لماذا نكتب ...؟؟؟

15 شباط, 2008

دونت في عام بواسطة د.حسن أحمد عمر

ن * والقلم  وما يسطرون1) هل لا بد أن نكتب؟
سؤال مهم جدا وإجابته سهلة ويسيرة : نعم لا بد ان نكتب , ولكن المهم ماذا نكتب ؟ هل يحب الكاتب أن يظهر إسمه على صفحات الجرائد المطبوعة والإلكترونية وحسب ؟ بغض النظر عن أهمية الموضوع الذى يتناوله وحساسيته وملائمته للظروف الراهنة فى بلده خصوصا وفى العالم عموما ؟ هل يعقل ان يقرر الكاتب ان يكتب فيكتب دون سابق إنذار من فكرة معينة تراوده فيتقرب منها ويتودد إليها حتى تصير حقيقة كائنة فى عقله وفكره ووجدانه فيؤمن بها أولا بينه وبين نفسه ثم يقرر بعد ذلك صياغتها فى شكل مقال أو قصة أو قصيدة؟
أحب المواضيع الدسمة التى تشدنى وتهز وجدانى وتبكينى , تأخذنى فى أعماقها فأغيب فيها كأننى تركت الوجود وذهبت هناك فى عالم من الفكر العميق والخيال الخصب والصور المبهرة المعبرة الجذابة , يبهرنى صدق الكلمة وروعة التعبير وجمال المعنى وصفاء الفكرة لدرجة تجعلنى أؤجل طعامى وشرابى وأعيد قراءة ذلك الإبداع عدة مرات حتى أختلط به ويختلط بى فنصبح كيانأ واحدأ وبعد ان كنا حروفا مبعثرة نتجمع لنكون كلمة جميلة يحبها قلبى هى حب وسلام وعدل وأمان وطمأنينة وكرامة 0
ألمكافحون بالكلمة الحرة لدحض الظلم أحبهم , والساهرون يكتبون بدموعهم كلمات من نور من أجل كرامة الإنسان وحريته وسلامته وسعادته هم هؤلاء الملائكة المتخفون فى صور بشرية وهم من يهزون وجدانى بما يكتبون ويسقطون دموعى بما يبدعون وهم أنوار فى الأرض تطيح بظلمات الفساد والقهر والجبروت البشرى الذى يطغى فلا يرده غير القبر ويبغى الفساد فى الأرض فلا يوقفه غير الموت , حيث خمدت امام ظلمه كل الأصوات الحرة وقتل بكفره وفجوره كل دعاة المحبة والسلام والحرية والكرامة الإنسانية0
ألمناضلون من أجل قضايا تحرير أوطانهم من الطغاة المغتصبين لصوص الأوطان , سعيأ وراء العدل وجلب الحرية لوطنهم المغصوب المنهوب , هؤلاء هم شموع الكون ويجب أن تجلهم البشرية وتساعدهم وتحترمهم وتقدم لهم كل نفيس من أجل استعادة الحق المنهوب وتعديل الوضع المقلوب , فمن يلوم مظلومأ يكافح لإستعادة حقه ؟ ومن يلوم مقهورأ من أجل دفاعه عن كرامته وإنسانيته وعزته وعودة وطنه المسروق وخيراته المغصوبة0
ألكلمة الطيبة تطفىء نار الحقد وتحيل بقدرة الله تعالى العدو إلى حبيب والغريم إلى صديق
( إدفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم)
ثم علمنا القرآن العظيم ( وقولوا للناس حسنأ ) حتى الذين ينعمون برضوان الله فى جنات الخلد يصفهم الرحمن قائلأ ( وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد) , والشاعر القديم زهير بن ابى سلمى كتب معلقته الرائعة التى جاء فيها
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم تبقى إلا صورة اللحم والدم
والغريب ان هناك حالة واحدة قد يحق لصاحبها ان ينطق بقول السوء وتلك هى حالة وقوع الظلم على إنسان معين لدرجة أنه لم يعد يستطيع التحكم فى لسانه من هول ما وقع عليه من ظلم وقهر وإجرام فيقول عنه القرآن العظيم :
( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)
وهو استثناء ذكره الله تعالى ليؤكد لنا قبح الظلم وقبح الظالم وأن للمظلوم حقأ لا بد أنه آخذه إن عاجلأ وإن آجلأ0
فلا يجب ان تذهب نفوسنا حسرات على الشتامين اللعانين بغير سلطان ولا هدى ولا كتاب منير ولنعرف أن مالك الملك يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار0
ألكتابة رسالة الإنسان لإشعاع النور ودحض الظلام والظلم الذين طغا فلم يعد احد يسمع للحق صوتأ اللهم إلا اقل القليل , والكتاب هم حملة مشاعل النور فى سبيل الحرية والمساواة بين البشر على إختلاف مشاربهم وفى سبيل سعادة الإنسان—كل إنسان وأى إنسان بأى مكان وبأى زمان--- وكرامته وسلامه وحقه فى التعبير والإفصاع عن رأيه ومعتقده بوسائل سلمية راقية تعبر عن إنسانيته وحقوقه 0
وإن من دواعى الحزن والقلق وما يندى له جبين البشر هو كاتب لا يكتب إلا إذا شتم هذا وسب ذاك وحقر من شأن فلان وقلل من قيمة علان , فكأن الكتابة اصبحت متلازمة مع الهجاء والذم والقدح والتوبيخ والتجريح والتقريع والإمتهان والإذلال وتوجيه التهم بشتى ألوانها ومختلف أنواعها دون التأكد من شىء ودون التثبت ودون الوقوف على أى حقيقة ودون الوثوق بأى مصدر ودون تدعيم شتائمه وإهاناته واتهاماته بما يقوى من مركزها فتصبح شتائم مسنودة وذات مصدر يعتمد عليه , اما الشتم والتجريح لأن الآخر ذو دين مغاير أو مذهب مختلف او فكر شاذ فى رأى الكاتب أو وجهة نظر لا تعجبه فهذا بحق أبشع درجات الظلم وعاقبته وخيمة حيث سيسأل كل إنسان عن كلماته التى قالها شفويأ أو كتبها تحريريأ فى يوم يفر المرء فيه من أعز الناس إليه , فى يوم يملكه الواحد القهار فهو وحده مالك يوم الدين0
أى كتابة هذه التى تكون مقدماتها شتائم ومواضيعا جرائم ونهاياتها إهانات؟ وهل يرضى قارىء يحترم عقله أن يلوث سمعه وبصره وعقله بكتابات من هذا القبيل ؟ وأى كاتب هذا الذى لا يكف عن التقريع لكاتب آخر ولا يخجل من تكرار شتمه آلاف المرات ؟ ومتى كانت الشتائم حجة ؟ ومتى كان التجريح برهانأ ؟
الشتائم دليل ضعف وبرهان عجز لدى الشاتم الذى يفشل فى الوصول لرأى مقنع فلا يجد أمامه سبيلأ غير الشتم والتجريح والإهانة لغريمه فى الرآى ظانأ أنه بذلك ينتصر وهو فى حقيقة الأمر ينزوى ويندحر وينتحر !! دون ان يدرى0
المفكرون واهل الرأى واهل العلم واصحاب النظرة الثاقبة لا يوافقون ولا يعتمدون القدح والذم والهجاء اسلوبأ للنقاش إلا عند عاجز ضعيف لا يرقى لمستوى شرح فكرته وتبيان وجهة نظره فيلجا إلى ذلك الأسلوب المرفوض وهو الشتم والتقريع والهجاء0
