أحلم أن أستيقظ يومأ

فإذا الشمس تبدد

كل ظلام الكون

وإذا الحب يهيمن

ويدمر أصنام الحقد

أحلم أن تبزغ فى لمحة عين

كل بذور الأمل المدفون

تحت جدار الخوف

أحلم مثلك

فى صمت الليل

وطوال نهارى

أن أكتب وبلا خوف

أفكارى

أن أعزف نغمأ أهواه

على مزمارى

أن أرسم صورأ   

لفتاة رائعة

تهوى أشعارى

وأعانقها فى حب جامح

وأطير بها فوق جناح الحلم

تعزف بأناملها الفنانة

كل أناشيد الحب

على أوتارى

أحلم أن أستيقظ يومأ

أحلب أشجار الورد

أملأ كأسى بشراب الأمن

أشعر بالقوة والدفء

لا أخشى البرد

أحلم الا يتبقى

فوق الأرض قنابل

أو حتى سيوف

أو أى سلاح معروف

أحلم مثلك

بسلام وطمأنينة

يشفى بيد الرحمة

كل النفوس الحزينة

يملؤ الدنيا سكينة

أحلم أن يجمعنا حب واحد

هو حب الله

أحلم مثلك أن أستيقظ يومأ

فأرى الكون ربيعأ

وأرى كل المصطلحات الممقوتة

زالت من قاموس الناس

وطغت فى وجدان الدنيا

كل معانى الحب المفعم بالإحساس

أحلم ..أحلم .. أحلم..

لكن ..

هل تتحقق كل الأحلام ؟؟

إستنباط معنى كلمة ( فتنة ) من آيات القرآن الكريم
26 تموز, 2008

2008-07-26

11:59:04

 

أللهم إنى أستعين بك فأعنى وأنر سبيلى وفلبى بقرآنك العظيم واجعله نوراً لنا فى الدنيا ونوراً لنا فى الآخرة واهدنا على صراطك المستقيم ولا تجعل فى قلوبنا غلاً للذين آمنوا وقنا عذاب السعير .

بعون الله الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد سأقوم الآن بعمل بحث فى كتاب الله العزيز أستنبط منه المعانى التى جاءت بها كلمة (( فتنة )) فى القرآن الكريم مستهدياً بآيات الذكر الحكيم والله وحده المستعان .

 

أولاً الفتنة بمعنى الإختبار :

يقول الله تعالى :

(( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ))العنكبوت 2, 3

لا يعتبر الإيمان الشفهى نهاية الأمر فى مسألة الإيمان بالله تعالى ولكنه يلزمه الكثير ليثبت بالبرهان العملى صدق هذا الإيمان وكماله وقوته وصلابته , فعندما يصاب ذلك المؤمن بمصيبة مثل فقدان عزيز لديه أو مرضه أو خسارة مالية فادحة أوحادث أليم مثلاً فهنا يظهر معدن إيمانه الأصيل

 

وهنا ينقسم الناس إلى نوعين :

 

1-             نوع ينطبق عليه قول الله تعالى :
((
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )) البقرة 155,156,157

 

2-             ونوع آخر ينطبق عليه قول الله تعالى :

(( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ )) الحج 11

ومن حكمة الله العلى القدير أن تكون أموال الإنسان وأولاده (( فتنة )) له أى إختبار له ولإيمانه وهل ستكون الأموال والأولاد سبباً من أسباب تقربه إلى الله تعالى بالصالحات أم سبباً من أسباب غضب الله تعالى عليه ودخوله جهنم نعوذ بالله منها يقول تعالى عن ذلك أيضاً :

((قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )) التوبة 24

 

 وهنا أيضاً ينقسم الناس إلى نوعين :

 

1-          نوع تكون أمواله وأولاده سبباً يقربه زلفى من خالقه تعالى ويجعل له رصيداً من الخير والبر والتقوى عند الله سبحانه و ينطبق عليه قول المولى تعالى :

 

((رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ )) النور 37

 

2-          نوع آخر تغره الأمانى ويضحك عليه الشيطان الرجيم فتصبح الدنيا غايته وهدفه فيلهث خلف المال والولد طالباً عندهم العزة ضارباً بالحق والحقيقة عرض الحائط مهتماً فقط بمكاسبه الدنيوية وماله الزائل ناسياً حتى أن هذا مال ليس ماله فى الواقع بل هو مستخلف فيه وهذا الصنف يقول عنه المولى تعالى :

 

((فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ )) التوبة 55

((وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ )) التوبة 85

وكذلك فإن الفتنة بمعنى الإختبار قد جاءت بالقرآن فى مواضع شتى نذكر منها على سبيل المثال رؤية النبى محمد صلى الله عليه وسلم عندما رأى رؤية وجعلها الله فتنة للناس أى إختبار لهم ليميز الله الخبيث من الطيب يقول تعالى :

 

((وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا )) الإسراء 60

 

ثانياً الفتنة بمعنى التعذيب :

كلمة تعذيب معناها أن يقوم إنسان بتعذيب إنسان آخر بطريقة نفسية أو بدنية متعمدة وتكون من طرف قادر ذى سلطان أو قوة ضد طرف ضعيف مقهور مسلوب لا يستطيع الذود عن نفسه , يقول تعالى :

 

(( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ )) البروج 10

 

ثم يقول الله تعالى عن المؤمنين الذين هاجروا بعد الرسول الخاتم (عليه الصلاة والسلام ) وذلك بعد أن تعرضوا للتنكيل والتعذيب على يد كفار قريش وسفهائم ومجرميهم :

 

((ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ )) النحل 110

 

وكان المنافقون الذين آمنوا بأفواههم واضمروا الكفر يخافون من قتال المعتدين الذين يتربصون بدين الله ورسوله فيطلبون من النبى ص أن يأذن لهم بعدم الذهاب لقتال المعتدين معتبرين أن ذلك القتال عذاب شديد ولكنهم ينسون فى ذات الوقت أنهم عندما يتخلون عن رسول الله ص وعن نصرته ضد الذين أجرموا فى حقه وحق المسلمين , فإنهم بذلك يضمنون مكانهم فى جهنم خالدين فيها وهم لا يشعرون يقول تعالى :

