي مجلة علامات في النقد " ، وقد ألحقت به قائمة بالدراسات النقدية عن الرواية في المجلة نفسها.
ومما يجدر ذكره أن كتاب" وهج السرد " هو الكتاب السابع في مجال النقد للمناصرة ، حيث سبق أن صدر له : فرح أنطون روائياً ومسرحياً (1994)، وثقافة المنهج الخطاب الروائي نموذجاً ( 1999)، و" المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية العربية الفلسطينية " (2002) ، والنسوية في الثقافة والإبداع ( 2007)، وذاكرة رواية التسعينيّات(2008)، وفضاءات الكتابة(2008).
خندق المصير :رواية جريئة للكاتب الفلسطيني حسينالمناصرة
الجنون مصيرا : قراءة ثقافية في رواية خندق المصير
سعيد محمد إبراهيم
محاضر بجامعة الملك سعود
مفتتح
تجترئ هذه الدراسة على أن تذيل عنوانها الأصلي بالذيل السابق ، وتهدف من
وراء ذلك إلى استثارة المهتمين بالنقد لممارسة هذا المنهج النقدي تطبيقيا
؛ خاصة وقد خبا ضوؤه بعد أن كان مثار ضجة إعلامية ونقدية فيما بين سنة
2000-سنة 2003 (1) ، والتي لم تسفر إلا عن أبحاث قليلة جدا(2) ؛ قلة ربما
توحي للباحث بأن المنهج الذي شغل الناس مدة ثلاث سنوات في طريقه إلى
الانطفاء وربما التلاشي؛ ولربما كان وراء هذا الأمر جدة المنهج، وانفتاحه
على علوم أخرى ، بالإضافة إلى عدم اكتمال أدواته، ورغبة الباحثين في أن
يسيروا في طرق معبدة وأطر مستقرة، إضافة إلى احتفال المؤسسة النقدية
العربية بالأطر الفنية للدراسة بدلا من الدراسة الموضوعية ، والتي تعد أهم
مرتكزات النقد الثقافي ومعاييره الأساسية (3).
والدراسة الحالية لا تعد بدراسة النص الحالي دراسة ثقافية على النحو
المصطلح عليه؛لأن ذلك يتطلب جهدا ووقتا طويلين لا يتسع هذا المقام للعمل
عليهما (4)، ولكنها تستهدف –كما سبق أن قلت– مجر الاستثارة، ومحاولة
الدخول للموضوع . وحسبها في النهاية أن تكون محاولة، بل من أوائل
المحاولات(5) التي تعمل على هذا المنهج عملا تطبيقيا.ولا مانع عندي في أن
توسم هذه الدراسة بالبساطة والعادية والتأويل؛لأن ذلك يعكس رؤية الباحث في
هذا المنهج؛إذ إنه منهج بسيط ينأى عن الإغراق في المصطلحات النقدية،كما أن
البساطة لها دلالة مهمة سوف تتضح في نهاية البحث.
أما أن هذه الدراسة عادية ؛ فلأن النقد الثقافي نفسه لا يختلف عن النقد
الأدبي في كثير من الأمور ، كما أنه يسعى لمخاطبة القارئ العادي في الأساس
. أما اعتماده التأويل في القراءة ؛فلأن ذلك هو جوهر المنهج الذي يحاول
استنطاق النص الأدبي خاصة ، والثقافي عامة ، للخروج بدلالات تمس الثقافة
التي يدرسها .
خندق المصير وثقافة المقاومة
تأتي رواية خندق المصير
في عنوان ، وإهداء ، وتنويه ، وثمانية فصول هي على الترتيب : رابعة –
البلدة-حانا –مانا – سعدة – لحانا – حانا ديك مانا ثور سعدة كبش –ابن
عامر. وسوف نتناول هذه الفصول بالقراءة على نحو ما وضعها المؤلف حتى لا
نضيع على القارئ فرصة الاستمتاع بالرواية كما كتبت .
العنوان والوعي الثقافي
خندق المصير
هو عنوان الرواية ، وهو عنوان ينطوي على وعي الكاتب ( أو لا وعيه ،سيان
عندي) بالمسألة الثقافية ، فهو يتضمن المكان ( خندق) ، والزمان ( المصير
أو النهاية) فإذا أدركنا أن الثقافة في أحد تعريفاتها تشير إلى أنها نتاج
للتعايش الاجتماعي، جاز لنا أن نقول بشكل آخر : إن الثقافة هي تفاعل
الزمان والمكان مع المجتمع ، وجاز لنا أيضا أن نقول : إن عنوان الرواية
يدل على وعيها بثقافتها ؛ إذ إنه تضمن طرفين من أطرافها وهما الزمان
والمكان. أما المجتمع الصانع للثقافة فهو داخل الرواية ، وكأن الكاتب يريد
أن يقول لنا : إن روايته هي كتاب لثقافة المجتمع الذي يعيش بداخلها، وإذا
تأملنا في العنوان تأملا آخر ،فإننا نلاحظ أن الكاتب عمد إلى تسميته
بالخندق وكأنه يريد أن يقول لنا :إننا علينا أن نتخندق أو نتشرنق داخل
قضايانا، حتى ننال مصيرنا، بما يشمله هذا التخندق من دلالات التحصن
والالتفاف حول الذات في مواجهة هذا الآخر الذي يترصدنا، يقول المؤلف معلنا
وجهة النظر هذه : " المجد لنا عندما نتوحد في خندق قضايانا المصيرية ص 9 ".
يشير معنى الجنون في اللغة إلى الاختلال، كما إن مصطلح الجنون في الدراسات
النفسية يشير إلى الإبداع المجهض،ورابعة بطلة هذا الفصل – هي واحدة ممن
يمثل هذا الجنون بحق،بل هي الجنون ذاته،ذلك الجنون الذي انتهجه غيرها من
سكان بلدة "بني نعيم" التي ترعرع فيها الراوي:"رابعة بنت الجيران لم تكن
تتحدث كثيرا مع الناس..كانت أسطورة..لم تؤذ أحدا،فقط تنشر شعرها ليتطاير
في الهواء فتبدو مجنونة من وجهة نظرهم ص14".أما قصة جنونها فهي:"قيل إنها
أحبت فارسا مارا لكن أخوتها ضربوها لما رأوها تعانقه قبل الرحيل،ضربوها
على رأسهاص14".
وهكذا فإن ما أدى برابعة إلى الجنون هو تحررها، ومعانقتها لحبيبها قبل
الرحيل ، بل إن رابعة هي التحرر ذاته : " في الماضي تصور أية رابعة في
القرية ذات مس في عقلها لا يوصلها إلى درجة رابعة المجنونة ، وذلك قبل أن
تدافع عنه بصرختها الأسطورية ثم صارت الرابعات سيدات العالم بما فيهن
رابعة العدوية التي تعرف إلى سيرتها بعد أن التحق بالجامعة ص15".بل إننا
نراها وقد امتثلت فلسطينا في رحلة بحثها عن المخلص :" ويقال أيضا إنهم
لحقوا بفارسها ودفنوه في الصحراء بعيدا عن عيون الناس، فغدت تخرج إلى
الشوارع _ تبحث عنه _ذهبت إلى البراري والصحراء مرارا – التقت بدويا ظنته
فارسها .. لكنه هرب منها بعد أن أدرك جنونها .. تغيب كثيرا في جوف البيت
.. يقال إن اخوتها سجنوها .. كانت طيبة لم تؤذ أحدا ، ألا يكفي هذا لوصفها
بالعاقلة ص14".( التأكيد هنا وفيما بعد من عندي ) .
وهكذا يمكن لنا أن نقرأ رابعة في ضوء النص السابق بأنها تشير إلى فلسطين
التي كانت تبحث قبل احتلالها التاريخي عن التحرر في شخص البدوي العربي
الذي دفنه أخوتها في الصحراء ، ثم أخيرا ضربوها على رأسها وسجنوها ، على
الرغم من أنها لم تؤذ أحدا ، فقط أرادت أن تجد عروبتها وبداوتها، فكان
مصيرها ضربة على الرأس ، كان بسببها الجنون الذي هو عند العقلاء جنون، لكن
عند مجانين الحرية هو العقل ذاته ، إنه رفض وانتفاضة ، وهكذا تحولت فلسطين
بعد ضربة الرأس انتفاضة حية ، إنها رابعة التي سرت فلسطينا وجنونا داخل
ابن عامر راوي الرواية: " رابعة يا جماعة كانت تدعي الجنون ، لتحميكم في
الليالي الدامية من هسهسات غربان البنادق ، وبوم السود ، وخفافيش الموت ..
رابعة كانت تعرف كيف تصرخ ، كيف تجعلهم يعملون لكم ألف حساب كانت صرختها
بألف حجر ص14" .
وهكذا فإنها بصراخها تنقذ ابن عامر من موت حقيقي كاد يحيق به من الجنود
الإسرائيليين ، فقد صرخت الانتفاضة فيهم صرخة قوية ، فانشغلوا بها عنه،
ففر هو هاربا من قتلهم وقتلت هي:"مئات الأفكار لاحقته لتقنعه أن رابعة
أنقذت حياته، وأنه يعيش بمعجزة إلهية دفنت رابعة مكانه، صارت قديسة، غيروا
اسمها ، فغدوا يقولون الشهيدة رابعة بعد أن قالوا : رابعة المجنونة ص15 "
.هنا تتلاقى ثنائية الموت والميلاد؛ إذ إن رابعة لم تقتل كما تقول
الرواية، بل إنها أصبحت قديسة أي مقدسة ، بما يعني أن الانتفاضة اكتسبت
قدسية لدى كل فلسطيني، كما أنها أصبحت شهيدة ، أي أنها بمعنى من المعاني
حية ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم
يرزقون ) … أية .
ولعل ذلك الازدواج الدلالي يكمن في كلمة الشهيد فهو ميت حي أو ميت
وشاهد وهو من تمثله رابعة التي كان موتها رمزيا ؛فقد ماتت وولدت شهيدة في
نفس الوقت ، بل إن موتها صار ولادة أو شهادة للحياة عند ابن عامر الراوي
(ص18).
من قصة رابعة المجنونة / الانتفاضة / الثورة / التحرر تستدعى قصص جنون
أخرى، أو بالأحرى قصص أخرى من قصص الانتفاضة، وهي كلها تؤكد رمزية الجنون
لدى الكاتب ، حيث تبتدئ من خلالها الدوافع التي أدت بأصحابها إلى الجنون /
الثورة / الانتفاضة ، فقد أصيب بالجنون كل من : أم سالم ، المعلم العبقري
راشد، الشيخ المتصوف عيسى ، الختيار ( المأذون ) تركي ، الفارس المغوار
الشيخ حماد ، بنت عابد، باسم وحيد أمه ، محمد حسن، الصحفي أبو عبيدة،
الختيار جادع، وطفة ، الحاج خالد … الخ ) ( ص15-25) .
والملاحظ أن الجنون أو الانتفاضة شمل الرجال والنساء ، كما إنه شمل جميع
الطوائف والأعمار والوظائف ، فهناك : الطالب- المعلم – المأذون ، بما يعني
أن الانتفاضة قد شملت جميع الناس ، بما فيهم حانا ومانا اللذين جرهما
جنونهما إلى الانتهازية والعمالة ، كما إن وراء كل مجنون قصة تختلف عن قصة
غيره دفعته إلى الجنون ، بما يعني أن لكل مجنون طريقته في إبراز جنونه ،
تؤرخ هي ذاتها – في طريقة رمزية واضحة – لأساليب المجانين الثوريين في
مواجهة هذا العدو المتربص حتى إن البلدة كلها صارت جنونا في جنون !!
"إن بعض أسماء أماكن البلدة مستمدة من الجنون من ذلك : خربة تفاح
المجانين، وادي الجن، طلعة المجنونة ، جبل الجان ، مراح الجني، جنان المية
، دار السعادين، كرم مجنون ليلى ص 28" . وهي كلها أسماء شوارع مستعارة
أراد بها الكاتب أن يعبر عن أن الجنون / الانتفاضة قد شملت البلدة كلها،
حتى اسم البلدة ذاته بني نعيم : "ليس غريبا أن يكون اسم بلدتي بني نعيم
فالنعيم كما تعرفون هو موطن الجنون ، لأن المجانين كما يقال في نعيم ،
لذلك تعني بني نعيم في التفسير الأعم بني الجنون ص28 " . كما أن أمه ذاتها
تريد أن تجن : "همست له أمه تحدثه عن نفسها قائلة :ليالي كثيرة يأتيني
هاجس داخلي يقول : هيا اتركي البلدة، هجي في البراري بعيدا عن الناس، عيشي
جنونك " لكنها تعود فتقول :"..والله يا بني ما صبرني على الحال: إلا
الإيمان بالله والصبر على ما بشوف.."(ص16) .
ونريد بعد ذلك أن نستبين موقف الراوي ذاته من الجنون، إن الراوي –كما يوضح
هو – مجنون ولد مجازيا من المجنونة رابعة/ الانتفاضة :" كان في العاشرة
عندما تخيل رابعة أعظم من أمه التي تقول عنها مجنونة .. لم يعد يظن أن أمه
أعقل العاقلات .. الصحيح أنه خاف من رابعة .. لكنها عندما صرخت فيهم
لتنقذه شعر أنه طفل يولد من جديد .. وأن صرختها ماثلت صرخة أم أنجبت طفلها
لتوها.. ثم ماتت ليعيش وليدها في أحضان الأمهات كلهن .. ص 14 ".
فإذا حذفنا لفظة أم مما سبق ووضعنا لها المرادف اللغوي وهو الأم بمعنى
الرأس لرأينا أن الأم في الاقتباس الأول والأم في الثاني يمثلان رأس
الراوي، ونكاد نزعم أن كل كلمة أم وردت في الرواية أراد بها المؤلف معنى
الرأس ، وعلى ذلك نستنتج أن الراوي داعبت رأسه فكرة الانتفاضة منذ
العاشرة، وحينها انصهر في أحضان الأمهات / الرؤوس كلها .
يعني ذلك أن الراوي قد انصهر مع بقية أبناء البلدة في الجنون / الانتفاضة
، لكننا نعود في نصوص أخرى لنراه يقول :" قصص كثيرة يمكن أن يرويها عن
الجنون في بلدته الغافية على مآسي الكون كله ..لكنه لا يستطيع أن يكمل
ويتوغل كثيرا في هذا الجانب ، لأنه يخاف على عقله ، يخاف أن يحدث له ما
حدث لهؤلاء ولغيرهم .. يحمد الله ! مازال يدرك أنه عاقل يحسن التصرف ،
ويقيم العلاقات المتوازنة مع الآخرين ص 16". يعني ذلك أن الكاتب وإن اعترف
للبلدة بالجنون ، وحبذه بل شجعه وانصهر به ، إلا أنه يحمد الله على أنه
بعيد عنه ؛ لأنه يعرف عاقبة المجانين:" الجنون يا سادة أخطبوط يلاحق
أفكاري المندمجة بمآسي بلدتي الكثيرة ، فلا أجرؤ على أن أخوض في تفاصيله
المرعبة ، ودائما يرددون في تجمعاتهم : المجانين في نعيم والعقلاء في جحيم
!!فهل حقا نحن في نعيم ؟! أعني هل المجانين في نعيم كما يدعون ص22" .
إن الراوي يواري جنونه لما يجره من ويلات مما يعني مزيدا من الإدانة
لإسرائيل . وهكذا نستطيع أن نحل التعارض في موقف الراوي الذي حمد الله على
سلامته من الجنون في النص السابق كما أنه أثبته لنفسه في نصوص أخرى ، يقول
: " لم أكتب عن الجنون؟هل أريد أن أعلي من شأنه..أم أكتب رواية عن حياتي
الممتدة في مسالك الجنون الإبداعي بعد تلك الحادثة لأشكر سيدة النساء على
ما فعلته من أجلي … ربما أحاول التكفير عن أشياء كثيرة قيلت عن جنونها
الذي بدا لي عقلانيا في نهاية المطاف ص22 " ثم نراه يقول ناسبا الجنون
لنفسه :" أحد أفراد عشيرتنا – أقصد عشيرة المجانين- طار عقله إلى حد
الخروج عن كل مألوف ص22 " .