ألغريب هو وجود باب أدبى فى كتب الأدب العربى إسمه (الذم والهجاء )لأمثال الفرزدق وجرير وغيرهما حيث كانت تعقد لهم الندوات ليشتم كل منهم الآخر باقذع الألفاظ وقد يذكر كلاهما صفات تمس أم أو أخت الآخر او أصله(عرقه) او لونه فإذا كان اسود البشرة فله شتائم معينة والأسود ايضا يهجو الأبيض بما عنده مما لذ وطاب من الشتم والتقبيح والتقريع والإذلا ل والإهانات المختلفة , وعلى الجانب الآخر يقوم نفس الشعراء الهجاؤون بمدح أسيادهم من الحكام للحصول على المنح والهدايا والعطايا مما يعنى ان الشتام أو الهجاء لديه المقدرة المزدوجة على شتم وإهانة إنسان ثم مدح وتعظيم وتوقير آخر ولكل موقف حجته الدامغة0
هل التلذذ بشتم المختلفين معنا صار ثقافة محسوبة علينا ؟ واين هى لغة الحوار الكريم الجاد الحر الشريف الذى يحتفظ للآخر المختلف باحترامه كإنسان وبحقه فى هذا الإختلاف ؟
أرجو ان نكتب لكى نبنى لا لكى نهدم ولكى نضىء لا لكى نزيد الظلام سوادا ولكى ننشىء اجيالأ تحترم الفكر والفكرة وتوقر كرامة الإنسان وتؤكد عليها لا نريد أجيالا تسحق المختلف وتحرقه وتقتله , فتعسأ للدنيا لو تحولت لغابة وتعسأ للبشر لو تحولوا لوحوش ضارية يأكل كل منهم لحم أخيه الإنسان :
( أيحب أحدكم أن يأكل لحم اخيه ميتأ فكرهتموه )؟؟؟

(2) نعم لا بد أن نكتب
قلم الكاتب كريشة الفنان يرسم بها ما يحلو له من مناظر وصور وأشكال وقد يرسم من الطبيعة ايضا واقعأ معينأ لا يحلو له ولا يعجبه ولكنه مضطر لرسمه وتصويره لأنه واقع وحقيقة موجودة لا بد من إظهارها وتبيانها وتوضيحها لكل البشر فلا يصح ان يكون فنانا بلا مصداقية ولا يصح ان يكون هناك كاتب يتخلى عن واقعه ويشطح بعيدا , فمثل هؤلاء هاربون وجبناء عن مواجهة الواقع وتصويره وفضحه دون المساس بحريات البشر وثوابتهم ومعتقداتهم وعاداتهم التى يعيشون عليها إلا بقدر ما ترسم ريشة الفنان0
فأس الفلاح فى ارضه وهو يخططها للزراعة هى ريشة فنان ترسم وتخطط وترفع وتخفض وتعلو وتهبط وتنقر وتحفر حتى تخرج منظومة رائعة متكاملة معجزة فى رسمها وتخطيطها وبذرها ثم ريها ثم رعايتها ثم تطهيرها من الديدان والحشرات ثم السهر هلى سلامتها ثم الإهتمام بكل دقائقها حتى يوم الحصاد الذى يصاحبه الغناء والزغاريد والأفراح والسعادة وقبض ثمن عرق عام أو نصف عام مضى تبعأ لزمن المحصول المنزرع, لوحة رائعة بديعة لا يمكن ان ينكر جمالها وقوة تعبيرها إلا غافل 0
ألمهندس الذى يسهر فى المصنع ليخرج لنا التلفزيون والراديو والموبايل والكمبيوتر والسيارة والقطار والباخرة والطائرة , فنان من الطراز الأول يتقن عمله ويحقق أمله فى الوصول لأعلى جودة فى إنتاج مصنعه , مفكه ومفتاحه وآلته هى قلم معجز فى تعبيراته يكتب كلماته بشكل واقعى ويعبر عن كيانه بطريقته الخاصة وبريشته التى تتحرك بين أنامله ليهدى البشرية حاسبأ آليا وتليفونأ محمولأ وسيارة وطائرة , كلها تسهم فى الإرتقاء بالإنسان وقيمته وقيمه وكرامته وتعمل جاهدة لتصل به لدرجة معينة من درجات التكريم التى اختص الله تعالى بها بنى الإنسان ( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلأ)0
ألطبيب الذى يجرى جراحاته الخطيرة فى المخ او العمود الفقرى أو الكبد أو زراعة الأعضاء أو جراحات التجميل المتناهية الدقة او جراحات العيون والأنف والأذن , أليس مشرطه قلم مفكر وريشة فنان متخصص فى أدق وألذ وأشيق اللوحات الفنية المذهلة التى تقف لها كل البشرية إجلالا وتقديرأ وإكبارأ واحترامأ فكم تنقذ هذه الريشات—المشارط—ارواح بشر وكم تعيد آمالأ مفقودة لذويها رغم ما تسيله من دماء وما تسببه من جراح وآلام لصاحب الأمل المفقود والذى قرر التضحية بكل شىء من أجل تحقيق امله وتفعيل حلمه , اليست هذه لوحة رائعة وقصيدة مبدعة ومقالة مقنعة؟؟
الكاتب المبدع هو الذى ينقل صورة حية للحياة من حوله غير خائف ولا جبان ولا هارب من قدره وظروفه , بل هو مقاتل بالكلمة , محارب وسلاحه القلم والحروف والأفكار والواقع الذى يتراقص حوله ومطلوب منه تصويره بدقة وحنكة وصفاء بلا تزوير أو تلفيق أو تهويل او تهوين او توسيع او تضييق , فالقلم كان وسيظل سلاح المخلصين الطيبين على مر الزمان , ولم تكن مصادفة ابدا ان يقسم رب العزة بهذا السلاح الأبدى الشريف وبما يكتب من مقالات وقصص واشعار فرب العزة فى كتابه العزيز يقسم قائلأ ( ن والقلم وما يسطرون@ ما أنت بنعمة ربك بمجنون @)
بل سورة كاملة فى القرآن العظيم إسمها سورة القلم فأى تكريم وأى تعظيم لهذا السلاح القوى ولما يسطره ويكتبه فهو مذل الجبابرة وقاهر الطغاة وهادم عروش المجرمين على مر التاريخ , يبدا أثره ضعيفأ ثم ينتشر رويدا رويدأ حتى ينمو ويكبر ويعظم أثره وينتشر , قد يسقط ظالم من اثر صفحة كتبها كاتب مخلص فى يوم من الأيام وقد تتبدا أسر حاكمة بسبب قصيدة شعر فى لحظة صدق وصفاء وقد تتحرر دولة ويتحرر شعبها من نير الإستبداد وجبروته بسبب قصة كتبها مؤلف نقلت بؤس الواقع فأثارت دماء العزة فى عروق شعب بأكمله فثار بين عشية وضحاها واستعاد كرامته وحريته المسلوبة وعزته المستباحة0
إن المجرمين الذين تقولوا على الله ورسله ونسبوا لهم زورأ وبهتانأ برىء الله منه ورسله هؤلاء القوم أجرموا فى حق البشرية جرمأ لا يعلم مداه إلا الله وكان وعد الله لهم هو قوله (َوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاًفَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) , فليس هينأ ابدا ان يسطر الكاتب أكاذيب تتفق مع هواه وتختلف مع الحقيقة , ولن يكون كاتبأ شريفأ ذلك الذى يتعمد تشويه الحقائق ورمى الناس بالباطل وتلفيق التهم لهم لحاجة فى نفسه او لثأر فى قلبه فهو بذلك يكذب على الله والناس وضميره والكون جميعأ0
على اصحاب الأقلام رسم الواقع بريشتهم المذهلة الرائعة دون زيادة أو نقص ودون مجاملات او محاباة لهذا أو ذاك ودون طغيان على طرف لصالح طرف آخر من أجل حفنة مال زائل لا قيمة له بين المصلحين والمخلصين والشرفاء , هؤلاء الشرفاء الذين ينصرون المظلوم ويواجهون الظلم والظلمة غير عابئين بعقاب أو سجن أو تنكيل , وبوقع اقلامهم تنقشع غمامات الظلم وتندحر جيوش الظلمة وتستجمع الهمم وتثور الشعوب المقهورة على جلاديها فتتحرر وتحقق لنفسها وبلدها النصر والعزة والحرية والكرامة0
