. ويفوح شذاها بعبير ينشرح له الصدور . . وترى البلابل والطيور تغرد على فروع الأشجار .. وفتيات صغيرات حوريات تلعبن وتمرحن مع بعضهن البعض .
..
والفراشات ذات الألوان الباهية الجذابة ترفرف وتطير هنا وهناك
. تعزف على فيتارة الحياة . رأيتها .. طفلة صغيرة جميلة
.. البراءة تكسو وجهها
.. عذبة كما عذوبة المياه فى أنهار الجنة .. رقيقة كما الهمسات... لطيفةكالنسمات ... ساحرة البسمات .. تملىء الوجدان نوراً ونهاراً حين تراها .. تسحر القلب حين تسمع صوتها الحانى العذب الرقيق .
. انها طفلة صغيرة حقاً لها رواء ملائكى خلاب . كانت وحيدة وحدة العابد فى محراب الحياة .. تقف بجانب احدى الشجيرات تسرح فى حياتها .
. تائه فى أفكارها وخيالها .. تارة تدندن بألحانها وأغانيها الخاصة .. وتارة أخرى تغوص فى أعماق خياله والصمت . ابتسمت لى ابتسامة رقيقة من خلف تلك القضبان حين انتبهت لى ابتسامة لن أنساها أبداً .
. هزت مشاعرى .. سحرت عقلى .. فابتسمت لها واقتربت أكثر من القضبان .. فاقتربت الطفلة الصغيرة سريعاً نحوى والقضبان وأدلت بيدها الصغيرة وردة وردية اللون .
. جميلة كما لون وجنتيها الناعمتان . وقفت تنظر الى مبتسمة وتتأملنى كأنها تعرفنى منذ سنين .. فأخذت الوردة من يدها ووضعت يدها الصغيرة فى راحة يدى وربت عليها حتى شعرت الصغيرة بالالفة والطمئنينة .. ورأيت ثم رأيت عن قرب تلك العينان العسليتان الساحرتان وعيناها تتلألأ من وميض يسطع حير عقلى .. سلبنى تفكيرى .. أسرنى فى كينونتها الغامضة الساحرة . ظللنا هكذا لحيظات من الوقت حتى سحبت يدها من يدى حين سمعت نداء عميق يدعوها للعودة والبعاد عن تلك القضبان .
. فتراجعت الصغيرة وهى كالملاك الحزين فى خطوات ثقيلة بطيئة .. تجرجر قدميها الصغيرتان النحيفتان .. القدم تلو القدم .. والخطوة تلو الخطوة .. وهناك دمعة تترقرق فى عناها البريئتان .. ثم أدارت جسدها النحيل وجرت بضع خطوات وتوقفت .. التفتت الى .. أشارت ملوحة لى بيدها مودعة .
. وأسرعت من أمامى وجرت بعيداً .. غابت عن عينى ولم أراها.ظللت بجانب قضبان البستان ملاصقاً له .. لا أعرف كم من الوقت على مر وأنا ماكث فى مكانى لا ابرحه !! .. ولكنى ظلت واقفاً لعلنى أراها مرة أخرى . تحركت هنيها .. أخذت أحوم حول البستان من وراء قضبانه اللعينة المتوحشة وبى رغبة فى هدم تلك القضبان واختراق ذلك الحاجز الأعمى الأصم الأبكم . مازلت أسير حول ذلك البستان الغامض شارداً فيه وفى تلك الطفلة الجميلة البريئة .
. حائراً فيما اختلجنى من مشاعر نحوها .. تلك المشاعر الخفية الغامضة التى تسربت وأسرت كيانى وفكرى .. ذلك الأحساس الغريب الذى دب بى وتسلل الى أعماق روحى وقلبى ووجدانى .. ا يا ترى هى مشاعر الرأفة والعطف التى تملكتنى نحوها ؟ أم انها مشاعر الأبوة الحانية الفياضة الفضفاضة التى ألمت بى وأغرورق فيها قلبى وروحى ؟ وفجأة .. توقفت .. تسمرت قدماى .. ذهلت مما رأيت .. رأيت بوابة ضخمة عملاقة مغلقة بمزلاج حديدى كبير وسلاسل وجنازير وأقفال
.. مما دعانى للدهشة والتأمل والريبة والتفكير .. ثم رأيت لافتة صغيرة قديمة يعلوها الغبار والاتربة معلقة على استحياء بجوار البوابة الضخمة ..اكتشفت وعرفت وفهمت منها أن ذلك البستان الغامض ما هو الا دار لرعاية الأيتام .. وقتئذٍ .. هزتنى مشاعر لا أعرف لها معنى ولا تفسير .. خليط من الفرح والحزن .. السعادة والأسى .. الأبتسام والألم والبكاء .. تلك الحقيقة التى انفرجت لتزيح ستار الغيمة عن عينى وقلبى .. وتفك رموز تلك المشاعر الخفية التى تسربت الى كيانى وفجرت بداخلى ينابيع الرحمة والابوة والرأفة والعطف والحنان والخير .. تلك المشاعر الكامنة فى ربوع قلبى الحانى العطوف الرحيم .. ومنذ تلك اللحظة ومنذ ذاك الحين العب مع طفلتى الصغير ة الجميلة الساحرة البريئة وبقية الأطفال .. نحلق فى سماء الحياة كما الطيور التى تحررت من الأسر وقيوده
.. نطير للعنان بنشوة الحرية
.. نلعب ونمرح .. ومازلنا نلعب سويا . ..