على الرغم من أن الكاتب يحاول استبعاد اسم فلسطين من الرواية ، ويحاول قصر
المكان على مدينة متخيلة فيها عندما يقول :" البلدة التي تنتمي إلى كل
التواريخ الفلسطينية المنحدرة منذ الكنعانيين العرب إلى اليوم ص31"، إلا
أنه في الوصف التالي لا يدع مجالا للشك على أن البلدة مدار اهتمامه هي
فلسطين ذاتها يقول :" تتمدد بني نعيم على هضبة منبسطة كخيمة الصلاة تحيط
بها الأودية من كل الجهات ، تجري منها المياه في الشتاء الخصب إلى البحر
المالح،آخذة معها أحيانا بعض الغرقى لتعيدهم بلا حياة ، لكن الخصب في
أزمنة الخير يجعلها ربيعا ترتدي ثوبها الأخضر المزركش بالألوان كلها،
كأنها عروس ترقص في ليلة زفافها !!وجمالها الأخاذ يطيرّ العقول لمن لم
يعرف كيف يحسن التصرف مع معشوقته الضائعة التي وجدها صدفة في واحة صحراوية
تنتظره كأميرة لم يمسسها بشر ولا جان منذ قديم الزمان ..فهو إن لم يحسن
التصرف مع كنزه الثمين طار عقله بلا رجعة ص 31-32" .
النص على طوله دال على أن فلسطين تعيد الحياة إلى البحر الميت بما تقدمه
من غرقى شهداء أو غرقى خائنين ، ومع ذلك ينتقل فجائيا إلى تصوير عروس في
ليلة زفافها، ويأخذه المشهد إلى أنها كنز إن لم يحسن التصرف معها طار عقله
( لنلاحظ أن الكاتب لم يقل " جن" ولكنه استخدم (طار عقله) لحرصه على إيصال
معنى الجنون السابقة الإشارة إليه ).
ويستدعي لفظ الكنز لدى الكاتب قصصا كثيرة من قصص البحث عن الكنز مثلما
استدعى لفظ الجنون قصصا كثيرة من قصص الانتفاضة ، والكاتب يستغل التداعيين
في التأريخ لفلسطين ، ويبدو أن مرحلة الكنز هذه تمثل مرحلة الثورة فيما
قبل الانتفاضة، والتي تبدو -كما تشير دلالة الكنز - إلى أنها كانت
مختفيةتماما ، كما يكون الكنز مدفونا ، وسوف نستعرض فيما يلي ردود أفعال
أهل القرية من الكنز أو بالأحرى من الثورة ،وذلك على النحو التالي :
يظهر النص السابق كيف تولدت الفتاة / الكنز / الثورة في نفس الرجل الذي
بحث عنها لكنه فشل في أن يتواصل معها ، لقد خاف ، ولم يحافظ على رباطة
جأشه ، خاف أن تتعرى ثورته: صرخ فيها : انستري يا مستورة، هكذا فإنه يفقد
ثورته إلى الأبد ؛ لأنه لم يستطع أن يخصبها فانزوى ناطورا في القصر الذي
غاصت في باطنه الثورة ، ترى ماذا كان يحدث لو لاقاها وأخصبها ؟ يقول
الراوي :" ولو تركها تخلع القطعة الأخيرة لأصبح أغنى الأغنياء" والغنى هنا
ليس غنى المال ، ولكنه غنى النفس الثائرة ، يقول في موضع آخر يوضح
احتمالات صبره عليها:" لو صبر لكانت هي التي هرعت إليه بعد أن تصير امرأة
حقيقية.. لن يكون بمقدورها أن تختفي ، ليس أمامها إلا أن تتحول إلى كنز أو
إلى امرأة حقيقية .. حينها يصحو من نومه فلا يجد جواره سوى بقايا طيف
امرأته التي رحمها الله ص41" ، معبرا بذلك أن رحمة الله سوف تلحق هذه
المرأة من جراء الخصوبة التي تجدها عند ذلك الرجل .
وهكذا تنتهي كل محاولات البحث عن الكنز / الثورة لأنها لم تتم إلا في
الخفاء: "حفر الناس أماكن كثيرة في الخفاء ،وطمروها يقال : إنهم لم يجدوا
أكثر من الجماجم البشرية ، وربما بعض الأواني الفخارية التي وضع القدماء
فيها الماء والطعام للموتى في قبورهم ص34 " وهو نص لافت يشير إلى أن
الأفكار الثورية فيما قبل الانتفاضة كانت مجرد أفكار للقدماء وضعوا فيها
الماء والطعام للموتى / الثوار .
ولعل مما يؤكد انصراف دلالة الكنز على الثورة بالإضافة إلى النصوص السابقة
، أن اليهود كانوا يبحثون عنها في كل مكان ، بحجة أنهم يبحثون عن الآثار
العبرية، بل إن بعضهم كان يبيعه إليهم ؛ أي يبيع الثورة إليهم على نحو ما
رأينا في النص قبل السابق ، بان ذلك في حواره مع أمه / رأسه :" عددت لي
أسماء كثيرة لأناس وجدوا كنوزا .. قلت لها : لا تصدقي هذا الكلام.. الناس
ما وجدوا إلا الفخار والقطع الأثرية الرخيصة .. والمشكلة أنهم يبيعونها
لسماسرة اليهود الذين يزورون تواريخنا كلها بطرقهم الخاصة ص 35".
ونريد كما استعرضنا موقف الراوي من الجنون أن نستعرضه مع الكنز / الثورة
المختفية ، وهو ما يتضح من حواره مع أمه / رأسه التي حاولت أن تقنعه
بالبحث عن الكنز حتى يغتنى :"قالت ..أريدك عندما تنهي دراستك وتعود إلى
البلد أن تنصب خيمة فوقها ، تحفر في الليل ، وتغطيها في النهار، أنا
متأكدة مئة بالمئة أن فيها كنزا،ربما يكون أحسن كنوز البلدة،أرضكم هذه
جوهرة،أرض آثار، إن بحثتم وتعبتم في البحث لابد إن شاء الله أن تجدوا فيها
كنزا زي الناس اللي وجدوا…لم تعرف أمي أن المغارة حفرت مرات وأن اعتقادها
بكونها مغارة بكرا ليس له أصل فعصابات الحفر المتعاونة مع دائرة الآثار
الصهيونية حفرت أماكن كثيرة .. ربما من ضمنها مغارة أمي من زمن بعيد ص35".
يشير النص السابق إلى أنه جرب الثورة / الكنز مرات ومرات لكنها لم ترقه،
وأن اليهود حفرت كنزه مرات ومرات ؛ ومن ثم فهو يقول لأمه بعد أن عرضت عليه
أن يبحث عن كنزه في غرفته لا منشاف ولا من دري ، يقول لها :" غير ممكن أن
أحفر البيت من أجل كنز وهمي ، أنا يا ستي لا أريد الكنز ص37 ".إنه لا يريد
ثورة وهمية ، كنزا مختفيا، ومن ثم فإنه ينتقل إلى بديل آخر وتنصرف أمه /
رأسه إلى عمل آخر :"نسيت أمي الكنز أو ربما تناسته .. انشغلت زمنا بكنز
الزراعة .. لم تعد تصبر على مساحة أرض فارغة من زراعة الزيتون.. قلت لها
مازحا:أليس الزيتون هو الكنز الحقيقي؟ ص37".لكن أمه / رأسه ردت عليه بشيء
من التذمر:سأعلم أولادك "كيف يبحثون عن كنز جدهم "بما يشير إلى أن رأسه
رغم ميله إلى الزراعة / السلام لا زالت تميل إلى الثورة .
ومن البحث عن الكنز الثورة المختفية ، ينتقل الكاتب إلى الكنز الحقيقي /
الانتفاضة في رصد لتحول الناس من البحث عن الذهب إلى البحث عن الحجارة :"
أخيرا وجد الناس كنزهم الحقيقي .. كان هذا الكنز ذهبا أبيض ، ذهب الحجارة
البيضاء الناصعة التي تستخرج من باطن الأرض لبناء بيوت الحجر البيضاء
الجميلة ص37". يقول عن أمه / رأسه : "ربما أدركت أن جدي قصد بالكنز
الحجارة ناصعة البياض ص37 ".
ونريد كما استعرضنا موقف الكاتب من الكنز/ الثورة المختفية أن نستبين
موقفه من الحجارة / الثورة الحقيقية. يرى الراوي أن هذا الكنز رغم حقيقيته
ورغم نصوعه إلا أنه وقع غدرا في أيادي المستغلين، ومن ثم فهو يقول وعلى
طريقة النقد الذاتي :" جن جنون الناس وهم يبحثون عن الحجارة البيضاء.تحولت
البلدة إلى حفر متناثرة في كل الأمكنة،اتخذت الحجارة مستويات متعددة من
الجودة،وتفاوت الأسعار،وتنوعت أشكال البنايات..انتثرت السيارات أمام الفلل
، ضاقت أوقات الناس،كثرت المشكلات والتناحرات، لم يعودوا يفرطون بشبر أرض
من أجل طريق عام،فالشبر كومة فلوس كما يقولون ص39" . وهكذا أصبحت الثورة
الحجرية مجالا للتفاوت ووقعت بين فريقين :
الأول : لم يفرط بشبر أرض من أجل طريق عام ، أو توجه عام يوحد بين الجميع على مستوى سياسي .
والثاني : مستغل ضارب بالثورة من أجل تحقيق مصالح خاصة :" الكنز الأبيض
سلبهم عقولهم.. الاستثمار أكل قلوبهم بالغيرة والحسد والبحث عن المصالح
والمضاربات ، والاتفاقات المعقدة ص 39". لقد استغلوا انتفاضة الحجارة
لصالحهم ، ومن ثم فهو يصرخ فيهم : " ...يا ناس يا عالم يا هو لن تأخذوا
شيئا من هذه الكنوز إلى قبوركم التي بنيت بالحجارة غير الجيدة ص39". إنهم
باعوا الحجارة لليهود أو بالأحرى باعوا ثورة الانتفاضة لليهود:"يتنغص كنز
الحجارة بمستعمرات الاحتلال التي تتربع على الأراضي المرتفعة الأجور حجارة
في العادة،لكن لا بأس فاليهود يشترون الحجارة ويبنون مستوطناتهم ص.." .لقد
بيعت الثورة الحجارة التي صنعها الصغار ، أما الكبار فقد باعوا أنفسهم "
أليس هذا جنونا أعمق من أي جنون : نقذف الحجارة الصغيرة على دباباتهم في
مواجهة البنادق والرشاشات ونبيعهم الحجارة الكبيرة لبناء مستوطناتهم، عجيب
أمرنا في مواجهة عدونا ؟ ص 39" .
وهكذا يشير ابن عامر بأصابع الاتهام إلى هؤلاء الكبار الذين باعوا أنفسهم
كأحجار كبيرة بالأنانية والمصالح الذاتية : لماذا يا ناس أكلتكم أصابع
الأنانية ؟! العدو من أمامكم .. والموت من ورائكم .. جن جنونكم .. وابن
عامر لا يقص سيرة ذاتية؟! إنه يحكي سيرة بلدته .. سيرة الخراب الذي حول
السجادة الخضراء إلى أرض غبراء أكلها البور والحفر والشاحنات والشوارع
الضيقة والطوش الكثيرة وبقايا الجوع وبيع الحجارة للأعداء ص 41 ".
بعد أن استعرض الكاتب تاريخ فلسطين رمزيا في الفصل السابق منذ بدء التاريخ
وحتى مجيء الانتفاضة، وذلك في الصفحات من 4152 ينتقل إلى فصل بعنوان: حانا
، وهو أحد طرفي المثل الذي أقام المؤلف حوله روايته ، وهو : بين حانا
ومانا ضاعت لحانا، وهو لا يلبث في كل مرة أن يذكرنا بقوله مفسرا المثل : "
قالت العامة بين حانا ومانا ضاعت لحانا: يعني ضياع الناس بين ما يفعله بهم
حانا الخائن وما يفعله بهم مانا الانتهازي " وكأن المؤلف يريد أن يقول
لنا: إن تاريخ فلسطين بل تاريخ الدول العربية كلها – وعلى نحو ما سيتضح
–آل إلى هذين الرجلين : حانا ومانا، أو الخائن والانتهازي. فما أبعاد
شخصية الخائن حانا كما رسمها المؤلف؟وكيف وجدت في فلسطين؟
بداية لا يظهر حانا فجاءة مع بداية هذا الفصل، بل سبق وروده في الفصلين
السابقين( انظر مثلا ص 23-26 في الفصل الأول ، وص42-43، 51 من الفصل
الثاني ) بما يعني أنه هو وأخوه شخصيتان متغلغلتان في تاريخ الانتفاضة بل
وفلسطين كلها .
والكاتب ينفي أن يكون حانا فلسطينيا، أو من أبناء بلدته بني نعيم، وعلى
الأقل جاءت أمه/ رأسه من بلاد بعيدة، يقول له أبو نعيم مدير الاستخبارات
الإسرائيلية الذي جره إلى الخيانة ، وتلبس باسم بلدة بني نعيم، وهو اسم
دال على تجرؤ الإسرائيليين الذين لم يقتصروا على استعارة الاسم فقط ، بل
اعتبروا أنفسهم آباء للأبناء. فالرجل اسمه أبو نعيم في مقابل القرية التي
اسمها بني نعيم ، يقول شارحا له كيف تكونت أمه / رأسه قال " سألتني مرات
كثيرة عن أصلك وفصلك ، عن أخوالك اليهود ، وأعمامك العرب ..القصة أن جدتك
( أم أمك ) جاءت من اليمن مهاجرة مع مجموعة من اليهود ، تركت زوجها المسلم
هناك ، حملت معها أمك.. كانت أمك مسلمة ، ولم تسلم جدتك ، لا أعرف لماذا
أصرت أمك على أن تبقى في الإسلام ، ربما ندمت جدتك على مجيئها إلى إسرائيل
، حنت كثيرا للعودة إلى اليمن . الكثير من الهاجرين حنوا إلى العودة ، بما
فيهم أنا !! نحن كما تعرف نعتبر الولد للفراش ، أي للأم ، أمك رغم أبيها
المسلم فهي يهودية ، لكنها كانت تصر على أن تبقى مسلمة ، لذلك تزوجت رغما
عنا مسلما من بئر السبع،هربت معه ، قتلناه فيما بعد ، ثم هربت إلى بلدة
"بني نعيم" ، أو بالأحرى إلى" بني جحيم " كما تسميها ، بقيتْ تحت أنظارنا
، وبقيتَ أنت أيضا تحت أنظارنا ، لقد قررنا أن ننتجك وسطهم" ص65 .
يشير النص إلى أن تكوين حانا العقلي كان مختلفا ومختلطا ، لقد تركت جدته (
رأسه الأصلية وإن كانت يهودية شاذة بلاد اليمن السعيد – مشيرا إلى هجرة
رأسه من السعادة إلى الشقاء ، أما أمه / رأسه فكانت تحن إلى هناك ، وإن
كانت تدين أصلا بفكر يهودي؛ لأن الابن عندهم – كما يقول أبو نعيم – للفراش
، فهي مسلمة بالوجود يهودية بالانتماء اليهودي – ومن ثم فإن تكوينه مزيج
من الفكر الإسلامي( فكر أعمامه وأجداده) والفكر اليهودي الذي تربى عليه )
يقول الراوي : " وقيل عن حانا ومانا أنهما أخوان ولدتهما امرأة جاءت هاربة
إلى القرية قبل سنوات طويلة هربت من هناك بسبب أنها أضاعت شرفها " ص 270 .
يعني ذلك أن الراوي ينفي أن يكون هذان الشخصان أو أمهما / رأسهما على
الأقل من داخل البلدة ومن ثم فإنهما لا ينتميان إلى هذه البلدة ، إنهما
يحملان أفكارا تختلف عن أفكار هذه البلاد وإن كانا منها .