نعم لا بد ان نكتب ونكتب ونكتب , وليكتب كل الشرفاء والاحرار والابرار والصالحون من أجل خير ورفعة البشرية وليكتبوا كل لحظة فسلاحهم هو سلاح الله تعالى فلم ينزل الله من السماء سيوفا ولا دبابات ولا بوارج ولا قنابل ولا دمارأ شاملأ ولكن أنزل كتبأ مسطورة على رسل كرام وكانت وستظل كتب الله المسطورة الإنجيل والتوراة وآخرها القرآن ستظل سلاح الله فى الارض يقتع به أهل الإيمان والتقوى ويثور عليه ويحيك ضده المؤامرات أهل الكفر والشرك والظلم والجريمة , نعم فالكلمة الطيبة الكريمة التى تضىء للناس ظلماتهم وتهديهم إلى سبيل الرشاد والهداية والكمال هى سلاح الله فى الارض وإلى يوم القيامة وهى سلاح البشر الأسوياء الشرفاء الأبرار فى كل مكان وزمان0
(3) لقد كتبنا فأين القراء ؟؟
سؤال وجيه ومهم ويجب على كل كاتب محترف عاشق للكتابة أن يسأله لنفسه وأستثنى من ذلك من يكتب مأجورا لنصرة باطل على حق او مأزوما حاقدأ لحاجة فى نفسه تجاه شخص بعينه أو شعب بعينه أو دين بعينه أو عرق بعينه أو لون بعينه أو أيدلوجية بعينها , حيث لا أعتبره كاتبأ بقدر ما أعتبره جنديأ مرتزقأ بلا هدف وبلا هوية غير الحصول على أكبر قدر من مال وذهب ومتع رخيصة وحصانات زائفة ولكننى أخص بكلمة ( كاتب) أصحاب المبادىء والقيم والمثل , حيث يتمسكون بها ويمسّكون بها , ويدعون لها ويدافعون عنها , ويضعون برامجهم لإقناع العقلاء والشرفاء بها , ويكون هدفهم عامأ وليس خاصأ , وأقصد به عموم النفع والفائدة من مشروعه الإصلاحى للبشرية كلها , وليس لطائفة بعينها دون الأخرين أو شعبأ دون باقى الشعوب , غاضأ نظره عن مكانهم ومكانتهم , ودينهم وعقائدهم , ولونهم وبشرتهم , وأصلهم ومحتدهم0
الكاتب الذى يهتف له الجميع لا بد ان يكون منافقأ , إذ كيف يتسنى له إرضاء جميع الأهواء والإستحواذ على إعجاب الكل على إختلاف آرائهم ومعتقداتهم وأهدافهم وتوجهاتهم , اللهم إلا إذا كان يلعب دور البلياتشو أو الأراجوز الذى يصفق له كل الحاضرين من عقلاء وسفهاء وأدباء وحمقى ولصوص وشرفاء لأنه اضحكهم جميعأ , فكيف لكاتب ذى مبدأ يعيش له وليس عليه ويدافع عنه عن قناعة ورضا وليس بسبب قبض معلوم مادى أو ذهبى أو منصبى , كيف لهذا الكاتب المغلف بمثله العليا والمبطن بها أيضأ , أن يرضى كل الأطراف المتنافرة والأضداد المتحاربة المتناحرة فيصفقون له جميعأ إلا إذا كان قد رقص على كل الموائد ولعب على جميع الحبال وهو أمر لا شك محال , إلا على مزيف دجال و نصاب محتال يرتزق من قلمه بغض النظر عن تضارب ما يكتبه مع ما يؤمن به فقد همش قضية الإيمان ولم يعد لها ترتيب فى أرقام أولوياته0
فليكتب كل كاتب ما يؤمن به وما يعتقد انه صحيح وليحترم كل الردود ويقدرها خير التقدير ويرد عليها بأدب جم ولا يحقرها ولا يتعالى عليها ولا يجعل من نفسه كوكبأ فى أعالى السماء يلقى بنوره ولا يمسه أحد ولا يدرك كنهه ولا يصل إليه , بل عليه أن يرد وأن يدافع عن مبدئه الذى أرساه فى مقاله وإلا لو هرب من الرد فإن أقل قول يقال هو أنه يكتب ما لا يؤمن به ولا يستطيع الدفاع عنه ولا يكلف نفسه مشقة الرد على القارىء الذى بدونه لا يخرج مقاله لعالم النور والمعرفة , فليدافع كل كاتب عن مقالاته بروح طيبة ولا يرد على الإساءة بمثلها بل يدفع بالتى هى أحسن فكم من كلمة طيبة صنعت صديقأ من عدو , وصنعت حليفأ من ضد0
لا تظن أنك سترضى كل الأذواق والتوجهات والعقول والافكار والأحلام إلا إذا كنت أراجوزأ كما أسلفنا , ولكنك فى معرض كتاباتك لا تقلل من شأن إنسان ولا تعتدى على دين من الأديان ولا تهاجم فارسأ من فرسان الزمان فلكل دين أتباعه , ولكل إنسان اشياعه , ولكل فارس أوضاعه , فلو تعرضت لدين بنقد لنا تنال غير الكراهية والحقد , ولو تعرضت لفارس بهمز لن تنال غير اللمز والغمز , ولو تعرضت لإنسان بسوء لن تحصد غير ما يسوء0
لا تظن – عزيزى الكاتب الشريف الذى أخاطبه--- أننى أخيفك او أحدّ من قدراتك الإبداعية أو أقلل من جهد قلمك المتحمس المتحفز ليل نهار , لا والله , ولكن الكتابة عن المبادىء أعظم وأجمل وأجدى من الكتابة عن الأشخاص , أما فى موضوع الأديان فإن نقد السلوك البشرى أنفع وأجدى واقوم واقوى من التوجه لنقد نص سماوى كل المؤمنين بالله تعالى ورسله يعلمون انه من عند الله , فهل ينقد العبد ربه وخالقه تعالى الله علوأ كبيرأ , ولكنه ينقد إنسانأ ما أخفق فى فهم أو تطبيق مبدأ ما واراد فرض إخفاقه كأنه دين , أوفرض فشله فى فهم مراد الله كأنه مراد الله تعالى0
يجب ألا يعتمد الكاتب الشريف الثقافة السمعية مصدرا من مصادر العلم فيكتب موضوعأ طويلأ عريضأ بناءأ على إشاعة أو خبر عابر دون التحقق من سلامته وصدقه فيقع الكاتب فى زلل عظيم ويصبح موقفه فى غاية الحرج والمرج , وتبدا الاقلام المضادة فى الهجوم عليه وتقع المعارك االكتاباتية التى قد تمتد وقتأ طويلأ وقد تنتهى بكوارث وقد توقع شعوبأ فى بعضها وقد تسبب قتلى والسبب خبر كاذب أو إشاعة عابرة لم يتم التأكد منها وكان الهدف سبقأ صحفيأ وشهرة زائفة تعود بالشقاء على طالبها الذى لن يحصل عليها ولن يكون صاحبها 0
لا تتوقع ان يقرأ لك الناس جميعأ , ولا تنتظر أن يصفق لك كل من يقرؤن كتاباتك , ولا تحلم بالهدايا والحفلات والرحلات فكل هذه مقاصد لا تتحقق اللهم إلا للاراجوز كما أسلفنا , اما اصحاب القيم والمبادىء والمثل التى يعيشون لها وليس عليها فإنهم يعلمون ان فى كل متر لهم أحباب ولهم أعداء , لهم مشجعون وضدهم مثبطون , لهم مناهضون ومعهم مناصرون , وسيظل الناس كلهم مختلفين إلى يوم الدين ولن يتفقوا على رأى واحد أو فكر واحد أو مذهب واحد أو دين واحد او حتى إله واحد ولو شاء الله تعالى خالق الكون لجعلهم امة واحدة ولا يزالون مختلفين , فالإختلاف سنة الله فى خلقه وفى كونه ولن يوجد كاتب واحد يصفق له الجميع وإلا إذا كان اراجوزأ!!!!