 

((وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ )) التوبة 49

وهناك من البشر من هم ضعاف النفوس ليس لديهم ذرة إستعداد للتمسك بدينهم أو الدفاع عنه أو قتال المعتدين أوتحمل أدنى إيذاء فى سبيل الله تعالى فتجده يولى الأدبار فى المعارك ويتخلى عن دينه إذا تعرض لإيذاء بل ويكفر بخالقه تعالى ويعود لسابق عهده من الضلال فهذا الصنف من الناس لم يتمكن من قلوبهم الإيمان بالله تعالى ورسوله واليوم الآخر يقول عنهم الله تعالى :

((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ )) العنكبوت 10

 

ثالثاً الفتنة بمعنى الإفساد :

 

إن أكبر وأشر الفتن هو إشاعة الفساد والإفساد بين الناس ومحبة الضلال والإضلال , إذ أن هناك طائفة من شياطين الإنس يلذ لهم إشاعة الفساد فى الأرض ولا يهداً لهم بال طالما شعروا بوجود الخير والعدل والصدق والسلام فيظلون يحيكون المؤامرات ويرسمون الخطط ويدبرون فى الظلمات من أجل نشر شرهم وفسادهم وهؤلاء مصيرهم جهنم إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً وهذا النوع من الفتنة هو أخطر أنواع الفتن إذ أنه يتمخض عنه هلاك أمم وموت شعوب وفناء أقوام , هذا لو لم يكن الناس يقظين لهم يحبطون مؤامراتهم بسرعة ويفضحونهم فى كل مكان , يقول تعالى :

 

((هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ )) آل عمران 7

هنا يصور الله تعالى هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض تصويراً دقيقاً إذ أنهم يحزنهم أن يهتدى الناس ويتعرفوا ربهم ويعبدوه وحده ويتبعوا كتابه ومهجه الصافى فتجدهم يتتبعون الآيات المتشابهة فى القرآن العظيم لعمل بلبلة فى قلوب المؤمنين تشكيكهم فى كتاب الله بأى شكل أو وسيلة وهو أعظم أنواع الفساد فى الأرض.

وهناك أيضاً نوع من الفساد (( الفتنة )) قد يكون فى الشارع الذى تعيش فيه أو الحارة أو القرية أو المدينة قد يكون جوارك فساد ما ثم تقول ( وانا مالى ) وكل واحد يقول نفس الكلمة ويكون هذا الفساد فى منتهى الخطورة كشخص يبيع المخدرات فى شارعك مثلاً والكل يخشاه ولا يريد الإبلاغ عنه , ثم فجأة وبعد عدة سنوات يفاجأ أهل المكان بأن معظم أولادهم وبناتهم قد أصبحوا ( حشاشين ) أو ( شمامين ) ويتحول معظمهم لمدمنين ولصوص يسرقون من أجل شراء ( الكيف ) , هذه فتنة عظيمة وفساد خطير لو اتقيناه ومنعناه ووقفنا له بالمرصاد لما حدث هذا لأبنائنا , وهناك آلاف الأمثلة الأخرى ولكننى ضربت هذا المثل للتقريب فقط وهنا يقول الله تعالى :

 

((وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ))الأنفال 25

ومن الآية الكريمة نفهم أن هناك نوع من الفساد ( الفتن ) لا يمكن السكوت عليه لأن عواقبه لن تكون على من قاموا به وحدهم ولكنها ستعم وتشمل الجميع حتى الناس الغلابة والمساكين والذين هم ليس لهم فى الثور ولا فى الطاحونة ( كما يقولون ) وهم هؤلاء المساكين أتباع جملة ( وانا مالى ) , وجملة ( هو احنا حنصلح الكون ) !!!

ومن أفظع أنواع الفتن ( الفساد ) هو القهر الدينى بمعنى أن أقهرك على دخول دين معين أو إعتناق فكر معين أو ممارسة شعائر معينة , وهذا القهر الدينى هو فساد فظيع فى الأرض حيث قرر المولى تعالى الحريات الدينية والفكرية

 ( لكم دينكم ولى دين ) ,

 ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) ,

 ثم قال لرسوله ص ( إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء ) ,

 وقال تعالى ( لست عليهم بمسيطر ) ,

 وقال ( وما جعلناك عليهم وكيلاً)

وقال ( لا تكلف إلا نفسك ) ,

 وقال ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) ,

قال ( ما عليك من حسابهم من شىء ) ,

وقال ( فإن استطعت أن تبتغى نفقاً فى الأرض أو سلماً فى السماء فتأتيهم بآية )

 

وبناءاً على تحريم القهر الدينى والعقيدى فقد أمر الله تعالى رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) والمؤمنين معه أن يقاتلوا جبابرة قريش والعرب الذين فتنوا الناس وعذبوهم بسبب دخولهم فى الإسلام ولأن الله تعالى يريد إقرار مبدأ حرية الدين والمعتقد وأن حساب كل إنسان عند ربه يوم القيامة فقد أمر الرسول ص بقتال مجرمى قريش والعرب الذين يقهرون الناس من أجل إعادتهم لعبادة الأصنام والأحجار ومن أجل إعتناق دين معين وكراهية دين آخر يقول تعالى :

 

((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )) الأنفال 39

وعندما يكون الدين كله لله يكون قد تم إقرار الحرية الدينية والعقيدية والفكرية لكل إنسان ويصبح من حقه إختيار دينه بعد تفكير وتمحيص وتمكن وتمعن وليس بالقهر والقتل والسيف والإرهاب .