ولكن المؤلف رغم نفيه أن يكون حانا ومانا من أبناء هذه البلدة ؛ إلا أنه
يحل المجتمع مسئولية انحرافهما ؛ لأن مجتمع القرية قد تركهما نهبا لليهود
. يرى المؤلف أن الفق وعدم إحساسهما بالانتماء هما اللذان أوقعهما في ذلك
يقول على لسان حانا : " تعمل أمي ليل نهار في خدمة سيد الكرم الذي يظهر
لنا عطفا مزيفا وفي بعض الليل تخيط الملابس أو ترقعها " ص 56 . لقد وقعا
نتيجة الفقر في أيدي صاحب الكرم ( الكرم تحمل دلالة مزدوجة : الكرم =
التكافل والسخاء والكرم = عنبا تصنع منه الخمور ) بما يعني أن كرمه كان
مزيفا أو أن عنبه يؤدي إلى العربدة واستتار العقل ، وبعد العمل ترقع أمه
الملابس لعلها تريد أن تخفي عري الفضيحة والتعاون مع إسرائيل .
ويقول في موضع آخر :" كيف تريدونني أن أكون إنسانا سويا بعد أن تشربت
الحقد مع كل حبة عنب خضراء أو حمراء أو صفراء أو سوداء أو متداخلة
الألوان..يقولون :حانا لا ينتمي إلى بلدتنا .. هذا ما ردده أصدقاء طفولتي
.. اللعنة كيف أصفهم بأصدقاء الطفولة .. إنهم على الوجه الأصح أعداء
طفولتي ..من قال: إنني عشت طفولة سعيدة حتى أتوقع العلاقة الحميمة بيني
وبينهم ص56". لقد كان على المجتمع أن يحتوي حانا. إن انعزال حانا الشعوري
والنفسي، بل والمكاني عن المجتمع ، جعله يسقط أمام أول إغراء من أبي نعيم
حينما دفعه إلى العهر ، إذ شعر أنه ينتمي إلى عالمه الموبوء ، ينتمي إلى
فخذي إستر الصهيونية ص 57، لقد كان لحانا استعداد لبيع أية قيمة مقابل
خلوة معها لكي يجرب على الأقل ، يقول لأبي نعيم :" قلت له اسمي "حنانيا"،
استغرب الاسم ، لكنه ادعى تصديقي ..ليس في هذه البلدة اللعينة كلها اسم
حنانيا ، ومن أين لها هذا الاسم الذي هو أقرب إلى الأسماء العبرية " ص57.
وهكذا ينصاع وراء أبي نعيم ، في صورة تتبدى فيها مخططات اليهود في
الاستيلاء على عقول الشباب ، خاصة المشوشين منهم، الذين قهرهم المجتمع
ماديا ومعنويا ، وعلى استعداد للتنازل في أي وقت ، مقابل أبسط الإغراءات
خاصة وأنه لم يتم احتواؤهم يقول حانا مصورا حكاية الضياع :" ليلة صاخبة مع
شلومو في أحد فنادق القدس مكافأة اللقاء الأول الذي جمعني مع "أبو نعيم" ،
وشلومو هذا لم يكن رجلا ، هو تلك المرأة الجميلة التي راودنا بها "أبو
نعيم" الكلب عن نفسها قبل أكثر من عام .. كنت بكرا وشلومو سيدة مجربة ،
تعرف كيف تمتص قطرات اللذة ، أو هذا على الأقل ما شعرت به معها ، إذ ما
زالت حلاوة سم ذلك اللقاء تحاصرني ، رغم أنه اللقاء الذي أظهر عنكبوتيتي
البغيضة على وجهها المتقيح " ص60.
يتبدى من وراء هذا النص زيف الوعود الإسرائيلية ؛ إذ إن هذه المرأة لم تكن
خالصة الأنوثة، فقد كان اسمها اسم رجل :" لو أنهم لم يسمونها شلومو !!
حاولت أن أعرف اسمها الحقيقي ، رفضت ، ادعت أن شلومو هو اسمها ، ثم طلبت
مني أن أسميها الاسم الذي أراه مناسبا ، فسميتها رشيل" ص64.وهو نص يعكس
رؤيتهم ، فليس مهما عندهم مع من سقط ، المهم أنه سقط . كما يبين أن حانا
أراد تحقيق حلمه وهميا ؛ فأسماها باسم أنثى ، ثم تتطور العلاقة مع شلومو
فتحمل منه ص63، بما يبين أن سقوطه معها أخصب ونجح الإسرائيليون تماما في
توريطه معهم ، وفي هذه اللحظة يملي أبو نعيم شروطه عليه ، ويكلفه
بالعمليات التي عليه أن يقوم بها ص67. ثم يستعرض صور خيانته التي نفذها
فعلا ص 70-73. وهي كلها تبين قذارة العمليات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني
، ثم ينكشف أمر حانا للجميع بانتحار الشاب خالد الجابري الذي كتب في
اعترافاته كيف ورطه حانا في العمالة لصالح إسرائيل ، وهو اتهام جعل الناس
يبتعدون عنه، حتى اعترف بجرائمه أمام لجنة الانتفاضة، حتى يتخلص من الإيدز
الذي أصابه من مضاجعته مع الشقراء الكندية، التي دفعها الجهاز إليه، وهو
تطور يدل على أنه حمل فيروس الخيانة الذي أماته أو سوف يميته ص92. وبدلا
من أن تحكم عليه لجنة الانتفاضة بالإعدام- كما طلب هو – نراها تعطيه صك
الغفران ص69، بل وتعينه " أحد المفاوضين في اتفاقيات أوسلو بوصفي الخبير
السابق في الشئون الإسرائيلية " ص 69. والسبب الحقيقي وراء ذلك هو غنى
حانا، الذي جعله يستطيع إغراء السلطة الفلسطينية ورشايتها ، وهي كلها نصوص
تعكس ثقافة الانتفاضة في إدانة السلطة، وتبيّن رفضها اتفاقية أوسلو بل
إدانة الوضع العربي كله ، يقول حانا :"أضع نفسي أمامكم الآن بعد هذا
الاعتراف الذي هو غيض من فيض لتقرروا الحكم ، فإن كنت خائنا لعينا ،
فتذكروا أنني محدود الإجرام قياسا إلى بعض زعمائكم" ص 75 . إن حانا رغم
خيانته يرى أنه محدود الإجرام قياسا إلى بعض الزعماء فما بالنا بجرائم
الزعماء أنفسهم ؟!
يعرض الراوي في هذا الفصل لشخصية مانا الانتهازية ، وهو يكشف منذ البداية
عن تسلقية مانا، من خلال تمنيه أن يكون له اسم غير الاسم " لا أعرف ،كان
الأجدر بهم أن يطلقوا عليّ اسم كرم أو دالي أو وعر أو أي اسم آخر ينتمي
إلى هذه الطبيعة الجميلة رغم أنني لا أمتلك منها شيئا ص78" وكرم –دالي
–وعر ، كلها أسماء توحي بالوصولية والانتهازية والتسلق كما أن النص يحمل
إيحاء بفكره ، فهو من المؤمنين بأن الطبيعة هي التي خلقت الناس ، وفقا
لأحد المذاهب الشيوعية :" أنا كنت وما زلت أعتبر نفسي شجرة ولدت بين ثنايا
الطبيعة التي أراها الجمال الحقيقي في الحياة ص 79" . أما أمه فليس له أم
في نص (ص 79)وأمه فقيرة في نص آخر( ص 77) ، أو أن أمه أتت من بلاد بعيدة
في نص ثالث (ص79). وإذا اعتبرنا الأم في كل بمعنى الرأس أو الفكر ، أو أن
فكره فقير ، أو أن فكره جاءه من خارج البلاد، وليس فكرا عربيا أو
فلسطينيا، لكن مانا لا يترك الفرصة دون أن يقوم بنقد المجتمع أيضا ، ذلك
الذي ألجأه هو وأخاه حانا للانحراف فالفقر هو الذي دفعهما للخيانة
والانتهازية:" لا أرض أملك ، ولا ثمر أجني.. فقط سقيفة داخل كرم تعمل به
أمي، وأنا مع حانا نعمل معها لنعيش على الفتات ..بل تصلنا أحيانا صدقات
البلدة التي بدت مؤخرا تشعرنا بالعار 80".
الفقر إذن هو الذي أوجد مانا وحانا في المجتمع ، ومن ثم فإن مانا يقرر أن
يتحول غنيا ، فيحتال حتى يصل إلى الفدائيين ، ويعمل معهم ، إلى أن يتم
اعتقاله ص85. حيث كان ضحية لحانا، الذي أرشد عنه بما يعني أن الخائن يخون
أخاه الذي تربى معه تحت سقيفة واحدة، أو دائرة فكرية واحدة بمعنى آخر،
وحينما خرج من السجن قرر أن يكون غنيا فلا يجد إلا الانضواء تحت لواء
السلطة التي فتحت المجال لهؤلاء المرتشين ، يقول : "الرشوة صارت الطريق
إلى بناء حياتي الجديدة ، خاصة بعد أن استلمت منصبا أمنيا مهما في
الاستخبارات الثورية العامة .. حتى أخي حانا لم يسلم من تحقيقي معه بطريقة
غير مباشرة .. اعترف للجنة التي عينتها للتحقيق معه .. عرفت كل شيء .. لم
أتفاجأ ، لكنني استغربت أن يكون بمثل هذا السوء .. شهادة براءة لا بأس ..
الأجدر إحالة بعض أعماله لأجل الثورة .. ثروته كبيرة .. رشوته لي أكبر ..
الفيلا الفخمة التي سكنتها أول حياتي المترفة ، هدية منه ص 86". وهو نص
يكشف عن جرائم السلطة في قبول الرشاوى ي من أكثر الناس إساءة للقضية "
حانا" كما يكشف عن التقارب في المنهج بين حانا ومانا الخائن والانتهازي،
ثم يكشف عن الجرائم التي قام به مانا تجاه الفدائيين (ص 86 ). وموقف
السلطة الفلسطينية منها (ص 92)،والتي بدلا من أن تنفيه جعلته أحد مفاوضي
أوسلو بعد أن جعلته وزيرا (ص 94 ).
على الرغم من أن الراوي يقرر مرات كثيرة أهمية المرأة في النضال ( ص116
وص119 مثلا) إلا أنه يرفض من خلال رفضه لنموذج سعدة. ذلك التحرر النسوي
والفكري الذي يجعلها قريبة من أفكار وطبيعة الرجال. يقول المؤلف عن سعدة
وتكوينها العقلي الذي أوصلها لطبيعة الرجال:" بين الأب المحكوم والأم
القوية ترعرعت ، صرت قوية كما الرجال، طالعة لأمي التي توصيني دوما:إن لم
تكوني أخت الرجال صرت ممسحة للرجال .وصفوني بالذكر ، الخنثى، أبو الشباب
،أبو علي ، الشاب سعد ..قالوا الله يكون بعون اللي بدّو يتزوجها .. معقول
هذه يتزوجها واحد ، لازم هي تتزوج مره ، أي والله الشباب أنعم منها . لم
يتركوا لي فرصة كي أعيش أنوثتي ، نقمت عليهم ، لعنت البلدة وأتخن شنب فيها
، حقدت على والديّ ، أكان من الضروري أن ينجباني ص 98" .
وهو نص يكشف عن أن رأس سعدة / أمها، هي التي دفعتها للتحرر حتى صارت
رجلا وهي من قبلها تحمل المجتمع الذي لم يستقطبهاتبعة سقوطها؛ إذ إنها لم
تجد الحب/ الاحتواء من أحد فيها، ووقعت فريسة سهلة في يد حانا الخائن الذي
أطراها بكلمات الملاطفة والتدليل ، فانصاعت له، وتورطت بدورها مع الموساد،
وأخيرا كشف أمرها انتحار خالد الجابري، الذي ذكر اسمها من بين من ورطوه في
التجسس ، حتى قرر أبوها قتلها، وفي كل مرة يفشل، ونتيجة للفضيحة والعري
تحاول أن تتخلص هي من ذاتها، فتحاول قتل أحد الجنود الإسرائيليين( رمزا من
الكاتب إلى التطهر بدم الخائن الذي أودعها فيروس الخيانة) ، لكنها تفشل (
ربما لأن الفيروس كان قد تمكن منها) ، وتدخل السجن ، وهناك تتعلم لغتين
غير العربية، وتقرر أن تعود إلى رشدها، وتكون سنوات السجن بمثابة التطهر
النهائي، الذي قامت به للتطهر من جرائمها مع الموساد وحانا ومانا، وبعد
خروجها تقرر أن تعمل من أجل الوطن، لكنها لم تسلم من حانا ومانا، ومن ثم
استنجدت بالرئيس الذي وعدها بالعمل الوطني والحماية ، شريطة أن تتصالح مع
حانا ومانا.
وهكذا وقعت مرة أخرى في حبالهما، ليس بسبب تحررها المرفوض ولكن بسبب
السلطة هذه المرة، ومن ثم فإنها لم تمانع من الاستلقاء على فراش مانا( رمز
السلطة ) بعد أن أخذت الإذن الرسمي من الرئيس ، وأخيرا تتساءل:"ماذا
بإمكاني أن أقرر في هذه الدوامة من المتسلقين والانتهازيين وبائعي الضمائر
؟سأواصل عملي في اللجنة الأمنية ، سأراوغ مع هذا وذاك .. النهر الآسن يجر
معه الصالح والطالح ، ص114".
إنها مثل حانا ومانا حملت فيروس الإيدز ( الخيانة) الذي لا يمكن أن
يعالج ولا سبيل له إلا الموت:" احذروا أن تقعوا فريسة ليس للموساد فحسب ،
وإنما أيضا للإيدز.. هل أخبرتكم بأنني أحمل هذا الفيروس..وأنني نقلته إلى
الآخرين .. حانا مصاب به .. مانا المسكين ما زال يكابر ، يدعي أنه غير
مصاب .. وربما هو مصاب ويخفي عني ، كما أخفي أنا حالتي عنه .. كلنا في
الهوا سوا .. كلنا في "الخرا" سوا ص117" . ولربما عبرت سعدة عن تأنيب
الضمير الذي يأكلها، كما يأكل حانا بالإيدز، رغبة من الكاتب في إبراز عقدة
الذنب لديهم لأنهم يحسون أنهم ارتكبوا كثيرا من الجرائم لأناس لا يستحقون
ذلك ، بما يعني مزيدا من الاتهام للسلطة، لأنهم رغم إدراكهم لحالتهم ما
زالوا يعيشون وينقلون أمراضهم لغيرهم .