(4)التعليق من حق القارىء
هذه السلسلة التى اكتبها عن الكتاب وأقلامهم وأنواع الكتاب وأنواع القراء لا اقصد بها طبعأ كاتبأ معينأ او قارئأ معينأ وإنما كتاباتى عامة أرجو منها النفع لى وللجميع فى إلقاء بعض الشعاع الضوئى على هذا الموضوع العسير وأرجو ان يؤتى ثماره وأن ينبه كل كاتب ويعلم ان كتابته إجتهاد بشرى ورأى إنسانى يحت ومن حق الآخرين رفضه أو قبوله حسب ثقافة كل منهم وليس من حق أى كاتب أن يظن نفسه فوق النقد ولكن المؤكد أن التجريح والإهانة والتعرض لشخص الكاتب وخصوصياته هى من أقبح الأمور التى قد يقع فيها معلق متهور أو حتى كاتب آخر يعلق على نفس المقال بتعليق او بمقال0
ايها الكاتب الهمام المتعدد المقالات والكتب والمتنوع الكلام , يا من تكتب فى كل مكان وتريد أن تسيطر على العقول وتأسر الافهام , وتحب ان تطوى القلوب وتستميل الأقلام , أو لست بشرأ يشرب الماء ويأكل الطعام ويستيقظ وينام ويعمل جاهدأ لكى يشتهر بين الأنام ؟؟ أم أنك من شىء آخر غير الطين الصلصال والماء الزلال ؟ هل ظننت نفسك نبيأ يأتيه وحى السماء ؟ ام أنك متأله على الناس تتعالى فى سماء أحلامك وفضاء أوهامك ؟
قلنا وسنكرر أن كلامك كلام بشر يمكن لكل إنسان أن يرفضه بأدب فإذا صممت على فرض وجهة نظرك بالقوة فمن حق الآخر أن يتركك ويتركها فأى مخلوق أنت ؟ وكيف تعتقد أن وجهة نظرك قد وصلت لدرجة الوحى الإلهى وغير قابلة للمناقشة والرفض والدحض والإلقاء أحيانأ فى سلة المهملات , نعم يا هذا , يا كل من يكتب ويظن نفسه نبيأ أو رسولأ يأتيه خبر السماء , يا من تؤله نفسك دون أن تدرى , لا تتحمس بكل هذه القوة لما كتبت ولا تدافع باستماتة عن ما سطرت بل عد بهدوء إلى نفسك وقلمك واقرأ تعليقات الذين فندوا رأيك وأبطلوا زعمك , راجعها بحب وسمو وكرامة لو كنت تؤمن بأنك تسعى لخير الإنسان فى كل مكان , لا لأنانياتك الخاصة وطموحاتك فى شهرة مريضة تفرضها على الناس فرضأ , والناس بصراحة تعبت من كل شىء فإذا كتبت وأحب الناس كتاباتك فحبأ وكرامة وإذا إكتشفت شذوذ فكرك وانحراف رأيك ورأيت قلمك مرفوضأ فما المانع من الإنسحاب بشرف ؟ , لأن القائد الذكى هو الذى يستشعر قرب الهزيمة فينجو بجلده من المعركة وينجى معه مئات الألوف من جنوده المغلوبين على أمرهم , فما المانع أن ينسحب الكاتب لو شعر بهزيمة رأيه ودحض فكره وفرغ جرابه من أى سلاح حقيقى يدافع به عن رأيه , فلا يلجأ للقمع والقهرالفكرى والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور , إذ من هو حتى يفعل ذلك وماذا يمتلك حتى يصل لهذا المأرب البعيد المنال؟0
مصيبتنا الكبرى فى عالمنا العربى أن كلأ منا متفوق فى شحذ لسانه فإذا قال رايأ لم يعجب الآخر ولاحظ رفضا أو امتعاضأ من رأيه سلق الآخر بلسان حاد كحد السيف او أمضى , وإذا وافقه الرأى عانقه وتفاخر به وصعد به إلى السماء فإذا خالفه ذلك المرضى عنه فى رأى جديد حقره ونهره وهبط به من أعلى سماء إلى أسفل أرض , فأى عقول هذه وهل تمت للعلم والثقافة والأدب والتسامح بصلة ؟ وأى تحجر ذلك الذى يعشش فى تلك العقول المريضة ؟
منذ متى ورأينا قاطع لا يرد ؟ ومن أعطانا حق الكلام الذى لا يراجع ولا يستثنى ولا يرفض ولا يلغى ؟ قل ما شئت وتكلم وابحث واجتهد واعرض رأيك على الناس فإن وافقوك فمرحبأ وإن خالفوك فراجع نفسك فقد تكون متسرعأ أو معتمدأ على مصادر غير حقيقية أو نظريات ليست علمية , راجع رأيك واجتهد من جديد فلن تخسر شيئأ بل ستكسب كل شىء وأولها نفسك التى بين جنبيك لأنك لو تركت نفسك للغرور والكبر والتعالى والإيحاء الشيطانى بأنك لا يدانيك احد فى فكرك ولا يجاريك مخلوق فى وجهة نظرك فقد ضعت ضياعأ ابديأ وسقطت سقوطأ سرمديأ 0
من عادة البشر أن يتفكروا فيما يقال لهم ويبحثوه ويتدبروه ويزنوه ويثمنوه ويقدروه فلا يقع القول على آذانهم بلا اثر فإذا فقهوه وعلموا أنه حق ولا غبار عليه قبلوه وإلا رفضوه وذلك حقهم , حتى لو رفضوا الإيمان وصمموا على الكفر أو رفضوا الكفر وصمموا على الإيمان فلكل عقله ولكل فكره ولكل رأيه , ومن منا لم يدرك حقيقته وكنهه ؟ ومن منا لم ير طفلأ يولد او إنسانأ يموت ؟ ومن منا لم ير آيات الكون العظيمة فى الأرض والسماء , والماء والهواء , والجبال والصحراء , فمن كفر بعد ذلك فعليه كفره ومن آمن برب الكون فله إيمانه ولا تزر وازرة وزر اخرى , وليس من حق مخلوق فرض رأيه على الآخرين حتى لو كان نبيأ مرسلأ فقد منح الله الحرية لعباده فى رفض كل شىء أو التصديق بأى شىء ومقابل ما حصل عليه الإنسان من حرية وعقل فإنه يدان أمام الواحد الأحد الديان فى يوم لا يهرب منه إنس ولا جان , فالكل محاسب وكل إنسان سيلقى جزاء ما قدمت يداه فى دنيا النزاع واللعب واللهو الجدال0
أيها الكاتب المغتر بكتاباته , من حقك أن يكون لك رأى طبعأ وأن تكتب عنه وتدعو له بأدب وسمو وتسامح وتواضع لكن الذى ليس من حقك هو أن تفرضه فرضأ او توحى للقارىء أنك لا تنطق عن الهوى وأن ما تكتبه هو وحى يوحى فحاشا لله تعالى فقد ختم بالقرآن كتبه السماوية وبمحمد عليه السلام أنبياءه , إذا انت مثلى ومثله ومثلهم جميعأ , كلنا يفكر ويتدبر سواء فى أمر دينى او دنيوى , خلقى او خلقى ( بضم وكسر الخاء) , صناعى او زراعى , فلسفى او واقعى , جهرى أو سرى , صعب او يسير , جديد او قديم , مكرر اومبتكر , كلنا له حق التفكر والكلام والكتابة والتأليف طالما لديه المعطيات والمقومات التى تؤهله لذلك , وكلنا له حق القبول والإقتناع او الرفض الجزئى أو الرفض التام لما يقال امامه او لما يقرأه فى كتاب أو مقال او قصة أو قصيدة 0
جميل جدأ ان نفكر فبغير التفكير لا كرامة لنا ولا كينونة , لكن الأجمل ان نعرض فكرنا عرض التلميذ على الأستاذ وليس عرض الأستاذ على التلميذ لان المؤلف او الكاتب الذى يجعل من نفسه استاذأ للناس هو كاتب فاشل فاشل فاشل , أكررها ثلاثا , لأنه لن ينصلح له حال ولن يتقدم نحو الأمام ونهايته هو وكتاباته صناديق المهملات طبعا أما الكاتب الذى يعرض رايه وكتابته كانه تلميذ وعموم العقول استاذ له فهو فى طريق التقدم والرقى والعلو لا محالة , فسوف يستفيد من كل رأى ويستثمر كل فكر , ويدخر آراء الذين نقدوه كأنها ذهب خالص فعن طريقها سيعرف رأسه من قدميه ويصلح من نفسه ويهذب وجهة نظره , وبالطبع لن يكون الكاتب منافقا مرائيأ يكتب ما يرضى الناس حتى يكسب تصفيقهم ولكنه سيكتب ما يقتنع به ويستفيد من خبرات القراء والكتاب الآخرين فى الترقى بكلماته والإرتفاع بكتاباته إلى أعلى عليين 0
(5) أبطال خلف لوحة المفاتيح