 

ولقد ذكر القرآن الكريم محاولات الكفار والمشركين مع الرسول الخاتم ص ليجعلوه يترك القرآن ويؤلف لهم كتاباً آخر غيره لأن القرآن لم يأت على هواهم كما أنه فضح كفرهم وشركهم وزيف معتقداتهم فكرهوه وحاولوا زحزحة النبى عنه فنصره الله عليهم ونصر كتابه العزيز يقول تعالى فى هذا الشأن :

 

((وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا *وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)) الإسراء 73-77

 

رابعاً الفتنة بمعنى جهنم :
لا شك أن جهنم أعاذنا الله منها ومن عذابها هى أبشع أنواع الفتن التى يمكن أن يلاقيها الإنسان ولكنها فتنة حق بمعنى أن جهنم لن يدخلها إلا من يستحقها لأن الله تعالى هو العدل وهو أحكم الحاكمين وأعدلهم ولا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون , يقول تعالى عن جهنم :
((
إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ ))الصافات 63

برجاء مراجعة سورة الصافت كاملة .

((وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ))التوبة 49

((يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ )) الذاريات 13

وبعد

هذا ما تمكنت من بحثه لأستنباط معانى كلمة ( فتنة ) فى القرآن الكريم وأعتقد- ولله وحده العلم كله-   أن كلمة فتنة فى القرآن فى أى آية لن تخرج من تلك المعانى الثلاثة المذكورة وهى الفتنة بمعنى الإختبار والإمتحان , والفتنة بمعنى التعذيب والعذاب , والفتنة بمعنى الفسد والإفساد , وأرجو ممن يحب المناقشة أو لديه اى إعتراض على بحثى هذا أن يعلق ويكتب ما يراه ونتحاور بالتى هى أحسن حتى نضع النقاط على الحروف , فهدفى هو معرفة الحق والعمل به وصولاً إلى غفران الله تعالى ورضوانه فى يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد .

 

 

من تجليات إسم الله ( المهيمن )
26 تموز, 2008

2008-07-26

11:29:12 

 

 

 

 

 

من أسماء الله العلى القدير ( ألمهيمن ) وهو إسم الفاعل لفعل ثلاثى الأصل هو ( همن) ومعناه القائم على خلقه و ألذى يحكم سيطرته بشكل تام على مانراه وما لا نراه وعلى ما ندركه وما لا ندركه وعلى ما نعلمه وما لا نعلمه  ومعناه أيضاً ( أمن ) ويفهم منه أن الله تعالى قد أمن عباده من أن يظلمهم فقال عن نفسه ( ولا يظلم ربك أحداً ) وقال العرب أن الفعل ( همن ) يقال عن الحزام والرباط إذا شد بقوة حول الظهر لحمايته وتأمينه ,  ولذلك فإن الله تعالى خلق هذا الكون المترامى الأطراف بقدرته من العدم وسيطر عليه ( هيمن عليه )  وقال له كن فيكون فى فترة زمنية حددها الله تعالى بستة أيام لتقريب المعنى للعقل البشرى الذى لا يستطيع أن يستوعب ملكوت الله وقدرته , إلا من خلال القدرات الربانية التى أودعها الله تعالى فى هذا العقل .

 

ولما أراد الله تعالى أن يجعل للقرآن وصفاً نهائياً مقارنة بكتبه السماوية السابقة للقرآن فقد قال الله تعالى عن القرآن وعلاقته بما سبقه من وحى سماوى ( ومهيمناً عليه ) أى شاهد عليها و قائم على ماسبقه من كتب بالحجة الدامغة القوية وكذلك هذا القرآن يؤمن كتب الله السابقة من أى تحريف وقد قيل أن كلمة ( مهيمن ) قد تنطق ( مؤأمن ومؤيمن ) فقلبت الهمزة الأولى هاءً والثانية ياءً ,  ومعناها ضمان الأمان والأمن من التحريف لكل كتاب سابق أى يستطيع القرآن بما فيه من ميزان إلهى أن يكشف أى زيف أو تحريف فى الكتب السماوية السابقة  إذا قيست عليه ووزنت بميزانه الحق .

 

 

ومن مفردات الهيمنة الإلهية على مخلوقاته أننا نتحرك حركاتنا الديناميكية سواء حركات الجسم الخارجية أو حركات الأعضاء الداخلية كالقلب والدم والكليتين والكبد والمعدة وغيرها لا تحدث تلك الحركات إلا بقدرة الله تعالى الذى يحرك الأشياء كلها ويسيرها بهيمنته ومقدرته وعلمه بداً من دورات الجسيمات الميكروسكوبية ( مثل الإلكترون واالنيوترون والبوزيترون ) داخل الذرة وليس إنتهاء بحركة النجوم العظيمة والكواكب العملاقة حول الشمس فى مجرتنا وغيرها من المجرات الأخرى .

 

 

كل ذلك يتحرك بقدرة الله تعالى وقد وضح لنا ربنا فى كتابه العزيز ذلك حين قال ( وهو الذى يسيركم فى البر والبحر ) , وهذا لا علاقة له  بالسلوك الشخصى للإنسان وهو السلوك الذى يعتمد على القرار الشخصى لفعل كذا أو عدم فعله وهو ما يسمى بالإرادة الإنسانية الحرة والتى سيحاسب الإنسان بناءاً عليها يوم القيامة حيث تأتى كل نفس تجادل عن نفسها ويود الكافر والمجرم لو يفتدى يومئذ من عذاب ربه بصاحبته و بنيه وأمه وأبيه وفصيلته التى تؤيه ومن فى الأرض جميعاً ثم ينجيه .