قال العامة :"بين حانا ومانا ضاعت لحانا" .. يعني ضياع الناس بين ما يفعله
بهم حانا الخائن، وما يفعله بهم مانا الانتهازي ..وحانا ومانا ضيعوا
الرجال " ، ومن ثم فإن هذا الفصل فيما أعده الكاتب – يخص الرجال أو الشعب،
ولا يعنى به الشعب الفلسطيني فقط بل الشعوب العربية جميعا:" يا عالم يا هو
: من نحن ؟ ثلاثمئة مليون عام ألفين ولا يهشون ولا ينشون أمام عشرة ملايين
يهودي كيف سنصير في هذا العالم المنهار أسياد أنفسنا ؟ .. نحن هنا موجوعون
بمآسينا- تمرغت لحانا صرنا في جحيمين جحيم الأعداء ، وجحيم الزعماء ، ما
بين حانا ومانا، فماذا نحن فاعلون؟ ص 123 " وانظر كذلك (ص126 ). أي أن
الشعوب العربية كلها وقعت بين اثنين حانا ومانا، بل وقعت وكما يقول فيما
بعد – بين الثلاثة حانا ومانا ، بالإضافة إلى سعدة المتحررة دون ضوابط،
ويأتي في هذا الفصل الحل الذي يطرحه ابن عامر للإصلاح فيما يشكله البيان
الذي اسماه الخطوات العشر المطلوبة لمواجهة الألفية الثالثة في وثيقة
العشر نقاط التي تجعل صورة لحانا/ شعبنا إيجابية ( ص 123-126). والكاتب
يستخدم فيها لغة خطابية تقريرية واضحة بما قد يعني أمرين :
ثم يظهر –فيما بعد- عيوب المجتمع العربي ذاته ، التي جعلته يقع بين
هذين الطرفين (ص126)، ومن ثم فإنه يعود ويستخدم أسلوبا تحريضيا ،يثير به
حفيظة الناس؛كي يكتبوا رواياتهم عن أنفسهم ،والتي ستكون نسخا مكررة من
روايته :"لولا تكلفة الطباعة المرتفعة… لتركت بعد هذا الفصل مئة صفحة
بيضاء على أقل تقدير ليكتب فيها المتلقي روايته بخصوص نظرية المؤامرة، أي
قارئ يستطيع أن يغني على ليلاه ،وكأنه يغني على ليلى الجميع ص 131" .ألم
نقل: إن الهم واحد، والقضية واحدة، والثقافة والمفاهيم واحدة ،ومن ثم فكل
يغني على ليلاه؟
من حانا ومانا ولحانا الذين انتهت إليهم الرواية ، ينتقل المؤلف - وعن
طريق تقنية الأمثولة - إلى هذا الفصل، وهو يسوق تمثيلا للسلطات العربية
اليوم، وما سوف تكون عليه في المستقبل من تناسل لأنظمتها الفاسدة، في
المرة الأولى يبدو الزعيم ديكا والشعب دجاجات، وفي الثانية يبدو الزعيم
ثورا والشعب بقرا، وفي الثالثة يبدو الزعيم كبشا والشعب نعاجا. ولا شك أن
انحصار الزعماء في هذه الفئات الثلاث يعكس فحولتهم أمام أنوثة الشعب/
الدجاج/ البقر/ النعاج. كأن المؤلف يريد أن يقول : إن الشعب العربي مع أنه
يقع في خمس وعشرين دولة واقع تحت هذه الأنظمة الثلاثة ( الخيانة،
الانتهازية ، التحرر المفرط) يقول بما يؤكد ما سبق: "ما فعلته في اللوحات
الثلاث السابقة ، مع ديكنا الكبير ، ثورنا الكبير ، كبشنا الكبير ، مجرد
تغييرات بسيطة في بعض الألفاظ ، لأن السياق نفسه لما يقارب خمسة وعشرين
كبيرا في مزارع بيتنا .. بهذا التصور الجحيمي أصبحت حالنا متردية بين حانا
ومانا وسعدة .. ضاعت لحانا بسذاجاتها وبلادتها وتلاشي أفكارها المستقلة
ص143".
وعلى الرغم من أن كل واحد من الثلاثة ينجب أربعة آخرين ، وينصبهم في مناصب
مختلفة، فإننا نراه يقصر منصب الحرس إلى لحانا / الشعب. هكذا يتحول الشعب
حارسا أمينا للسلطة التي تغتصبه، وكما يقول الكاتب على لسان ديكنا الكبير
مثلا:"من هنا قررت أن يتولى ابني الأكبر " حانا كبش" قيادة عمليات
الطوارئ، ويتولى ابني الأوسط " مانا كبش" قيادة الأمن الداخلي، ويتولى
ابني الأصغر" لحانا كبش" قيادة الحرس الخاص ، وتتولى بنتنا الوحيدة "سعدة
كبش " قيادة شئون المرأة ص142-142". وهو منصب يعكس بلادة الشعب الذي يتولى
حراسة السلطة، ويلاحظ أنه ذكر الثلاثة في عنوان الفصل، دون ذكر لحانا، مما
يعني أن لا موقع للحانا في الحكم، فلا أمل فيه من قبل الكاتب على الأقل.
ويلاحظ أيضا أن الأنظمة تناسلت فيما بينها وأنجبت من الديك حانا ومن الثور
مانا ومن الكبش سعدة دون أن يكون للحانا أي أب أو وجود بما يعني أن
الأنظمة السلطوية العربية سوف تتناسل في المستقبل دون أي اعتبار للشعب
الذي تحكمه / لحانا .
أخيرا تنتهي الرواية في فصلها الختامي والأخير عند ابن عامر، وكأنها تتجمع
عنده لتصب جميعا، ويكون تقرير مصيرها لدى هذا النموذج الذي يشي اسمه
بالعمار، وابن عامر لا يحضر هنا فجاءة مع الفصل الأخير لكنه موجود من
الفصل الأول ، بل من السطور الأولى فهو الطفل الذي أنقذته رابعة/ الثورة
كما يوجد في بقية الفصول بوصفه المعادل الإيجابي المحايث لجرائم حاناومانا
وسعدة، والمتابع لأحوال لحانا، والناقم على تناسل مثلث الخيانة، بما يعني
أنه منسرب في عمق تاريخ بلاده وبلادنا ، انسرابه داخل إطار الرواية من
بدئه حتى منتهاه، أي أن القضية تبدأ منه وتعود إليه لكنه يخص هذا الفصل
بالحلم الذي سرقه منه حانا دارا التي أحبها، وخطبت وتزوجت للأعور ابن
المختار أثناء غيابه في الدراسة بإيعاز من حانا الذي هدد أباها زارع
الزيتون بأنه سيبلغ السلطات عن وجود بندقية لديه .
ودارا التي أحبها ربما أوحت لنا بالدار أو على تقدير أعم بفلسطين،
يقول ابن عامر فيما يوحي إلينا بأن دارا هي الدار:" أحب ابن عامر دارا ،
الصلة عميقة بينها وبين رابعة- كما أيقن – كلتاهما توحيان له بعلاقة حميمة
مع الأرض" فما قيمة ارتباط رابعة ( الثورة) بدارا المحبوبة إنسانا بالأرض
؟ لا شك أن الكاتب يريد أن يوصلنا إلى أن دارا هذه ليست إنسانا بل هي
البيت الذي تربى فيه ، ومن ثم فعلاقته بالأرض والثورة عميقة، ثم أليس من
المؤكد لذلك أيضا ، أن أباه متزوج من دارا أيضا؟
المهم أن دارا هذه يأخذها ابن المختار الأعور ( ربما مناحيم بيغن –
أو أي إسرائلي بعين واحدة رغبة من الكاتب في إبراز القبح والدمامة ،
وإثارة التقزز لدى القارئ مع الإشعار بقصص الجن الذي يصور في الموروث
العربي بالشق والعور واختلاف الخلقة عن الناس) ابن المأذون ( المأذون =
المأمور= الآمر من خلال تطبيق قاعدة جواز أن يكون اسم المفعول بمعنى اسم
الفاعل فيكون الصبور بمعنى صابر والمأمور آمر ،لدينا في مصر مثلا منصب
المأمور وهو الآمر بلا شك ) ،ومما يؤكد ذلك أن التهمة التي مسكوها على
والد دارا ( بندقية ألمانية حارب بها الإنجليز واليهود أثناء اجتياحهم
لبلدتنا ص151".
إنها بندقية تاريخية إذن ، شهدت تاريخ فلسطين بين الإنجليز واليهود،
ووصلت إلى ابن المختار (المأذون) الأعور كنوع من الانتقام الموجه من حانا
إلى ابن عامر، لقد أراد الانتقام منه من خلال الدار التي ساعد اليهود على
أخذها من أبيه ، ومن ثم فإن ثأر ابن عامر لدى حانا الخائن واليهود كذلك .
يقول ابن عامر في آخر كلمات الرواية:" مكبل بآلاف القيود التي تجعلني أفكر
وحيدا:كيف أنتقم لموت رابعة التي أحببتها أكثر من أمي بعد أن ولدتني بصرخة
الرعد،فكانت جنازتها عوضا عن جنازتي؟!كيف أنتقم لاغتصاب دارا التي أحببتها
كما أحببت شجرة الزيتون.زرعت معها قبل سفري زيتونة صغيرة،قلت لها: عندما
تنتج دارا الشجرة "تنكة زيت"سنتزوج.لن يطول الأمر ؛خمس سنوات على الأكثر
.. اغتصبها مني الأعور الخائن بعد خمسة أيام من رحيلي .قهقه حانا في ضلوعي
كما الجحيم !! جنت دارا هاربة صارخة عارية تستصرخني،لا أملك لها غير
أغنيتي الحزينة : " يا دارا دوري، دوري في ضلوعي دوري ، في دمي، أحشائي،
قلبي، ذاكرتي، كتابي .. دوري".. دوري حتى يصفق معي الآخرون تصفيق الثأر،
لا الشعارات!! ص156".
وفي النهاية :فإني أهنئ الكاتب على أنه استطاع -من خلال إعادة النظر في
مثل شعبي بسيط أن يبدع من التاريخ أشخاصا ومن الأفكار ذواتا ، مؤكدا أن
الإبداع مقاومة في زمن الدعة والبلاهة والاستهلاك، فهل نحن قادرون -ومن
خلال إعادة النظر في أشياء بسيطة كثيرة بيننا -أن نصنع من أنفسنا أشخاصا
وذواتا لا مجرد أفكار وتواريخ تنتظر من يبدعها ؟آمل ذلك .
الهـــوامــــش :
(1) أقصد الفترة التي نشر فيها د . عبد الله الغذامي كتابه: النقد الثقافي
دراسة في الأنساق الثقافية العربية ، المركز الثقافي العربي، بيروت ،
الدار البيضاء، ط1، 2000.
(2) الأبحاث المنشورة بالعربية في النقد الثقافي وعنه لا تتعدى أصابع اليدين، أغلبها مراجعات وطروحات حول مشروع الغذامي ، راجع:
حسينالمناصرة : ثقافة المنهج : الخطاب الروائي نموذجا ، الدار المقدسية، حلب، ط1، 1999.
أما الأبحاث المترجمة فهي :
(3) حول مفهوم المنهج ومبادئه ، راجع د. عبد الله الغذامي ، مرجع سابق، ص ص …
(4) دليل ذلك أن إدوارد سعيد مثلا أنفق كتابه الضخم : الثقافة
والإمبريالية لدراسة عدد محدد من الروايات ، ولكنه قرأها في ضوء الثقافة
التي أنتجتها.
(5) المحاولة الأولى التي جاءت في كتاب هي محاولة د. يوسف عليمات ، مرجع
سابق بالإضافة إلى مجموعة مقالات أهمها : أيمن بكر بعنوان : السرد
المكتنز، مجلة فصول صيف 2002، د. عبد الفتاح الجمل … ، مؤتمر الجمعية
المصرية للنقد الأدبي ، غير منشورة .
1_ رابعة / سيرة الجنون / سيرة الانتفاضة
2 . البلدة /بني نعيم وسيرة فلسطين
1- " أحد الرجال رصد كنزه مرات ومرات حتى خرجت له من بين الحجارة العملاقة
فتاة جميلة .. رقصت له ، تخلع ملابسها شيئا فشيئا .. وما أن وصلت إلى
القطعة الأخيرة.. حتى صرخ بلا وعي :" انستري يا مستورة" .. أغمض عينيه
،وما أن فتحهما حتى اختفت في جوف الأرض إلى الأبد ..بعد الصحوة أدرك غباءه
المنبث في تلك العبارة:" انستري يا مستورة"! ضيع عليه فرصة العمر.. لو أنه
تركها تخلع القطعة الأخيرة،وحافظ على رباطة جأشه لتحولت مباشرة إلى كنز من
الذهب ، ولأصبح أغنى الأغنياء..لكنه تعجل..طار عقله .. نسي نفسه .. ضيع
سنوات الرصد الطويلة هباء منثورا .. فقد ثمرة الحياة المرفهة؛ فجلس فقيرا
معدما، يعمل ناطورا للقصر الأثري الذي غاصت في باطنه فتاة الذهب التي لن
تظهر له بتاتا.. هكذا يبدو الذهب للحالمين كنوزا نسوية مخفية في أعماق
الأرض ص32 ".
2 – "بعض الباحثين عنه اشتروا الآلات الطنانة ..طنت في أية بقعة وضعوها
عليها ، حفروا ، لم يجدوا إلا التوافه ص33" . يشير هذا النص إلى طريق آخر
من طرق الثورة وهو الطنين أو الثورة الصوتية، أي من خلال الشعارات
الطنانة، وهؤلاء كما يقول المؤلف لم يجدوا إلا التوافه .. فأدركوا " أن
وصية الجد .. تحمل سرا لا بدّ أن يكشفه بعضهم يوما ما ص33" .
3- " ومع ذلك تروى قصص كثيرة عن غنى رجال وجدوا جرار الذهب بالمصادفات..
يقال إن أحدهم بعد أن فجر من تأجر من العمال بالديناميت الصخور في أرضه
..تطاير الذهب مع الحجارة ، افتعل صراعا حادا مع زوجه . . في صباح اليوم
التالي حمل الذهب ، وسافر إلى دولة مجاورة ، فغدا واحدا من أثريائها ص33"
. يشير النص السابق إلى هؤلاء الذين هربوا بثورتهم إلى الخارج ، ولم
يستطيعوا أن يقيموا ثورتهم بالداخل .
4- "آخر اشترى أراضي كثيرة ، دون أن يحترف مهنة أو يعمل بأجرة عند
الآخرين، فقيل إنه وجد جرة الذهب في أرضه القديمة .. رويت القصة هكذا :
وجد العامل الذي كان يحرث أرضه جرة مدفونة ، أخبره بالأمر ، واتفقا على أن
يأتيا معا في الليل ، ليستخرجاها،ويقتسماها مناصفة ، لكن صاحب الأرض خدع
عامله، فسبقه إلى الجرة.أخذ الذهب،ووضع مكانه الحجارة ..لما جاءه
العامل،ذهبا معا إلى الجرة . أظهر صاحب الأرض خيبة الأمل، لم يصدقه العامل
، والعامل كما قيل ابن أخته.. لم يصدق الكذبة ، أخبره قلبه أن خاله خدعه ،
جن جنونه باستمرار وهو يراقب تحسن حال خاله تحسنا لافتا لكل الأنظار ، وهو
لم يحصد من أحلام الجرة إلا ذكريات الخديعة ص 33" . وهذا النص يربط أيضا
بين الذهب والحجارة ربطا سوف يكون له دلالته فيما بعد ، كما يلاحظ ارتباط
البحث عن الكنز بالليل، بما يدل على استتار الثورة، ومن ثم فإن نتيجتها
كانت خيبة الأمل، وثمة إشارة تشير إلى أن حالة خاله تحسنت تحسنا لافتا بما
يشير إلى أن هذه الثورة أيضا لم تجد؛ لأن صاحبها استغلها لصالحه : اشترى
أراضي كثيرة دون أن يحترف مهنة أو يعمل بأجرة عند الآخرين ص33 " . وهو نفس
ما حدث لشخص ثالث "كان ينام نهارا ، ويحفر ليلا حتى وجد الكنز الذي تحول
إلى عمارة وثلاث زوجات، وحياة بلا شغل أو مشغلة ص34".
3 . حانا ونموذج الخائن ونقد المجتمع
4. مانا ونموذج رجل السلطة :
5. سعدة ونموذج التحرر غير المرغوب
6. لــحـانـــــا
1- أن الأمر أمر جد ولا وقت فيه للعبة المجاز .
2- أن الكيل فاض وليس في مقدور المؤلف أن يخبئ كلامه الذي انحبس داخله طيلة الرواية.
7. حانا ديك /مانا ثور / سعدة كبش وتناسل مثلث الخطر
8. ابن عامر وضياع البيت
1- د. عبد الرحمن السماعيل ( محررا) : الغذامي الناقد قراءات في مشروع الغذامي النقدي، كتاب الرياض، عدد97-98، ديسمبر2001-2002.
2- مجموعة من الباحثين : عبدالله الغذامي والممارسة النقدية والثقافية،
مؤتمر الشارقة، نشرته المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 2003 .