من رحمة الله سبحانه بنا أن منحنا العقل والعلم والحرية , فقد ترقى العقل البشرى (( الحر)) ووصل بالبشرية إلى رقى حضارى منقطع النظير فى شتى مجالات الحياة , فقد غطت التكنولوجيا كل مناحى الحياة حتى تحولت الدنيا على سعتها إلى قرية واحدة , فإذا هرش مخلوق رأسه فى طوكيو تحدثت عنه وكالات الأنباء قبل أن تنزل يده التى يهرش بها لكى يعلمها أهل الصين والهند والسند وكوالالامبور وبوركينا فاسو , فيا لفرحة العالم ويا لسعده بهذا التقدم المبهر المذهل الذى جعل من جهاز الكمبيوترأو اللاب توب مرصدا لإرسال ما تريد واستقبال ما تشاء من أحداث وكتابات وقصص ومقالات وصور وأغانى وأفلام وتحقيق أحلام وبيزنس وكسب وخسارة وسوق وسويقة وشارع رهيب مدهش يعج بالملايين من كل شكل ولون وكل واحد يبيع بضاعته بالسعر الذى يروق له ولم يحرم اللصوص والحرامية من مكانهم ومكانتهم على شبكة النت المتناهية الدقة واللامتناهية المساحة , فانتشر اللصوص يسرقون الأموال والفلوس ويخربون المواقع كالتيوس , ويدمرون الأحلام ويعوقون الأقلام , ويسرقون الآمال والذكريات , ويشيعون فسادهم على شكل فيروسات , تسلب الحقوق ,وتنشر الفسوق , وتعيث فسادا فى كل شارع ومحفل وسوق0
أصبح النت متنفسأ عظيما للكاتب والقارىء العربى معا بعد زمن من القهر والإضطهاد والذل والإستعباد إمتد على مر تاريخ العرب الكرام لقرون طويلة , عانى منها الإنسان العربى معاناة وصلت إلى عنان السماء , حيث قتل واغتيل , وجلد ورجم وأعدم وصلب , وحورب فى رزقه ومصدر عيشه , وحقر وسفه وحرم من حقوقه , وحرم من مجرد النطق برأيه , وذل وكبت وقهر وأرغم على عمل ما يكره , ورؤية ما يأبى وممارسة ما يرفض , كل ذلك ذاقه الإنسان العربى على مدى قرون طويلة حرصأ من الملوك على كراسى الملك ومن حواشيهم على مناصبهم ومكاسبهم ومتعهم الخاصة وسرقاتهم اللانهائية وطموحاتهم المجنونة الغير محدودة , فكان المواطن المسكين قليل الحيلة هو الضحية دائمأ , ودفع كرامته وحريته وإنسانيته ثمنأ غاليأ لمهاترات المجرمين , ولأطماع الخونة والظلمة والطغاة على مر تاريخ أسود طويل , وليل حالك لا ينتهى , فكان هذا سببأ فى كبت رهيب أصاب العقل والقلب العربى معأ فى مقتل وأدى بهما أن ينفجرا فى الإنترنت كل هذا الإنفجار الرهيب المذهل والذى أخرج لنا عواطف جياشة , خرجت على هيئة قصص وشعر ومسرحيات وصور وأفلام وأغانى , و فكرا متنوعأ خرج على هيئة كتب ومقالات ومؤلفات واجنهادات , ما بين المستنير والمتحجر وما يدعو للتمسك بالماضى لدرجة الجمود وما يدعو للحداثة لدرجة الإنحلال الأخلاقى , ومنهم الوسطيون الذين يريدون الإستفادة من الحداثة مع الإحتفاظ بعبق الماضى وتراثه نأخذ منه ما ينفعنا ونترك ما لا يلزمنا كما يقولون0
راح كل كاتب محروم من النشر أو شاعر منزوى من فداحة القهر , راحوا يكتبون على شبكة النت ما يحلو لهم فمنهم مقتصد , ومنهم سابق بالخيرات , وكثير منهم ساء ما يكتبون وما يكسبون , فكتبوا باسماء كثيرة مستعارة , مما يؤكد أن الشخصية العربية ما زالت مهزوزة و منهارة , ولو أنهم صدقوا مع الله ومع أنفسهم ومع الناس لما أخفوا أسماءهم وأماكنهم وتخفوا خلف أسوار الخوف والرعب وراحوا يكتبون ما يرونه حقأ ويسطرون ما يرونه واجبأ وجهادأ وصدقأ من وجهة نظرهم طبعأ , فغيروا أسماءهم وانتحلوا أسماءأ اخرى حتى يتسنى لهم مهاجمة الحكام والحكومات والأشخاص والجماعات والجمعيات ويعرضون ما يكتبون غير خائفين و غير عابئين فهيهات أن تصل إليهم يد أو يعرفهم أحد أو يسجنهم أو يعذبهم كما حدث فى الماضى مما تسبب فى بتر الفكر وقتل العقل العربى الذى لم يعد يعيش إلا للتقليد والتكرار الممل فتعسأ لهم هؤلاء الذين فعلوا ذلك بالعقل والفكر العربى –أقصد طبعأ الذين قهروه وعذبوه واغتالوه--- تحت أى مسمى فحرموه من أهم معطيات التقدم والتحضر العلمى والفكرى وجعلوه فى آخر الأمم بل جعلوه متهمأ بالعجز والتواكل والتطفل على حضارة الأمم الراقية0
الغريب أنك تجد الشخصية العربية بنفس صفاتها فى أرض الواقع تجدها هى هى على النت , فالصراخ فى المؤتمرات وفرض الرأى وتوبيخ الآخر وتحقيره والإقلال من شأنه وعبادة الذات , وتأليه البشر , وتعميم الأحكام واستعماء المستمع والإستهزاء به وبفكره وبرأيه , والخروج من كل جلسة أو أجتماع أو مؤتمر بالنتيجة المعروفة وهى صفر , كل هذا تقرأه على النت فتصاب بالذهول لو دخلت منتدى عربيأ وقرأت كم الشتائم والتحقير والتكفير والتأكيد على دخول النار للمخالف والجنة للموافق وكأن الجنة والنار قد خصصت للعرب , وليس للأمم الأخرى فيهما نصيب , بل كأن الامم الأخرى ليس لهم علم بثقافة الجنة والنار والعذاب والثواب والخلود , حيث لا تجد أحدا فى العالم يتوعد الآخرين بالنار ويهدى الجنة لمن أحب إلا فى الفكر والثقافة العربية , ولا يقتصر ذلك على المنتديات بل يمتد طبعا ليشمل الصحف النتية بما فيها من مقالات هجومية تتهم الآخرين بالضلال والعمالة والجريمة والتآمر على الوطن دون سند أو دليل , و بعض الكتاب صنع من نفسه حاكمأ وقاضيأ وجلادأ , يصدر الأحكام وينتظر تنفيذها بأى شكل وصورة فسبحان الله الذى له الحكم وإليه يرجعون0
لم نتعود على عرض آرائنا بشفافية وحرية وشرف وتسامح وتقبل للآخر المخالف , بل تعودنا على ثقافة الإتهام والتكفير والتحقير والتصغير والإقصاء لكل من قال لنا 00 لا ء , ولكل من نهج غير نهجنا ودان غير ديننا , وهكذا انتقلت ثقافة المؤتمرات والمؤامرات العربية بكل ما فيها إلى النت , ولكن عزاءنا أن الشبكة العنكبوتية تقنية جديدة فى عالمنا وانها سوف تخلص وتصفو وتتطهر من الرجس مع مرور الزمن , فيتذوق كتابها لذة الحوار الهادف البناء المحترم الذى لا يرجو غير خير البشرية جمعاء بلا استثناء , والذى يعلم أن الله تعالى لو اراد أن يجعل الناس امة واحدة من قديم الزمان لفعل ولكنه سبحانه قال لهم فى بداية نزولهم للأرض الدنيا :-
(اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )
* وأخيرأ أختم هذه السلسلة التى كتبتها عن الكاتب والقارىء وأصول الكتابة والقراءة والتعليق ( من وجهة نظرى) ولقد تكونت السلسلة من خمسة مقالات هى :
1- هل لا بد ان نكتب ؟
2- نعم لا بد ان نكتب
3- لقد كتبنا فأين القراء؟
4- التعليق من حق القارىء
5- ابطال خلف لوحة المفاتيح
وأرجو ان أكون قد وفقت لمجرد لفت نظر النخبة من الكتاب والقراء إلى وجهة نظرى المتواضعة فى هذا الصدد0

ملحدون بلا هوية

12 شباط, 2008

دونت في عام بواسطة د.حسن أحمد عمر

يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق فى ظلمات ثلاث    بداية لا يهمنى إيمان الملحد ولا يحزننى كفره لعلمى التام أن الله تعالى لا ينقص من ملكه كفر كافر ولا يزيد فى ملكه إيمان مؤمن , ولكن ما يجعلنى أكتب فى تلك المسألة أن هؤلاء الملحدين لهم مواقع ومنابر يبثون فيها آراءهم وينشرون فكرهم الذى يعتمد كلية على الهجوم على الله تعالى وكتبه السماوية ورسله المكرمين , فكان لزاما علينا ألا نسكت وأن نهم لإجلاء الحقيقة وتبيان ما يحاول هؤلاء الملحدون طمسه وإخفاء هويته من أجل إنجاح نظرياتهم الهشة والتى تدور وتلف حول إنكار وجود الخالق العظيم والجحود له ولملكوته اللانهائى لمجرد أنهم يريدون ذلك ضاربين بعرض الحائط ما عدا ذلك من آراء ووجهات نظر . أعجب كثيرا من كلام  الملحدين وغرابة  ما توصلوا إليه من رأى هو أقرب للهشاشة منه إلى الصلابة , وأقرب إلى الخيال منه إلى الواقع  , واقرب إلى السراب منه إلى الحقيقة , فهم يقولون بغير برهان ملموس ويتكلمون بغير إثبات محسوس , ومعظمهم مردوا على الجدال العقيم ,  وإشعال الحرائق الوهمية وافتعال المعارك الخيالية مع  المتمسكين بدينهم الواثقين فى عقائدهم , العابدين لربهم العائذين به سبحانه , ألمتوكلين عليه . معظمهم كان من أهل الدين السماوى ( إسلامى , مسيحى , يهودى ) ويتحدثون عن مراحل عمرهم المختلفة التى ضاعت منهم  سدى وتبعثرت  من أيديهم هباءاً منثوراً قبل أن يضعوا أيديهم على الحقيقة الأكيدة التى كانت غائبة عنهم وهى الكفر بالله تعالى وإعلان الحرب عليه وعلى كتبه ورسله واليوم الآخر , وهاهم الآن فرحون مستبشرون بما توصلوا إليه من حقائق على   - حد زعمهم -   غفل عنها الآخرون  المتمسكون بدينهم ( ألسفهاء  من وجهة نظرهم ) ولكنهم – أى الملحدون --  بعقولهم الرهيبة وأفكارهم الفذة الخطيرة قد أنهوا عناء البشرية ووضعوا النقاط على الحروف وتوصلوا للحقيقة الغائبة وهى أن الكون ليس له خالق وقد جاء بمحض الصدفة البحتة بما فيه من ذرات ومجرات وعجائب ومعجزات لم يتمكن الإنسان من كشف ستر معظمها وإماطة اللثام عن غالبيتها . ولست أكتب هنا لأدافع عن دين الله السماوى فالنور لا يحتاج لدليل ولا برهان وهو قادر على تبديد الظلمات ودحرها , ولقد فتح الله الباب على مصراعيه للراغبين فى الإيمان فمرحبا بهم والراغبين فى الكفر فليكفروا كيفما شاءوا وحسابهم على خالقهم  , ولكن ما أنا بصدد التعرض له هو تلك الفكرة المسيطرة على هؤلاء الملحدين وهى فكرة تسيير الكون بمزاجهم وطبقا لرغباتهم الخاصة ..  فجل ما  يغضبهم أن الله تعالى لم يستأذنهم قبل أن يخلقهم فقد قال لى أحدهم بكل وضوح  :  وهل أخذ  الله  رأيى فى مسألة إيجادى على ظهر الأرض ؟؟ فقلت له : وكيف يؤخذ رأيك أثناء كونك عدما ؟ لا بد أن تكون موجودا ليتم أخذ رأيك .. ثم قلت له : وهل تظن لو خيرت بين الوجود والعدم أنك كنت ستختار العدم وترفض الوجود ؟    ...وطالما أنك جئت الحياة رغم أنفك وتمرض وتشفى رغم أنفك وتحيق بك المصائب رغم أنفك وتموت وتدفن فى الطين رغم أنفك وتفقد حياتك وتتحل جثتك دون أن تنبس بحرف واحد ,  ألا يجب عليك تعظيم القوة التى تفعل ذلك بك وبمليارات البشر وتوقيرها والشهادة لها بالقوة والسلطة والهيمنة والألوهية ؟ .. .. لم يقف الأمر هنا فقط بل قال لى عندما سألته مستنكرا : ألا تخشى من مصيرك بعد الموت ؟ ماذا لو كان ما فى الكتب السماوية صحيحا وكان هناك بعث ونشور  بعد الموت وحساب ؟ فقال بكل تبجح :   بل أنا الذى سأسأل الله وأقول له لماذا خلقتنى دون موافقتى .. باختصار وبدون تورية يطالب الملحد بإله (( تفصيل )) على مزاجه ينفذ أحلامه بلا تردد , فإذا استدان مالاً وحل به الفقر فيجب  على هذا الإله أن يسارع بإمطاره بالمال الوفير حتى لو كان كسولاً متراخياً عاطلاً  , وإذا أصابه مرض فيجب أن يشفيه بأسرع ما يمكن دون أن ينتظر دعاءً أو رجاءاً أو توسلات , وإذا اشتعل حريق فى منزل الملحد فعلى هذا الإله أن يبطل مفعول النار فوراً حتى لو لم يتحرك الملحد لإطفاء النار , فهذا واجب الله ( كما يتوهمون ) لأنه سمى نفسه الرحيم ..والكريم .. والقوى ... الخ    فإذا لم يفعل ذلك يعلن الملحد إلحاده ويقرر أن الله وهمُ وخيال فى عقول البسطاء المخدوعين .. ( تعالى الله ) والمؤمنون به مخدوعون وسيتأكدون من ذلك حين يموتون !! يؤكد نوع من الملحدين عدم وجود بعث بعد الموت ( نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ) ويؤكد صنف آخر أن الناس تموت وتحيا بفعل الدهر ( نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) .. فماذا لو فوجىء الملحد بمن يبعثه من مرقده بعد الموت ؟ ( من بعثنا من مرقدنا .. هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) .. وماذا سيخسر هذا الملحد ( الكاره لنفسه ) لو ظل مؤمناً بالله مكافحاً فى حياته ( لقد خلقنا الإنسان فى كبد) كبقية البشر معترفاً بالله رباً وبأن الله تعالى خلق الوجود بقانون وحكمة إلهية كبرى لا يمكن لعقلنا المحدود أن يحيط بها كلها علماً ؟؟ فإذا مات وبعث كانت لديه حجته التى يدافع بها عن نفسه , أما لو مات ملحداً  وفوجىء بمن ييقظه من سباته العميق فأين يذهب ؟ وما هو مصيره ؟ وكيف يدافع عن موقفه ؟؟ . إلى أى مدى وصلت النرجسية بهم وعبادة عقولهم والإعتداد بها لدرجة الجنون الذى يهبط  بهم لضياع مخيف دون أن يستطيع الواحد منهم أن يرد ردا وافيا أو يجيب إجابة مقنعة عن مصيره وموقفه بعد موته   لو كان الأمر صحيحا وكان هناك بعث بعد الموت وجنة ونار .. وهل ستكون لديهم القوة والحجة والبرهان للدفاع عن موقفهم المهين وإلحادهم  الغير مبرر ؟ فقد ذكر أحدهم أنه ألحد لأنه ظل يعبد الله بإخلاص شديد طوال عمره الماضى ولما وقع فى ضائقة مالية  دعا الله أن يفرجها عنه فلم يستجب له الله بالسرعة المطلوبة وبالمبلغ المناسب ,  ومنذ ذلك الحين كفر وألحد وراح يدعو على منابر الملحدين وصار نجما  لامعاً  فى سمائهم . يريد الملحد أن يكون شريكا  لله فى ملكه , فهو يكره الكتب السماوية ويجتهد لكى يفندها ويدحضها ويثبت زيغها ومروقها عن جادة الطريق   ,  ليس ذلك فحسب بل يسأل عن أهمية هذه الكتب وماذا قدمت للبشرية غير الإختلافات والتحزبات والحروب والمناوشات ؟؟ هكذا صور له عقله وخياله ..  ويريد أن يحمُل كتب الله ذنوب البشر المنتمين  إليها ناسيا أن البشر يصيبون ويخطئون فى الفهم والتأويل والتطبيق , وليسوا ملائكة يسيرون على الأرض وليسوا معصومين وبالتالى كيف نحمل كتب الله ذنوب الناس فى نقص عقولهم أو ضعف بصيرتهم أو عمى أبصارهم عن الحقيقة سواء عن عمد أم عن خطأ ؟ . مغتاظ جدا – ذلك الملحد – من قوانين الله , يكرهها ولا يريدها فهى عبأ خانق يقيده ويعيق حركاته , يريد أن يكون حرا طليقا لكن الدين يقيده بأخلاقيات وقيم وشروط ومبادىء  لابد أن يطبقها فى حياته وهذا ما يجعله حانقا على ما يسمى بالدين , لا يريد حدا يكبح جماح  رغباته الجنسية  , ولا تشريعا يحرم عليه الخمر والقمار والربا وأكل السحت والغيبة والنميمة وقتل النفس وشهادة الزور  , ولا قانونا ربانيا يمنعه من الخوض فى أعراض الرجال والنساء , فهو ضائق ذرعا من  كل ذلك ..  