 

يذكر القرآن العظيم أمثلة عديدة توضح للمتدبر فى آياته أن الله تعالى يسير البشر والحجر والبحار والأنهار والسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى بقدرته جل وعلا , وسوف نقتطف بعض هذه الأمثلة التى جاءت بكتاب الله العزيز دليلاً على هيمنته سبحانه على الكون من الذرة إلى المجرة :

 

أولاً : النهر يسمع ويطيع :

 فى قصة نبى الله ورسوله موسى ص عندما حكى القرآن الكريم عن طغيان الفرعون على قومه يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين ولأن الله تعالى يريد أن يمن على الذين استضعفوا فى الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين , ويمكن لهم فى الأرض ويرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون , فإن الله تعالى يدبر ويمكر وهو خير الماكرين سبحانه ويسخر لتدبيره كل ما ومن شاء بهذا الكون لتنفيذ ما دبره مالك الملك جل وعلا , ولما كانت قصة إنقاذ بنى إسرائيل من براثن الفرعون وملئه تبدأ بميلاد موسى عليه السلام فقد أوحى الله تعالى لأم موسى أن تضعه فى صندوق ثم تضعه فى النهر حتى لا يقتله جنود الفرعون ثم نرى هنا من تجليات هيمنة الله على كونه تسمع أمر الله تعالى للنهر  حين كان الصندوق يسبح فوق مياهه حاملاً الطفل الرضيع موسى فقال الله تعالى للنهر (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) طه 39,

 

 يخضع النهر  لأمر ربه ويقول سمعاً وطاعة يا ربى ويقوم بزحزحة الصندوق حتى يرسو على شاطىء النهر  ويصل تحت قصر الفرعون فيمتثل الجميع لهيمنة الواحد الأحد ويقوم الخدم بإخراج الصندوق ليجدوا الطفل ويعرفوا أنه من بنى إسرائيل حيث لا يمكن أن يفعل هذا الفعل غيرهم خوفاً على أبنائهم من القتل على يد جنود الفرعون , ثم عندما يهموا بقتله تصرخ إمرأة الفرعون : 

 

(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ  ) القصص 9

 

 فيمتثل الفرعون السفاح القاتل لطلب زوجته ( وهى المرأة الصالحة التى ضرب الله بها مثلاً للذين آمنوا مع مريم إبنة عمران ) ويدخل الطفل موسى قصر الفرعون ويتربى فيه كأمير ملكى له خدم وحشم ورعاية خاصة , ثم يشاء الله ( المهيمن) أن يرفض موسى كل المرضعات حتى يشيع الخبر أن الطفل الملكى لا يرضع فتذهب أخته التى كانت تتحسس أخباره  لحظة بلحظة بأمر أمها :

 

 (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ  ) القصص 11

 

وتعرض عليهم مرضعة ممتازة  أقنعتهم بها ,  سيسعد بها الطفل (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ )  القصص 12  ,       ثم يصدر الأمر الملكى بإحضارها تنفيذا لأمر الله تعالى المهيمن على كل القلوب حتى قلوب الكافرين  :

 

 (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) القصص 13    

 

.. وهكذا تكتمل منظومة الهيمنة الربانية على قصة الطفل موسى لينجو بأمر ربه من القتل ويشترك الجميع فى تنفيذ فعل الهيمنة التى أرادها الله تعالى لتنفيذ أمره تعالى فاشترك فى ذلك أم موسى ( بوحى ربها ومشيئته) والصندوق الذى حمل موسى ثم موج النهر  الذى أطاع أمر ربه ونفذه بدقة بالغة ( فليلقه اليم بالساحل ) ثم الخدم الذين أخرجوا الصندوق من النهر ثم إمرأة الفرعون ( المؤمنة بربها سراً ) ثم الفرعون الذى أصدر قراراً بعدم قتل موسى ثم أخت موسى التى راقبت الموقف كاملاً دون أن يشعروا بها ثم الفرعون مرة أخرى عندما قرر إحضار المرضعة الجديدة والتى كانت أم موسى , وكل ذلك تنفيذاً وطاعة وامتثالاً لأمر الله الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولا نوم وليكتمل فعل من أفعال الهيمنة الإلهية .

 

ثانياً : النار تسمع وتطيع :

 قصة خليل الله إبراهيم ص عندما ولد طفلاً ونشأ صبياً ذكياً لأب يصنع الأصنام ويبيعها للناس لكى يعبدوها , ونشأ فى قوم يسجدون للحجارة ويقدمون لها القرابين ليل نهار ويعبدونها فى خشوع وخضوع , فتعجب من أمرهم ولم يقتنع بضلالهم وشعر أن هناك خطاً جسيماً وقع فيه أبوه وقومه فراح يعمل عقله فى ملكوت الله ويبحث عن الله فى كل مكان حتى تابع حركة النجوم والكواكب والشمس والقمر , وظن لوقت قليل أن الله قد يكون واحداً من هؤلاء ولكن فى كل مرة كانوا يأفلون جميعاً فأسلم وجهه للقوة الأعظم التى خلقت بقدرتها اللانهائية كل هذا الكون المديد وقال  :

 (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ  *  إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الأنعام 78,79,

 

أنظر هنا لقوله ( للذى ) فلم يكن يعرف قبل ذلك إسم الله تعالى ولا أى إسم من أسمائه الحسنى ولكنه توصل بفطرته السليمة وقلبه الطاهر إلى إسم الله ( الفاطر) أى الخالق , ثم ذهب بفتوة الشباب وقد عرف الحق وعرف أن للكون خالقاً عظيماً خلقه وقدره بعلمه وأن قومه ضالون ضائعون مضلون فذهب إلى معبدهم وكسر أصنامهم إلا كبيراً لهم   لعلهم إليه يرجعون  , فلما أصبح الصبح وذهبوا لعبادة أصنامهم وجدوها محطمة أجزاءاً صغيرة ( قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ) فرد آخرون ( سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) فأحضروه بسرعة فائقة وسألوه ( أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ) فقال ساخراً منهم ( بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ) وفى هذه اللحظة رجعوا إلى أنفسهم وتحدث بعضهم لبعض قائلين ( إنكم أنتم الظالمون ) ثم لحق بهم الشيطان الرجيم وأعادهم إلى الكفر والضلال فقالوا لإبراهيم ( لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) .. فقال لهم الفتى النبى الرسول الصادق (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ  *   أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) الأنبياء66-67     

 

      فكان قرار الكفار هو

 (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)الأنبياء 68 

 

 ولكن قرار الله المهيمن على كل شىء كان قد سبق قرارهم

 

 (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ   *  وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الأنبياء 69-70

 