3- عز الدين إسماعيل (محررا) : مؤتمر الجمعية المصرية الرابع للنقد الأدبي
بجامعة عين شمس بعنوان: النقد الأدبي على مشارف القرن ، ط1، سنة 2003،
والمؤتمر الخامس عن النقد الثقافي سنة 2004 ، ولم تنشر أبحاثه بعد .
4- د. عبد الله إبراهيم : النقد العربي والمرجعيات المستعارة،المركز الثقافي العربي، بيروت ، ط1 ، 1999.
5- مجلة فصول ، صيف 2004.
6- مجموعة مقالات منشورة عبر الشبكة العنكبوتية، في مجملها متابعات ومراجعات لمشروع الغذامي .
7- د. يوسف عليمات : جماليات التحليل الثقافي، الشعر الجاهلي نموذجا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ، 2004 .
8- د.
1. إيزابرجر : النقد الثقافي مبادئه ومفاهيمه ، ترجمة أمينة إبراهيم ،
مراجعة د.رمضان بسطويسي، المشروع القومي للترجمة ، القاهرة ، ط1، 2004.
2. إدوارد سعيد ، جميع مؤلفاته خاصة الاستشراق، تعريب د. كمال أبو ذيب ،
مؤسسة الأبحاث العربية ، بيروت ، ط6، 2003 . وكذلك الثقافة الإمبريالية ،
المعرب نفسه ، دار الآداب ، بيروت ، ط3، 2004.
كتاب <ذاكرة رواية التسعينيات> لـ <حسينالمناصرة> قراءات في الرواية السعودية
غلاف الكتاب
من
الممكن أن يكتب المبدع قصيدة، أو قصة قصيرة، أو خاطرة، أو مقالة، أو يبدع
لوحة تشكيلية، أو مشهداً حوارياً، هذه كلها يمكن أن تولد مجرّدة من غير
ذاكرة، كما بإمكانها أن تولد من ذاكرة أيضاً· ولكن لا يمكن أن تكتب رواية
مجرّدة خالية من الذاكرة، لأن الرواية ابنة الذاكرة، ابنة حياة مبدعها
وتجاربه في الحياة، لذلك تكون ولادتها شرعية، بصفتها تنتمي إلى تجربة
حيّة، وتلتقي مع تجارب حية أخرى كثيرة، فتغدو على النحو خطاباً حميماً إلى
الإنسان، فتندمج فيه، كما يندمج هوبها، وتغمّس أنفها في واقعه، كما يجد
همومه وأماله معجونة في ثناياها·· هذه هي الرواية الحقيقية التي تشعرنا
دوماً بأنها حياة مليئة بالتناقضات والجماليات والتداخل بين الأجناس
والمعارف كلها فنية ومعيشية، من هنا، أعتقد أن الكتابة عن الذاكرة في
الرواية العربية السعودية، هي كتابة تبرّر نفسها بنفسها عندما تجعل ذاكرة
المبدع مركزية أو بؤرة هذا الخطاب السردي، سواء كانت هذه الذاكرة ذاكرة
سيرية ذاتية واقعية، أم ذاكرة سيرية ذاتية متخيلة على طريقة أحلام اليقظة·
الدكتور الفلسطيني حسينالمناصرة تناول هذا الموضوع في كتابه <ذاكرة رواية التسعينيات> وهو قراءات في الرواية السعودية·
ملامح ورؤى
في البدء لا بد من التطرق إلى مفهوم الرواية الخليجية، إذ يبدو أن هذا
المصطلح نشأ أصلاً في ظل ظروف الوحدة الإقتصادية الإجتماعية الجغرافية
التاريخية المتشابهة نسبياً في المنطقة، التي تشكلت ضمنياً تحت سقف دول
مجلس التعاون الخليجية· وهذه الدول الخليجية تفرز بكل تأكيد إشكاليات
متشابهة ومختلفة من نواح عدّة، أهمها المشهد الإبداعي المختلف مع المشهد
الإبداعي العربي خارج المنطقة ايضاً·
ويرى الناقد المناصرة
أن من نواحي الإختلاف بين دول الخليج المشهد الثقافي الروائي في المملكة
العربية السعودية، الذي هو كمّي، ونوعي· قياساً إلى المشاهد المحدودة
الكم، وأحياناً النوعية في بعض الدول الأصغر حجماً، باستثناء الكويت التي
تعد على سبيل المثال، بحكم تماسها مع العراق ودمشق، وتأثر المبكر بتجربة
الرواد المصريين، من اكثر الدول الخليجية بلورة لإبداع سردي يمتاز بنوعية
الجرأة والصدام مع القيم السائدة قياساً إلى بقية الدول الخليجية·
الرواية في المملكة
في ضوء مفهوم الرواية الشامل المنفتح إلى حدٍ ما، فإن سجل الرواية في
السعودية كاد يصل أو وصل إلى حدود ثلاثمئة رواية، هي خليط بين الفني وغير
الفني، وبين السيري، والتسجيلي التاريخي والأدبي، والسردي الجديد،
والحكائي، والشعري· ويشير الناقد إلى انه في ظل هذا التصور سنجد القائمة
التي تحتوي على ثلاثمئة رواية ستتقلص إلى حدود مئة رواية على الأكثر، يمكن
اعتبارها حصيلة الفن الروائي الجيد في المملكة، مما يعني أن هذا الكم لا
يتسق مع تاريخ المشهد الثقافي المحلي خلال القرن الماضي، زمن الرواية
العربية، أو بصفة الرواية، كما انه لا يتسق مع المشهد الروائي المتطور مع
بعض الدول العربية، ومن أبرز روائيي مرحلة التجديد في المملكة: إبراهيم
الناصر، سميرة بنت الجزيرة، عبد الله الجفري، غازي القصيبي، وأبرز كتّاب
الرواية في مرحلة التحديث: أحمد الدويحي، تركي الحمد، رجاء عالم، عبده
خال، وعبد العزيز مشري وغيرهم·
جماليات الرواية السعودية
يشير الناقد إلى أننا أمام ظاهرة روائية لافتة في السعودية في فترة
التسعينات، ولا تزال هذه الظاهرة مستمرة في طرح اشكاليات فنية مهمة، لا
يمكن وصفها بأنها مجرّد <موضة> إنها بكل تأكيد فترة نضج الرواية
السعودية، بمعنى أن الكم الروائي يحوى عدداً روائياً لا بأس به، بوصفه
فناً روائياً يشكل أرضية حقيقية لدراسة فن الرواية الأكثر بروزاً في الوقت
الحالي في المشهد الثقافي السعودي· ولكن في النهاية لجهة تصنيف فني يؤكد
جماليات الرواية عن غيرها، كي نقول عن هذه رواية، وعن الأخرى أنها لا
تمتلك من فن الرواية سوى التسمية: فهذا التفصيل بين الروايات الفنية
والروايات غير الفنية يحتاج إلى أبحاث نقدية معمقة وأصيلة متجرّدة عن
الأهواء والنزوات·
ويضم الكتاب عدداً كبيراً من المقاربات السردية لعدد من الروائيين السعوديين من مرحلة التجديد ومرحلة التحديث·
ذات مرة, طرحت احدى المجلات الثقافية المحلية على قرائها امتحانا بسيطا- نظريا على الأقل فحوى الامتحان
هو في تقديم بضع نصوص أدبية أغفلت أسماء كتابها وطلب من القراء تحديد هوية
النصوص كما الكتاب, بمعنى البحث عن ذكورية النص أو أنثويته بناء على حكم
وذائقة وخبرة المتلقين, هذه التجربة المحدودة والنوعية أيضا, تعيد لجدل
النسوية التي شاعت كخطاب في أدبياتنا و ما قد يفهم منها من مفهوم آخر متصل
هو الجنوسة (الجندر), الذي أخذت به المناهج النقدية الحديثة وأشاعته بكل
ما يتضمن من اختلاف أو اتفاق, النسوية إذن مازالت تلقى القبول أو الرفض أو
التردد الذي يضمر حياء معرفيا وارتيابا منهجيا, حد الفضيحة أو الجدأة لم
تستقر إذن في فكرنا النقدي ودهاليز الثقافة وأروقة الإبداع والتجريب.
ولانعدم أن كثيرا من الدراسات والحلقات البحثية والتلفزيونية والصحافية قد
قاربت إشكالية النسوية بعضها لم يمتلك منهجا واضحا ورؤية إنما الكثير من
الحماس والتواطؤ والاستثارة العاطفية, وبعضها الآخر نجا من شرك التأثيم
والثقل السيكولوجي ليفتح في أفق البحث عن الجماليات صيغا وجودية لايقوم
على إقصاء النص النسوي بكل مكوناته من الدائرة الثقافية الأشمل كفعل خارج
التحيز أو العداء.
من تلك المقاربات الجادة والتأصيلية بكثافتها الموضوعية وعلميتها على
الرغم من اختزال أمثلتها والايحاء للقارئ بأن المقام أو المجال لا يتسع
للاستفاضة ما يجعلها أقرب لمقالة كثيفة مع تنوع عناوينها الدالة وثرائها
المرجعي. الكتاب الجديد الذي وضعه الناقد والقاص والروائي والمسرحي
الفلسطيني د. حسين المناصرة والذي جاء بعنوان لافت هو (النسوية في الثقافة والإبداع) .
الناقد المناصرة يكثف الإشكاليات في رؤى ثلاث تنطلق أولها من ضرورة توضيح
بعض الجذور الثقافية: الأسطورية والدينية والجمالية والأدبية وثاينها
محاولة إيجاد مبررات منطقية تساهم في انتاج جماليات نظرية الكتابة النسوية
المعاصرة وثالثها تحديد بعض الرؤى المبررة لانتفاضة نسوية تبرز ملامح
المرأة المختلفة عن السياق الحريمي المشيأ.
إذن فالمرأة في مهب الوعي الذكوري بصورها ونماذجها, بخصوصياتها وعمومياتها
بآن ستكون البطلة التراجيدية في الموروث العربي كما في الموروث العالمي
بصرف النظر عن إيقاعها الأنثوي على أهميته ولكن بمقدار الإزاحة التي تحرر
ذلك الايقاع الجسدي من الاختزال أو المبالغة أو مضاعفات العقلية الذكورية
واستيهاماتها, إن اعتراف الناقد بصعوبة الإحاطة بتلك الإشكاليات لايحيلنا
إلى طبيعتها وتعدديتها فحسب بل على راهينتها في فضائنا الثقافي, كما
راهنية السؤال حول وجود نظرية في الغرب نسوية وفي الثقافة والإبداع ألا
تستدعي وجود نظرية نسوية عربية كما تساءل- المناصرة- وبشكل آخر وجود نظرية
نقدية نسوية تفيد من السجال بين النظرية النقدية ونظريات ما بعد الحداثة
التي استفادت منها النظرية النسوية الغربية مع الأخذ بعين النظر, اختلاف
السياق الثقافي بكل دلالاته اللغوية والفكرية ذلك أن النقد النسوي الغربي
القائم على اتهام العالم الغربي بأنه مجتمع أبوي ومعه أصبح للثقافة
الغربية منظور هو ثقافة الذكر التي تقابلها صيغة التجربة الأنثوية
المتميزة ومحاولات تحديد سمات لغة الأنثى في الكلام المنطوق وبنية الجملة
وأنواع العلاقات بين عناصر الخطاب وخصائص الصور المجازية والخالية بحسب
المصطلح النقدي, فهل لدينا ارهاصات ما قبل النسوية?!
الناقد المناصرة ينبه إلى أن تحقيب مرحلة ما قبل النظرية النسوية يجب ألا
يحمل أكثر باتكاءه على كتاب: المرأة والكتابة, سؤال الخصوصية بلاغة
الاختلاف للباحثة رشيدة بن مسعود بمساءلة منهجها وملامح كتابتها وجهدها
التنظيري ومحاولتها ابرز السلبيات والمآخذ على الكتابة النسوية في النقد
العربي من منظور ايجابي وسمات فنية تشكل جمالية خاصة للكتابة النسوية.
إن التعويل على التناقص الإيجابي والاختلاف سيشكل لدى الناقد المناصرة
الارهاصات العملية لتوازن الخطاب النسوي مع الخطاب الذكوري ثقافيا
وإبداعيا لكن البعد الآخر من الرهان هل يحتمه وجود ناقدات نسويات متصالحات
مع نقد هن كابداع محتمل?! لن ننشغل إذن بتأخر النظرية النقدية النسوية كما
شغلنا بتأخر النظرية النقدية العربية كي لانقع على استحقاق خسارة بامتياز
وما لم تبرأ ثقافتنا قبل ابداعنا من حضور الغياب وثقافة الخوف والهروب
أماما من الآخر تواطئا أو استلابا.
الكتاب: النسوية في الثقافة والإبداع - المؤلف : د. حسين المناصرة - الناشر: عالم الكتب الحديث, اربد الأردن. - الطبعة الأولى: 2008
يتضمن كتاب “ذاكرة رواية التسعينيات: قراءات في الرواية السعوديّة” للمؤلف الدكتور حسين المناصرة، والصادر عن دار الفارابي في بيروت قسمين، يتناول الأول تطور الرواية في السعودية خلال تسعينيات القرن العشرين، فيما يتناول الثاني روايات محلية تتجاوز الثلاثين، وقراءتها في ضوء الذاكرة السردية التي اشتغلت بها الرواية العربية السعودية مبنى ومعنى.
تحت عنوان “إشكالية نقد الرواية” يطرح المؤلف أسئلة ثلاثة: هل تعني نشأة الرواية العربية في العصر الحديث بداية حقيقية لظهور النقد الأدبي؟ وهل الرواية هي المسؤولة في الدرجة الأولى عن مقولة: تداخل الأجناس وانفتاحها؟ ثم هل كشفت الرواية عن وجود أزمة ما زالت قائمة في مناهج النقد الأدبي؟
والكتاب وإن تطرق إلى الموضوع بعجالة، يخلص إلى أنه يمكن الحديث عن مناهج كثيرة تناولت الرواية، ابتداء من المنهج التأثري، وانتهاء بنظرية التلقي، مروراً بالدراسة الأدبية أو الشعرية وقراءة المضامين، والقراءة الصحافية.. والنقد الاجتماعي، ومعالجة ظواهر أدبية في الرواية والنقد النفسي، والمنهج الواقعي، والبنيوية التكوينية، والحوارية، وتعددية المناهج والمنهج المنفتح والكتابة عبر النوعية، والنقد الأسلوبي، والنقد الثقافي.
ودرست هذه المناهج اللغة، والشخصية، والزمن، والمكان، والحدث، والعقدة، والحوارية والسرد... والتعددية في العلاقات، والرواية الجديدة، وذاكرة السارد، إلخ. ويضيف المؤلف أنه في ضوء هذه الإشكاليات السردية الجمالية كلّها يمكن التفاعل نقدياً مع أي خطاب روائي، سواء أكان محلياً أم عالمياً. والقارئ الذكي هو من يجعل له مدخلاً ما لمقاربة الرواية، حتى لا يجد نفسه في الأرض التيه المستوغلة عندما يقرر أن يدرس الرواية كلها، ثم يجد نفسه لم ينجز شيئاً.
وينتقل المؤلف إلى تحديد مفهوم الرواية الخليجية ومدى الخصوصيات الجمالية والموضوعية التي تبرّر اشتراك الرواية في منطقة الخليج العربي في مشهدية أو خريطة واحدة، بحيث أنتجت دول مجلس التعاون الخليجي الست، وهي السعودية، والإمارات، والكويت، وعُمان، وقطر، والبحرين، كثيراً من القيم المتشابهة في ما بينها، والمختلفة في الوقت نفسه.