جمعنى لقاء ببعضهم بمحض الصدفة دون تخطيط منى لذلك , وجدته يحتسى كأسا من الويسكى , لم أنزعج لأننى أؤمن بكامل الحرية لكل إنسان  طالما لا يمسنى بسوء أو ضرر ,   لكن المؤسف أنه انزعج لأننى رفضت عرضه علىّ لمشاركته كأسا وقلت أن الله قد حرمها علينا فضحك ضحكة مجنونة كأننى قلت نكتة رهيبة , ولم يحترم حريتى كما احترمت حريته ,  ثم عاود الشرب مرة أخرى وبدأ يهذى بكلماته المضحكة والتى سمعتها من ملاحدة غيره وهو أنه ليس للكون إله وأن الكون جاء بمحض الصدفة وأن حكاية الدين هذه لعبة قديمة وسخيفة يضحك بها أهل السلطة والثروة على الفقراء والمطحونين لكى يظل كل شىء على حاله , وأن أهل السلطة قد أجّروا لتلك الحيلة الخبيثة رجالا  إسمهم رجال الدين لتقوية سلطانهم وتأكيد مراكزهم ووضع أياديهم على مقدرات الناس تحت وهم الدين والوعظ والآخرة والجنة والنار و... الخ . ملحد آخر كان يجلس فى الركن المواجه ويحتسى كوب خمرته ويقول لصاحبه : لا أوافقك الرأى  على إنكار وجود الإله فهو موجود فعلا ولكن المشكلة فيما يسمى بالكتب السماوية والتى ينسبونها لله فهذه إكذوبة كبيرة لأن تلك الكتب بما فيها القرآن قد ألفها أصحابها  , فقلت له ماذا تقصد ؟ فقال : القرآن من تأليف محمد وهو من كتبه وهو عبارة عن فهمه للدين ومن حق أى إنسان أن يختلف معه أو يؤيده أو يتفق مع جزء منه ويختلف مع ما لا يعجبه . من وجهة نظرى أن الملحد متأكد من وجود الله وأن الله هو الذى خلقه وخلق الكون وكل شىء ولكن الذى يغضبه  هو تلك القوانين والقيود التى تمنعه من الإنطلاق ليعيث فسادا فى كل شىء , هو كان يتمنى أن يرسل الله سطرا واحدا مقتضبا يقول للناس أن الله هو رب كل شىء فافعلوا ما تشاءون ولا تتحرجوا من شىء فهذه الدنيا للمتع بكل أشكالها فتمتعوا فلا مانع عندى من إنطلاقكم , مارسوا الجنس بلا وازع من ضمير , إسرقوا , أقتلوا من يقف فى وجهكم , إشربوا خمورا واسكروا وعربدوا  والعبوا فليس هناك حساب ولا عقاب ولا جنة ولا نار ولا موت فأنتم خالدون فى الرذيلة , ولا رادع لظالم ولا محاكمة لمجرم . أعتقد أنهم كانوا سيسعدون بذلك , فالقيود الدينية وما بها من قوانين وتشريعات تتطلب من الإنسان خلقا قويماً وصراطاً مستقيماً وصبراً على الأمور عظيماً , حتى يصير نموذجا بشريا كريماً  , ذلك هو سبب يأسهم وقنوطهم  وإلحادهم .. وإلا فليفسر لى أحدهم من الذى خلق هذا الإنسان بما فيه من معجزات تقف أمامها العقول مدهوشة مذهولة بلا حيلة  ؟ ومن الذى هيأ كل شىء للإنسان كى يعيش من هواء وماء وزرع وطعام وكائنات ؟ من الذى أوجد هذا الكون اللامحدود ؟ هل هو محض الصدفة ؟ ومن أين أتت هذه الصدفة ؟ ومن هو خالق تلك الصدفة ؟؟ وهل هذه الصدفة كائن له صفات الحياة ؟ أم أنها تعنى الوهم والغيبوبة واللاوعى ؟  وكيف تكون الصدفة  بهذه الدقة والحكمة والإحكام والتحكم والكمال  الذى  تعجز أمامه  العقول وتقف مكتوفة لا تستطيع حراكا ؟ .. يقولون أن الدين هو سبب تخلف أهله وهذه فرية كبيرة فهل حجر الدين على العقل ومنعه من التفكر والبحث والتدبر والإختراع وخدمة البشرية بعلمه ؟ وماذا يضير الإنسان لو كان عالما فى الفضائيات أو الذرات أو العلوم النووية ويبدع للبشر ما يشاءون وهو فى ذات اللحظة مؤمن برب الكون وعظمة رب الكون وقدرته وجبروته .. هل يحول الدين السماوى بين الإنسان وبين العلم وإعمال العقل ؟ بالطبع لا فقد كرم الدين العقل ولولا العقل والفكر والتأمل والتدبر لما فهم الإنسان دينه ولا عرف شيئا فى ملكوت الله تعالى . أقول لمن آثر الحياة الدنيا وفضلها على حياة الخلود وصبر على عذاب أكيد .. أقول له الإلحاد والكفر بقيوم السماوات والأرض قديمان قدم الزمان والمكان , لا جديد إذا فهى صورة كربونية مكررة , ولكن أحدا منكم يعجز عقله عن وضع جواب شاف لما طرحته من تساؤلات بسيطة فى مقالى البسيط هذا , ولم يؤكد أحدكم ماذا حدث لأسلافه الملحدين بعد موتهم ؟ وطبعا لم يعد لنا أحد المؤمنين بالله ليحكى لنا ماذا حاق به ؟  نعم فنحن هنا على هذه الأرض وفى حياتنا الدنيا ليس لدينا دليل قطعى على ما يحدث للميت بعد موته لأنه لم يعد أحد ويقص علينا قصته ويروى حكايته  ,  ولكن المؤكد أن المؤمن بالله كان أكثر ذكاءا وأخذ حذره واحتاط لنفسه ولم يكن أشد على الرحمن عتيا ولن يكون أولى بجهنم صليا إلا من حارب خالقه ووقف معاندا مفاخرا بعقله المحدود الذى خلقه الله تعالى  هو وكل العقول بكلمة كن .. لم يسأل الملحد نفسه عندما كان عدماً وكان الكون مهيئاً لوجوده بكل أنواع الإمكانات التى تستقبله لكى يعيش ( يتنفس ,  ويشرب ,  ويأكل , وينام ,  ويصحو ,  ويسعى ,  ويجلس ...الخ ) .. لم يسأل نفسه أين كان قبل ن ينجح أحد الحيوانات المنوية ( الخاصة بأبيه )   من بين الملايين من أقرانه فى إجتياز عنق الرحم  ( الخاص بأمه ) و قطع مسافة رهيبة بين عنق الرحم والبويضة القابعة على جداره ثم يخترقها ليكون الزيجوت ( العلقة )  ثم تطور العلقة و تحولها إلى مضغة ( يكون الجنين مساوياً فى حجمه لما يمضغه الإنسان فى المرة الواحدة )  ثم تحول المضغة إلى عظام ثم كسو العظام لحماً ثم نفخ النفس ( سبب الحياة ) ثم التحول لخلق آخر ( بما فيه من مئات الأجهزة المعقدة المعجزة )  فتبارك الله أحسن الخالقين ..   كل منا بدأ طريقه عندما كان حيوانا منويا قابل بويضة فاخترقها فى عالم ميكروسكوبى معجز لا يراه إلا الله تعالى .. أولا يذكر الإنسان أن الله قد خلقه من قبل ولم يك شيئا ؟ ألم يأت على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ؟؟ وكم ضرب الكفار أمثلة لإثبات نجاح رأيهم وقوته وثباته .. وقد قال أحدهم لرسول الله الخاتم ( صلى الله عليه وسلم ) : من يحيى العظام وهى رميم ؟ فأوحى الله لرسوله أن يقول له : قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم .. الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون .. أو ليس الذى خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ؟ بلى وهو الخلاق العظيم .. عندما أنظر لنفسى فى المرآة وأتأمل خلق الله تعالى ( وفى أنفسكم أفلا تبصرون ) وأتذكر كيف بدأ هذا البناء المذهل المعجز من خليتين ( حيوان منوى وبويضة ) فإننى أخرّ لله ربى ساجداً متضرعاً مسبحاً بحمده , وأسأل نفسى ألا يخجل الكافر والملحد والمشرك من نفسه ؟ كيف يستهين بربه ومولاه وخالقه ؟ وأتذكر قول ربى ( وكان الكافر على ربه ظهيراً ) .      