فأمر الله تعالى النار أن تتحول إلى برد وسلام على إبراهيم ( وقلنا يا نار كونى برداً وسلاماً على إبراهيم ) وهكذا نرى تجليات فعل الهيمنة ونرى كيف يسيطر الله تعالى على كل مخلوقاته وتخضع لأمره وتطيع وتنفذ صاغرة ذليلة متقربة إلى ربها بالطاعة فتخضع النار وتطيع خالقها سبحانه وتتحول بقدرة الله تعالى إلى برد وسلام على إبراهيم النبى الرسول الطيب الصالح الذى عبد الله وحده بلا شريك وكان يريد الخير لأبيه وقومه ولكنهم قوم لا يعقلون , فتركهم إبراهيم ص مهاجرا إلى ربه واصطحب معه لوطاًُ ص وهاجرا إلى الله تعالى لنشر الحق والفضيلة والخلق الكريم على ربوع الأرض الطيبة

(وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ )الأنبياء 71.

 

ثالثاً : الحوت يسمع ويطيع :

  قصة نبى الله يونس ص مع قومه وكلنا يعرفها حيث أرسله الله تعالى فى قومه ليدعوهم إلى عبادة الله الأحد وعدم الإشراك به ويدعوهم للتحلى بالخلق الكريم والمبادىء السامية والمثل العليا , ولكنهم استكبروا فى الأرض وأبوا أن يؤمنوا وتهكموا من يونس ورسالته فحزن منهم حزناً شديداً وغضب عليهم ثم ترك لهم القرية وهرب من ضلالهم وكفرهم بعد أن يئس منهم  

 

( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ  ) الأنبياء87 ,  

 

  وبعد أن هرب ركب فى الفلك ليسافر مبتعداً عنهم وهو ضجر منهم قانط من إيمانهم فلما ركب فى الفلك قامت رياح شديدة وكانت على وشك الغرق فقام ربان السفينة بالمساهمة أى الإقتراع بين الركاب فمن يقع من الإقتراع يكون مصيره أن يلقى بنفسه فى البحر ليفتدى الآخرين , ومن العجب أن الله المهيمن قد ساق يونس لهذا الإختبار العسير وكان مطلوباً منه أن يشترك فى المساهمة فوقع عليه الإختيار فألقى بنفسه فى الماء فداءاً للآخرين فالتقمه حوت عملاق وابتلعه داخل معدته فظل يونس يحمد ربه ويستغفره ويتوب إليه ويسبح له وهو فى بطن الحوت فشمله الله برحمته التى وسعت كل شىء وأمر الحوت أن تلقى بيونس من بطنها على الشاطىء فاستجاب الحوت لأمر مولاه العزيز القدير المهيمن على كل صغير وكبير وأخرجت يونس ص من بطنها وألقت به تحت شجرة من يقطين فلما افاق أكل منها واستظل بها حتى استرد عافيته

يقول تعالى فى هذا :

 

(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ    * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ   *  فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ  * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ  * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ   *  لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  *  فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ  *وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ  * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) الصافات 139-148

وأراد الله المهيمن على القلوب أن يثبت ليونس أن الله يستطيع هداية البشر أجمعين لو اراد ذلك :

 

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  )  يونس 99

 

ولكنه سبحانه وتعالى يترك كل إنسان يختار بحرية إما الإيمان وإما الكفر ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)  , فأرسل الله نبيه يونس بعد أن أفاق واسترد صحته المنهكة وعافيته أرسله إلى مئة ألف إنسان أو يزيدون فآمنوا له وآمنوا معه بالله رب العالمين .

 

رابعاً : السماوات والأرض والنجوم تسمع وتطيع :

يتحكم الله تعالى فى ملكه بقوة لا نهائية حكيمة مدبرة فيظل كل كوكب يجرى فى مساره المحدد الذى قدره الله تعالى له بقوى مختلفة من الجاذبية إختص الله تعالى النجوم والكواكب بنسب متفاوتة تسمح لها بالبقاء فى مسارها دون أن تحيد عنه (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *  وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ  * لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ) يس 38-40

 

ليس ذلك فحسب بل إن هيمنة الله على كونه تتحكم فى كل صغيرة وكبيرة فيه يقول تعالى :

(الم تر ان الله سخر لكم ما في الارض والفلك تجري في البحر بامره ويمسك السماء ان تقع على الارض الا باذنه ان الله بالناس لرؤوف رحيم ) الحج 65

 

ويقول تعالى :

(ان الله يمسك السماوات والارض ان تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من احد من بعده انه كان حليما غفورا ) فاطر 41

 

وأخيرا :

هذا غيض من فيض مما فتح الله علينا به من تجليات معانى إسم الله المهيمن ولو أطلقنا للعقل العنان لما كف عن الكتابة حتى يتوفانى الله تعالى , فمن هذا الذى يستطيع الإحاطة علماً بكل معانى إسم من أسماء الله تعالى ؟؟ .

 

فسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

هل هجر المسلمون القرآن فعلاً؟
25 تموز, 2008

إستنباط معنى قوله تعالى ( لم يخروا عليها صماً وعمياناً )

 

كيف يكون القرآن الكريم مهجوراً لدى أغلب المسلمين رغم هذا الكم الهائل من مئات الملايين من  المصاحف المطبوعة على أعلى مستوى من التقنية الحديثة ، وهذا الكم الهائل من الأشرطة المسجلة لعشرات الآلاف من المقرئين ما بين ترتيل وتجويد ، وهذه الأعداد اللانهائية من السى دى هات التى تحمل كل سى دى منهم آيات القرآن العظيم ما بين مكتوب ومقروء بعشرات الأصوات الرخيمة والباكية والشجية ، حتى أن الموبايلات ( التليفونات المحمولة ) غدت مكتظة بآيات القرآن الكريم ذهاباً ورواحاً ، وكلما ذهبت هنا أو هناك واجهتك الأشرطة المسجلة فى سيارات الأجرة والميكروباصات والمحلات والمطاعم والمقاهى والكوفى نيت ومحلات بيع الأشرطة وأماكن أخرى كثيرة وكلها قرآن يتلى على المسامع والآذان فى كل لحظة من لحظات الحياة ، فكيف يتهم الرسول الخاتم صلوات ربى وسلامه عليه قومه  يوم القيامة بأنهم بعد كل هذا الزخم قد إتخذوا كتاب الله تعالى مهجوراً ؟؟؟؟

 

ألا يدفعنا ذلك لتدبر وفهم قول الله تعالى

:

 ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا )) ألفرقان   30   ؟؟

 

كيف هجروه وهو معهم أينما ذهبوا وأينما عادوا ؟ كيف هجروه وهو فى أحضانهم ليل نهار ، بل ويضعونه فى جيوبهم لقراءته فى المواصلات وفى أوقات الفراغ على مكاتب العمل ؟ كيف هجروه وهم يستمعون لإذاعة القرآن الكريم ليل نهار ويدفعون الغالى والنفيس فى شراء الأشرطة والإسطوانات المسجل عليها القرآن والخطب الوعظية ؟ كيف هجروه وهم يضعونه تحت الوسائد وفى غرف النوم لحفظهم من كيد الشيطان الرجيم ويضعونه معلقاً أو فى صندوق حريرى فخم على تابلوه السيارة لحفظهم من الحوادث ؟ كيف هجروه وهم يعملون منه الأحجبة لمرضاهم النفسانيين ولأطفالهم لحفظهم من عيون الحاسدين ؟ كيف هجروه وهم يتلونه على موتاهم بين القبور طلباً للرحمة والعفو والمغفرة من الله تعالى ؟؟

 

ما هذه التهمة المفزعة والتى يجب أن تقض مضاجع من كان لهم قلوب أو ألقوا السمع وهم شاهدون ؟ المسلمون بعد كل هذا الجهد الجهيد من حفظ القرآن فى المدارس والمعاهد وتفسيره على  يد المئات من العلماء والمجتهدين وعمل المعاهد والجامعات المختصة فقط بالقرآن ، وتعطى شهادات علمية تخصصية فى فقه القرآن وعلومه وآدابه ونحوه وصرفه وبلاغته موع ذلك ينتظرهم هذا الإتهام الذى هو فى الحقيقة ليس إتهاماً ولكنه واقع أكيد لا فرار منه مهما كان من وسائل إهتمام بالقرآن كما سبق وأسلفت أعلاه ، فما هى الحكاية وما هو الموضوع وما هى الحقيقة ؟ تعالوا بنا نطوف ونتدبر قول المولى عز وجل وهو يعدد صفات عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ، يقول عز من قائل من ضمن صفات عباد الرحمن الذين هم النموذج الأمثل والأعلى الذى يحبه الله تعالى لعباده يقول عنهم :

 

((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا )) الفرقان 73

 

من بين صفات عباد الرحمن الصالحين أنهم إذا ذكروا بآيات ربهم سواء عن طريق تلاوتها بأنفسهم أو قيام آخرين بتلاوتها عليهم ، فإنهم لا يستمعوا إليها وهم يلعبون أو يلهون أو يستهزءون ، ولكنهم – عباد الرحمن -  يعطون لآيات الله تعالى حين يقرؤها أو يسمعوها كل عقولهم وقلوبهم وآذانهم مسخرين كل هذه الحواس لفهمها وتدبر معانيها والتوصل إلى عميق حقائقها والوقوف على أسبابها وأهدافها وأوامرها ونواهيها ، وتحسس ما بها من دعوة لأخلاق حميدة ونهى عن أخلاق ذميمة ، والسعى خلف معانيها لتلمس ما بها من أنوار تضىء القلوب بذكر الله وكلماته التامات ولذلك يقول جل من قائل :

 

)) وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (( الأعراف 204

 

فالإستماع للقرآن مجرد إستماع لا أهمية له ولكن الإنصات هو الأساس ، لأنك بإنصاتك لقول الله تعالى تتمكن من تدبر آياته وفهم معانيها من خلال سياقها فى السورة فلا يصح أن تقتطع آية من سياقها دون فهم ما قبلها وما بعدها كأن تقول مثلاً ( فويل للمصلين ) ثم لا تتبعها بقوله تعالى ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) ، أو تقول (ولا تصل على أحد منهم مات ابداً ) دون أن تذكر ما قبلها وما بعدها ليعرف المستمع أن الله تعالى ينهى رسوله ص عن الصلاة على المنافقين لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ، ولا يصح أن تقول واصفاً رسول الله ص ( وما ينطق عن الهوى ) دون أن تذكر قوله تعالى ( إن هو إلا وحى يوحى ، علمه شديد القوى ... الآيات ) لكى يعلم المستمع الحصيف أن رسول الله ص لا ينطق هذا القرآن الكريم عن هواه أو من تلقاء نفسه ولكنه ينتظر وحى الله تعالى إليه فينطق به بعد نزول الوحى .

 

وعندما تنصت ( لا تستمع فقط ) فإنك ستعى وتفهم ماذا يريد الله تعالى أن يعلمك من قرآنه العظيم ، وستعلم الفرق بين الحق والباطل وبين النور والظلام وبين الضلال والهدى  ، وستعرف بإنصاتك لكلام الله تعالى كيف تتدبر آياته لتصل إلى معنى معين تريد فهمه ، أو تشريع تريد الوقوف عليه أو أمر أو نهى من أوامر الله تعالى ونواهيه التى يعلم بها عباده كيف يستقيمون فى هذه الحياة ويصبح كل منهم  مثلاً يحتذى ونبراساً يقتدى به الناس ويقلدونه فيما يفعل من تعلم وتدبر آيات الذكر الحكيم .

 

إن قول الله تعالى :

 

((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا )) الفرقان 73

 

هو مفتاح آية هجران القرآن ) الفرقان 30 ) التى تنتظر الكثيرين من المسلمين رغم ما بها من رعب يجب أن يصيب قلب كل مؤمن يخشى الله تعالى بالغيب ، ويريد أن يمرق من هذه التهمة خوفاً من أن تلبسه فى يوم القيامة فيكون والعياذ بالله تعالى كالذى خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق ، هذه الآية الفرقان 73 هى فى الحقيقة مفتاح آية هجر القرآن لو فهمناها وعقلناها وتدبرناها بصبر وتؤدة وأعطينا لأنفسنا وعقولنا الفرصة لفهمها فى هدوء .

 

ولكى نفهم آية ( لم يخروا عليها صماً وعمياناً ) يجب أن نبحث فى معانى كلمات ( يخروا – صماً – عمياناً ) حتى تنجلى لنا الحقيقة ونعرف المعنى المقصود من هذا القول الكريم .

 

أولاً كلمة يخروا :

 

وهى من الفعل ( خرر) لأن الراء مضعفة ومعناها هوى أو سقط من أعلى وندلل على ذلك بقوله تعالى ( يخرون للأذقان يبكون ) ومعناها أنهم عندما يستمعون وينصتون لكلام الرحمن يسجدون فوراً خاشعين لخالقهم وتلمس أذقانهم الأرض وهم يستغفرون ويسبحون رب الأكوان ، كما ندلل على رأينا أيضاً بقوله تعالى عن الذى يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق) وهى آية شديدة الوضوع تبين أن كلمة ( خر) معناها سقط من أعلى إلى أسفل ،وكذلك قوله تعالى عن يوسف وقومه حين استدعاهم للحياة فى مصر يقول عنهم ( وخروا له سجداً ) ومعناها ايضاً أنهم بعد أن كانوا واقفين جلسوا على ركبهم ( جمع ركبة وهو مفصل الركبة ) وهو نوع من سجود التبجيل والإحترام للحكام وليس للعبادة وهو دليل آخر أنهم كانوا واقفين فسجدوا مما يؤكد أن الفعل ( خر) معناه هوى من أعلى أو هبط أو سقط .

 

 فإذا عدنا إلى قوله تعالى (لم يخروا عليها ) لعرفنا أن هؤلاء الذين يستمعون القرآن لاعبين  يظهرون كأنهم يحبونه حباً شديداً ويشعر من يجلس معهم وكأنهم يفهمونه ويعلمون مقاصده ، وتراهم يتمايلون عند سماعه ويرتجفون رعباً صناعياً مفتعلاً ، ويتمتمون بكلمات غير مفهومة كأن عليهم مساً من الجن ، ويريدون توصيل رسالة سطحية جداً لمن حولهم مفادها  أنهم يحبون القرآن ويحبون الله وأنهم رجال الحق ولا يريدون شيئاً من زينة الحياة الدنيا ، ولكن الحقيقة المؤسفة  أنهم لا يعقلون القرآن ولا يفهمون ما يسمعون ولا يتدبرون آيات الله تعالى ولا يقتطعون وقتاً مخصصاً كل يوم من حياتهم لفهم كلام الله وتدبره وتطبيقه على أنفسهم ، ورغم أنهم يستمعون للقرآن  بما يوحى لمن حولهم أنهم خاشعون ولكنهم فى الحقيقة إستمعوه كأنهم صم ومرت عليهم معجزاته كأنهم عمى ، فرغم إظهار الخضوع والسجود ( يخروا ) إلا أنهم لم يكلفوا أنفسم عناء الفهم والتدبر ومشقة الفقه والتمعن ، ولم يتلذذوا بالخوض فى بحار القرآن الكريم ليرجعوا منها باللالىء والجواهر الربانية التى يحرم منها اللاعبون العابثون الذين يستمعون القرآن وهم يلعبون لاهية قلوبهم .

 

ثانياً    كلمة صم :

 

ومعروف أن الصمم هو عدم القدرة على السمع وقد يولد الإنسان أصماً أو يصاب بمرض يؤدى إلى الصمم ، وهذا النوع غير مقصود على الإطلاق هنا ولكن المقصود هو الذى يصطنع الصمم لنفسه رغم سلامة أذنيه وقدرته على تلقف المعلومة ، ولكنه يسخر كل ذلك لشهواته وملذاته وحياته الدنيا ومكاسبه الزائلة فإذا قرىء القرآن عليه أهمله ولم يعطه أذنه ولم يهتم بفهمه ، معتمداً على أن هناك من سيفهمه له ( العلماء من وجهة نظره ) ثم يشرحه له ، ومع ذلك فلو تعرض لهذا الشرح لما سمعه أيضاً ولأهمله ولاصطنع الصمم ولذهب بعقله وخياله هناك حيث دنياه وملذاته ومكاسبه ، ويظل يخر أصماً على كتاب الله تعالى حتى يدركه الموت وهو لم يفهم منه شيئاً ولم يفقه شيئاً ، فعاش ومات كمثل الحمار يحمل أسفاراً وبئس المثل لكل إنسان يتعامل من القرآن بلا مبالاة فهو بذلك يخسر آخرته ويكسب دنياه .

 

يقول تعالى عن من يهمل اذنيه ولا يستمع لقول الحق القرآنى العظيم :

 

((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ))الأعراف 179

 

ومن هنا نفهم أنهم لهم قلوب ( عقول )  لا يستعملوها فى فقه دينهم ، ولهم أعين ترى فقط ما يلذ لهم من شهوات الدنيا ، ولهم آذان تستمع لكل المتع فإذا جاءت نحو القرآن أصيبت بالصمم واستمعت إليه وهى تلهو وتتراقص وتتمايل مدعية العلم والإيمان ومعرفة الحقيقة والواقع عكس ذلك تماماً ، فلو جلست مع أحدهم لتختبره فى آية قرآنية واحدة لوجدته فارغاً من داخله كالخشب المسندة ، ولرأيته أمامك منظراً مهيباً لإنسان خطير ولكنه تافه قرآنياً ولا يفقه شيئاً ولا يحاول أن  يفهم ، ولو حاولت تفهيمه أو نقاشه لنهرك وسفهك وسبك بأقذع الألفاظ ، بل واتهمك بالجنون وأنك تتعالم عليه ، ثم يسألك : هل أنت عالم دين ؟ هل أنت خريج كلية دينية ؟ أليس هناك تخصصات فى الطب والهندسة والصيدلة ؟ هناك أيضاً علماء للدين وأنت لست واحداً منهم حتى لو كنت أفنيت عمرك فى البحوث القرآنية والتأصيل القرآنى والإجتهاد لفهم كتاب الله تعالى ، ولذلك فإن الله تعالى يختصر عليك الوقت ويصفهم بأنهم مثل البهائم ولا غاية ترجى منهم مهما تشدقوا بالإيمان وادعوا – كذباً وزوراً – معرفة الحقيقة يقول تعالى عنهم فى نهاية الآية السابقة :

 

 (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) .

 

ثالثاً كلمة عمياناً :

 

وهى كما هو واضح جمع أعمى وليس لها أى علاقة من قريب او من بعيد بشخص ولد أعمى أو اصابه العمى الحسى ( فى نظره ) بسبب مرض معين ، ولكنها تعنى عمى القلب وعمى البصيرة لقوله تعالى ( إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور) ، وهنا ينفى الله تعالى صفة العمى عن العينين لأنها عميت بإرادة الله تعالى ولكنه جل شأنه يؤكد أن العمى الحقيقى المقصود هو عمى البصيرة وتعمد عدم الفهم ، وعدم السعى نحو معرفة القرآن وتدبر آياته الكريمات والوقوف على معانيه الربانية العظيمة ، ولذلك تنطبق الآية رقم 179 الأعراف على هؤلاء أيضاً الذين عميت بصيرتهم عن رؤية الحق ومشاهدة الحقيقة ، ولم يكلفوا أنفسهم أى عناء لمعرفة حقيقة الكتاب الذى بين ايديهم وهو القرآن العظيم فاستحقوا أن يعيشوا ويموتوا مثل البهائم والعياذ بالله تعالى .

 

ومن عجب أن ينادى الكفار والمجرمون فى كل زمان ومكان بإهمال هذا القرآن العظيم وعدم الإستماع له ، لأنهم يعلمون أن من يسمعه وينصت له سيهتدى قلبه ، وسيصل لحب مولاه تعالى ، ولذلك كانوا يقولون :

 

((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ )) فصلت 26

 

وهذا دليل قرآنى قاطع على غيهم وإجرامهم ورغبتهم فى التشويش على القرآن وكراهيتهم له لدرجة وصلت للدعوة العلنية لمحاربته والإعتداء عليه وعدم السماع له واللغو فيه بكل الوسائل مثل التحريف والتزييف والتقديم والتأخير والشوشرة عليه بروايات وأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان حتى يتوصلوا لهدفهم المنشود وهو إهمال القرآن العظيم وإلقاؤه وراء ظهورهم وعدم الإهتمام به والإستهزاء بمن يهتم به ، وإلصاق التهم الجزافية له والكيد له وايقاعه فى المصائب والمصائد ، وتسليط السفهاء عليه ليرموه بكل نقيصة وكل عيب حتى يظلوا هم دائماً الوارثون الذين يرثون الدين وهو له حافظون ، والحقيقة أنهم عن القرآن بعيدون ولآياته الكريمات هاجرون وإذا استمعوا إليه إستمعوه وهو لاهون لاعبون .

 

والآن نعود إلى قوله تعالى عن عباد الرحمن :

 

((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا )) الفرقان 73

 

أى أن عباد الرحمن الصالحين الأتقياء إذا قرىء عليهم القرآن أو قرؤه أعملوا عقولهم وآذانهم وعيونهم فتدبروا القرآن وفهموا معانيه وعقلوه وأيقنوه وطبقوه فى حياتهم اليومية تطبيقاً دقيقاً تقرباً إلى الله تعالى وخشية منه ورغبة منهم فى إصلاح أنفسهم وإصلاح من يحبون ، ولذلك فهم يخرون أى تسجد قلوبهم لله حين يقرؤن القرآن ويعملون عقولهم فيه لفهمه ولا يصيبهم الصمم ولا العمى اثناء ذلك بل لديهم رغبة قوية فى تدبر القرآن العظيم وفهم معانيه ، ولذلك فإنهم عندما يفعلون ذلك لا ينطبق عليهم قول الرسول لربه يوم القيامة ( يارب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا) لأنهم – أى عباد الرحمن – قد حققوا حكمة الله فى فهم كتابه وتدبره والعمل به ، أما أولئك الأدعياء الكاذبون الذين يخرون على القرآن صماً وعمياناً بمزاجهم ويخدعون من حولهم ويوحون لهم أنهم أهل القرآن وأهل العلم وأهل المعرفة وهو فى الحقيقة لا يطيقون  القرآن ولا يعتبرونه غير كتاب للبركة والحفظ من عيون الحاسدين ومن الحوادث ومن مس الشياطين , ولا يستمعون إليه إلا وهم يلعبون ويتراقصون فى حفلات العزاء وغيرها ويوهمون أنفسهم أنهم على شىء والحقيقة أنهم أهل باطل وعلى الباطل طالما ظل القرآن العظيم كتاباً مهملاً فى حياتهم ومهجوراً فى دينهم ومعتقداتهم وطالما ظلوا يلغوا فيه بالتشويش عليه بكل شىء حتى أصبح بينهم غريباً مهجوراً رغم الكم الهائل من الزخم التقنى الذى يحفظون عليه القرآن من أشرطة واسطوانات وكمبيوترات ، ورغم أنهم يفتحون تلك الأجهزة بسبب وبدون سبب فى المقاهى والمواصلات والمنازل وغيرها ليخفوا نقصهم وجهلهم وليوهموا المتعامل معهم أنهم أهل تقوى وصلاح ولكن الحقيقة أن الذى يهجر القرآن ويعيش ويموت دون أن يفهمه أو يحاول جاهداً فهمه ، فإنه يعيش كالأنعام صم بكم عمى فهم لا يعقلون .

 

 

A service provided by Al Bawaba