واعتبر المناصرة أن الرواية العربية السعودية الحقيقية، كمّاً ونوعاً، ولدت في التسعينيات، وهي الفترة الأكثر إشراقاً في تاريخ الرواية السعودية. إذ أن هذه الفترة التي تجاوزت فيها الروايات مائة رواية تشكّل قفزة جمالية نوعية في مسيرة الرواية العربية السعودية، فضلاً عن دور هذه الرواية الجديدة في تشكيل الجماليات السردية المتجددة التي تجاوزت جيلي الرواد والمؤسسين الأوائل أمثال: إبراهيم الناصر، وأحمد السباعي، وحامد دمنهوري، وحمزة بوقري، وسميرة خاشقجي، وعبدالقدوس الأنصاري، وعبدالله الجفري، وعصام خوقير، وغالب حمزة أبو الفرج وسواهم. وإذ يتساءل المؤلف عن الأسباب التي وقفت ضدّ سيادة فن الرواية في المشهد الثقافي المحلي، فإنه يتوقف عند الأسباب ومنها: تخوف الكتّاب من العقاب الاجتماعي، خاصة أن الروايات تُفسر في كثير من الأحيان على أنها سير ذاتية لكتابها، الأمر الذي دفع ببعض الروائيّين إلى بيئات خارج المملكة، لكونها تعطيهم حرية اجتماعية أكبر في التعبير عن تصرفات أبطالهم.
ومن الأسباب أيضاً احتفالية الرواية بواقعية الحياة والأحداث، على عكس القصيدة والقصة القصيرة اللتين تنحازان أحياناً كثيرة إلى المجرد والغموض، الأمر الذي يفسر الميل إليهما من دون الميل إلى الرواية ذات الصلة المباشرة بالواقع، اذ تكون الكتابة في المجرد والغامض أكثر سهولة من التعامل مع الواقعي الذي قد يحيل الكاتب إلى الدائرة التسجيلية التي لا يتقبلها “غروره” الحداثي.
ويضيف المؤلف الى ذلك دور الخجل الذي تربّى عليه الكاتب في البيئة المحلية، حيث تقاليد الأسر الصارمة، والأجواء العامة المحافظة، مما يجعل الكتّاب يعزفون عن المغامرة في كتابة الرواية، أو أنهم يكتبونها ولا يجرؤون على نشرها، وذلك بسبب كون الرواية ذات صلة حميمة بما يُخجل اجتماعياً وخاصة في مجال العلاقات العاطفية التي تعد من أبرز ملامح الرواية عموماً، والسبب الأخير حسب المؤلف أن معظم الكتّاب في المملكة من الذين اشتغلوا في الصحافة، أو من الذين قاموا بأعباء المشهد الثقافي فيها، ليس بإمكانهم ان يكونوا صحافيين وروائيين في الوقت نفسه، بحكم أن الرواية تحتاج إلى وقت طويل، وتفرغ لكتابتها. لذا آثر الكتّاب أن يكونوا صحافيّين ومشتغلين في الوقت نفسه بكتابة المقالة والقصة القصيرة والشعر، وهذه الفنون الأدبية لا تحتاج إلى زمن ممتد لإنتاجها.
واعتبر المؤلف أن هذه الأسباب وغيرها، بالإضافة إلى طبيعة المجتمع في المملكة والثقافة السائدة هي من العوامل التي لعبت في الغالب دوراً حاسماً في تعميق إشكالية غياب الرواية وتهميشها قبل التسعينيات.
ويخلص المؤلف إلى أنه لا وجود لحلول جاهزة لتشجيع كتابة الرواية، لأن الكتابة الجيدة تتولد من ذاتها، والكاتب الجيد لا بدّ من أن يتفاعل مع كتابته بأي شكل، في حين أن الطفرة الحالية للرواية تبدو طبيعية وتكشف عن وجود تحولات عميقة في المجتمع السعودي، فضلاً عن كون الرواية هي الخطاب الأكثر قدرة على التعبير عن تناقضات العالم المعاصر.
ثمة رجلان ساخران جداً ، يجلسان في غرفة واسعة جداً، فيها طاولةمساحتهامستديرة جداً ، تكتظ بوجوه ذكورية كثيرة جداً، ولا أنثى -على أية حال- في
هذه الغرفة ؛ حتى نساء الجن – ولله الحمد على هذه النعمة الجمّة-غادرنها
منذ زمن بعيد إلى غير رجعة، ولن يفكرن
يوماً – فيما أظن ، والله أعلم - أن يصطدنفارساً لأحلامهنالوردية من بين
هذه الوجوه التي انعجنت بخميرة غيابها،وملح بقايا حياة في ملامحها،التي
ولّتهي الأخرىإلى غير رجعة ؛ لكن... وللاستدراك هنا – كما عودنا
البلاغيونفي قراءة الشعر الجاهلي -
حسابات كثيرة فيعجائب الأزمان!!
لكن العقول – فيما يبدو – كانت ضاجة بخيالاتها، بذكرياتها أيام الفحولة ،
يوم كان السيف يصول، ويجول ، ويقول: هل من مزيد ؟! ذاكرات مشبعة بالذكريات، بصور
نساء شابات وهنّعاريات يعانقن شباباً بل
فحولاً ؛جاءوا من عمق الصحراء إلى ضباب
لندن ، أو متنزهات باريس ، أو أبراج نيويورك، أو شوارع القاهرة في أيام الخديوي
توفيق ، أو الخرطوم وسمرتهااللامعة
مطبوعة على خدود نسائها الجميلات !!
كانوا فحولاً ، وكنّ بلا فحول ؛ على الأقل فيما نتصور دوماً : أننا أهل الفحولة،
وإن تواضعنا ، فنحن نبعُها الذي امتدّ في شرايين هذا الكون ، ودليلنا أننا خير أمة
أخرجت للناس...!!
كانت الغرفةتصدر أصواتها منجوف الرئيس ، أو مساعده ، أو صاحب اقتراح ، أو
معلق على اقتراح ، أو منفوهة متفلسف؛ لا
يترك شيئاً يمرّ دون أنيهمز، ويلمز، ويتتافه
جداً ، فيذهب كلامه أدراج الرياح...هكذا
دوماً أحمد ربي علىنعمة كبرى أنعمها عليّ
، وهي أنني لم أكن يوماًمن الأيام خلال
خمسة وعشرين عاماً أجاور تلك الغرفة، من
بين أعضائها ، طبعاً بحكم القانونالقراقوشي، لا باختياري ، وما أكتبه لكم هنا هوخلاصة حكايةالرجلين الساخرين اللذين يجلسانفي
زاويةالغرفة حول الطاولة المستديرة ،
يرقبان ، ويستمعان ، ويتأملان ؛ ليرفدا سخرياتهما، وتخابثهما بوقودهاالذييحيي الحياةوهي رميم، ويخرجاها من
تلابيب عناقها للموت ؛ فكأنّ ضحكاتهماوضحكاتنا معهما خارج الغرفة الكبرى في أخرى صغرى مغلّقة ، عنقاء تولد في
قسمنا الذي اختص بالنحو، والصرف ،والبلاغة، والأدب، والنقد، وهلمّ جرا...
زوجتي ، بدأت تذكرني بضرورة مشوار المشي ، نمشي مرةفي الشهر حول الحديقة الكبيرة جداً ، هي دائماً
تسعى إلى اضطهاد توهج حكاياتي ، فتقتل ملكة الإبداع لدي ، فتغدو كتابتي في درجتها
الصفرية ، وحينئذ ، ربما أقبل أن أكون حول الدائرة المستديرة جداً في الغرفة
الكبيرة جداً ، في قسمنا الكبير جداً ، بين تلكم الوجوه المكتظة بمواتها أو
سباتها؛ضحية لتلكم التخيلات عن الماضيوفحولاته ؛ إلى حد أن تقع سبحتي من يدي ، ولا
أشعر بها ، وأبقى أحرك يدي ، كأني أحملها ، أنظر إلى لونها الفاقع ممدة على الأرض
، حتى رفعها ، يغدو جزءاً من آلام الظهروانحناءاته المزعجة... كل هذا أخف من تعمّدها أن تؤذي كتابتي ، فتصفها
بسخافاتالقضاة ، وقصدها أن " الفاضي
يعمل من حاله قاضي"!!
كان الرجلان الساخران، اللذان يجلسانفي زاويةالغرفة حول الطاولة
المستديرة ، يرقبان ، ويستمعان، ويتأملان... وهما – أيضاً – وجهان من تلكم الوجوه
الصاخبة باليباب ؛ لكنهما أكثر حيوية ، وأقل اضطراباً نفسياً ،والسبب أنهما يمارسان -عن غير قصد أو وعي منهما
- الحكمة الصينية المشهورة: الضحكيديم
الحياة على الوجه!!وبكل تأكيد لا علاقة
للضحكبأشياء أخرى تدوم أو لا تدونفي غير فضاء الوجه تحديداً ، أقول هذا حتى لا
يظنّ فضلانأو خيران، أنهماولدا لتوّهما من حكايات "ألف ليلة
وليلة"في بلاد"واق الواق"؛ حيث تثمر الأشجار نساء
جميلات!!
يتأملان وجه العبث السائد ، أعني تلكم الوجوه التي فقدت بريقها ، ولم تفقد
بعدُتجربتها الممتدة فيالحياة، كانت الوجوه وجهاً يميل إلى الصفرة ،
يمتقع بلون صحراء ظمأى ، تجمدت رمالها، ويبست أعشابها، وجفت ينابيعها مع تنوع في
تجاويفها الخربة، ملامح ثقافية واضحة ، خبرات ربما تتظاهر أنها ما زالت حية ،
أحزانها تندف عرقاً خفيفاً، يأساً مولوداًمن رحم المواد الحافظة في الأغذية المعلبة...
كان لا بدّ من أن أنهض ؛ لأشاركهم هنا حيث أكتب حكاية " فوق
الرف" – إفطار الصباح ، ألم أقل لكم : إن زوجتي تكره لغتي ؟! وأن
"الفلافل" الساخنة عندها - إذ تدعوني إلى تناولها قبل أن تبرد -أهم من
كل كتبي، وإذا بردت ، ينبغي أن أشعرها بحرارتها ، حتى لا تغضب ، فتشير إلى أن
سخافاتي أي كتاباتي هي التي تفسدكل شيء ،
بما في ذلكسخونة "فلافل"
الصباح ، فدعوني الآن رحمة بي ، أنأتوقف
؛ لأتابع معكمالحكاية فيما بعد ، إن بقيت
-لديّ -بقاياتنفس للإبداع ، بعد "
سندويشات الفلافل"!!
* * *
ثمة رجلان
يتأملانوجوهاً تمتلئ بالتلاشي ، وأصواتاً
منتحرة كأسماك الشلالات الراكدة ، وكراسة كبيرة جداً، تدون فيها ملحوظات اجتماع
مرهق بعبقريات التصويت ، والغرفةالكبيرة
جداً تبدو أكبر من حجمها ، والطاولة البيضاء المستديرة الواسعة تزداد اتساعاً ،
والأضواءتخفت كثيراً في العيون الناعسة
إن لم تمت في العيون النائمة... يوشك الاجتماع المذبوح بسكاكين الروتين والخوف من
البدع، أن يطوي نفسه في الكراسةبعد أن
تحبّرت صفحاتها البيضاء بكتابات عريضة ، لا إبداع فيها بتاتاً...!!
همس فضلانعابثاًكعادته في إذن خيران:
-انظر إلى هذه
الوجوهجيداً؟!
لفكرته ألف معنى ...كاد يتبع سؤاله ضحكته المجلجلة في
الغرف الصغيرةالمغلّقة كعادته ، لكنه
حذفها ، خنقها ، وأدها، ذبحها بسكين مثلومة !! وكان على فضلان – كعادته الفكهة
-أن يرد الصاع بصاعين، فتأمل في ثوانٍ ما
قاله فضلان ، فأعاد رأسه إلى الوراء ، وأمالهبدقة متناهية ، ظناً منه أن تلك الوجوه ربما تلتفت إليه ، فتتهمه بأنهيعبث في وقت طرح المواضيع المصيرية ؛ لذلك حافظ
على توازن اقترابه من أذن فضلان، تاركاً لعينيه التأمل في الوجوه ، لتستر عري
كلماته في إذن صديقه اليسرى، هذهالأذن
التي عادة ما تهمس فيها عبقريات الجان العتيقة ، وهذا ما يفسر مؤلفاته الكثيرة في
الشعر الجاهلي...!!
همس خيران ، كما تهمس جنية مؤدبة :
-كل هؤلاء لا
يضاجعون ...!!!
أيّ مكان
حينئذٍ ، سيتسع لضحكة فضلان ؟! وأيّ جنازير بإمكانها أن تلجم شفتيه ، لتمنعانفجار ضحكة ، تبيح دم الأشياء كلها، بما فيها
مراسيم الافتتاح الرسمية جداً ؟!!
سحلت
الكراسة الكبيرة جداً عن الطاولة المستديرة جداً ، تلاشت الوجوه في النظر إليها،
عمت الفوضى معلنة تلقائياً عن نهاية الاجتماع ، قتلت الفوضى الهروبالكبير من الغرفةالواسعة جداً، بدت السماء الماطرة – بعد
عشرسنين عجاف -أكثر ألقاً وألفة ، فغدا
مكتب خيران( الغرفة الصغيرة جداً ) يضحك ، فتهتز جدرانه الأربعةأربعة أيام متصلة ، وربما سيقهقه أياماً أخرى
!!
قلت لهما :
-حكايتكما هذه
تصلحمادة لرواية جديدة، أبطالها وجوه لا
تضاجع،تستعيد ذاكراتها !! سأسميها"فوق الرف " !!
يبدو
أننيكتبت مقدمتها . ضحكنا .... وبدأت
أكتب حكايتيفي ظلال حكايتهما ؛ فأهديها
إليهما من منظوررد الجميل إلىأهله!!
ثلاث دقائق لا أكثر... كأنها ثلاث سنين عجاف... خرجتبعدها فارعاً صدريالمكبّل بكلّ القيود، موغلاً في صحرائي الممتدة...
من هنا عشقتها... فكان الغبار أغنيتيالحزينة... تنفسته بعمق... شهيقاً... وزفيراً كجلمود صخر!!
ما أجلّك أيها الغبار المبجل وأعظمك!! يا سيد صحراء أجدادي يوم أن كانوا
غزاة وشرفاء... أيتها الصحراء ، زمّليني ودثّرينيواجعليغبارك يتغلغل في مسامات
جسديالجاف المنقوعفي أساطير جحور الضباع... كلّ الزوايا في
جحورها موت... وامتداداتها مقابر... وانبلاج ظلماتهابقايا جيف !!
كأنها ثلاث سنين عجاف... وكأنّ كنعان العربيّ آنذاك يشبه يوسف الصديق في
جبه؛ تحيطبه انتهاكات التواريخ ، ومخالب
الرّخ ، وخفافيش حكايات العراة، وبعض حكايات منامات طفولتي عن الغيلان، والغربان،
وبوم حيّنا، وعمّارات القبور، وأكاذيب الأعراب ، وقراصنة الليل،وقاطعيطرق قوافل الحجاج يوم أن كانت القوافلفي مهبّ الريح!!
ثلاث دقائق مشيتهافي جحره على جمر
الغضا، يوم أن كان هبل سيد القوم ، وكاشف أعراض النساء الكريمات ، وحارق ترانيم
الرعاة، وهم يسترقون النظر إلى الذئاب في جحور الدّجى المدلهم ، وفي أذيالها ضباع
تشتعل عيونها، تنتظر بقايا الوليمة... سرتحينئذ معها،بعد أنبالت على وجه أوهامي، وأضغاث أحلامي،وسكرتيبعد خمس وعشرين سنة ؛ فحدثت نفسي : " فلتجرب !!" .
جربتها ثلاث دقائق فقط ، لا أظنكمترغبون في أن أقسم لكم بأن الوقت ثلاث دقائق فقط...كأنها دهر أو عصر جليدي...
وكأنّ حكاية كنعان تشبه حكايةأيوب عليه
السلام!! كيف تصبرتَ ذاك الزمان ؟!! وكيف شرَدتْ نباهاتك ، وما عدتتعرف من أنت ؟!! كيفادلهمّت حماقاتك ،وامتسخت نفسكإلى الأماسيخ كلّها... وانقبضتْ روحك ثلاث دقائق... وكدتَ أن تودّعها... فتغدو
بقايا حياة... كانتهنافي هذا الجسد الممدّد ، وغادرت أو كادت... ودموعحكايات أمكتوحيبأن الحياة باقية ، وأن يونس-
عليه السلام -لم يمت في جوف الحوت...!!
مشيئة اللهوحدها أنقذتنيمن جحر الضبع... لم أتهوّر نقذتني
!!
كنت مغزولاًبآمالي ، ولم أصح إلا
بعد أن شُجّت جبهتي بعُرض الحائط ...ماذا
أريد منسيدالكراسي المبجلة ، وسادناللوائح المنتنة ، ومُخمّر البقرطةالمجهضة، ومعاقركلّما
شحمه ورم !!
هو كنعان العربي ، سيد الصحراء ، وأحفاده منجدهم إسماعيل، يوم أنحمَلهأبوهمن حِبْرَى،فزرعه في وادٍ غير ذي زرع ؛ فزمزم الماء ، وارتوى
الرمل!!
لميبتسم سيد الكراسي ، وقبل أن
أنبس ببنت شفة ، تفتقت عبقرية " كراسيه المتضخمة " :
- اسمع ، ما تريد قوله سيدخل من هنا ( وأشار إلى أذنه اليسرى) ،وسيخرج من هنا (وأشار إلى أذنه اليمنى) !!
- عندي خمسة وعشرون سنة ،ولي ثلاث وثلاثونحكاية، ولم أكن مكدودا...
- الجمل الثلاث التي قلتها، لم
أسمعها ، ولن تدخل إلى اعتباري ، لأنّي لم أعِها، ولن أعيَها... !!
انتفضتمن مقعد متجمّر ،كأنّ انفجاراًهزّ
قاعالأرض ، فطفتُ على سطحها...
وقبل أن أغادر، عامت نبرة من يصحوفي جحر الضبع ، في لحظة أن أمسكتْ أنيابُهذا الضبع بزمارة رقبته...أي ضبع
حينئذ بإمكانهأن يتمالك أعصابه أمام
سطوتك يا كنعان ، وأنت تدرك أن الحياة مجرّد كرامة، وبعض أنفٍله أنَفَة، تعشق الغبار ؛ عندما تكنز الغربان
تفاهاتالثعالب ؟!!
كانت هناك حكاية ، وأيضاً كوابيستترنح في المنامات ،وأخبار عنامتدادات مكانٍيحتفيبأعقاب التواريخ ، ويدّعي أنه يمتطي قمة الهرم
!! وكان كنعانغائباً عن الوعي ، يشمّ
رائحة الضبعوجحره المنتن... وفجأة صرخت
الحياة في جثته ، فهبّكأنه عنقاء تغوّلت
، لها أنياب مخيفة ، فعضّت الضبعفي مقتله...
مات الضبع أو ربماغاب عن الوعي ...فأي
ضبع جاهل أو غبيّ بإمكانه أن يفترسكيا
كنعان؟!
صاح الديك قبيل فجرك... كانت حكاية جُحر الضّبعأكثرمن
خرافة... وربما أكثر من تفاهة موغلةفي
روائحها المنتنة... بدا فمك كأنّه امتلأ بالماء... فتوقّف حينئذ عن الكلامغير المباح!!
يومها قرّر أن يعتزلكتابة الحكاية؛فشيخ
القبيلة قد تمادىفي غيّه!!
لم يعد بوسع حنظلة الفلسطيني إلا أن يُظهر وجهه لعيونناالمبحلقة..كان وجهاً حزيناً... وجهاً طفولياً...
باكياً... بدا مؤدّباً إلى درجة أكثر مما نتوقع... !!
كان يحمل لافتة... ظهرت فيها وجوه كثيرة مشوهة... بملامح باهتة!! وجوه
صفراء... وعيونخبيثة... وجوه ضخمة... ووجوه
أخرى أصغر حجماً ، وأقل بشاعة!!
لم يعد حنظلة الفلسطينيينظر إلى
المجهول... إنه يتمرّدالآن على مبدعه
ناجي العلي ، ولافتته هذهتحمل لنا آلاف
الأسئلة... كان السؤال الأكثر وضوحاً: ألهذه الدرجةمن الانحطاط صارتأموركم ؟!
أسئلة كثيرة... يصعب أننتأملهافي قصة قصيرة : هذه الوجوه
البائسة تقودكم... ألا تخجلون من أنفسكم... اللعنة... ماذا جرى لكم ؟!!
لم نكن نتبيّن بوضوح تلك الخلفية التي احتضنت الوجوه المشوهة... ربما كان
وجه شارون هو تلك الخلفية... كأنه يبصق هذه الوجوه البائسة... وكانت لافتة ناجي
العلي التي لم يرسمها في حياته... ترسم نفسها بعد مماته، ومن خلال حنظلة نفسه الذي
أدار لنا ظهره زمناً طويلاً...!!
بزغ وجههالذهبيعلامة ساخرة... ويده تحمل لافتةكتب عليها : سلطة الشطرنج !!
ظهر وجه شارونالقبيحمجسداً للوحة الشطرنج المخططة بالمذابح الفلسطينية،
والوجوه المستنفذة المشوهة مجرد حجارة تدل على جنود بؤساء مجبرين على التمثيل... أما
الملك والوزير والقلعة والحصان والفيل، فكانت وجوهاً لديّان وبيغن وبيرس
والنتنوباراك وأولمرت...!!
ما أن نتأمل لوحة الشطرنج التي نلعب عليهاوجوه بعض سياسييناحتى نشعر
بالكآبة... كيف وصل الأمر بهؤلاء إلى أن يضعوا فلسطين في خانة الهاوية ... تجرّها
كلاب ضالة فاسدة لم تعد تؤمن بغيرمصالحها...
وأن الخيانة عندها صارت وجهة نظر !!!
لا أعرف ما السبب الذي جعل وجه حنظلة البريء يكتفي بعلامات استفهامتتناثر حول الوجوه الفلسطينية المشوهة... كنت
أتصوره سيشبع تلك الوجوه بصاقاً... ثميطوي اللافتة فيدوسها تحت قدميه... وبعد ذلك يشعل عود ثقاب... فيحرقها... ويذروها
بحذائه وهيمشتعلةفوق مزبلة خربة... ثم ينفض يديه... ويبصق... وبعد
ذلك كله... يزوي وجهه عنا... ويدير لنا ظهره!!
وما أن نحاول أن نثني حنظلة عن إدارة ظهره لنا حتىنعجز... نجده صخرةضخمة تتمنّع على أيدينا التي لم تعد قادرة على
أن تحمل قوتها... في هذه اللحظة بالذاتنتوسل إليه أن يظهر وجههلنحدثه...
ونشكو إليه حالناالتيصارت في يد كلاب مسعورة في الفساد... وماذا
بإمكاننا أن نفعل في أزمنة الفساد والفلتان والفوضى !!
ما أن تبدو علامات حُسن النيّة في محاربة الفساد، أو بوادر وحدة وطنية –
وإن كانت شكلية - يسعى إليها الشرفاء... أو مقالات تهدف إلى فضح الكيان
الصهيوني... حتى تبادر الآلة الصهيونية التدميرية فتقتل، وتدمر، وتتقصّد الشرفاء...
وما زالت الوجوه العفنة تسرح وتمرح... وتتشدق باسم الوطنومصلحة المواطن... هكذا تصبح الخيانة والعمالة
وجهة نظر!!!
فعلاً... الذين استحوا ماتوا... أو بالأحرى استشهدوا في مثل وضعنا
الفلسطيني!!
صارت حكاية"خمسة بلدي" حكاية الوجوه السياسية المتنفذة في سلطتنا...
صارت الثورة التاريخية إمعة في أيدي هؤلاء
الأكابر في الظاهر... والمشبعين بالسوس الناخر في فسادهم من الداخل... وصاروا مثل
الهمّ على القلب... لا همّ لهم إلا خدمة الكيان الصهيوني... وهذا ما جعل وجه حنظلة
يلعنهم... ويحرقهم... ويبصق في وجوههم !!
تصبح على خيريا حنظلة... وقد آن
للراوي – بعد أن صاح الديك -أن ينام...
وفي فمه ماااااااااء !!
لماذا قفزتُ من جرف السياسةكحرذون
صعقته صهدة الحرارةوجحيمها؟!كنت قد أعدمتُ قلميالصاخب بلا رحمة ، كفّنته بكل الجنازير
الحديدية غير المحرّمة ، وصليت عليه : متْ هنافي هاوية الجحيم أرحم لك من أنتتلوثبسياسات الفوضى الخلاقة!!
ثمّ ها أنا أقفز من جحيمي الساكنفي
" انتظار جودو"،يولد من
جحيمساسة أو نجاسة أو نخّاسة بلا ضمائر
؟!!
أية ثورةهذه التي يقودهاهؤلاء الأسيادالمشتعلون بحمم مجازرنا... كأنكمورثتم الأخلاق كلهاعندما
تكونمكبلة في أحافير مستنقعات بيع
الكلاموادعاءات الشرف ؟!
يا ليتني قفزتمن جرفي حيث أعدمت
قلمي إلى أعماق البحر الميت،لأخنق لغتيبمياههالكاتمة... مالحة
كعلقمالخوففي غرف الجنونلكنها أحلىوأجمل... ربما كان هذا
أفضل مئة مرةمن أن أشك للحظة ما بأن
تخويفهمفي عقر دارهمسيجدي نفعاً!!
يا حادي العيس ، كيف صرتَ غراباًتنعقفي بوم جسديوفي لغة الأموات عندمانعد اليتامىوالثكالى والمعوقين والشهداء والأسرى والسجون وأكوام الفساد وأعاصير
الخيانة... هذا وطني يباع الآنبالمزاد...
وسيد هناك بقبعةيسخر... وسيدة شقراء
ترفع أمام عينيةالثوب عن خاصرتها... وهاهوسيديالمبجل يقودني من رقبتيوجههبلا ملامح... لكنه يدّعي بأنه السيد المنتخب وصاحب شرعية صكبيعي بلا مقاومة... بلا ثمن... كأنني يوسف
الصديق ، يخرجه القوم –حيث مروا من هنا
-من الجب ، وبثمن بخسطرحوه بين يدي كل الزاهدين !!!
يا أيها المبجلأو السيد المصون...
يا صانع الصكوك والمراسيم... يا باعث الخراب والدمار والتشظي... يا أيها
الصندوقالمحشو بكل النفاياتلتعاقبوطني الذي احتضن النار المقدسة ، يا نخّاس دليلة ، تجرهابحبالك إلى شمشون شاربخمرة دماء أطفالهافي قدس الأقداس، يا عابس الوجه ، يا صاحب
الضحكة الصفراء... من أنت؟! كيف غدوتسيداً وصرنا حثالة؟!!من أي هزيمة جئت ، وفي أي الأوكار تربيت... كم كنت
أحلم بالوطن بلا خفافيش... بلا جرذان ، ولا غربان ، ولا تتار... يا ابن العلقمي...
يا أبا عبد الصغير... يا كرزاي الحاضر... من أنت ؟!
تدثرت بيأسي ، أعدت قراءاتي السابقة : البحث عن سعيد أبي النحس المتشائل...
البحث عن وليد مسعود ...نشيد الحياة... باب الساحة... الحرافيش... حكاياتي... دواوين
الشعراء... مطر ودرويش ونزار والقدس عروس عروبتكم... من أنت ؟! أأنت سيد الخرافات
جئتلتستبيح الوطن ، والدم ، والتواريخ ،
وتشعل الفتنة ولا تحاور... من أي عروبة مستباحة أفقتيا سيدي أم أنت من باكستان أو إيران ؟! بلمن أيعار وأي خزيتبرّجت ، فصرت
سيداًفي أزمنةالتصهين والتأمركوالتشرذم والشتيمة!!!
دعوني أعلمكم الكتابة ؟!هل تعرفونبأننيكنت واحداً منكم... مكثت
ثلاثة شهور وهميحققون معي عارياً... بصاقهم
عفن...ماؤهم ملوث مشتعل الحرارة ومستغول البرودة... ضرب وخنق وعصي ولغة الشتائم...
وثلاثة شهور أخرىفي مستنقع الزنازين
الآسنة... وثلاثة شهور ثالثةفي غرف
التدخين وأول أكسيد الكربون... وثلاثة شهور رابعةمكبلاً بإتمامسجن عام... زمن يمرّ
كأنه روح وريحان... من أنا لا شيءيذكرفي جحيمسجونكم... كأنني كنتفي جنة... وكان سجانيهو المسجون...!!كأنكم قصيدتي عندماكنت شاعركم... وها هو سيدنا المبجلبالخرافاتيبيعنافيسوق النخاسةفي أوهام أوسلو بأي ثمن!!
يا سيداً أوغلتفي اغتيالرياحيننا، وهي تنبت في جفاف وطننا المقدس ،
تغتسلبعشقهوبنداه الذي لا نراه ، هل وصفتمقاومتنا بالحقارة ، وبنادقنا بالمجرمة ،
وشهداءنا بالقتلى، وأسرانا بكلمات كاذبة ، وسجننا وطناً ، وقدسنا ليست لنا؟!
كيف تجرؤ – يا سيد حكايتنا المغتصبة-أن تسقط خيار مقاومتنا بلا وطن ؟! من أنت ؟!من أبوك وجدك ؟ وما ملتك ؟!ومن
تكون؟! أأنت سيد أم عبد مأمور؟! أحقيقة أنتأم أكذوبة وخيانة؟!!
كيف تهاوت بقايا الريح في قعر الفراغ ؟وشاهدت وجوهاً تتصارخ يومياً بكل
الفناء؟!!
هذا وجه، يعلن حالة الأمن الكبير فوق بساط موشّى بالورود!!
وهذا وجه ، يقرر الرفاه والنعمة والأوراق الخضراء في الخريف !!
وهذا وجه، يعلن أن المرحلة هي عنق الزجاجة ، وأن الأخطاء فردية !!
وهذا وجه عاشر، يعلن هزيمة " نتن ياهو" في لغة الكلام !!
وهذا وجه ،يعلن أن الكبير هو كبير القلب ، وهو الأعمى!!
وهذا الوجه الثالث والعشرون، يجدل السوط من حديد مستورد، ويقرر أنه "للعملاء"
ويضحك !
وهذا الوجه،يتمنطق بسجادة الصلاة،
وخلف الستارة يغازل "أرامل الشهداء"!!
وهذا الوجه القريب ، يتكلم ثلاث لغات، ويعلن أن للوطن لغة وحيدة هي كيف
يبني من الرشاوي جسراً إلى المدى !!
وهذا الوجه الخامس والستون، يقبض ثلاثة أو أربعة رواتب من جهات تمتهنالسرية !!
وهذا الوجه ،يغني بشعارات مسحوبة من دعايات"بيبسي كولا"!!
وهذا الوجه الخامس بعد المئة، يتغنى بتاريخه العريق في كذا وكذا.. ويخفي
العلاقة بالسماسرة وبنات الليل!!
وهذا الوجه، يقول بمسكنة مستلة من أثواب النساك : علينا أن نصبر في هذه
المرحلة!!
وهذا الوجه الرابع والثمانون بعد الألف، ينشغل بلملمة الضرائب وتسجيل نصفها
في المستندات !!
وهذا الوجه العاشر بعد عشرة الآلاف ، يمسح الدماء عن وجه الشهيد، ويتصارخ
بكل كلمات الانتهازيين والسفلة !!
وهذا الوجه برقم تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين، يعلن أنه الأول بعد
العشرة في تاريخ تأسيس بارات الليل لخدمة السياحة !!
وهذا الوجه المشحر التاسع والخمسون بعد العشرة آلاف، يعلن أن الضوء ينير في
نهاية النفق المظلم !!
وهذا الوجه، لم يعرف إلى الآن أنه عاد إلى أرض الوطن من شدة المفاجأة التي
يرددها دوماً، بالرغم أنه أصبح يملك عمارة ضخمة وعشرين رخصة، وثلاثة أكشاك،
وثمانية أولاد من امرأتين، وآلاف الدولارات، وأربع عشيقات من بنات الشهداء!!
وهذا الوجه المستوزر،يكيل قصائد
المدائح في كل المناسبات الرسمية !!
وهذا الوجه الغريب، لا يعرف كيف يصرِّف أموره؛ لأنه مازال يشتغل حارس السجن
القديم... والسجناء لا يجلبون غير الغم والهم، لكنه يسرق بعض أمتعتهم !!
وهذا الوجه الحادي عشر بعد الأربعين ألفاً، هو المسئول الأول عن قتل ثلاثة
تحت التعذيب، وحوكم صورياً، وخرج من الباب الآخر باسم آخر !!
وهذا الوجه الذي يتصارخ في المظاهرة العامة، يشرب الخمر، فينام يومين في
الأسبوع بعد كل سكرةعلى "
الكيف" كما يسميها!!
وهذا الوجه الخامس والخمسون بعد الخمسة والأربعين ألفاً، يقرر أن الوطن بلا
هوية؛ لأن الناس البسطاء بلا هوية ، وأنه سيصبّهم في الهويات غير المعترف بها على
الحدود !!
وهذا الوجه ... الوجه ... الوجه ... الوجه ...!!
وهذا الوجه التاسع والتسعون بعد التسعمائة والتسعة والتسعين ألفاً، هو صاحب
كل النساء الدائرات في الحواري، يقرأن الفناجيل لخلق الله التعساء مدعيات أنهن
يكشفن حسن الطالع في المستقبل، وأن الهموم لا بد أن تزول، ويقبضن أجورهن!!
وهذا الوجه الأخير ورقمه خمسون ألفاً هو السيد الآن، يرتج... يقترب من حافة
الهاوية... يملك الدولارات كلها... وعندما يموت ترث ابنة امرأته الوحيدة بقايا
الريح... حينها ستسقط هذه الوجوه في الفراغ !!وينمو وجه واحد للقبح هو" نتن... يا... هو... "!! ثم
لا بدّ من أن يولد وجهنا الحقيقي... يحمل السلاح ، فيولد الوطن!!
1/1جدارية: من مذكرات حفيد في القرن الحادي
والعشرين .
في زمن "اللامبالاة" الهارب من بين فكي الصمت، يصبح المجانين عرّافين
أزمنة الموت... ويمكن أن نصفهم، إن قررنا أن نكون مجانين مثلهم،أحياناً، بالعقلاء
غير المهذبين...
لن أقصّ عليكم، يا سادة يا كرام ، الحكاية العجيبة الغريبة غير المثيرة
التي حفظتها عن ظهر قلب في عقلي الباطني المغترب ، وأنا أمشي في شارع عام في مدينة
النحاس ، أو هكذا توهمت... نسيتها بعد ذلك لثلاثة أيام رملية متتالية حزينة. حاولت
جاهداً أن أتذكرتلك الحكاية الضائعة في
تلافيف دماغي المنهك... أن أتذكر عنوانها ، فكرتها الصارخة المعذبة... لم أفلح. كأنني
فقدت ذاكرتي المتآلفة مع خوفي...
ربما حاولت ، في وقت التذكر الضائع ،أن أكتب أية حكاية أخرى سخيفة تدور في
اللاوعي عن قصتي الضائعة ..لكنني لم أفلح . قلت لنفسي: ليس المهم أن أتذكر
الحكايةبعينها، لأن الأهم هو أن أواصل
مغامرة الكتابة بأية صياغة عبثية، لأثبت إمكانية حياتي ، وأشكك في موتي، خاصة أن
لغتي الإبداعية ، أو هكذا أرغب في أن أسميها،أجدبت في الأيام الأخيرة بالقصص المفرحة
، أو المتشائمة... لا لشيء معين، وإنما لكثرة الأفكار تهاجمني ليل نهار، صباح مساء،
بين بين ، قبل بعد... تحثني على الكتابة ، فأجدها بطريقة أو بأخرى كتابة غبيةسخيفة لا تستحق أن يقرأها قارئ... فأعجز عن
الكتابة المهمة..أو أعجز عن التفاعل مع الكتابة التي أريدها أن تكون ناراً موقدة؛
تشعل أوراقي الأبكار، تهزم خوفي ، تحثني على التمرد...
مؤخراً، بدأت أرى "اللاجدوى"
تسكنالأشياء التي تحيط بي... لم أعد أغضب
من أي شيء قدر غضبي على القلم المرتعب من الرقابة، يقبع بين أصابعي لأكتبقصيدة نثرية ، أو حكاية شعبية ، أو خبراً عن
موت القبيلة ، أو دراما حرب أهلية، أو سيناريو معركة تآمرية... فيقبض على أحاسيسي
مقصُّ الرقيب... فأصمت!!
ما جدوى أن أكتب لكم سخافاتي في أزمنة الاستهلاك؟! لا جدوى!! أقول لنفسي في
حوار غير هادئ: فخّار يكسّر بعضه... أغيب في متاهات الضياع والتلاشي بلا خوف أو
فلسفة!!
حسناً... حسناً... يبدو أنني أشغلكم بسخافاتي المتآكلة، وربما ، عذراً ،
بسخافاتكم، لأني واحد منكم ، أحاور جنوني الغبي..ربما كنت يائساً من أشياء كثيرة...
لكنني لست ميتاً... أنا أؤمن بكم... وأحبكم... ولهذا سأقول لكمبعض أخباري :
2/1 وصية : من مذكرات الحفيد .
أوصاني جدي، الذي ضيع أبي ، رحمهما الله ، أن أشنق نفسي بالحبل المجدول من
شعر نسائه،علقه في أحد أعمدة سطح سقيفة نائية، لكني لم أهتم بما قال .
قال : إذا خسرت أهلك ، فتعلق بنسائك ، وإن خسرت نساءك،فتعلق بأصدقائك، وإن
خسرت أصدقاءك ، فتعلق بأموالك التي ستشتري لكما تريد ، وإذا لم تستطع أن تحافظ على مالك، فعليك أن تشنق نفسك بالحبل
الذي أعددته لك في السقيفة!!
بعد زمن مديد... خسرت الأشياء التي ذكرها ، ذهبت إلى السقيفة النائية ، في ليلة
حالكة السواد، أشعلت نور المصباح العتيق ، رأيت الحبل البارد ينتظر عنقي اليابس ،
لحظات ويكون السكون نهاية معاناتي الطويلة من عذابات الحدود والقيود، انفجارات
العداء والاستهلاك، تهريب خاماتي وأيقوناتي ، التنافس على استعبادي بين شرق مريض،
وغرب بغيض... عليّ أن أضع الكرسي تحت الحبل الرطب، أصعد إلى فوقها، أضع رأسي في
دائرته الذابلة، أنثر الكرسي تحت رجلي، يندق عنقي... أعرق... أبكي... أغيب عن
الوعي... يحملالحبل جثتي،أغطس في جحيم
المنتحرين... يقطفون الحبل، فيصطدم رأسي بالجدران...
سأعدّ إلى العشرة ؛ لأبدأ طقوس الموت... لا أريد التأمل كثيراً في موتي حتى
لا أجبن ، فأعود إلى سخافاتي الحمقاء...
أصعد على الكرسي... أضع رأسي في الحبل... أبعثر الكرسي... ها أنا أعدمت
نفسي...
العمود الذي ربط به جدي الحبل غدا
عموداً هشاً... عيدان السقف تسقط فوق رأسي ، أكاد اختنق بغبار الزمن المتهالك... أوراق
تتناثر فوق رأسي... مكتوبة بحبر متعدد... إنه خطّ جدي الجميل الذي أذكره جيداً... جيداً...
أنزع الحبل من رقبتي... وأبدأ في قراءة بعضها على سبيل الفضول اليائس.
3/1ورقة: من أوراق جدي الذي عاش قبل
خمسين عاماً
انزع الحبل من رقبتك... كنت أعرف أنك ستأتي يوماً ما إلى هنا؛ لتنتحر بعد
أن تضيقبكالسبل.
نعم، حسبت حسابي لهذا اليوم من
أجلك ، كتبت طيلة الثمانية عشر عاماً التي عشتها معك، بعد موت أبيك في
أيديهم،آلاف الرسائل، ربما تحتاج إلى
عشرين سنةفوق عمركحتى تقرأها ، لكن لا بأس... اقرأ ما تستطيع أن
تقرأ منها ، خذ الدينار الذي أرفقتهبكل
ورقة ، كل واشرب ، وتصدق بما تبقى، البس جديداً ولا تعش سعيدا... لا تدخن ، لا
تشرب خمراً، لا تنم مع مومس ، لا تحضر سينما،لا تكثر من شرب القهوة... فأنا لم أكن مرفهاً حتى أحسب حسابك في هذه
الكماليات. لم تكن جزءاً من حياتي، وحياة أجدادي الفقراء..أتفهم؟! أنت فقير، عليك
أن تفهم معنى التقشف ، وإن لمت أحداً فالملوم أبوك الذي تركك قبل أن تولد!!
4/1ورقة أخرى
كنت أعتقد أنك أحد الحمقى في زمنك ، ليس لأنك غبي ، بل لأنّ قلبكأبيض...
في زمنكم المتكالب على الضغائن والشللية وصيد النساء والصفقات ، ليس لقلبك
الأبيض سوى الحمق... فإذا أردت أن تكون أحد فرسان زمنك فكن من ذوي القلوب السوداء
: نافق ، تأنن (كن أنانياً) ، حينها سيقولون عنك : "رجل يملأ هدومه" ...
فتصير واحداً منأسيادهم !!
5/1وصية أخرى
عليك، يا بني قصدي يا حفيدي ،حتى تفهم نفسك والحياة ألا تحمل السلّم
بالعرض، اجعل هذهحكمتك في زمن الأوباش!!
ومعنى أن تحمل السلم بالعرض: الغباء ،لأنه يصعب عليك أن تمشي بين الناس
بهذه الطريقة... يجبأن تحمل السلم بالطول...
أن تسايسالمارة بلباقة ومهارة لتمرّ
بأمان... سيحمدون سيرتك ، لأنك عرفت كيف توازن حياتك مع المشي على جانب الحيط
الحيط، وتقول: يا رب ، استرها معنا.ومن الأحسن أن تضع رأسك بين الرءوس ، وتقول يا
قطّاع الرووس اقطع راسي... حكم جليلة وبليلة، خذ بها، يا بني ، نفسك، لتعش مرتاحاًمن همك... وإلا فإنك ستنتحر في بحر مالح ، ولن
تجد من ينقذك ، أنا ،يا حفيدي العزيز، والحق يقال ، لم أعلمك ، الرماية ، والسباحة،
وركوب الخيل... خفت أن يشتد ساعدك فترمينيكعظمة في طريق الكلاب المسعورة... كن ذكياً... واسلم لجدك الساكن تحت
التراب ، وعش منعّماً بالغباء واللامبالاة.
6/1رؤيا
في آخر زمنكم يخرج لكم الصُّفر المدججون بالحديد، ينهبون أرضكم ونفطكم، بمساعدة
أتباع شمشون... وستكونون من غير دليلة...
يسومونكم سوء العذاب ،لتعيشوا على أعتابهم صاغرين ، يأخذون خيراتكم،وأنتم ستقبلون
الأيادي والرءوس،وتهمسون بالصمت وضرورة الخوف..يبركون فوق أرضكم، ينتهكون جسدكم...
وأنتم تتغابون ولا تشعرون، ضيعتم حكمة الحياة: "الجسد الواحد الذي إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"... عجيب أمركم في آخر زمانكم؛
تصبحون فلاسفة ومحللين،ولا تفعلون غير ذلّ المهانة،وغوغائية الشجب والاستنكار... عجبي
من بلاهاتكم!!
الرواية الثانية
1 / 2الجدارية الأولى لا
في زمن اللامبالاة يغدو المجانين عرافين... نصفهم أحياناً بالعقلاء...
لن أقص عليكم الحكاية العجيبة الغريبة التي حفظتها عن ظهر قلب في عقلي
الباطني المغترب ، وأنا أمشي في شارع عام في مدينة النحاس... نسيتها بعد ذلك
لثلاثة أيام رملية متتالية ، حاولت جاهداً أن أتذكرها في تلافيف دماغي، أية فكرة من أفكارها الصارخة... لكنني لم
أفلح . كأنني فقدت ذاكرتي...
حاولتأن أكتبحكاية أخرى سخيفة تدور في اللاوعي عن قصتي
الضائعة ، لم أفلح .قلت لنفسي : المهم أن
أواصل مغامرة الكتابة، خاصة أن لغتي الإبداعية أجدبت في الأيام الأخيرة؛ لكثرة
الأفكار التيتهاجمني ، وتحثني على
الكتابة..فأعجز . لم أعد أغضب من القلم،يقبع بين أصابعي لأكتب...
ما جدوى أن أكتب ؟ ما جدوى أن أغيب في متاهات الضياع والتلاشي..؟!!
يبدو أنني أشغلكم بسخافاتي
المتآكلة،وجنوني الغبي... ربما يئست من أشياء كثيرة... لكنني لست ميتاً... أؤمن
بكم... أحبكم... سأقول لكمبعض أخباري :
2 /2الجدارية الثانية
لما أوصاني أبي ، رحمه الله ، أن أشنق نفسي في الحبل الذي علقه في أحد
أعمدة سطح سقيفة نائية ، إذا خسرت أهلي ، وأصدقائي ، وأموالي... توجهت في ليلة
حالكة السواد ، إلى تلك السقيفة .أشعلت نور المصباح ، رأيت الحبل البارد ينتظر
عنقي الجاف ، لحظات ويكون السكون نهاية معاناتي الطويلة...
سأعد للعشرة ، لأبدأ طقوس الموت... لا أريد التأمل كثيراً في موتي حتى لا
أجبن...
العمود هش... أعمدة السقف تسقط فوق رأسي ، أختنق بغبار الزمن... الأوراق
تتناثر... أوراق مكتوبة بحبر متعدد... خط أبي الجميل... أنزع الحبل من رقبتي...
3 /2الورقة الأولى :
كل واشرب !!
4/ 2 الرسالة الثانية :
أعتقد أنكمن الحمقى !!
5 / 2الوصية الثالثة :
لا تحمل السلم بالعرض...!!
6 /2خرّافية :
تعيشون صاغرين... عجيب من أمركم في آخر الزمان، تصبحون فلاسفة ومحللين...
7 /2توقف :
عليك أن تحذف كلاماً
الرواية الأولى
حسناً... حسناً...
لن أقص عليكم الحكايةالتي حفظتها
عن ظهر قلب... كأنني فقدت ذاكرتي...
لم أعد أغضب من أي شيء قدر غضبي على القلم ،يقبع بين أصابعي لأكتب...
ما جدوى أن أكتب ؟ لا جدوى... لا جدوى !!
يبدو أنني أشغلكم بسخافاتي
المتآكلة،وجنوني الغبي...
كتبت رواية... مزقتها... ورميتها
في الزبالة...
تجمّع لدي مخطوطتان من قصائد النثر... وكانت هذه القصائد تطربنا في سجون بلادي... حمدت الله كثيراً عندما صادروا
الديوانين...
انتدبت يوماً مالتحكيم
مسابقة"فن الخطابة "... لن
تصدقوا إذا قلت لكم :كان عدد المتسابقين سبعة آلاف .. وعدد المستمعين يقل عن
العشرين...
أحمد الله كثيراً على حرصي المتينبتأكيد علاقة الأخوة والتفاهم مع الرقابة ، إذ قصتي الحقيقية الفاعلة ، بعد
أن أقنعوني ، هي هذه الرواية!!
أليست هذه حكاية عجيبة ؟ أليس معي الحق كلّه
عندما مزقت الرواية الهاوية... وفرحت لمصادرة الديوانين غير الشرعيين... أحمد الله
كثيراً لأنني لم أجدشفاهية الخطابة في
زمن الفضاء!!