عصاتى ومعزاتى

27 شباط, 2007

دونت في عام بواسطة د.حسن أحمد عمر

 ""يحكى أنه فى العصور السابقة ذهب قوم من الدعاة لنشر دين الله تعالى فوقع نظرهم على جزيرة نائية مهجورة فلم يتوقعوا وجود أحد يقطنها ولكنهم حتى يريحوا ضمائرهم صمموا على التوجه إليها بمركبهم , فلما أتوها ورست مركبتهم على شاطئها نظروا فوجدوا خيمة بسيطة وبعض الأطفال وسيدة هى أمهم ورأوا رجلاً يرعى بعض الأغنام ويلبس ثياباً رثة فتوجهوا نحوه وسألوه : هل تعرف الله خالق الأرض والسماء والحياة ؟؟  قال نعم أعرفه فقالوا : وهل تعبده ؟؟ فقال نعم أعبده فقالوا كيف تعبد الله تعالى ؟؟ فقال : أقول كلما طلعت الشمس أو غربت : عصاتى ومعزاتى يارب اغفر لى سيئاتى فتعصب عليه أحدهم وقال له : أهذه صلواتك يا رجل ؟؟ هل هذا كل ما عرفته عن عبادة الله تعالى وعن دينه ؟؟ فقال نعم لا أعرف غير ذلك ... فقالوا لبعضهم إنه معذور فمن الذى يعلمه دين الله فى هذه الجزيرة المهجورة ؟ عموماً علينا أن نعلمه أصول الدين حتى نخلص من ذنبه .. وقضوا معه يوماً كاملاً يعلمونه أصول الدين والتدين من الألف إلى الياء ولم يتركوه حتى تأكدوا أنه قد استوعب الدرس وفهمه جيداً فغادروه مطمئنين ودعا لهم بالتوفيق والسداد وبعد أن تركوه وركبوا مركبتهم وتحركوا داخل البحر نسى الرجل كل ما قيل له من تعاليم الدين فأسرع ليلحق بهم وإذا به يسير فوق الماء بسرعة مذهلة حتى أصبح قاب قوسين أو أدنى من مركبهم فقال لهم بالله عليكم لقد نسيت كل شىء فنظروا له جميعاً فى عجب شديد حيث رأوه يسير على الماء دون أن يدرى فأدركوا قيمته عند الله لأنه إنسان طيب وعلى الفطرة ولم يؤذ أحداً طوال حياته فأحبه الله تعالى لدرجة أنه يسير على الماء دون أن يدرى وهم يحتاجون لركوب  المركب ليعبروا به إلى الشاطىء الآخر رغم أنهم وهبوا حياتهم للدين والدعوة  فقالوا له : عد ايها الشيخ من حيث جئت واعبد ربك بالطريقة التى تعبده بها فأنت أفضل منا جميعاً عند الله تعالى والبرهان واضح أمام عيوننا جميعاً فتركهم عائداً إلى أهله وأغنامه وهو يردد عصاتى ومعزاتى يارب اغفر لى سيئاتى  "".لست صوفياً ولن أكون ولا أؤمن بالخرافات ولا توجد معجزات لغير الأنبياء والمرسلين أللهم إلا المعجزات العلمية مثل الإختراعات المذهلة كالكمبيوتر والإنترنت والراديو والتلفزيون والموبايل وغيرهم ..لقد سقت هذه القصة الجميلة التى كان ابى يقولها لى كلما ضيقت عليهم الخناق فى الصلوات والفرائض فى بداية شبابى وايام النشوة والرعونة وعندما كنت أظن أننى سأصلح الكون وأغير السىء إلى الأصلح فكنت متشدداً لدرجة كبيرة ولكن الله تعالى تولانى برحمته فكرهت التشدد والعصبية وآثرت التسامح والحب وهما أعظم ما تعلمت من كتاب الله تعالى الذى قص علينا خلق الأنبياء والمرسلين والصالحين من عباد الله تعالى وعلمنا كيف نخاطب الناس وحتى هؤلاء الذين يخالفوننا الرأى والفكر والدين  وانظروا جميعأ كيف طلب الله من نبيه موسى أن يخاطب الفرعون وبأى اسلوب ؟ هل طلب منه أن يعنفه أو يضغط عليه أو يخيفه أو يقول له يا كافر ... لا بل ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى )  , وتعلمنا كيف نعفو عند المقدرة وكيف ننشر روح التسامح والمحبة , وتعلمنا من القرآن العظيم كيف نتعامل مع الآخر بكل محبة وتسامح ولا نفرض عقائدنا على مخلوق ولا نقهر أحداً لكى يؤمن بما نؤمن به أو يفعل ما نفعله , بل دعوة سلمية كلها المحبة والحكمة والموعظة الحسنة , والمجادلة بالتى هى أحسن لأن الله تعالى هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين .ألقصة البسيطة التى سقتها فى البداية تحمل بعض المعانى الهامة وعلى رأسها أن الله تعالى يحب الإنسان الذى لا يؤذى الآخرين ولا يحمل فى قلبه حقداً أو غلاً تجاههم ولا يغتابهم ولا يتناولهم بالسباب واللعنات ولا يحقر من شأنهم ولا ينقص من قدرهم ويقابلهم بوجه بشوش صبوح ولا يتوعدهم فى كل وقت بالويل والثبور وعظائم الأمور , يحب الله تعالى الإنسان الذى يهتم بأمره وشئونه ويسعى من أجل العيش الحلال ويشارك فى بناء وطنه بكل ما حباه الرحمن من علم وقوة وشباب وصحة , ويسعى فى الأرض ليصلح فيها لا ليفسد فيها ويعمرها لا ليهدمها ولينيرها بفكره وعلمه ونظرياته لا ليملأها ظلاماً وظلماً , ولينشر مبادىء العدل والسلام والحب أينما ذهب وأينما راح , لا ليعيث فيها فسادأ ويهلك الحرث والنسل , يحب الله السلام ودعاته والعدل ورجاله والحب وكماله , ولا يحب القتل والقتال ( إلا من أجل الحق ) ولا يحب الله الظلم ولا يحب الله الكره والحقد .لا أطلب أن نعتزل عن الناس فى جزيرة كما فعل بطل القصة السابقة ولكن أتمنى أن نطهر قلوبنا وألا نتمنى جهنم لغيرنا وأن ندعو بالجنة والمغفرة لكل إنسان , فمن يدرى ؟ الا يمكن لكافر أن يتوب فجأة ويصبح من الصالحين ؟ بل إن التاريخ ملىء بكافرين تابوا وعرفوا ربهم وعبدوه فاستحقوا عفوه ومغفرته , والتاريخ ملىء بمؤمنين كفروا وعصوا وارتكبوا الفحشاء والمنكرات وماتوا على ذلك فاستحقوا غضب الله وعذابه وسخطه . قضيتى الرئيسية هى أن نؤمن جميعاً أن تقييم التقوى والإيمان مرده إلى الواحد الديان وليس من حق مخلوق أن يتدخل فى قلب إنسان ويفتش فيه ويصدر عليه أحكاماً متقمصاً دور الله تعالى عما يشركون , يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور , وعيب على الواحد منا أن يزكى نفسه أو يعتقد أنه من المفلحين فهو بذلك يأمن مكر الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون , فمهما كان عند الإنسان من علم فهو جاهل لو قارن نفسه بالكون العظيم , ومهما قرأ وتثقف وشعر أنه امتلأ علماً وفكراً وفهماً فعلمه قطرة من محيط بل أقل , وفوق كل ذى علم عليم .أرجو أن ألا نجعل للحقد مكاناً فى القلوب , وأن نستبدله بحب وسلام وجمال وكمال , أرجو أن نتعامل مع بعضنا البعض بروح الجسد الواحد الذى لو مرض منه عضو لسهر له بقية الأعضاء حتى يشفى , ارجو ألا نحاسب بعضنا على المعتقدات والأفكار والآراء وأن يكون النقد بناءأ وذا أغراض شريفة وأن يقدم كل منا أغلى ما عنده من أجل سعادة بلده وأهله وكل من حوله ولنتأكد جميعاً أن يوم العرض على الرحمن آت لا ريب فيه , وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون .