أحلم أن أستيقظ يومأ

فإذا الشمس تبدد

كل ظلام الكون

وإذا الحب يهيمن

ويدمر أصنام الحقد

أحلم أن تبزغ فى لمحة عين

كل بذور الأمل المدفون

تحت جدار الخوف

أحلم مثلك

فى صمت الليل

وطوال نهارى

أن أكتب وبلا خوف

أفكارى

أن أعزف نغمأ أهواه

على مزمارى

أن أرسم صورأ   

لفتاة رائعة

تهوى أشعارى

وأعانقها فى حب جامح

وأطير بها فوق جناح الحلم

تعزف بأناملها الفنانة

كل أناشيد الحب

على أوتارى

أحلم أن أستيقظ يومأ

أحلب أشجار الورد

أملأ كأسى بشراب الأمن

أشعر بالقوة والدفء

لا أخشى البرد

أحلم الا يتبقى

فوق الأرض قنابل

أو حتى سيوف

أو أى سلاح معروف

أحلم مثلك

بسلام وطمأنينة

يشفى بيد الرحمة

كل النفوس الحزينة

يملؤ الدنيا سكينة

أحلم أن يجمعنا حب واحد

هو حب الله

أحلم مثلك أن أستيقظ يومأ

فأرى الكون ربيعأ

وأرى كل المصطلحات الممقوتة

زالت من قاموس الناس

وطغت فى وجدان الدنيا

كل معانى الحب المفعم بالإحساس

أحلم ..أحلم .. أحلم..

لكن ..

هل تتحقق كل الأحلام ؟؟

الكفيل .. ارق العمالة المصرية بالخليج
21 ايار, 2010

تنويه :

وصلتنى رسالة مرفق بها هذا المقال عن الكفيل فى بلاد الخليج ولقد قرأته ورأيت أن به نقد هادف لهذا النظام الإستعبادى المقيت ، كما وجدت به نصائح قيمة تهم كل من يريد السفر إلى بلاد الكفيل وقد يستفيد منها قبل سفره ، كما أحب التنويه إلى اننى لم أنشر هذا البحث عن الكفيل إلا بعد طلب شخصى من كاتبه وهو مهندس مصرى بنشره .

 

 

 

الكـفـيــــل

أرق العمالة المصرية بالخليج

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله

أما بعد،،

فقد وفقنى الله للكتابة فى قضية "الكفيل" التى أرقت راحة الكثير من المصريين فى دول الخليج على مدار السنين الماضية ، و ذلك بعد أن عانيت شخصيا منها و ما زلت أعانى ، و قد سافرت لدولتين خليجيتين للعمل و واجهت المشكلات فى المرتين.

.

 و أكتب الآن و أنا حبيس الغربة ، لم أحصل على مالى و لا حقوقى و لا يوجد لدى عمل أو دخل ، و أشعر بالمهانة و سوء المعاملة على الرغم من أننى مهندس أتيت للعمل هنا و خدمة هذه الأرض إلا أننى صدمت بنظام " الكفالة" أو " العبودية الجديدة " ، و الذى يعطى حقوقا للخليجى ابن البلد قلما تقع فى يد من يقدرها أو يتقى الله فيمن عنده.

 

و أرجو من الله أن تنفع كلماتى المسلمين و أن تنقذ غيرى من الوقوع فيما وقعت فيه من أخطاء ، عسى الله أن يذهب عنا هذا الظلم الذى يقع على الآلاف من الشباب المصريين سـنويا.

 

و أتمنى ممن يقرأ كتابتى و يشعر بالاستفادة منها أن يشاركها غيره و لا يبخل بالمعلومة لعله يدرأ الشر عن غيره و يكون ذلك ثوابا له و بركة.

 

 

                                                               

                                                                   مهندس مصرى

                                                                    رمضان 1430

                                                                   المملكة العربية السعودية

 

 

 

بداية لمن لا يعرف ما معنى " الكفيل " و نظام الكفالة ، فهذا يعنى أنه عند ذهابك للعمل بالخليج يكون لك من أبناء البلد من هو مسئول عنك و عن تحركاتك و أن يوفر لك أيضا التأمينات اللازمة.

 

و هناك فرق كبير بين المفترض من نظام الكفيل ، و بين الواقع الأليم الذى يحدث فعليا ، بسبب سوء استخدام الكفيل لحقوقه التى ضمنها له القانون ، و عدم مراعاة الله فيمن يعملون عنده.

يكفى أن أذكر أن من أشهر الأشياء التى  ستقال لك و أنت ذاهب للعمل فى السعودية ممن سافر من قبلك " خللى بالك طويل يابنى و مافيش مشكلة لو قعدت كام شهر ما تقبضش و أهو كله بيبقى كده و واحدة واحدة سايس الكفيل عشان تاخد فلوسك أو حقك ! " فقد أصبح ذلك انطباعا طبيعيا عن الكفلاء.

 

و مع العلم أن المملكة تطبق الشريعة الإسلامية فى المعاملات ، وهذا من أفضل الأشياء ، إلا أن كثير من الكفلاء لا يراعون الله فى مكفوليهم ، وقد أتى ببالى حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم – " أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه " ، و لكن يبدو أن هذا الحديث لم يصل للكثير من الكفلاء بعد!

 

فمن الطبيعى هنا أن تتأخر الرواتب فى الكثير من المصالح و الأعمال على الرغم من أن الكفيل قد يربح الملايين من وراء العمالة ، إلا أنه قد أصبح مرضا عضال فى عقل الكثيرين منهم إلا من رحم ربى.

 

و ما هذه إلا صورة واحدة من صور ظلم الكفيل للعمالة علما بأنه من يأتى إلى هنا ، يكون  وراءه الكثير من الأفواه و الالتزامات المعلقة فى رقبته، الكثير و الكثير ، و من التضحيات التى ارتضاها على نفسه أو على كرامته ما هو أكثر !

 

فيزا حرة !!

لفظ ستسمعه كثيرا قبل أو ربما بعد أن تأتى إلى هنا ، و حدث و لا حرج فمعنى فيزا حرة هو أنك تدفع للكفيل مبلغ من المال تقومان بالاتفاق عليه و بعد ذلك تذهب للعمل بعيدا عنه و لا تراه إلا فى أوقات الحاجة إليه كتجديد الإقامة مثلا.

 

و طبعا هناك فى الأمر خدعة و أضحوكة ، فالخدعة أنك لست حرا فأنت ما زلت تحت رحمة الكفيل و الذى فى بعض الأحيان ينتهز الفرصة ليستغلك أكثر و إلا فمن الممكن أن يعيدك مرة أخرى لمصر و يبلغ عنك "  هروب " ، أما الأضحوكة فهى أنه إذا سمينا هذه الفيزا " حرة " فكيف تسمى الفيزا العادية ؟!

 

و قد أحزننى الكثير من العمال الذين قابلتهم فى مكتب العمل ، و للأسف فمعظمهم صاحب تعليم بسيط و قد أتوا هنا بعد أن تم خداعهم فى مصر ليبيعوا مما يملكون و يدفعوا المال بعد أن تم التغرير بهم و ظنوا أنها كما يسمعون " فيزا حرة " و لم يكتبوا حتى عقودا أو أى إثبات لأى مبلغ دفعوه ، و قد ذاقوا العذاب هنا و الإهانة بسبب التفريط و الجهل ، و الخدعة اسمها "حرة" !

 

الكفيل و حقوق الإنسان !

" نظام العبودية الجديدة " ، هكذا وصفته تقارير المنظمات الحقوقية ، فهذا النظام المتخلف غير موجود فى أى دولة متحضرة ،  فهناك حقوق يجب أن تعطى لأى إنسان مهما كانت ديانته أو لونه ، و سحب جواز السفر من العامل و تقييد حركته بإذن من الكفيل يحرمه من أبسط حقوقه فى الحرية التى تمكنه من العودة لبلده إذا تطلب الأمر.

 

 

 

و لكن ، لأن الكثير من الكفلاء يعلمون أنهم مستبدون و تعاملهم " يقرف الكلب الجربان " ، فيجب عليهم فرض القيود حول رقبة العامل  - و أنا أعنى هنا بالعامل جميع المهن فهناك المهندسين و الأطباء الذين عانوا و ما زالوا يعانون تحت وطأة هذا الظلم   -و ذلك حتى يضمن تحمل المهانة و استمراره فى العمل ، و لا حول و لا قوة إلا بالله .

 

أولها من مصر !

تبدأ المشاكل من مصرحين يظن الإنسان أن فى السفر حل لجميع مشاكله المادية و النفسية ، و ينقسم الناس فى هذه الحالة لعدة فئات :

 

أ- فئة استسلمت لغسيل الدماغ و اقتنعت بأن " عليه العوض و منه العوض "فى البلد ، و أن الحكومة لا بد أن يأتى مندوب منها لكى يعطينى المال و المأكل و المشرب و الملبس و الوظيفة و العروسة ، و الفرد جالس فى بيته !

 

و سأحكى قصة حدثت معى لأوضح لكم ما أقصد ، ففى السنة الثالثة بالكلية زارنى أحد المعارف و هو أمريكى الجنسية فى مصر ، و فى مرة كنا نتكلم عن أوضاع العمل فأخبرته أننا كشباب لا نعمل ، و نقوم من النوم متأخرين و نسهر كل يوم تقريبا فى المقاهى أو غيرها من أساليب تضييع الوقت ، و قلت له أننا مستاءوون من هذه الحياة ، فنظر إلى لحظة و قال لى : " أنتم تعيشون حياة الأثرياء فى أمريكا ! فلو كنت مليونيرا فى أمريكا ستصحو متأخرا ولا تذهب للعمل منذ الصباح الباكر مثل باقى الناس و ستنزل للسهر بالليل مع أصدقائك ، تماما كما تفعلون فى مصر  ! ثم قال لى : إذا كنت مستاء من الوضع فلماذا لا تغير الواقع و تستغل وقتك فيما ينفع ؟! " و فى هذه اللحظة كنت سأبدأ فى قول الاسطوانة المشروخة "أصل البلد مش موفرة شغل و الكلام ده " و لكنى اكتشفت فى هذه اللحظة أن الفشل أتى منا فى المقام الأول و ليس من البلد أو الحكومة ، فنحن لم نتق الله و نترك تضييع الوقت فى الحرام ، و لم نتوكل على الله لنبحث عن عمل أو أى طريقة نرضى الله بها  و ننمى مهاراتنا بها لنكسب ديننا و وقتنا و خبرة تفيدنا و تفيد بلدنا . و حتى إن اقتنعت بأن  البلد هى السبب ، فأنا لم أحاول إحداث أى نهضة بالبلد و تغيير الوضع للأفضل ، بل وجدت حالى مثل الكثير من الشباب الذى استسلم و انهزم قبل أن يحارب !!

 

و لذلك أرجو من الشباب إعادة النظر بجدية فى هذا الموضوع ، فالشباب الذى يعانى من المشاكل فى أوربا ستجده يعمل لحل المشاكل ، أما نحن فحدث و لا حرج ، نوم و دلع و نرمى كل حاجة على الحكومة !

 

كذلك أتذكر قصة حكاها زوج خالتى عندما زار مصانع تركيا أثناء الأزمة العالمية ووجد العمل و الإنتاج مستمر بحماس فأخبره صاحب المصنع أنه بما أن هناك أزمة فعلينا العمل أكثر و إثبات أنفسنا فى الأزمة   !! انظر للمنطق المكافح ، فالأزمات تبين من هو قادر على الصمود أثنائها و بعدها حين الرخاء ، فهل أنت من هذا النوع ؟

 

ب- الفئة الثانية هى فئة المقلدين و هى أكثر انتشارا فى الفلاحين و الأقاليم المصرية ، حيث نجد الشاب قد يكون حرفى و معه صنعة " تأكله الشهد " كما نقول إذا اتقى الله و توكل عليه و بدأ فى تجارة أو عمل خاص بصنعته التى أعطاها الله له ، و لكننا نجده يسمع لكلام الغير فى جلسات المصطبة ، إن الواد ابن الحاج فلان راح الخليج كام سنة و رجع جاب جاموستين و المروحة و الثلاجة و شبكة البت سعديية  !و إن الخليج مليان من الخيرات زى كنوز على بابا كده  !خصوصا أنه من المؤكد أن الحكاية أثناء انتقالها تضاعفت و أصبح العائد من الخليج بطل قومى  !!

 

و أود هنا أن ألفت انتباهكم لعدة أشياء :

أولا  :السفر الآن للخليج لم يعد كما كان فى التسعينيات ، لأن الذى كان يسافر وقتها كان يأتى بمبلغ يكفى أن يشترى شقة جديدة سوبر لوكس و ربما يكون قد أتى بسيارة من الخليج أيضا و يتزوج فى مصر ، لأن الأسعار كانت أقل بكثير جدا ، و هذا ما أعطى هذا الانطباع عن الخليج ، أما الآن فانظر إلى الأسعار عامة فى مصر و أسعار العقارات خاصة فى القاهرة و الاسكندرية ، و ستجد أن المبلغ الذى كان يكفى فى التسعينيات لشراء شقة و التجهيز للزواج و مستلزماته ما هو  ما هو الآن إلا مقدم شقة متوسطة المستوى و ستقوم بدفع أقساط عالية القيمة مع الفوائد !

 

هذا مع العلم أن المرتب الذى ستسافر عليه للخليج و أنت شاب حديث التخرج قد يكون هو نفس المرتب الذى سافر عليه أحد أقربائك من 15 سنة !! مع اختلاف الوضع !!

 

ثانيا : تختلف وجهة النظر فى الوضع فى الخليج من إنسان لآخر ، فقد تأتى للخليج و تجد زميلك فى العمل يعيش كأبخل ما يكون و لا يأكل إلا كالرهبان ، و يوفر ثمن الصابونة و يتقبل أى مكان للسكن حتى إن كانت حظيرة للمواشى ، و أى معاملة من الكفيل و ممن حوله ، و ذلك فى مقابل " المليم ".

 

كذلك قد تجد هذا حدث من قبل مع من سافر قبلك و حكى لك عن خيرات الخليج " و لم يحك لك عن " البهدلة  "التى حدثت له و من الممكن أن تكون بالفعل هذه وجهة نظره، فهو لا يرى فى الأمر بهدلة و أن على الإنسان أن يتحمل ، أو بالأصح يبيع اللى يقدر عليه مقابل " المليم " ، و قد تشعر بهذا أثناء أخذك نصائح ما قبل السفر حين تسمع " معلش ما كل الناس اتمرمطت و استحملت و دوس على كرامتك عشان الوقت يعدى و ترجع بالقرشين ! "

 

و السؤال هنا : هل تبيع كرامتك و حقوقك فى معيشة كريمة ، مقابل المال ؟

 

 

 

مساء الفل يا وزارة !

وزارة القوى العاملة.  على الرغم من الجهود التى تقوم بها الوزارة ، إلا أن مساوئها أكثر بكثير من محاسنها ، فهى لم تقم بالحفاظ على كرامة أبناء هذا الوطن من البداية قبل سفرهم للخارج ، سواء بالتوجيهات و المتابعات العملية - و ليس النظرية فقط و الشعارات الواهية التى سئم منها القاصى و الدانى ، كذلك فهى لم تقم بعمل و تفعيل آليات حقيقية لمواجهة أزمات العمالة و المطالبة بحقوقهم عند وجود خلافات ، بل هى مجرد واجهة زائفة لا تعبر عن العمالة المصرية و القوى العاملة بالخارج ، و التى تعتبر من أسباب الدخل و النقد الأجنبى لمصر ، و لكن للأسف بدون تقدير .

 

مساء العسل يا سفارة !

لم أكن لأصدق خيبة السفارة المصرية بالمملكة العربية السعودية لولا تجربتى الشخصية ، و بعيدا عن ذكر الكثير من الكلام عن سفاراتنا بالخارج بوجه عام ، سأذكر لكم جملة ممتازة لوصف الأمر قالها لى أحد العمال فى مكتب العمل حيث كنا ننتظر وصول الكفيل - متأخرا كالعادة عن ميعاده - و سألت العامل ":هل من طريقة للوصول للسفارة ؟ فأنا أحاول عن طريق أرقامهم المعلنة و لا أحد يجيب أو عن طريق الإيميلات الموجودة على الانترنت و لا شىء منها سليم ، أو عن طريق بعض التليفونات المعلنة و التى اتضح أنها أرقام مثل أرقام مسابقات 0900 و اتصل على السفارة تكسب معانا ، لسرقة أموال المصريين فى الخارج ، فهل من وسيلة للوصول للسفارة ؟ و لا لازم أطلع أعيّط فى برنامج البيت بيتك مع محمود سعد ؟" فقال لى العامل: "شوف يا باشمهندس ، صللى ع النبى ، سفارة ايه بس ، إحنا زى فيلم الطريق إلى إيلات ، الطيارة رميتنا و قالوا لنا لو حصل مشكلة سلموا نفسكوا لمكتب العمل !! و لا تعليق !!

 

 

 

هل الغربة خير أم شر لى ؟

سؤال لا بد أن يسأله الإنسان لنفسه ، و لا يندفع فى الإجابة عنه متأثرا بما سمعه من غيره ، أو بما تأثر به من وسائل غسيل الدماغ، أو بأمله فى دخل أفضل بغض النظر عن العواقب. فالواحد منا يندفع بلا عقل تحت تأثير المشاعر أو الآمال الزائفة و قد يكلفه ذلك الكثير و الكثير . و يجب أن تعلم أن الكثير من المصريين بالخارج قد تحولوا إلى نماذج تتكرر يوم بعد يوم و الكل بدأ بنفس الكلام التالى " ما هى إلا سنتين أو ثلاثة الواحد يجيب قرشين و بعدين يرجع على مصر " "، إلا أن ما حدث كان كالتالى :

 

* جزء بدأ الجشع يزيد فيه و تحول إلى أداة لجمع ما يمكن من المال على حساب كل شىء يملكه ، فتجده يبيع كرامته و نظافته و يبيع أبناء بلده ، و قد يصير أشد المنافقين ، ماسح جوخ ، و ما ذلك إلا من أجل رضا الكفيل و من حوله ليعطونه مليما آخر أو لينهب مليما من هنا و مليما من هناك ، و ليت بطنه تشبع ، فمع الوقت يصبح الجشع و النفاق سمتاه الذان يطغيان على حياته ، و يصير عبدا لهما.

 

* جزء آخر بدأ مع الوقت فى الحصول على المال فتزوج و بدأت المسئوليات و المطالب المادية فى الازدياد فشعر بعدم قدرته على العودة لبلده حتى لا يفقد المستوى المعيشى الذى هو و أسرته فيه ، فأصبح أسير هذا الوضع و تحول إلى طاحونة تدر المال فقط .

 

* جزء استمر فى العمل لسنين بالخارج و عندما أراد الرجوع لمصر وجد أن جميع علاقات العمل قد تكونت بالفعل فى الخليج ، و أنه ليرجع إلى مصر سيعانى الكثير لينمى علاقات جديدة و يعتاد الوضع الجديد ، ففضل البقاء فى الخليج.

 

 

 

أرجو منك قبل أن تفكر فى السفر أن تفكر بعمق ، فالكثير ممن سافروا خسروا الكثير مقابل المال ، فمنهم من تجده بعيدا عن زوجته و أبنائه لفترة قد تصل إلى 3 أو 4 سـنين و ربما أكثر ! و منهم من سافر و خسر دينه ، و النماذج لا تعد و لا تحصى ، فهل تساوى الغربة خسارتك لدينك، أو للعشرة الطيبة مع أهلك أو وجودك بين أبنائك و تربيتك لهم ؟ أم أنك من النوع - عافانا الله - الذى لا يتمتع بالحلال و لا يجد حلاوة له ، بل أصبح فقط محبا للمال على حساب كل شىء و لا يرى جمالا إلا للمال ؟!

 

اعرف حقوقك و واجباتك

جزء كبير من مشكلة العمالة المصرية بالخارج يتمثل فى عدم معرفة العامل لحقوقه و واجباته مسبقا قبل سفره ، فأغلب الناس يعرفون هذه الحقوق أو الواجبات بعد سفرهم بالفعل ! مما يسبب لهم مشاكل كثيرة . و هذا جزء من تقصير وزارتى القوى العاملة و الخارجية ، حيث يجب عليهم إصدار كتيب إرشادى و ليكن بعشرة جنيهات مثلا و يكون شراؤه إلزاميا أثناء إنهاء إجراءات السفر ، أو اختياريا  لمن أراد التعرف على نظام البلدة التى ينوى الذهاب إليها قبل توقيع العقد أو الاتفاق ، و أن يكون واضحا فى هذا الكتاب معلومات مفيدة عن البلد و عاداتها الاجتماعية و اقتصادها و نظام العمل بها و الشروط و الحقوق و الواجبات ، و الأهم من كل ذلك أن يكون من السهل الحصول على هذا الكتيب و معلوم من أين يمكن للمواطن الحصول عليه ، فمن الملاحظ أن الوزارات أحيانا تقوم بعمل نشرات أو ملاحظات و لكن بدون أن تكون ظاهرة للمواطن ! أو معلوم بوضوح أين يمكن الحصول عليها ! فهى تقوم بعملها فقط لكى تبرىء ذمتها و تقول " كله تمام يا فندم " !

 

 

 

 

 

مكاتب تسفير العمالة

 

تعتبر مكاتب تسفير العمالة من أكثر أسباب الأذى و المشاكل للعمالة فى الخليج ، و ذلك لعدة أسباب ، أولها أن معظم هذه المكاتب لا تراعى الله فى عملها ، و لا تهتم بحقوق العامل أو الكفيل ، بل يأتى فى المقام الأول كم المال الذى سيحصلون عليه من الطرفين . أيضا فهذه المكاتب تقوم باستغلال حاجة الشباب حديثى التخرج ماديا و نقص خبراتهم ، أو حاجة العمال من نجارين و حدادين و غيرهم للسفر بعد إيهامهم بمكاسب الخليج على الرغم من قدرة هؤلاء العمال على تحصيل عمل جيد فى مصر و خصوصا بالقاهرة أو المشاريع الكبيرة إذا بحثوا عن ذلك ، و لكن تقوم هذه المكاتب بخداع الجميع و بخس حقوق المصرى من أجل إتمام عملية الاتجار بالبشر و الحصول على ما يمكنهم أخذه من مال ، بالإضافة لتأمين موقفهم القانونى عن طريق طلبهم توقيع العامل على وثيقة تثبت عدم حصول المكتب إلا على حقه القانونى تبعا لوزارة القوى العاملة ،و الذى من المفترض على ما أظن ألا يزيد عن 2 % من الأجر السنوى للعامل ، بالإضافة على حصول العامل على تذكرة الطيران ، و هذا غالبا لا يحدث ، بل يتحمل العمال تذكرة الطيران أو النقل البرى بالإضافة إلى عدة آلاف من الجنيهات يدفعها للمكتب ، مما يؤدى لشعوره بالفعل قبل السفر بالضغط المادى و المعنوى و الذى يدفع الكثيرين لتحمل الوضع عند اصطدامهم بالواقع الأليم عند وصولهم الخليج و تغير معاملة الكفيل لهم إلى الأسوأ عند وصولهم لأرضه، و إن شاء الله سأقوم بتفصيل نقاط السفر و العقد و الملاحظات على مكاتب التسفير عند كلامى عن حلول للمشاكل بإذن الله ، و كذلك توضيحى لك كيف إن كان و لا بد سفرك من مكتب التسفير أن تتعامل من هذا المكتب و أن تصل إلى المكاتب التى تراعى الله و تهتم بحقوق العمالة ، و إن كنت أظن أن هذا النوع من المكاتب نادر الوجود !

 

 

 

بداية العبودية

 

تبدأ عبودية العامل حينما يصل للخليج و يطلب منه الكفيل جواز سفره فيعطيه العامل له ، و هكذا يكون العامل قد وضع أول طوق حول رقبته ، و أصبحت حركته و حريته تحت رحمة الكفيل ، فإما أن يراعى الكفيل الله و يحترم آدمية العامل و حريته ، و إما أن يهينه و يذله ، و الاختياران ملك الكفيل و ليس لك من الأمر شىء !!

 

عدم التزام الكفيل بالعقد

 

قد لا يلتزم الكفيل ببنود العقد المبرم ، من اليوم الأول لوصول العامل ، و فى هذه الحالة فالعامل أمام اختياران ، إما بتقبل الوضع كما هو ، و البدء فى العمل ، على أمل أن يحصل من الكفيل فى المستقبل على أى شىء يعوض سفره ، حتى إذا جاء كل هذا على حساب كرامة العامل و حقوقه.

 

 و قد يطالب العامل بحقه من اليوم الأول و يهدد بعدم البدء فى العمل ، و فى هذا الحالة سيقول الكفيل له : مع السلامة و القلب داعيلك ، لأن القانون يمنح الكفيل حق فسخ عقدك فى أول 3 شـهور و بدون أى التزامات عليه ، حيث يعتبر القانون أول 3 شـهور فترة اختبار !! و بالفعل فالكثير من الكفلاء اللصوص تجار البشر يستخدمون هذا البند و الذى بالفعل قد يكون فى عقدك و أنت لا تنتبه له ، و يقومون مع بعض اللصوص تجار البشر من مكاتب التسفير فى مصر بتسفير الشباب و بمجرد وصول الشاب يبدءون فى الضغط عليه بأقسى الوسائل و إما أن يتحملوا الوضع - و المستفيد هو الكفيل - و إما أن يرجعوا فى مدة الثلاثة شهور ليقوم الكفيل بإحضار غيرهم و جلب المزيد من المال منهم يبيع لهم الفيزا به ، أو يأخذ نصيبه من المكتب فى مصر ، و لا حول ولا قوة إلا بالله !!

 

المجتمع المصرى و المجتمع الخليجى

 

يجب عليك أن تدرك الفروق بين المجتمع المصرى بعاداته و تقاليده ، و المجتمع الخليجى ، و أن تجمع أكبر قدر من المعلومات فى حالة نيتك للسفر عن المكان الذى تنوى الذهاب إليه ، حتى لا يكون اختلاف العادات صادما لك ، و كذلك يجب أن تعلم أن كل مدينة داخل المملكة أو الدولة ، لها طباعها و جوها المختلف عن غيرها ، و عادات أهلها ، مثل الاختلاف بين القاهرة و الاسكندرية و الصعيد و غير ذلك فى مصر ، و يمكنك تجميع معلومات عن ذلك المكان عن طريق الانترنت أو المعارف ممن سبق لهم زيارة هذا المكان مع ملاحظة شىء هام ، و هو أنك عندما تستقى معلومات عن الغربة من شخص ، حاول أن تكون شخصيته قريبة من شخصيتك و ظروفه قريبة من ظروفك ، حتى تكون الأحكام التى أصدرها عن هذا المكان قريبة أو مثل الأحكام التى كنت ستصدرها لو كنت مكانه.

 

فرق التعليم  

 

إن اختلاف مقدار التعليم بين العامل و الكفيل قد يسبب المشاكل ، فعندما يسافر العامل إلى شركة كبيرة فهو لا يتعامل مع الكفيل بصورة مباشرة و هذا هو الأفضل ، أما و فى الأغلب عندما تسافر للعمل مباشرة مع الكفيل ، ستفاجأ أن فى أكثر الأحيان يكون هذا الكفيل غير متعلم أو معه ابتدائية مثلا ، و مع ذلك فهو يعاملك بالطبع على أنه صاحب العمل ، و الكارثة عندما يظن هذا الكفيل أنه يعرف أكثر منك و يبدأ الصداع و الزنّ و التدخل فى فنيات عملك ، و فى هذه الحالة تصبح أمام اختيارين ، إما أنك " تاخـد الكفيل على أد عقله " و تمشى حالك و خلاص ، و هنا أيضا أنت الخسران لأنك تفقد شخصيتك فى العمل و أى مسئولية سيتهرب منها الكفيل و تتحملها أنت ، أو ، أن تبدأ فى صراع مع الكفيل لرغبتك فى أن يكون لك وضعك فى العمل و فى هذه الحالة ما هى إلا مسألة وقت و يصل الخلاف بينك و بينه لطريق مسدود لأنه لن يسمح لك أبدا بعمل ذلك . و انت و نصيبك .

 

المصريون فى الغربة

يؤسفنى القول أن الجنسية المصرية من أسوأ الجنسيات بالخليج ، فالمصريون بالخليج ليس لهم جالية قوية تقوم بخدمة و توعية المصريين ، و ذلك على الرغم من أن عدد العمالة المصرية الموجود بالخليج كبير جدا ، و قد تسمع للبعض منهم فتجده متضامنا معك ضد الظلم و راغبا فى أن يكون لنا رابطة بكل مدينة تمثل العمالة و ترعى حقوقهم ، و لكن وقت الجد ستجد الغالبية منهم تنسحب و تريد أن تمشى كما نقول " جنب الحيط " أو بالأصح " داخل الحيط " كما أن الكثير يكون بوجهين فيتكلم معك بوجه و مع الكفيل بوجه آخر واضعا أمام عينيه شعار " أنا و من بعدى الطوفان " فلا توجد نصرة المسلم و اتباع الحق إلا عند القليل ممن رحم ربى  .

 

و على عكس وضعنا كمصريين بالغربة ستجد جاليات قوية و فعالة مثل الجالية السودانية ، فما شاء الله ، الإخوة السودانيون بالغربة مترابطون و جاليتهم تقوم على نصرة إخوانهم و تيسيير أمورهم ، و قد رأيت بنفسى اتحادهم و تحركهم السريع فى عدة مواقف مما زاد إعجابى بهم .... عقبالنا!

 

ما الحل؟

أول ما بدأت الكتابة فى هذا الموضوع و بعد بضعة سطور توقفت يداى عن الكتابة، و جال بخاطرى " هل تعتقد أن هناك حل ؟ هل تعتقد أن كتابتك ستغير من الأمر شيئا ؟" ربما نعم ، و أنا أكتب و الله أعلم بحالى ، و لا أريد إلا أن أنبه زميل لى لا أعرفه أو أخ لم أقابله بعد حتى لا يقع له نفس ما أعانيه الآن . و ربما لن يعتبر أحدهم بما يقرأ طالما أنه لا يعانى مثلى ، و لربما قام بنفس الأخطاء مرة ثانية ، و هذا ما لا أتمناه لأى منكم.

 

 

على أية حال ، لقد حاولت قدر جهدى أن أكتب عن حلول لهذه المشاكل ، و أرجو منكم إن وجدتم حلول أو اقتراحات أخرى أن تشاركوها على الانترنت بالايميلات و المنتديات لتوعية الناس ، و لمنع الظلم الواقع علينا و تغيير الحال للأفضل بإذن الله ، و بنيتى إن عدت إلى مصر أن أقوم بحملة لتوعية الناس و خصوصا الفقراء من الفلاحين و الصعيد و غير المتعلمين و هو أكثر من يقعوا فى فخاخ اللصوص من تجار البشر .

 

كذلك يمكنكم التواصل معى عن طريق الإيميل :

deddalkafala@hotmail.com

 

لا لغسيل الدماغ

أرجوك لا تستسلم لغسيل الدماغ و اليأس الذى يُبث فى القلوب و العقول ، لا تستسلم للضغط النفسى أو المادى ، قاوم ، كن رجلا متزنا ، و زن الأمور بميزان الحق و العدل ، و لا تستمع لأصحاب السوء أو الفسقة لأنك إن تستمع إليهم لا يؤثرون على فكرك إلا بالسوء ، بل استمع لأصحاب الخير و صحبة الإيمان و استمع لمن يحب إليك ما يحب لنفسه ، و إلى من عُرف الحق عنه ، و تذكر أنك إنسان حر ، أيا ما نسمعه فهو قرارك ، و هى حياتك ، و قرارك ملكك و ليس ملك غيرك.

 

اتق الله

اعلم أن تقوى الله هى طريق الفلاح فى الدنيا و الآخرة و هو السبيل الذى ينير لك أعمالك فاتق الله و استخره و توكل عليه فى كل شىء و التزم الصحبة الصالحة ممن يعرفون ربهم و استشرهم فى أمورك ينفعوك بإذن الله. و احذر السفر لمجرد السفر فهو من أخطر الأشياء . و اقبض على دينك فإن كان فى سفرك تفريط ، فدعه من أجل الله. و ما عند الله خير .

 

 

تنمية الإمكانيات أولا

قبل أن تفكر فى السفر للخليج ، اعلم جيدا أنك ستذهب لتعطى من إمكانياتك و خبرتك ، لا لتأخذ ، و إن اكتسبت بعض الخبرة هناك فهو القليل ، و هذا ما يحدث فى معظم الأحوال إلا إن قدر الله لك و سافرت إلى شركة عالمية أو كيان كبير ، و لذلك فتنمية إمكانياتك أولا فى مصر أفضل ألف مرة من استعجالك السفر ، فلا تضيع وقتك و أنت فى مصر كما يفعل معظم الشباب ، بل احصل على المزيد من العلم حتى يقويك و انتظر حتى تأتى لك الفرصة المناسبة التى تعرف قيمة هذه الإمكانيات بل و تساعدك على تنميتها و تقدرها بالمال أيضا ، بدلا من استعجالك السفر لتذهب مع من لا يعرف و لا يقدر و لا يفيد .

 

تمتع بالحلال

من الأشياء التى إن فقدها الواحد منا فقد خيرا كثيرا ، عدم الإحساس بالحلال و التمتع به و شُكر الله عليه ، بل يضل و يظن أن الاستمتاع بالمال فقط أيا كانت الوسيلة و يبدأ فى التمتع بالحرام فى سبيل ذلك .

فكثير منا كشباب لا يقدرون قيمة الكثير من النعم التى رزقهم الله إياها مثل الصحبة الصالحة – إن وجدت – و وجودك بين أهلك و عائلتك و هذا الرحم بينك و بينهم و الكثير من النعم فى المأكل و المشرب و الملبس و حتى كرامة وجودك على تراب بلدك ، فمهما حدث فأنت منه ، و لكن بالخارج فمهما حدث فأنت غريب ، و لكن نضل و نكفر بالنعم تحت أول ضغط يقابلنا و بدلا من أن نبحث عن حلول ، نبحث عن هروب.

أخى و زميلى الكريم ، أعد النظر فيما رزقك الله و ستجد بإذن الله خيرا كثيرا.

 

ساعد نفسك و ساعد غيرك

كن إيجابيا و لا تجعل الخير يقف عندك فالكثير ممن قابلت من المصريين هنا ، إن وجدوا سبيلا للخير استأثروا به لأنفسهم و لا ينشروه و إن عرفوا سبيلا للأذى لم يحذروا منه قبل وقوعه ، و هذا مبدأ البخلاء عافانا الله و إياكم . فلا تكن كذلك بل كن كالمصباح و أنر لمن حولك ، إن وجدت خيرا فشاركه غيرك و إن وجدت شرا فحذِّر منه ، و اجعل ذلك لوجه الله ، لا تريد به شكر الناس ، و إن شاء الله يجزيك الله خيرا و إن أردت فى وقت ما السفر فسيعينك الله و يجعل لك من الناس من يدلك على الخير و يبعد عنك الشرور كما فعلت أنت مع الناس من قبل.

 

التجارة

قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم – " تسعة أعشار الرزق فى التجارة " .

لماذا نصر دائما على التمسك بالوظيفة و البعد عن التجارة وكأن هذا إرث موروث ثقافيا مثل قول "إن فاتك الميرى اتمرمغ فى ترابه" ، فقد شهدت الكثير من الشباب ممن تخرجوا من الكليات و توكلوا على الله ثم درسوا السوق جيدا حينما أحسوا بمنحة أعطاها الله لهم فى التجارة و قاموا بالبدء صغارا و هم الآن بفضل الله رجال أعمال . وقد بدأ البعض منهم التجارة فى مجاله و البعض الآخر خارج مجاله و لم يتمسكوا بالوظيفة و أصبح لهم عملهم و تجارتهم الخاصة و هذا بالفعل أفضل ألف مرة.

و للأسف فإن معظم الشباب يظنون أنه لكى تكون لأحدهم تجارة خاصة يجب أن يكون مليونيرا و هذا ليس صحيح و لكنه الجهل أو الكسل أو الخجل الذى يمنع الكثيرون من التوكل على الله ثم البحث و السؤال و الأخذ بالأسباب.

 

اجعل النجوم هدفك

كثير منا لسبب أو لآخر ، رأى أن السفر للخليج مع أى كفيل و السلام أفضل من مصر و استمع لكلام الناس ممن حوله أن المرتب سيكون أفضل من مصر و لو 500 جنيه فهى أفضل ، و أمام ذلك سافر مع أى كفيل بغض النظر عن المكانة العلمية و قيمة الخبرة الحقيقية التى سيستفيدها منه و التى فى الغالب قد تكون معدومة . و بعد عدة سنين مع هذا الكفيل يفاجأ المرء بأن الوقت ضاع و هو لا يطور إمكانياته فى زمن أصبحت فيه فرص "الفهلوة" بلا علم أو خبرة هى الأقل و زادت فيه قدرات العمالة بشكل كبير فى أسواق العمل.

نصيحتى لك و أرجو أن تعيها جيدا ، اجعل النجوم هدفك ، و لا تضع قدمك إلا فى الشركات أو المؤسسات الكبيرة أو العالمية و إن لم يكن لك مكان فيها الآن إما لضعف الخبرة أو العلم ، فتوكل على الله ، و خذ الطريق الموصل إليها و لا تيأس و خاصة فى بداية طريقك ، فقد رأينا الكثير من المهندسين كبار السن الذين لا يعرفون من طرق الإدارة و دراستها و العلم شيئا بل كان اعتمادهم الأول على الفهلوة و انتهى بهم الحال فى أسوأ الأعمال و مع أسوأ الإدارات ، و بالعكس ، رأينا شبابا اجتهدوا و طوروا إمكانياتهم و صبروا و هم الآن فى شركات عالمية يتقاضون أجورا قد لا يحلم بها الكثير .

 

إن كان و لا بد !

و أخبرا فقد لخصت فى عدة نقاط نصائح لمن أراد و صمم على أن يسافر للخليج لعل هذه النقاط تنبه الفرد قبل وقوعه فى أخطاء وقعت فيها أو وقع فيها غيرى ، و كذلك وضعت بعض المقترحات أظنها تساعد فى حل المشكلة بإذن الله و أرجو ممن عنده المزيد أن يقوم بالتواصل معى عن طريق الإيميل ، و جزاكم الله خيرا.

 

الفيزا

 كما نقول فى مصر " الجواب يظهر من عنوانه " ، فأول الطريق إلى الخليج يظهر هوية الطريق بالكامل ، فالكثير ممن يعانون بالخليج أشد المعاناة ، عندما نتكلم معهم عن مشكلتهم ستجدهم يقولون " بعنا كذا و كذا و استدنا من أجل ثمن الفيزا " ، و هذا هو أول التفريط ، فإما أن يكون جاره أو حتى قريبه و باع له الفيزا ، أو مكتب تسفير يتاجر فى البشر و أخذ منه الكثير ، أو كفيل لص أوهمه ببيع فيزا حرة ! المبررات كثيرة و اللص واحد !

 

و لأى عاقل أن يتخيل أى إهانة نقبلها على أنفسنا حينما نقبل هذا المبدأ و ندفع مقابل السفر ، أى بالفعل خسرنا قبل السفر و فرطنا من البداية فى المال ، على الرغم من أن المنطق السليم و العقل يقولان أن الكفيل بحاجة إليك ، و ربما سيكسب من ورائك الملايين على حسب مهنتك ، و مع ذلك – و هو صاحب الملايين – لا يدفع، بل أنت تدفع له لتسافر ! و لعلمك فهذا أول إعلان – إن فعلته – عن عدم احترامك لنفسك و بخس قدرك ، مما يعطى الكفيل الانطباع الأول بأن هذا الوافد القادم رخيص ! فاحذر دفع أى مبالغ قبل السفر ، و اعلم أن الكفيل هو المستفيد منك و من عملك و فائدته كبيرة .

فإن كان قريب لك أو جار بالقرية أو المدينة أو " معرفة " كما نقول و أخبرك بأنه عليك أن تدفع مقابل الفيزا ، فاعلم أنه تاجر بشر و هو لم يدفع مليما من أجل الفيزا كما يدعى ، بل أخذها مجانا ثم عاد إلى مصر و أراد أن يستفيد على حساب قوت غيره بلا رحمة . أو أن الكفيل لص و أراد ثمن الفيزا ، و فى كلتا الحالتين تجنب تجار البشر ، و لا تثق فى الكلام المعسول المغرى فمعظمه كذب و تغرير بالشباب و خاصة ممن لم يسافروا للخارج من قبل حتى يصدقوا هذا الكلام و يقعوا فى الفخ.

يريدونك أن تدفع لهم لتخدمهم !!!! أين الكرامة فى ذلك ؟؟!!

 

ضع على هذا الضغط النفسى ، و يقصدون بذلك أن يضعوك من البداية تحت ضغط المال الذى دفعته و قد قابلت هنا عمالا مصريين كانوا أصحاب حرف صغيرة فى قراهم و لكن منهم من باع ذهب زوجته و أغلق تجارته ، و صدق الكلام الكذب و اشترى من جاره أو غيره فيزا ثم جاء هنا ليتعرض لشتى أنواع الذل من الكفيل و المصرى الذى باع له الفيزا ! و الكثير منهم لا يقدر حتى على العودة لبلده مرة أخرى بل أصبحوا عبيدا يعملون أى عمل من أجل 500 ريال شهريا و ربما أقل ، أو لا يعملون ، يؤرق ليلهم ذُل الدَّيْن و العودة لأهلهم بالخسارة و ذل الغربة ، مما قد يدفعهم لتحمل أسوأ الإهانات هنا و خسارة المرء لآدميته .

 

أما إذا كان سفرك عن طريق مكتب سفريات ، فأخبر الكفيل أنك لن تدفع مقابل الفيزا و إن كان يريدك فعليه أن يدفع أجر مكتب العمل – الرسمى من قبل وزارة القوى العاملة – بدون أى زيادة ، و كذلك مصاريف طيرانك للبلد المسافر إليها مع العلم إن جميع الأطراف من كفيل و مؤسسات و مكاتب التسفير هى المستفيدة منك فى المقام الأول و لذلك فعليهم تحمل أجر استقدامك و بذلك ستضمن من البداية أنك مسافر بقيمتك و كرامتك ، و بدون خسارة إن -لا قدر الله- ساءك الوضع هناك و أردت العودة ، و اعلم جيدا أنه لن يقبل بهذه الشروط إلا كفيل أو شركة قد تحترمك ، أما الباقى فدعك من غشه و كلامه الفاضى و لا تفرط فى نفسك و حقك و تجعل نفسك رخيص القيمة من البداية. بلدك أولى بك .

 

من كفيلك ؟

لا بد أن تدقق ألف مرة فى اختيارك ، و لا تنخدع بكلام الكفيل أو غيره من مساعديه من اللصوص فى شركات التسفير . يجب عليك معرفة ماهية الكفيل و يمكنك تجميع معلومات عنه من عدة مصادر ، أولها مقابلتك الشخصية معه إن حضر إلى مصر ، دقق جيدا فى شكله الخارجى و طريقة كلامه – و إن بدت جيدة - ، و استكشف هل هو صاحب دين يراعى الله فى عمله ، أم جاء لأخذ عمالة من مصر و أثناء ذلك ذهب إلى المراقص و الكباريهات ليسكر و يزنى!!

 

دقق جيدا فى لقائك معه و حلل كلامه بهدوء ، و بعد أن تتعرف على الكفيل و اسم مؤسسته أو شركته ، أعط لنفسك مهلة جيدة و اسأل عنها و يمكنك ذلك إما عن طريق المعارف فى المكان الذى ستسافر إليه أو عن طريق البحث عن الشركة على الانترنت و جلب بيانات عنها ، و قد تحصل على أرقامها عن طريق دليل " الصفحات الصفراء " للدولة التى ستسافر إليها و الاتصال بهم أو بغيرهم فى نفس البلدة و السؤال عنهم ، لأنك قد تكتشف الفخ قبل الوقوع فيه و لا تتسرع مقتنعا بكلام شركة التسـفير أو الكفيل بأن الجميع        " مستعجل و مزنوق " ثم ترمى بنفسك فى بئر عميق.

 

ظروف البلد :

قبل أن تأخذ قرارك ، اجمع اكبر كم من المعلومات عن الظروف المادية و الاجتماعية عن البلدة التى ستسافر إليها و لا تقوم بتجميع هذه المعلومات من الماضى ، و أقصد بذلك من سافر قبلك من سنين من أهلك أو معارفك . فالظروف تتغير من يوم لآخر ، بل قم بتجميع المعلومات عن طريق من هم موجودين حاليا فى هذا المكان ، و عن طريق الانترنت و منتديات مجال عملك ، أو من منتديات المصريين بالخارج.

 

و سيفيدك ذلك كثيرا على الأقل فى تحديد الأجر المناسب لك ، فالكثير من المصريين يفرح بالرقم المادى و لا يعلم أن مصاريفه فى البلد التى سيسافر إليها ستكون كبيرة.

كذلك عند سؤال غيرك عن المصاريف ، اسأل من هم فى نفس حالتك الاجتماعية فى مصر أو أعلى ، و لا تأخذ برأى من هو أقل ، لأنه يقوم غالبا بصرف ما هو أقل منك هناك و ربما بكثير فلا أريدك أن تفاجأ بكم المصاريف فى الغربة و التى بعدها يكون عملك فى مصر أوفر لك منها !

 

ادرس الأمر جيدا

 كل ما قمت بإخبارك به من قبل ، لا بد أن تقوم به قبل توقيع العقد أو الاستعجال فى الخطوات ، و تذكر أن هذه حياتك فلا تهدرها و تضيع السنين لأنك لم تتأنى لأيام ، و استخر الله ، فصلاة الاستخارة ستكون خيرا لك بإذن الله.

 

عقد العمل

تعتبر هذه النقطة هامة جدا و لا بد أن تعى ما فيها جيدا ، لأنه قد يترتب على عدم الاهتمام بها الكثير من المشاكل ، و قد قسمتها لعدة نقاط ، قبل السفر ، و بعد السفر .

قبل السفر :

 – بنود العقد :

* حدد جميع ما تريده من سفرك حيث يتم الكلام شفهيا أولا مع الكفيل فى جميع بنود العقد بدون أن تتنازل عن حقوقك فستلاحظ أن معظم الكفلاء يتبعون مبدأ الفصال فى الاتفاق ، و يساعدهم فى النصب على العمالة مكاتب التسـفير فيقوم من فيها بإقناعك بأن هذا طبيعى و " إنك تسافر بس و كنوز على بابا تنفتح " فاحذر التفريط. حدد ما تريده بدقة و دافع عنه بقوة و لا تبخس حقك أبدا ، و سيظهر لك عند تمسكك بحقوقك نوع الكفيل و نوع شركة التسفير.

* إن لم يتم الاتفاق و لاحظت أن الكفيل يبخس حقك بشكل مبالغ فيه و صاحب المكتب يخبرك بأنه سوف يحاول مع الكفيل لرفع المبلغ أو المساومة على حقك ، فاحذر منهم كل الحذر !! فهم يتلاعبون بك .

* إن تم الاتفاق على كل صغيرة و كبيرة و بدا أن الأمر خير ، و اتفقت على أن يدفع الكفيل أجر المكتب ، أو إن كان تعاملك مع الكفيل مباشرة و اتفقت على عدم دفع أى مبلغ نظير الفيزا ، و لا تظن أخى الكريم أنى أبالغ ، فصدقنى هذا هو المفروض و هذا لن يضر الكفيل أو الشركة شيئا و سيحفظ لك الكثير من كرامتك بإذن الله . إن حدث هذا ، فأنت الآن فى خطوة كتابة العقد و هو تحويل ما اتفقتم عليه شفهيا إلى بنود مكتوبة بصورة جيدة و سليمة للحفاظ على حقوق الطرفين .

 

و فى النقاط التالية أوضح لك بعض البنود التى يجب أن تهتم بها :

- قم بكتابة كل ما اتفقتم عليه ، كبيرا أو صغيرا ، و استعن بمن له خبرة فى ذلك ، كما يمكنك رؤية أمثلة للعقود و مقارنتها بما تريد ، للوصول إلى أفضل صيغة ، و لا تقتنع فقط بأى عقد موجود لدى شركة التسفير .

 

-    قد يحاول البعض إقناعك بأن بعض النقاط بديهية و لا داعى لكتابتها بالعقد ، و قد حدث هذا معى حين أخبرت شركة التسفير أنى أريد أن أكتب بالعقد بند يكون مذكورا فيه حقى فى سيارة خاصة أو بدل انتقال كما اتفقت مع الكفيل – الذى أخبرنى بالطبع أنه سيعطينى سيارة آخر موديل ! ، و لكن من بشركة التسفير أخبرنى أنه لا داعى لكتابة هذه النقطة، و بعد سفرى الكفيل لم يوفر لى أو لأى من المهندسين أى سيارة خاصة أو بدل انتقال ، بل أجبر الجميع على ركوب السيارة النقل المتهالكة مع العمال الهنود ، و عند وصول الخلاف بينى و بينه لمكتب العمل ، بالطبع لم أستطع المطالبة بسيارة خاصة أو بدل انتقال لأنى اغفلت ذلك فى العقد ، فنصيحتى لك ، اكتب كل ما اتفقتم عليه بالعقد و كل ما ترى أنه يضمن حقوقك و لا تستمع لرأى من يساومك فى حقك ، فالغربة صعبة و أنت ستضحى بالكثير فلا تضحى بحقوقك .

 

-  احذر البنود التى قد تؤذيك ، مثلا ستجد بند أن أول ثلاثة شهور هى فترة اختبار و يحق للكفيل فسخ العقد دون أن تترتب عليه أى التزامات ، و هو بالطبع بند غبى ، بل منصوص عليه فعليا فى قانون البلد ، و هو يسمح لأى كفيل لص أن يبيع الفيزا للمهندس ، و بعد أن يأتى المهندس إلى البلد يفتعل الكفيل معه المشاكل ثم يقول له قبل أن تمضى الثلاثة شهور الأولى أنه غير كفء و يقوم بتخريجه من البلد حتى ينصـب على غيره مجددا ! و لذلك اكتب فى عقدك أنه لا يحق للكفيل إنهاء العقد فى أول 3 شهور إلا إذا ثبتت عدم كفاءة المهندس – أو أى وظيفة – مع وجود ما يثبت ذلك من الأدلة الموثق من الجهات المختصة التى تفيد ذلك ، و إلا فعلى الكفيل تعويض المهندس بدفع قيمة العقد كاملا !

 

-  اكتب فى بنود العقد أن مصاريف استقدامك و استخراج الإقامة و التأمين هى على الكفيل ، و مصاريف الكشف الطبى و أى مصاريف أخرى كاستخراج رخصة القيادة – إن كانت تلزم – و إلا فسيفرض الكفيل هذه المصاريف عليك و لن يدفعها أبدا !

 

-  من الممكن إن أردت أن تكتب أيضا فى عقدك بند بعدم احتفاظ الكفيل بجواز سفرك ، و إن أراد الكفيل أن يأخذه منك لإنهاء إجراءات ، فخذ منه ورقة تفيد أنه أخذه منك و عليها توقيعه ، ثم ليعيده إليك بعد إنهاء الإجراءات.

 

-  اكتب تفاصيل السكن الذى تريده بالتفصيل كأن يكون سـكن خاص فردى أو عائلى ، مؤثث ، و أى تفاصيل أخرى تراها و اتفقت عليها مع الكفيل.

 

-  اكتب تفاصيل العمل كتحديد الوظيفة و مركزك فى الهيكل الوظيفى و عدد الساعات و وقتها ، و الراتب الإضافى للساعات الإضافية، و غير ذلك مما تراه.

 

-  ضع جزاءات تعويضية فى حالة عدم التزام الكفيل بالعقد كأن يكون من حقك فسخ العقد مع نقل الكفالة إن أردت و تعويضك ماديا عن قيمة العقد كاملا .

 

-  حدد أجازاتك و طريقة سفرك و تحمل الكفيل لها ، أو تعويضك ماديا بضعف الراتب إن تم الاتفاق بين الطرفين على عدم النزول بالأجازة ، أيا كانت ، سنوية ، أو نصف سنوية ، أو كما تم الاتفاق عليه .

 

-  احصل على توقيع الكفيل الشخصى على العقد و ختم مؤسسته و يفضل أن يكون العقد على ورق مؤسسته الخاص ، كذلك ختم شركة التسفير و احصل على ما يثبت رسميا بوجود وكالة من الكفيل للشركة و إلا فالشركة نصابة إن قامت بالتوقيع مكانه مع عدم إعطائك دليل ، و احرص على توثيق العقد من وزارة القوى العاملة و التأكد من الشركة و الكفيل و أنه ليس من الكفلاء أو المؤسسات الممنوعين من جلب عمالة من مصر ، و كذلك قم بتوثيق العقد من سفارة الدولة التى ستسافر إليها بالإضافة للتوثيق من الخارجية المصرية  .

 

 

 

 

بعد السفر :

·   عند وصولك للخليج من الممكن أن يسألك الكفيل عن العقد أو أنه يريد أن يراه ، فاحذر ذلك ، فكثير ممن سافروا عانوا أشد المعاناة بسبب هذه النقطة لأن الكفيل قام بالاحتفاظ بالعقد أو تقطيعه !

·   لا تقم بالتوقيع على أى عقد جديد ، و تمسك بالعقد المبرم فى مصر ، و إن أراد الكفيل ، فأعطه نسخة تكون قد صورتها فى مصر ، و لا تقم أبدا بإعطائه أو إعطاء غيره الأصل .

·       بعد وصولك ، اذهب للغرفة التجارية بالمكان الموجود فيه و قم بتوثيق عقدك هناك .

 

من أول يوم !

تأكد أن موقفك من البداية سوف يؤثر على مشوارك طوال فترة غربتك . من أول يوم ، إذا شعرت أن الكفيل بدأ فى مساومتك أو إهدار حقوقك ، أو أنه لم يلتزم بما فى العقد ، و طالبت بحقوقك و لم تجد من إجابة سريعة ، فاذهب فورا إلى مكتب العمل و قدم شكوى فى الكفيل ، و يمكنك أيضا تقديم شكوى إلى إمارة المحافظة الموجود بها.

 

و قد حدث معى عندما طالبت بتعويض مادى عن تأجيرى سكن لأن الكفيل لم يوفر لى السكن كما بالعقد ، فأخبرنى الموظف الموجود بمكتب العمل أنى مخطىء لأنى لم آتى للشكوى من البداية ! و كان هذا جزائى أنى سمعت كلام من يقول " استحمل و مع الوقت حيجيب لك الكفيل السكن " بالإضافة لباقى كلام " اسطوانة بخس الحقوق و إهدار الكرامة ".

 

مكتب العمل

إن حدث – لا قدر الله – و لم يكن هناك حل من جانب الكفيل ، فيمكنك الذهاب إلى مكتب العمل الموجود بمنطقتك و تقديم شكوى فى الكفيل ، و إن شاء الله ستحصل على حقوقك طالما أنك تملك عقد موثق و أوراق تثبت حقك ، على الرغم من بطء الوقت و تعقيدات الروتين العقيم، و قم بدعم الشـكوى بصور من المستندات اللازمة مع ملاحظة الآتى :

 

-      عند ذهابك قم بتحضير ما يلزمك من صور الأوراق و احتفظ بورق أبيض و قلم فربما تحتاجه.

-      اسأل عن الخطوات قبل البدء فيها حتى لا يفوتك شىء .

-      لا تكثر من الكلام ، حدد ما تريده و اعرضه باختصار و دقة.

-      تكلم بأدب ، و لا تعط الغير فرصة لأن يكون له عليك حجة.

-      احتفظ بنسخة من جميع الشكاوى و أوراق القضية .

-      إن شعرت بتقاعس من مكتب العمل ، فاذهب للإمارة و قدم شكوى للأمير.

-  إن أحسست بأن الوقت سيطول حتى تأخذ حقك فى النهاية ، فاطلب تصريح بالعمل لدى غير الكفيل ، و طالب بتعويض عن مدة انتظارك.

-  جميع الكفلاء يتبعون فى حالة الخلاف مع العامل سياسة " النفس الأطول " و يعلمون أن العامل غالبا يترك حقه فى النهاية أو تحت الضغط لجهله بحقوقه و عدم قدرته على الدفاع عن نفسه و هذا للأسف انبطاع مأخوذ عن العمالة المصرية بالخليج.

-  إن كنتم أكثر من فرد ، توجهوا بشكاوى إلى المستشار العمالى بالسفارة ، فعندما تكون مجموعة متحدة ضد الكفيل ، قد تقوم وزارة القوى العاملة بمنعه من أخذ عمالة جديدة من مصر نهائيا .

 

 

 

 

 

نصائح عامة :

 

هذه بعض النصائخ العامة و أرجو من الله أن تنفعك إن كنت مصرا على السفر .

 

أصلح النية

اجعل نيتك صالحة لوجه الله حتى يرزقك خيرا ، و اجعل هذه طريقتك بالغربة . ففى أى عمل اجعل نيتك صالحة ، فى سفرك عامة و فى عملك هناك و راقب نفسك و اعلم أن الخير بركة و نور و الشر فقر و ظلمة.

 

الصحبة الصالحة

 احرص على أن يكون لك صحبة صالحة من قبل سفرك . فإن لم يكن ، فعند وصولك بالبلد المسافر إليه ، ابحث عن الصحبة الصالحة و غالبا ستقابلها بالمسجد ، ممن يخافون الله و يتبعون الحق ، فسيكونون عون لك بإذن الله فى وقت الرخاء و عون أكبر فى وقت الشدة ، على عكس رفاق السـوء فسوف يتفرقون عنك و منهم من سيبيعك فى أول شـدة !

 

التأريخ و الورقيات

عند وصولك ، قم بتأريخ الأحداث ، مثل تاريخ وصولك و بدأ العمل ... إلخ فربما ستحتاج إلى كل ذلك فى يوم ما ، كذلك قم بالاحتفاظ بالأوراق الهامة كالإيصالات و الاحتفاظ بنسخة احتياطية منها .

 

الإتقان

أتقن عملك ، و اتق الله فى هذا العمل ، فلا تهمله ولا تعط أى انطباع سىء عنك لأن ذلك سيُطبع عند الكفيل أو أهل البلد أنه سمة جميع المصريين ، فلا تهين نفسك أو غيرك ، و احترم النظام و لا تحاول كسره ، و اعمل بالمثل المصرى " امشى عدل يحتار عدوك فيك "

 

لا للإهانة

إياك و أن تجعل نفسك أو أى من المصريين رخيصا ، حتى إن كان وضعك بالغربة جيدا و وضع غيرك سيئا فلا تقل " و أنا مالى " بل انصر أخاك و ساعده و ارفع الظلم عنه ، فهذا واجب عليك ، لا تكن من الأندال الذين كثروا و لا حول و لا قوة إلا بالله ، بل كن رجلا ، و لا تستأثر بالخير لنفسك بل انشره و ساعد غيرك لوجه الله و لا تكن رخيصا مثل من يقولون " إحنا فى مصر نتبهدل ببلاش ، فى الخليج نتبهدل بفلوس "

و إنا لله و إنا إليه راجعون

 

مصروفاتك

احتفظ بسجل لمصروفاتك من البداية حتى تستطيع تقدير الوضع بالغربة و كذلك قم بالسؤال من البداية من المصريين الموجودين عن أفضل طرق التوفير ، و أفضل الأماكن للشراء و سيدلونك على أماكن جيدة تحصل بها على ما تريد من أغراض بسعر جيد.

 

امسك لسانك

كما نقول " لسانك حصانك إن صنته صانك و ان هنته أهانك "

ستجد الكثير فى الغربة يتكلم كالنساء " ع الفاضى و المليان " فلا تكن معهم و راقب كلامك و لا تحاول أن تتحدث مع أبناء البلد الذى ستذهب إليه عن سياسة البلد و نظام الحكم ، فلمعلوماتك إن لم تكن ذهبت للدول العربية بعد ، فكمّ الحريات السياسية فى مصر و التعبير عن المعارضة – حتى و إن لم يعجبك – أكبر بكثير من باقى الدول العربية ، فلا تظن أن الأمر نفسه بالخليج و احذر أن تقع فى المشاكل بسبب ذلك .

 

وقت فراغك

إن وجدت وقت فراغ فلا تحاول تضييعه فيما يضر بل اشغله بالعبادة و طلب العلوم الشرعية و تنمية خبراتك العملية و المحافظة على صحتك بالرياضة ، و اترك أغلب المفسدين ممن يضيعون أوقاتهم بالغربة و كأنه شىء عادى فيخسرون رضا الله عنهم و يرجعون لبلدهم و قد أصبحوا أجهل بالدين و الدنيا.

 

لمن أوجه كلامى ؟

أوجه كلامى لكل من عنده إحساس بكرامته و كرامة أبناء مصر ، و من يمكن أن يعقل الأمور و يزنها بالحق و أنا لا أرجو من ذلك شيئا و لم أكتبه لفائدة شخصية بل كتبته و أنا فى هذه الأزمة لوجه الله ، و لا أرجو إلا الدعـاء لى بفك كربى و العودة إلى مصر سالما ، و أن ينفع هذا الكلام غيرى و يجعله يستفيق من غيبوبة الأمل الزائف.

و أتمنى إن أحسست بفائدة لكلامى أن تنشره قدر استطاعتك ، كنشره بالإيميلات أو المنتدى الخاص بك لعله يصل إلى من يستفيد منه و إن وجدت أفكارا للعمل ضد نظام الكفالة فرجاء أرسله إلى على الإيميل : deddalkafala@hotmail.com

و أخيرا فاعلم أن هذا النظام الظالم إلى زوال ، و قد بدأت بالفعل دول كالبحرين فى إلغائه ، على الرغم من عدم معرفتنا هل النظام الجديد " فعليا " سيحافظ على الحقوق أم لا ، لكن بوجه عام فنظام الكفالة سيتم إلغاؤه بإذن الله ، إن آجلا أو عاجلا ، كما أن الضغوط الدولية من أجل ذلك كثيرة ، و اعلم أن انتظارك الفترة القادمة فى مصر ، حتى إلغاء هذا النظام سيفيدك كثيرا ، فنصيحتى لك أن تنتظر حتى تسافر بكل حقوقك و بمرتب أفضل بكثير إن سافرت و استعجلت الأمر الآن.

 

                                                  وفقنا الله جميعا لما يحبه و يرضاه
بواسطة hassanomar75 06:35 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
عمى سيد عجايب محتار فى أنفلونزا الخنازير
19 تشرين ثاني, 2009

 

11:11:382009-11-20

 

عمى السيد عجايب رجل طيب وظريف وخفيف الظل، يقرأ بسهولة ويكتب بصعوبة ، فلاح مكافح من قرية مجاورة لنا ، يملك فدانين ويستأجر ثلاثة آخرين يقوم بزراعتهم مع ولده على ،كلمة ( عجايب) ليست من ضمن إسمه الأصلى ولكنها أضيفت له من الناس المحيطين به من كثرة تكراره لكلمة عجايب عندما يسمع خبراً ما ملفتاً للإنتباه ،  قام بتعليم ولده الصغير حتى تخرج من كلية الهندسة وإبنته ما زالت فى كلية العلوم ، هو رجل ألمعى وذكى لا تفوته فائتة ، يفكر ويتأمل ويناقش كأنه حاصل على أكبر الشهادات ، يحرص على هدوئه وأدبه ولا يرتفع صوته مع من يكلمه حتى لو كان يصغره سناً .

 

سمع عمى السيد عجايب عن إنفلونزا الخنازير ، ولأنه زبون دائم ومهم عندى  فقد سألنى ببراءة شديدة :

 

-   وايه يعنى الفرق بين أنفلونزا الخنازير والأنفلونزا اللى هاريانا ( يقصد أننا نصاب بها ) كل دقيقة ؟

 

-   أنفلونزا الخنازير هى نوع جديد يقال أنه خليط من ثلاثة أنواع منها نوع يصيب الإنسان ونوع يصيب الخنزير وثالث يصيب الطيور.

 

-   وهل اتفقوا هؤلاء الثلاثة مع بعضهم ضد البشرية أم أن هناك من قام بتوفيق ثلاثة رؤس فى الحلال .

 

-        هههههههههه ياعم السيد لك كلام جميل وعجيب ، صدق من سماك عجايب

 

 

-        طيب قل لى  أين يوجد هذا الفيروس ؟ فى الأكل أم فى الماء أم فى الهواء ؟

 

-        طبعاً يوجد فى الجهاز التنفسى للمرض وينتقل منه إلى الهواء عن طريق العطس والكحة .

 

 

-        يعنى الهواء كله ملوث فيروسات ؟

 

-   يستطيع المريض نقل العدوى للآخرين بالعطس والكحة فى حيز من الفراغ قدره متران مكعبان .

-   لو كان الأمر هكذا لماذا لا يصاب ملايين البشر بالفيروس فى يوم واحد أو حتى فى شهر واحد ومبلغ علمى أن هذا الفيروس مكتشف منذ ثمانية أشهر أو أكثر ؟

 

-   لأن هذه الفيروسات تموت فى الهواء بعد أقل من ساعتين فقط  لو لم يستنشقها إنسان فى الوقت المناسب .

 

-   هل تظن أن هذه المسألة تخيل علىّ؟ ( يقصد تفوت على مخى كده) ؟ إن عدد الحالات فى العالم كله لم يتجاوز المليون فى قرابة عام  والعالم سبعة مليارات نسمة ومعنى ذلك أنها فصيل عادى من ألإنفلونزا ؟فما هو سبب التضخيم والرعب الذى نعيش فيه ؟ هل هى سياسة واقتصاد ومصالح دول عظمى على حساب دول فقيرة ؟ هل هناك خطط  معينة لجنى الأرباح من الفقراء الجوعانين ؟ أما عجايب والله .

 

-   يا عم سيد إن الإنفلونزا الموسمية تصيب مئات الملايين سنوياً وتقتل حوالى نصف مليون كل عام .

 

-   تمام ولكن هذه الأنفلونزا قتلت على حد وسائل إعلامهم أقل من ستة آلاف فى قرابة عام ومعظم الموتى من المصابين أصلاً بأمراض مزمنة يعنى هى أقل وطأة من الموسمية أليس كذلك؟

 

-   حتى الآن كلامك صحيح ولكن العلماء يخشون تحورها لنوع أشد ضراوة فيسبب فتكاً كبيراً فى البشرية ؟

 

-   ولماذا خائفون من هذه الإنفلونزا بالذات ؟ هل لأنهم صنعوا لها دواءاً يريدون بيعه ؟ أم أنهم وضعوا لها خطة طويلة النفس تبدأ بإرهاب العالم منها ثم تتدرج إلى التخفيف من وطأة الإرهاب بقولهم خلاص ما تزعلوش الحل عندنا وسوف نبحث لكم عن مصل يناسب يحميكم منها فلا تخافوا ولا تحزنوا أليس كذلك ؟ ثم تبدأ عملية تصنيع للمصل ثم تليها خطوة هامة وهى أن المصل شحيح وقليل ويجب أن يهرول الناس لشرائه قبل أن يدركهم الموت  ، ثم تتهافت الدول الفقيرة أو الذليلة لشرائه بدم قلوبهم رغبة فى النجاة من الموت مع أنهم فى الحقيقة أموات ، ثم تبدأ الدول الكبرى فى جنى المليارات وحشوها فى خزائنها ومشاريعها القومية وليذهب الآخرون إلى الجحيم ،أما عجايب .

 

-        هل تظن يا عم سيد أن هناك خطة مبيتة كما تقول ؟ وكيف توصلت لتلك المعلومات ؟

 

-   يا سيدى أنا فاهم ومطلع ولا تفوتنى فائتة ، إشمعنا يعنى ظهرت الزفتة دى السنة دى مع الأزمة المالية العالمية ؟ هل هو محض صدفة ؟ عجايب والله .

 

-        بصراحة تساؤاتك حيرتنى يا عم عجايب !!

 

-   شوف ياعم الدكتور بكرة حيعدى الشتا على خير وسوف يختفى هذا البعبع اللى بيخوفه بيه الناس اللى اسمه أنفلونزا الخنازير وسوف تنفضح كذبتهم ويعرف العالم أنها لعبة قبيحة ليس لها طعم ولا لون ولا معنى غير الإبتزاز وأنه إرهاب من نوع جديد يقوم به الكبار ضد الصغار حتى تزداد هيمنتهم على العالم ويقولوا للدنيا كلها أن بأيديهم حياة الناس وموتهم والعياذ بالله العظيم ، ثم قل لى هل أنفلونزا الخنازير هى فقط التى تقتل ؟ إنها نقطة فى محيط ليس له قرار من ضمن أسباب الموت فهناك ملايين الفيروسات الأخرى والبكتريا والسرطانات والحروب والحوادث اليومية وقتل الإنسان لأخيه الإنسان وغير ذلك مئات الأسباب للموت فهل ننسى كل تلك الأسباب ولا نتذكر غير أنفولونزا الخنازير، عجايب والله  .

 

-   ولكننا يجب أن نأخذ بالأسباب يا عم سيد ونحتاط  لأنفسنا فقد يزداد الأمر سوءاً ونضيع فى شربة ماء .

 

-   مفيش مانع من الإحتياط بشرط ألا يصل لدرجة الإستعباط ههههههههه ، يعنى ناخد بالنا ونوعى الناس ونفهمهم وهذا دور الطب والأطباء ، مش كل من هب ودب يفتى فى أنفلونزا الخنازير لحد لما الناس بقت تختف تروح تشترى طلبات وبقت يحصل لها صرع لو حد عطس جنبها !!!!!عجايب والله .

 

لم أجد متسعاً من الوقت أكثر منذ لك فتركت عمى السيد عجايب وأنا أفكر فى كل كلمة قالها ومهتم جداً بوجهة نظره وقررت أن اضعها فى حسبانى وأنتظر مرور الشتاء وفعلاً ياما فى الدنيا عجايب .

 

 

بواسطة hassanomar75 23:04 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت
محتارات من كتاباتى لدعم حرية الرأى والفكر والمعتقد
20 ايلول, 2009
تهميش الآخر .. لماذا ؟

من أخطر الآثام التى يقع فيه الإنسان ويظنها سهلة ويسيرة ومقبولة تهميش الآخر المخالف لى فى الرأى أو الفكر أو المذهب أو العرق او الدين لأننى بهذا التهميش أسلبه حقأ إنسانيأ فى أن يدلى بدلوه فى قضايا عصره وأفكار زمانه , بل وأعتدى على كرامته وانتقص من إنسانيته فيغدو عدوأ لى يتجنب مجلسى ويبتعد عنى كلما استطاع إلى ذلك سبيلأ حيث اصبحت أمثل له مصدرأ للضيق والقلق وكأننى زنزانة يوضع Ý فيها او سجان يحرمه من حقوقه الإنسانية , فكيف ارضى لنفسى أن اتحول إلى شخص منفر ذى أسلوب مرفوض فى تحقير المخالف وتهميشه والتضييق عليه فى آرائه ؟؟
فألمختلفون معى فكريأ أحترمهم كنفسى وأؤمن بهم وبحريتهم الفكرية ورأيهم المخالف لرأييى طالما طرحوه باحترام وشرحوه بأدب وبينوه باستنارة وألقوا عليه اضواء علمهم وأنوار فكرهم وسناء عقلهم ولم يتناولونى بالتجريح والإهانة والتحقير والإستهانة والزج بى فى متاهات من تهم التكفير والتغريب والعمالة وغيرها من تهم العصر الجاهزة والتفصيل التى يعدها ويخرجها ويستخدمها حديثو العهد ---باستخدام العقل ---كسلاح ضد كل من يخالفهم الرأى أو الفكر أو المذهب , بل ومستعد للدفاع بكل ما أملك من قوة –ولله القوة جميعأ--- فى سبيل الدفاع عن ندّى—بكسر النون وتشديد الدال -- الذى يختلف معى فى الرأى طالما تميز بما أنف ذكره من نعمة النور الفكرى والأدب الحوارى فى توصيل رأيه وطالما خاصم الديكتاتورية الفكرية التى تريد أن تفرض فكرأ معينأ إما بالذوق فإن لم يفلح الذوق فبالقوة والجبروت والسلطان والعدوان وهذا ما أربأ بكل كاتب محترم عنه 0
لماذا أحترم من يخالفنى الرأى وأبحث عنه بالإبرة ---تعبير مصرى جميل يدل على عناء البحث عن الشىء--- حتى أجده وكأننى لقيت كنزأ ؟؟ لأن من يخالفنى الرأى يجعلنى أغوص فى أعماق نفسى وأخرج منها لآلىء الفكر الجميل وأحصل على آراء كانت نائمة بداخلى تنتظر من يوقظها ولن يييقظها غير من يخالفنى الرأى لأنه ينتقد كلامى ويفند آرائى ويحاول إقناعى أننى على خطأ وهو على صواب فهى معركة شريفة رائعة أجمل كثيرأ من سباقات الرياضة التى يسعى كل بطل فيها لكى ينال الدرجات العلى , فالذى يخالفنى الرأى يرى نفسه على صواب ويرانى على خطأ وانا أراه على خطأ وأرانى على صواب ويقدم كل منا براهينه ومبرراته التى بالطبع تكون ادق وأعمق ما يصل إليه كلانا من عمق تفكير وسعة خيال , وهذا هو سرجمال النقاش الشريف الذى يؤدى حتمأ إلى نتائج مرموقة ويصل بالمتحاورين إلى ما يصبو إليه كلاهما كمخلصين للمادة العلمية ولموضوع الحوار , فيتنازل المخطىء للمصيب ويعترف بسابق إخفاقه فى ذلك الموضوع وتتوطد العلاقة بينهما أكثر , وحتى لو لم يحدث ذلك الإتفاق فى الرآى والفكر أو ذاك التنازل من أحدهما للآخر بناءا عن إقتتناع , وظلا مختلفين ورحلا وهما لا زالا متمسكين بفكريهما , فإن ذلك لا يفسد للود قضية ويظل يربطهما حبل من نور المحبة وجمال الأدب ورقة الذوق حتى يجمعهما لقاء آخر فيعاودا نقاشأ جديدا ويستأنفا حوارا مفيدأ فقد جمعهما أدب الكلام ولذة الإستفادة وتفرقا على ذلك فلم تنشأ بينهما عداوة ولم يكره أحدهما الآخر على فكره اورأيه أو مذهبه0
ألمتفقون معى فى آرائى طبعأ لهم كل الحب والإحترام والتقدير ولكنهم لا يستطيعون عمل نفس الأثر وإحداث نفس الدافع نحو مزيد من البحث عن براهين ومبررات لما أراه كما يقوم بذلك المختلفون معى , فالمتفق معى كأنه أنا شخص واحد وهو أمر لا أميل له بطبعى بل أحب الإختلاف وابحث عنه حتى يكون للحياة لذة وللنقاش معنى واثر ونتيجة , بيد أنى لا أذكى نفسى أبدا بل الله تعالى يزكى من يشاء وهو وحده يعلم ما تخفى الصدور كما وأننى لا أعتبر نفسى مصيبأ على طول الخط بل إن راييى فى نظرى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطا يحتمل الصواب واعتقد ان هذه اروع أمثلة الديمقراطية الفكرية وأجمل توضيح لإحترام الآخر المختلف معى فكريأ فكلنا فى النهاية بشر يجاهد ليعرف الحق من الباطل والصواب من الخطا والنور من الظلام والهدى من الضلال , وليس بيننا معصوم ولا من يوحى إليه بخبر السماء فلا مجال إذأ لتزكية النفس او تحميلها ما هو فوق طاقتها ولا مجال لأن يجعل مفكر أو مجتهد من فكره ورأيه كتابأ مقدسأ يجب ان ياتى إليه الناس مذعنين خاضعين ومصدقين كأنه وحى السماء الذى لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه0
ألإختلاف بين البشر دينيأ وفكريأ وعقائديأ هى حقيقة لا ينكرها غير غائب عن الوجود وقد قال أهل اللغة والشعر والأدب ( وبضدها تتميز الأشياء) ولقد أكد القرآن الكريم على حقيقة الإختلاف حين قال تعالى :

((وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ {118} إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ {119}))هود
مجرد شعورى أن من يناقشنى فى مسألة ما ويريد ان يتنكر لرأييى أو يهمش وجهة نظرى أو لا يأخذ فكرتى بمحمل الجد والإحترام والتثمين فإننى أنسحب من حلبة النقاش ولا أستمر أبدا لان أدب الحوار والغض من صوت المتحاورين وإحترام الآخر المختلف فى أن يدلى بدلوه ويبين وجهة نظره فى الموضوع المتحاور عليه وإعطاءه وقته الكافى للتعبير عن وجهته تلك , إن لم يتحقق ذلك فلا نقاش ولا حوار بل هو صورة أخرى للديكتاتورية الفكرية ومحاولة جديدة لإنكار الآخر وتهميشه وإقصائه وهى أمور لا يرتضيها عقل حر يقدر معنى الفكر والإجتهاد والتدبر ويزن الأمور ويضعها فى نصابها0
كيف أعرف عيوبى فاصلحها لو لم يكن هناك نقد بناء ؟ وبدون هذا النقد هل ينصلح الحال المائل ؟ وهل يستقيم المعوج ؟ وهل يتم إصلاح العيوب وتلافيها والوصول لافضل النتائج وأكمل الأعمال بدون هذا الآخر الذى ينقد بعين فاهمة وعقل واع ولسان مهذب ؟ إن المرء—من المروءة--- مرآة اخيه حين تصدق النوايا وتخلص القلوب لله تعالى وللناس أما أصحاب النقد الهدام والشتائم والتجريح والتكفير وتوجيه التهم الجزافية والصفات العشوائية لكل مخالف لهم فى الرأى أو المذهب , اصحاب القلوب الغلاظ والعقول المقفلة والالسنة الحداد , فهؤلاء مرايا مشروخة بها ألف شرخ وألف كسر ولا تصلح لإظهار عيوب الإنسان بل تصلح لأن تتحول إلى آلة حادة تقتله وتدمره وتدفنه حيأ لانه مختلف معهم 0
فعلينا فى مجتمعاتنا أن ندرّس ثقافة الإختلاف فى الرأى والفكر والدين والمعتقد ونجعلها مادة ذات أولوية فى كل مراحل التعليم ويقوم على وضعها أناس يحترمون الإنسان أيا كان لأنه إنسان ولا يتعاملون معه بشروط مسبقة , وأن ندرّس كيف نحترم الآخر المختلف ونقدره ولا نحقره ونثمنه ولا ندفنه , ولا نجعل من أنفسنا آلهة تسعى بين البشر فكلنا بشر يصيب ويخطىء وليس بيننا من يملك الحقيقة المطلقة التى هى ملك قيوم السماوات والارض سبحانه وتعالى عما يصفون0
(2) كلام من فضة :


كثيرون من الناس هم من يحشرون أنوفهم فيما لا يعنيهم وفيما لا يهمهم ولا يخصهم فتراهم يتدخلون فى مواضيع لم يدرسوها ولم يفقهوها ولم يحضروا لها تحضيرأ جيدا ويبدون آراءأ فجة غير ناضجة تحتاج إلى المراجعة والتنقيح والتريث والمشورة قبل خروجها إلى حيز الوجود وقبل أن تصطدم بالواقع الأليم الذى لا يقبل الإعوجاج فتنهال عليهم الآراء النقدية والإتجاهات المعاكسة عن اليمين والشمال ومن أعلاهم ومن اسفل منهم حتى ينبطح صاحب الرأى ارضأ معلنأ خيبة أمله واستسلامه امام الضربات المتتالية والموجعة من المعارضين الذين هم بالتأكيد ستكون فرصتهم أكبر كلما كان صاحب الرأى قليل العلم محدود الثقافة وذا براهين ضعيفة لا ترقى إلى مستوى فقههم أو علمهم فى الأمر المقصود من ذلك المتدخل بأنفه فارضأ نفسه فى كل موقف ومحفل من أجل شهرة زائفة أو سيط زائل , مثل هذا الرأى يقول عنه الناس أنه كلام من فضة 00لماذا ؟
لأن السكون والسكوت والصمت أفضل مئات المرات من إبداء رأى خائب يضر ولا ينفع ويؤخر ولا يقدم ويفسد ولا يصلح ويهدم ولا يبنى وقديمأ قالوا إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب وذلك دعمأ لان يحكم الإنسان غريزته ويكبح جماح شهوته الكلامية فلا يتحدث فى شىء يجهله ولا يبدى رأيأ فى موضوع لا يعقله ولقد جاء فى الذكر الحكيم قول الله تعالى :
( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولأ)
وهذه دعوة ربانية حكيمة لكل ذى لبّ ألا يتكلم فى موضوع قبل ان يدرسه جيدأ ويراجعه ويتاكد من معلوماته فيه فإذا كان علمأ بحتأ به تجارب وابحاث ومعادلات وجب عليه مراجعة ذلك بدقة بالغة حتى يتسنى له عرض فكرته وشرح رأيه وتبيان وجهة نظره دون ان يتعرض للنقد والتقريع والإبطال والدحض من ذوى العلم والبحث والتجربة
ليس معنى ذلك حصر الرأى والكلام فى فئة معينة من الناس ولكن الباب –باب العلم والبحث والتدبر --- مفتوح على مصراعيه لكل راغب ولكل محب للإطلاع والمعرفة أن يؤسس لنفسه بناءأ شامخا من العلوم والبيانات الفكرية والمعلومات التجريبية حتى يصبح جديرأ بعرض رأيه فى مسألة ما دون أن يعانى نقصأ فى معلوماته أو يوضع فى مأزق محرج بسبب عدم قدرته على توصيل فكرة ما أو شرح مسألة معينة بسبب قلة خبرته أو سوء فهمه للأمر من الأساس
وفى هذا المعنى كتب الشاعر هذه الأبيات الجميلة
يا ايها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذى السقام وذى الضنا
كيما يصح به وأنت سقيم
لا تنه عن خلق وتأتى مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
وشخصية (أبو العريف) من الشخصيات الشهيرة فى مجتمعنا العربى وهو الشخص الذى يفهم فى كل الأمور ويفتى فى كل المسائل ويتحدث فى الطب كانه جراح بريطانى وفى الفلك كانه عالم همام وفى التاريخ كأنه الجبرتى وفى الرياضيات كانه الخوارزمى وفى الشعوذة كأكذب دجال وفى الهرطقة عمال على بطال ويتحدث فى أمور النساء والعادة الشهرية وفى أمور الرجال والمسائل الشخصية ويتكلم فى هندسة الراديو والتلفزيزن ويقوم بإصلاح الغسالة والتليفون ويدعبس فى الكمبيوتر ويزرع الأرض ويفتى فى أجود انواع البذور ويتكلم فى البقالة وأسرارها والجزارة ومعجزاتها كما يعمل فى النجارة ويجرب حظه فى الحدادة ويحاول التكلم بلغات أجنبية فيطعم كلامه بألفاظ إنجليزية حتى يوضح للسامع مدى ثقافته التوسعية وأحلامه العلمية وأطماعه الفنية وتوجهاته الأدبية فهو غير محدد المعالم وغير واضح الملامح ولا تفهم له وجهأ من قفا فمعلوماته فى جميع المواضيع ناقصة غير حقيقية وكلامه فى معظم المسائل ليس له اهمية فمن المستحيل أن يكون هناك إنسان يفقه فى كل الأمور ويفتى فى الكبير والصغير ويتكلم فى الشعر كأنه أديب كلامأ عجيبأ مريبأ غريبأ فتراه فى الصباح مدرسأ وفى الظهيرة مهندسأ وفى الأصيل موسوسأ وفى الليل طبيبأ وفى اليوم التالى يتقمص أدوارأ أخرى ويقوم بتشخيصات جديدة وقصص عديدة فهو الذكى الألمعى الشديد الذكاء وهو الوقور الطيب الصابر على البلاء يسير فى كل مأتم ويأكل فى كل عرس ويحضر كل زفاف ويصفق لكل عروسين ويبكى فى كل جنازة ويزغرد فى كل حفل ويرقص فى كل مولد وله ملابس لكل مناسبة فكأنه ألف إنسان بألف وجه بألف جسم بألف رأى بألف فكر بألف دين بألف إتجاه بألف سليقة بألف هدف بألف حلم بالأف امل
أنا شخصيأ تنتابنى نوبات حادة من الصداع عندما ألتقى بهذا النوع المسمى ابو العريف ولا أعرف يمينى من شمالى وكل همى يتركز على كيف أغادر المكان الذى حل فيه وكيف أهرب منه قبل ان افقد صوابى فهو راديو مفتوح على كل الإذاعات وتلفزيون مثبت على كل القنوات وموسوعة جرائد ولكن أوراقها ملخبطة ومتداخلة وقهوة كاملة بكل طاقتها من بشر وكراسى وتربيزات ومشروبات وشارع متحرك ملىء ببشر لا يتعبهم الكلام فىاى شىء وفى كل شىء دون أن يسألهم أحد او يستفسر منهم مخلوق , ليته يتوقف عن الكلام والإفتاء والرغى واللت والعجن , متى يتحقق لى هذاالأمل ؟ وما الحل لو فوجئت به يركب جوارى فى القطار أو السيارة الأجرة او الباص ؟ وماذا لو حكم علىّ الزمان وكان ابو العريف هو جارى فى المنزل أو زميلى فى العمل أو رئيسى فى العمل ومطلوب منى أن انافقه وابارك كل ارائه واشيد بكل كلماته؟؟
هل هو مريض نفسيأ ام معيب خلقيأ أم فاشل إجتماعيأ أم هارب من الأيام ام قليل المقام أم طافش من المدام ؟؟
أرجو الا اكون قد أزعجتكم بهذا الكلام
(3) تفتيش القلوب والبحث عن ذنوب :

فى جميع دول العالم المؤمنة بحقوق الإنسان فى العدل والمساواة والحرية بكافة مشتقاتها ينظر المجتمع للإنسان نظرة حب وتكريم مفادها أنه شريف وكريم وحر ومحترم طالما لم يأت بفعل يخرق به القانون المطبق والمعروف فى تلك الدول التى تؤمن بأحقية الإنسان فى حياة كريمة تتميز بالحرية فى كل صورها شاملة حرية الدين والمعتقد والفكر والرأى والتوجه والجنسية والحركة والتعبير والتمثيل السياسى والعمل الشريف وإصدار الصحف وتأليف الكتب وإقامة المنشآت الإعلامية التثقيفية منها والإخبارية وحرية التنقل والتجارة من تصدير إلى توريد وحرية التعامل مع باقى أفراد المجتمع المحيط به والمجتمع الدولى عمومأ كما تسخر هذه الدول كل قواها الشرعية لحماية هذه الحريات وتأمين المواطن ضد اخطار الإرهاب والسرقات والأمراض وأخطار التجهيل والتغييب بما تنشره من عوامل توعية بين مواطنيها لأن هذه الدول آمنت أن المواطن الحر الكريم الآمن القوى الصحيح البدن والعقل والمتعلم والباحث والمثقف هو عماد البلد وهو كيانها الذى تقوم عليه وبغير هذا المواطن يفقد الوطن معناه ولا تصبح للحياة قيمة تذكر0
على النقيض تمامأ فى عالمنا العربى الميمون والذى من المفترض أصلأ انه مهد الرسالات السماوية ومنبع الخير والحب والسلام لكل الإنسانية على ربوع أرض الله وتحت سمائه ولكن –للأسف--- فإن المواطن فى بلادنا العربية متهم دائمأ حتى لو لم يفعل ما يخالف به القوانين والأعراف وذلك بسبب الأنظمة الإستبدادية التى تنمو وتترعرع وتتغذى على مقدرات هذا المواطن الذى يعانى الأمرين فى كل مؤسساتها من مؤسسات التعليم إلى مؤسسات الصحة إلى مؤسسات الشرطة والأمن وغيرهم يعامل المواطن كمتهم وينتظر منه أن يثبت لمن حوله أنه طيب ومسالم وشريف ويحب الناس ولا ينوى الإضرار بالآخرين وأن قصده شريف وأنه يسعى فقط للحصول على لقمة العيش المرة ولا يطمع فى أكثر منها وليس من مخططاته أن يطمح لمنصب معين أو يضع عينه على شىء معين ويسعى للحصول عليه فكل هذه محظورات يقف الإستبداد وأعوانه حاجزأ بين أى مواطن وبين تحقيقها بما شرعوه من قوانبن تعجيزية وبما وضعوه من نصوص وبنود تجعل المشروعات ضربأ من ضروب الخيال والأحلام فى مستقبل أفضل شكلأ من اشكال الأساطير والخرافات
لماذا يتعمد الإنسان العربى التفتيش الدائم والمستمر فى قلوب من حوله والمحاولة المستميتة للوقوف على ما يفكر فيه الآخر وما ينوى عليه ؟ بل لماذا يتهم كل منا الآخر فى دينه وعقيدته وفكره ورأيه بمجرد الشعور أنه يخالفنا وأن له إتجاهأ مغايرأ وأنه يستعمل عقله ولا يرضى أن تملى عليه الأفكار لكى يبتلعها إبتلاعأ كما يبتلع السمك طعم الصياد فيصطاده ويأكله ؟ لماذا نعادى كل صاحب فكر متحرر عن طبيعة تفكيرنا التى ورثناها ونكيل له التهم ونصفه بأقذع الصفات وأبشع الألفاظ ؟
ما السر فى أن معظم العرب قد ألهوا أنفسهم وجعل كل منهم من نفسه قيمأ على غيره يحاسبه ويؤدبه فى أى وقت ويتهمه ويطلب منه الدفاع عن نفسه وتبرير موقفه وتقديم الأدلة التى تثبت براءته –لماذا ومن أنت ؟ ومن كلفك بذلك ؟ وما هذا التفكير العجيب الجاسم على العقول والقلوب؟ ألم يحن الوقت بعد فى القرن الواحد والعشرين أن نتحرر ويعيش كل منا فى حاله يبحث عن رزقه وأعماله تاركأ شأن القلوب وما بها والعقول وتفكيرها لله خالق القلوب والعقول والمطلع على كل ما فيها من أسرار ؟
كل إنسان فى عالمنا العربى تحديدأ يريد من أخيه الإنسان أن يقدم له كشف حساب بأعماله وأفكاره وآرائه يومأ بيوم أو حتى ساعة بساعة والعجيب أنه ينسى أنه هو أيضأ مطلوب منه تقديم نفس هذا الكشف لآخرين ينتظرونه هو أيضأ لتفتيش قلبه والوقوف على أعماله وأفكاره وماذا قال وماذا فعل وما هو معتقده فى كذا ولماذا فعل ذلك ولم يفعل ذلك ؟
محمكة تفتيش منصوبة داخل قلب كل منا ويا للعجب تفرغ كل منا لرصد أعمال الآخرين ونسى هو ما قدمت يداه وما ارتكبت من معاصى وآثام وتفرغ لمحاسبة أخيه الإنسان بأسلوب مقزز يجعل الحياة تمر صعبة ركيكة وخالية من الحكمة والإبداع لما أصاب العقل من قيود وراثية ونظرات شخصية وسلوكيات طائفية تجعلنا نتأخر عن ركب الحضارة ولا نجارى أقل الأمم شأنأ فيما وصلوا إليه من علم وتكنولوجيا وفكر وفلسفة وثقافة0
إن الله تعالى قد خلق العقل لكى يفكر ويبدع ويخترع وينعم بلذة الحياة التى حباها الله له وخلق القلب لكى يحب ويجيش بالعواطف ويحس ويبكى عند اللزوم وخلق العينين لكى ترى إبداع الله فى كونه وعظمة الله فى خلقه وخلق اللسان لكى يعبر وينطق ويتكلم ويوضح ويظهر ما خفى عن الآخرين ويتفلسف ويقول ويبدع القول , وخلق اليدين للعمل والعلم والكتابة والتأليف والتعبير وتوصيل الحقائق للناس بغير بخل أو حقد وخلق القدمين للسعى على الأرزاق والحركة من أجل صالح الإنسان وصالح البشرىة كلها .
لم يخلق الله تعالى هذا الملكوت العظيم فى كل جسد بشرى لكى يقهر ويذل ويمنع من التفكير والتعبير والقول والرأى والحركة لا فما قيمة الحياة إذا حرم الإنسان من حريته بمختلف أنواعها وإذا حرم من كرامته وإحساسه بكينونته التى منحها له علام الغيوب سبحانه0
إننى أنادى من هذا المنبر برفع الإيدى والرعب والإرهاب عن الناس حتى يستطيع كل منهم التعبير عن نفسه وفكره ورأيه ومعتقده غير مكره على شىء ولا خائف من أحد ولا عامل أى حساب لشخص سيسجنه أو يقهره أو يذله لمجرد أنه يعبر عن رأيه وفكره ومعتقده فى كل مكان وعلى كل الصفحات وهو حق طبيعى كفله الله للإنسان الذى جعله الله خليفة فى الأارض فكيف يكون خليفة وهو مقهور أو مسجون ظلمأ او مجبور على شكل معين من الرأى والفكر والأإتجاه أو حتى الدين0
فليرفع كل منا يده عن أخيه ولنترك الحساب لرب السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى فليس من حق المخلوق محاسبة أخيه المخلوق ولا التفتيش عن محتويات قلبه ومكنونات عقله وطبيعة فكره , ولن ننهض ولن نرتقى إلا إذا حذونا هذا الحذو
فليخرج كل منا أنفه من قلب وعقل وعمل أخيه الإنسان

(
4) مجتهدون نعم .. مالكون للحقيقة لا ..

مسكين جدأ ذلك الإنسان الذى يظن أنه يملك الحقيقة فى يديه , واستحوذ عليها , وصارت تحت إمرته , يتصرف فيها , ويحركها ويثبتها , ويظهرها ويخفيها , عندما يريد وحيثما تسمح نفسه بذلك , وبعد ان يتشاور مع عقله الأوحد , وفكره الأعظم , الذى لا يدانيه فكر , ولا يصل إلى مكانته عقل إنسان مهما كان 00فقد صارت الحقيقة جزءأ من ممتلكاته , ولا يحق لمخلوق أن ينافسه فى ملكيتها , وإلا كان النقد القاتل , والترويع والتخويف , والوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور نصيب ذلك المتهور الذى يريد ان يتنافس معه فى معرفة الحقيقة وأقول هنا معرفة وليست ملكية لأن السيد الفاضل مالك الحقيقة هو وحده مالكها 0

ولست أعرف ولست أدرى ولست افهم لأى سبب ولأى هدف يعيش هذا الإنسان المسكين – مالك الحقيقة — فى هذا الوهم القاتل والكابوس المفزع الذى لن يستيقظ منه إلا فى قبره مضيعأ بذلك حصاد وشقاء عمره فى الإختباء وراء وهم مزعج إسمه ( ملكية الحقيقة ) ويعلم الله تعالى أن الحق والحقيقة ملك لقيوم السماوات والأرض وحده بلا شريك , فأى بئر سحيقة سقط فيها هذا الجانى على نفسه , المناقض لكل كتاب سماوى , المحارب للعقل والفكر والكرامة الإنسانية , الداعى لعبادته بدلأ من عبادة الحى القيوم , والذائد عن نفسه لدرجة التورم العقلى , والحارق لغيره بأبشع انواع التهميش والتصغير والتحقير فكأنه وحده الذى يعرف وغيره يجهل , وهو وحده الذى يفكر وغيره يتخبط , وهو وحده الذى يتدبر وغيره يتعثر , وهو وحده الذى يرى وسواه اعمى , وهو وحده الذى يسمع وسواه أكمه , وهو وحده الذى يفقه وغيره أبله , وهو وحده القوى وغيره ضعيف , وهو وحده الثقيل وغيره خفيف , وهو وحده الفاهم وغيره ناقم , وهو وحده الذكى وغيره غبى , وهو وحده الجدع وغيره يضرب الودع , وهو وحده الوسيم وغيره دميم 00

إنه شخص متفرد بذاته , يعيش فى ملكوت ملذاته , وجبروت شهواته هذا الذى ينفى كل النعم الربانية عن بقية العباد , ويثبتها فقط لذاته ويسخرها لمتعه ولذاته , ويجود ببعضها على أقاربه وذواته ومجامع أشتاته , فهو شقى بكبره , ميت كأنه بقبره , سخيف يخيلائه , وضيع حتى فى أبهى ردائه , هذا الذى يريد سرقة الحقيقة وجعلها حكرأ له من دون العباد , وكأن الناس خلقوا لكى يلتفوا حوله ويستجدوا عطفه فيتنازل من علياء سمائه , وينسى جزءأ يسيرأ من حقده وكبريائه فينظر إليهم ويتكلم معهم وكأنه واحد منهم والحق أنه كذاب أشر , وأشر نفر والبعد عنه غنيمة , والقرب منه جريمة0

طبعأ لا يوجد شخص بعينه أقصده بمقالى , ولكن توجد صفات ممقوتة فى بعض المسوخ البشرية التى غواها الشيطان الرجيم , وطغى عليها الحقد ولفها الكبر على العباد , فظنوا كما ظن إبليس من ذى قبل أنهم خلقوا من طينة أغلى وقماشة أعلى وصنعة خصوصية خصصها رب الكون لخلقهم فتعالوا على الناس , والناس عند الله أعظم منهم , وإليه اقرب والله أعلم وأعظم

لو أردت نقاشه فى مسألة , تحول الموقف إلى مهزلة , فهو لا يطيق الحوار , ولكنه يقدس الموافقة على ما يقول وكأنه يتكلم مع عجول , ولا يطيق رفض وجهة نظره فهو فوق وغيره تحت فكيف يتطاول التحتيون على الفوقيين , وكيف يتجرأ الاراذل على ألأكابر , وكيف تناقشه وهو أصلأ لا يراك , فقد عميت عيناه ليس من مرض ولكن من حقد , وقد صمت أذناه ليس من صمم ولكن عن عمد , وقد تدرب لسانه على القذف والسب والشتم لكل من خالفه , والمدح والتبجيل لكل من وافقه فهى صفات عربيد عتيد , وعتل زنيم , لا يرقى للفكر الإنسانى المستنير ولا يتأتى له أن يحسب بشرأ , بل هو ذئب يفترس حق الناس فى الكلام والفهم والرفض والثورة على الباطل , ويفترس حقهم فى الحرية بكل ما تحمل كلمة حرية من معان , ويفترس حقهم فى أن يكونوا رأيأ ما فى مسألة ما وأن يكون لهم فكرهم الخاص ووجهة نظرهم التى يجب أن تحترم مهما كانت مخالفة لمعتقداته وافكاره وآرائه
0
الإنسان مخلوق مميز بالعقل والفكر والإدراك والفهم وتكوين وجهات نظر فى كل منحى من مناحى الحياة , بل لقد كرم الله الإنسان لدرجة أنه حر طليق يفعل ما يشاء – دون إضرار الآخر طبعأ – لدرجة إطلاق الحرية الدينية لمن شاء أن يؤمن بالله الذى خلقه أو يكفر به والعياذ بالله تعالى فقد حكى القرآن الكريم عن نبى الله إبراهيم الخليل عندما دعا ربه ان يرزق أهل مكة ( بلد الكعبة الشريفة) من آمن منهم بالله واليوم الآخر وخصص الدعاء للمؤمن فقط ولكن الله الغنى القوى العزيز الكريم قال ومن كفر فأمتعه قليلأ – أى فترة حياته الدنيا—ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير وقرر المولى سبحانه أن يرزق الكفرة كما يرزق المؤمنين فى الدنيا ولكن فى الآخرة شأن آخر فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثأ

فيا ايها الواهم ظلمأ انك تملك الحقيقة0000 رويدك
ويا ايها الناظر للناس من فوق وهم – فى رأيك – تحت
ويا ايها المعتقد زورأ وجورأ أنك على الحق وغيرك باطل
ويا كل إنسان متكبر على خلق الله لأى سبب من الأسباب
أفيقوا قبل فوات الأوان وقبل ان يأتى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم 0

(5) عزيزى القارىء هل حاولت أن تكتب ؟

نت تقرأ منذ زمن طول حتى صرت مثقفأ بدرجة ممتازة فهل حاولت أن تكتب وتعبر عن القضايا التى آمنت بها من خلا ل ثقافتك العريقة وقراءاتك الكثيرة والقديمة فى جميع المجالات والتخصصات والتوجهات ؟ هل حاولت ذلك ؟ من حقك أن تحاول وأن تكتب تجاربك ووجهات نظرك فى كل شىء ولا تجعل الخوف من الخطأ يمنعك حتى لو كان لغويأ أو تاريخيأ أو سرديأ فستجد مئات المخلصين الذين يتلقون كتابتك بصدر رحب ويحترمون فكرتك ويقدرون رغبتك فى الكتابة والإنتقال نحو حياة جديدة متقدمة حيث أنك قررت ألا تظل قارئأ ومتلقيأ فقط بل أمسكت بقلمك وبدأت تخط مقالات تعبر بها عن رأيك فى كل قضية آمنت بها أو لم تؤمن بها .. ألمهم أن تكتب وتعبر عن رأيك وتقول , وتجهز الحقائق والمبررات والمستندات التى تعتمد عليها فى رؤيتك وأن تحضر براهينك التى يسعد بها مؤيدوك ويرتدع بها معادوك.
قراءاتك السابقة بكل فحواها ومحتواها هى بذور حقيقية تم زرعها فى تربة عقلك ورويتها بالخبرة والصبر والبحث عن مزيد من الثقافة والإطلاع وقد حان الوقت لهذه البذور أن تخرج من تحت الأرض وتنبت فى أرض الواقع لتصبح شجرة حقيقية متكاملة ذات جذر قوى وساق متين وفروع متناسقة وأوراق بضة خضراء وأزهار تفرح القلوب وثمار لذيذة فيصبح فكرك جنة من العلم فيها ما تشتهيه الأعين وتلذ الأنفس , فلماذا تعيش قارئأ والفرصة أصبحت سانحة أمامك لكى تكون كاتبأ مدربأ مع مرور الوقت , قد تخطىء فى البداية وقد تتعرض لنقد لاذع وقد يتهكم من كتابتك البعض ولكن المتهكمين من فكر غيرهم ليسوا عوامل بناء بقدر ما هم معاول هدم وليسوا أسباب تقدم ورقى للبلاد بقدر ما هم أساب فشل وتأخر , فلو كانوا حريصين على تقدم الوطن لحرصوا على تقدمك أنت أولاً وبدلأ من محاولات إفشالك سيأخذون بيديك نحو الحق والحقيقة والمنهج السوى فى الكتابة والتعبير بدلأ من الشتم والإهانة والسباب والتقريع .
لا تجعل شخصأ معينأ يملى عليك فكره أو يقنعك أنه الكاتب الملهم والفيلسوف الذى يخضع الجميع لآرائه وينزوى الكل حين يمر موكبه , تعلم من البداية أن تكون حرأ طليقأ لأن الحرية هى منة الله تعالى الذى خلقك , لك ولكل إنسان , فلا تزاحم مخلوقأ فى حريته بقدر حرصك على أن يحترم الآخرون كامل حريتك فى الكتابة والتعبير وقول رأيك ونشر فكرك فى كل مكان وفى كل اتجاه , فهذا حقك وحقه عليك فأنت وأنا وهو مخلوقات فلم يقم أينا بخلق الآخر أو برزقه أو بوهبه الحياة والشكل والمظهر والمال والجمال والزوجة والعيال , بل هذه الأشياء منح وعطايا الرب سبحانه وتعالى لكل عبد من عباده , وهذا أول سبب يجعلك لا تخشى الآخرين فعمرك ورزقك وقضاؤك وقدرك حدده ربك سبحانه وتعالى فلماذا تخشى الكتابة والتعبير ونشر رأيك وإبداعاتك فى كل مكان غير عابىء إلا برب العباد طالما أنك عندما كتبت وعبرت لم تعتد على غيرك , ولم تحقر الآخرين أو تقلل من شأنهم , أو تعتدى على حرياتهم الكاملة فى الدين والرأى والقول والفكر والمعتقد والتوجه , لأن عدوانك على غيرك فى كتاباتك هو أشد ضررأ وشرأ من عدوانك عليه بيدك فأنت بيدك قد تضرب شخصأ فى مكان واحد فلا يعلم بذلك غير أقل القليل ولكنك عندما تهزأ من فكر شخص آخر أو رأيه أو لونه أو عرقه أو دينه ومعتقده , وتنشر ذلك الرأى فى الصحف الإلكترونية أو المكتوبة فإنك تدمره وتقضى عليه فى كل مكان , ولذلك كانت ولا تزال ضربة الكلمة أقوى من ضربة اليد آلاف المرات وخصوصأ الكلمة المنتشرة بفعل وجود تكنولوجيا الكمبيوتر والأنترنت الذى ينقل وجهة نظرك للملايين فى العالم أجمع فى دقائق معدودة فكن حريصأ أشد الحرص على عدم القذف فى حق الغير أو التجريح أو التقليل أو التحقير من شأن الآخر , حتى لو كان يخالفك فكرا أو رأيأ أو حتى دينأ , وحتى لو اعتدى عليك فادفعه بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم , كذلك علمنا مالك الملك الذى لا تغفل له عين ولا تأخذه سنة ولا نوم .
نعم من حقك أن تكتب وأن تغامر وأن تبحث فى كل مكان عن صحف تنشر فكرك بدون تكاسل منك , لا تتردد ولا تجعل أهل الأنانية يثبطون همتك أو يدحضون رغبتك فى التعبير عن رأيك فقد قابلناهم كثيرأ وجعلونا نشعر أن الكتابة والتأليف هو حق مكتسب لهم ووحى خاص بهم وكانوا يتمنون منا أن نظل متفرجين نقرأ لهم ونصفق لهم ونبكى عندما يبكون ونرقص عندما يرقصون وكأننا أعضاء إضافية داخل أجسامهم خلقت لتدعيم أنانيتهم وحسب , وجلب الكثير من المصفقين لهم , ولكن هيهات فقد لفظناهم من حياتنا وكرهنا أسلوبهم وقررنا أن نعيش , وقد ذقنا لذة الحياة وطعم الوجود منذ بدأنا رحلة الكتابة اللذيذة رغم ما فيها من مرارات النقد والشتم والتقريع ولكن كل ذلك لم يثننا عن عزيمتنا ولم يخفض من همتنا أو يقلل من رغبتنا فى الكتابة والتعبير والنشر والتعليق والنقد محافظين على أدبنا محترمين الغير أجلّ الإحترام وأكثر من إحترامنا لأنفسنا مهما كان الفكر مختلفأ أو حتى الدين والمعتقد أو التوجه السياسى أو غيره.
كنا نقرأ فنتذوق لذة الثقافة ولكننا لما كتبنا عشنا بعد موت وبعثنا من برزخنا وارتشفنا عبير الوجود الجميل , بكينا كثيرأ عندما استهزأ البعض منا ولكننا فرحنا وضحكنا فى النهاية حين انتصر الحق والعدل والحرية وحين إنتصر الإنسان فى مسيرة الحياة الشاقة المليئة بالتعب والكبد , كنا صغارأ محبوسين بين جدران أربعة , فعشنا وتنفسنا الصعداء بحرية الكتابة والتفكير والتعبير , كانت الكلمات مكبوتة فى جوانب العقل , والعواطف مسجونة فى حجرات القلب فآن لها الأوان أن تخرج وتغرد فى كل مكان , نعم عشنا بعد موت الكلام فينا وذقنا لذة الوجود بعد أن ذقنا حرية الكلمة والتعبير عن ذواتنا بالكتابة والتعبير والنشر على صفحات الإنترنت المختلفة , ذلك المخترع الذى هيأه الله تعالى لمخلوقه الإنسان حتى يصير العالم قرية صغيرة واحدة كلنا يعرف أخبارها أولأ بأول فى نفس اللحظة .
فاكتب أخى القارىء وعبر عن خلجات نفسك وضربات قلبك وقل رأيك بكل حرية دون عبث فى حرية الآخرين , لا تتردد فى الكتابة والنشر فقد طلع فجر يومك الذى طال ليله وهلت شمس سمائك الذى طال ظلامها واستاحل الليل نهارأ والظلام أنوارأ , فاكتب واكتب وعبر وعش وانهض من سباتك وقم واستيقظ من نومك فقد آن أوان الرأى الحر وطلعت شمس الحريات رغم كل السواد الذى يغطى الآفاق ولكن النصر دائمأ فى النهاية للحق والحقيقة وهما فى رأيى يكمنان فى تحرر الإنسان من قيود الإذلال والإستعباد .
(6) هل لا بد أن نكتب؟

سؤال مهم جدا وإجابته سهلة ويسيرة : نعم لا بد ان نكتب , ولكن المهم ماذا نكتب ؟ هل يحب الكاتب أن يظهر إسمه على صفحات الجرائد المطبوعة والإلكترونية وحسب ؟ بغض النظر عن أهمية الموضوع الذى يتناوله وحساسيته وملائمته للظروف الراهنة فى بلده خصوصا وفى العالم عموما ؟ هل يعقل ان يقرر الكاتب ان يكتب فيكتب دون سابق إنذار من فكرة معينة تراوده فيتقرب منها ويتودد إليها حتى تصير حقيقة كائنة فى عقله وفكره ووجدانه فيؤمن بها أولا بينه وبين نفسه ثم يقرر بعد ذلك صياغتها فى شكل مقال أو قصة أو قصيدة؟
أحب المواضيع الدسمة التى تشدنى وتهز وجدانى وتبكينى , تأخذنى فى أعماقها فأغيب فيها كأننى تركت الوجود وذهبت هناك فى عالم من الفكر العميق والخيال الخصب والصور المبهرة المعبرة الجذابة , يبهرنى صدق الكلمة وروعة التعبير وجمال المعنى وصفاء الفكرة لدرجة تجعلنى أؤجل طعامى وشرابى وأعيد قراءة ذلك الإبداع عدة مرات حتى أختلط به ويختلط بى فنصبح كيانأ واحدأ وبعد ان كنا حروفا مبعثرة نتجمع لنكون كلمة جميلة يحبها قلبى هى حب وسلام وعدل وأمان وطمأنينة وكرامة 0
ألمكافحون بالكلمة الحرة لدحض الظلم أحبهم , والساهرون يكتبون بدموعهم كلمات من نور من أجل كرامة الإنسان وحريته وسلامته وسعادته هم هؤلاء الملائكة المتخفون فى صور بشرية وهم من يهزون وجدانى بما يكتبون ويسقطون دموعى بما يبدعون وهم أنوار فى الأرض تطيح بظلمات الفساد والقهر والجبروت البشرى الذى يطغى فلا يرده غير القبر ويبغى الفساد فى الأرض فلا يوقفه غير الموت , حيث خمدت امام ظلمه كل الأصوات الحرة وقتل بكفره وفجوره كل دعاة المحبة والسلام والحرية والكرامة الإنسانية0
ألمناضلون من أجل قضايا تحرير أوطانهم من الطغاة المغتصبين لصوص الأوطان , سعيأ وراء العدل وجلب الحرية لوطنهم المغصوب المنهوب , هؤلاء هم شموع الكون ويجب أن تجلهم البشرية وتساعدهم وتحترمهم وتقدم لهم كل نفيس من أجل استعادة الحق المنهوب وتعديل الوضع المقلوب , فمن يلوم مظلومأ يكافح لإستعادة حقه ؟ ومن يلوم مقهورأ من أجل دفاعه عن كرامته وإنسانيته وعزته وعودة وطنه المسروق وخيراته المغصوبة0
ألكلمة الطيبة تطفىء نار الحقد وتحيل بقدرة الله تعالى العدو إلى حبيب والغريم إلى صديق
( إدفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم)
ثم علمنا القرآن العظيم ( وقولوا للناس حسنأ ) حتى الذين ينعمون برضوان الله فى جنات الخلد يصفهم الرحمن قائلأ ( وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد) , والشاعر القديم زهير بن ابى سلمى كتب معلقته الرائعة التى جاء فيها
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم تبقى إلا صورة اللحم والدم
والغريب ان هناك حالة واحدة قد يحق لصاحبها ان ينطق بقول السوء وتلك هى حالة وقوع الظلم على إنسان معين لدرجة أنه لم يعد يستطيع التحكم فى لسانه من هول ما وقع عليه من ظلم وقهر وإجرام فيقول عنه القرآن العظيم :
( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)
وهو استثناء ذكره الله تعالى ليؤكد لنا قبح الظلم وقبح الظالم وأن للمظلوم حقأ لا بد أنه آخذه إن عاجلأ وإن آجلأ0
فلا يجب ان تذهب نفوسنا حسرات على الشتامين اللعانين بغير سلطان ولا هدى ولا كتاب منير ولنعرف أن مالك الملك يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار0
ألكتابة رسالة الإنسان لإشعاع النور ودحض الظلام والظلم الذين طغا فلم يعد احد يسمع للحق صوتأ اللهم إلا اقل القليل , والكتاب هم حملة مشاعل النور فى سبيل الحرية والمساواة بين البشر على إختلاف مشاربهم وفى سبيل سعادة الإنسان—كل إنسان وأى إنسان بأى مكان وبأى زمان--- وكرامته وسلامه وحقه فى التعبير والإفصاع عن رأيه ومعتقده بوسائل سلمية راقية تعبر عن إنسانيته وحقوقه 0
وإن من دواعى الحزن والقلق وما يندى له جبين البشر هو كاتب لا يكتب إلا إذا شتم هذا وسب ذاك وحقر من شأن فلان وقلل من قيمة علان , فكأن الكتابة اصبحت متلازمة مع الهجاء والذم والقدح والتوبيخ والتجريح والتقريع والإمتهان والإذلال وتوجيه التهم بشتى ألوانها ومختلف أنواعها دون التأكد من شىء ودون التثبت ودون الوقوف على أى حقيقة ودون الوثوق بأى مصدر ودون تدعيم شتائمه وإهاناته واتهاماته بما يقوى من مركزها فتصبح شتائم مسنودة وذات مصدر يعتمد عليه , اما الشتم والتجريح لأن الآخر ذو دين مغاير أو مذهب مختلف او فكر شاذ فى رأى الكاتب أو وجهة نظر لا تعجبه فهذا بحق أبشع درجات الظلم وعاقبته وخيمة حيث سيسأل كل إنسان عن كلماته التى قالها شفويأ أو كتبها تحريريأ فى يوم يفر المرء فيه من أعز الناس إليه , فى يوم يملكه الواحد القهار فهو وحده مالك يوم الدين0
أى كتابة هذه التى تكون مقدماتها شتائم ومواضيعا جرائم ونهاياتها إهانات؟ وهل يرضى قارىء يحترم عقله أن يلوث سمعه وبصره وعقله بكتابات من هذا القبيل ؟ وأى كاتب هذا الذى لا يكف عن التقريع لكاتب آخر ولا يخجل من تكرار شتمه آلاف المرات ؟ ومتى كانت الشتائم حجة ؟ ومتى كان التجريح برهانأ ؟
الشتائم دليل ضعف وبرهان عجز لدى الشاتم الذى يفشل فى الوصول لرأى مقنع فلا يجد أمامه سبيلأ غير الشتم والتجريح والإهانة لغريمه فى الرآى ظانأ أنه بذلك ينتصر وهو فى حقيقة الأمر ينزوى ويندحر وينتحر !! دون ان يدرى0
المفكرون واهل الرأى واهل العلم واصحاب النظرة الثاقبة لا يوافقون ولا يعتمدون القدح والذم والهجاء اسلوبأ للنقاش إلا عند عاجز ضعيف لا يرقى لمستوى شرح فكرته وتبيان وجهة نظره فيلجا إلى ذلك الأسلوب المرفوض وهو الشتم والتقريع والهجاء0
ألغريب هو وجود باب أدبى فى كتب الأدب العربى إسمه (الذم والهجاء )لأمثال الفرزدق وجرير وغيرهما حيث كانت تعقد لهم الندوات ليشتم كل منهم الآخر باقذع الألفاظ وقد يذكر كلاهما صفات تمس أم أو أخت الآخر او أصله(عرقه) او لونه فإذا كان اسود البشرة فله شتائم معينة والأسود ايضا يهجو الأبيض بما عنده مما لذ وطاب من الشتم والتقبيح والتقريع والإذلا ل والإهانات المختلفة , وعلى الجانب الآخر يقوم نفس الشعراء الهجاؤون بمدح أسيادهم من الحكام للحصول على المنح والهدايا والعطايا مما يعنى ان الشتام أو الهجاء لديه المقدرة المزدوجة على شتم وإهانة إنسان ثم مدح وتعظيم وتوقير آخر ولكل موقف حجته الدامغة0
هل التلذذ بشتم المختلفين معنا صار ثقافة محسوبة علينا ؟ واين هى لغة الحوار الكريم الجاد الحر الشريف الذى يحتفظ للآخر المختلف باحترامه كإنسان وبحقه فى هذا الإختلاف ؟
أرجو ان نكتب لكى نبنى لا لكى نهدم ولكى نضىء لا لكى نزيد الظلام سوادا ولكى ننشىء اجيالأ تحترم الفكر والفكرة وتوقر كرامة الإنسان وتؤكد عليها لا نريد أجيالا تسحق المختلف وتحرقه وتقتله , فتعسأ للدنيا لو تحولت لغابة وتعسأ للبشر لو تحولوا لوحوش ضارية يأكل كل منهم لحم أخيه الإنسان :
( أيحب أحدكم أن يأكل لحم اخيه ميتأ فكرهتموه )؟؟؟
(7) نعم لا بد أن نكتب

قلم الكاتب كريشة الفنان يرسم بها ما يحلو له من مناظر وصور وأشكال وقد يرسم من الطبيعة ايضا واقعأ معينأ لا يحلو له ولا يعجبه ولكنه مضطر لرسمه وتصويره لأنه واقع وحقيقة موجودة لا بد من إظهارها وتبيانها وتوضيحها لكل البشر فلا يصح ان يكون فنانا بلا مصداقية ولا يصح ان يكون هناك كاتب يتخلى عن واقعه ويشطح بعيدا , فمثل هؤلاء هاربون وجبناء عن مواجهة الواقع وتصويره وفضحه دون المساس بحريات البشر وثوابتهم ومعتقداتهم وعاداتهم التى يعيشون عليها إلا بقدر ما ترسم ريشة الفنان0
فأس الفلاح فى ارضه وهو يخططها للزراعة هى ريشة فنان ترسم وتخطط وترفع وتخفض وتعلو وتهبط وتنقر وتحفر حتى تخرج منظومة رائعة متكاملة معجزة فى رسمها وتخطيطها وبذرها ثم ريها ثم رعايتها ثم تطهيرها من الديدان والحشرات ثم السهر هلى سلامتها ثم الإهتمام بكل دقائقها حتى يوم الحصاد الذى يصاحبه الغناء والزغاريد والأفراح والسعادة وقبض ثمن عرق عام أو نصف عام مضى تبعأ لزمن المحصول المنزرع, لوحة رائعة بديعة لا يمكن ان ينكر جمالها وقوة تعبيرها إلا غافل 0
ألمهندس الذى يسهر فى المصنع ليخرج لنا التلفزيون والراديو والموبايل والكمبيوتر والسيارة والقطار والباخرة والطائرة , فنان من الطراز الأول يتقن عمله ويحقق أمله فى الوصول لأعلى جودة فى إنتاج مصنعه , مفكه ومفتاحه وآلته هى قلم معجز فى تعبيراته يكتب كلماته بشكل واقعى ويعبر عن كيانه بطريقته الخاصة وبريشته التى تتحرك بين أنامله ليهدى البشرية حاسبأ آليا وتليفونأ محمولأ وسيارة وطائرة , كلها تسهم فى الإرتقاء بالإنسان وقيمته وقيمه وكرامته وتعمل جاهدة لتصل به لدرجة معينة من درجات التكريم التى اختص الله تعالى بها بنى الإنسان ( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلأ)0
ألطبيب الذى يجرى جراحاته الخطيرة فى المخ او العمود الفقرى أو الكبد أو زراعة الأعضاء أو جراحات التجميل المتناهية الدقة او جراحات العيون والأنف والأذن , أليس مشرطه قلم مفكر وريشة فنان متخصص فى أدق وألذ وأشيق اللوحات الفنية المذهلة التى تقف لها كل البشرية إجلالا وتقديرأ وإكبارأ واحترامأ فكم تنقذ هذه الريشات—المشارط—ارواح بشر وكم تعيد آمالأ مفقودة لذويها رغم ما تسيله من دماء وما تسببه من جراح وآلام لصاحب الأمل المفقود والذى قرر التضحية بكل شىء من أجل تحقيق امله وتفعيل حلمه , اليست هذه لوحة رائعة وقصيدة مبدعة ومقالة مقنعة؟؟
الكاتب المبدع هو الذى ينقل صورة حية للحياة من حوله غير خائف ولا جبان ولا هارب من قدره وظروفه , بل هو مقاتل بالكلمة , محارب وسلاحه القلم والحروف والأفكار والواقع الذى يتراقص حوله ومطلوب منه تصويره بدقة وحنكة وصفاء بلا تزوير أو تلفيق أو تهويل او تهوين او توسيع او تضييق , فالقلم كان وسيظل سلاح المخلصين الطيبين على مر الزمان , ولم تكن مصادفة ابدا ان يقسم رب العزة بهذا السلاح الأبدى الشريف وبما يكتب من مقالات وقصص واشعار فرب العزة فى كتابه العزيز يقسم قائلأ ( ن والقلم وما يسطرون@ ما أنت بنعمة ربك بمجنون @)
بل سورة كاملة فى القرآن العظيم إسمها سورة القلم فأى تكريم وأى تعظيم لهذا السلاح القوى ولما يسطره ويكتبه فهو مذل الجبابرة وقاهر الطغاة وهادم عروش المجرمين على مر التاريخ , يبدا أثره ضعيفأ ثم ينتشر رويدا رويدأ حتى ينمو ويكبر ويعظم أثره وينتشر , قد يسقط ظالم من اثر صفحة كتبها كاتب مخلص فى يوم من الأيام وقد تتبدا أسر حاكمة بسبب قصيدة شعر فى لحظة صدق وصفاء وقد تتحرر دولة ويتحرر شعبها من نير الإستبداد وجبروته بسبب قصة كتبها مؤلف نقلت بؤس الواقع فأثارت دماء العزة فى عروق شعب بأكمله فثار بين عشية وضحاها واستعاد كرامته وحريته المسلوبة وعزته المستباحة0
إن المجرمين الذين تقولوا على الله ورسله ونسبوا لهم زورأ وبهتانأ برىء الله منه ورسله هؤلاء القوم أجرموا فى حق البشرية جرمأ لا يعلم مداه إلا الله وكان وعد الله لهم هو قوله (َوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاًفَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) , فليس هينأ ابدا ان يسطر الكاتب أكاذيب تتفق مع هواه وتختلف مع الحقيقة , ولن يكون كاتبأ شريفأ ذلك الذى يتعمد تشويه الحقائق ورمى الناس بالباطل وتلفيق التهم لهم لحاجة فى نفسه او لثأر فى قلبه فهو بذلك يكذب على الله والناس وضميره والكون جميعأ0
على اصحاب الأقلام رسم الواقع بريشتهم المذهلة الرائعة دون زيادة أو نقص ودون مجاملات او محاباة لهذا أو ذاك ودون طغيان على طرف لصالح طرف آخر من أجل حفنة مال زائل لا قيمة له بين المصلحين والمخلصين والشرفاء , هؤلاء الشرفاء الذين ينصرون المظلوم ويواجهون الظلم والظلمة غير عابئين بعقاب أو سجن أو تنكيل , وبوقع اقلامهم تنقشع غمامات الظلم وتندحر جيوش الظلمة وتستجمع الهمم وتثور الشعوب المقهورة على جلاديها فتتحرر وتحقق لنفسها وبلدها النصر والعزة والحرية والكرامة0
نعم لا بد ان نكتب ونكتب ونكتب , وليكتب كل الشرفاء والاحرار والابرار والصالحون من أجل خير ورفعة البشرية وليكتبوا كل لحظة فسلاحهم هو سلاح الله تعالى فلم ينزل الله من السماء سيوفا ولا دبابات ولا بوارج ولا قنابل ولا دمارأ شاملأ ولكن أنزل كتبأ مسطورة على رسل كرام وكانت وستظل كتب الله المسطورة الإنجيل والتوراة وآخرها القرآن ستظل سلاح الله فى الارض يقتع به أهل الإيمان والتقوى ويثور عليه ويحيك ضده المؤامرات أهل الكفر والشرك والظلم والجريمة , نعم فالكلمة الطيبة الكريمة التى تضىء للناس ظلماتهم وتهديهم إلى سبيل الرشاد والهداية والكمال هى سلاح الله فى الارض وإلى يوم القيامة وهى سلاح البشر الأسوياء الشرفاء الأبرار فى كل مكان وزمان0
(8) لقد كتبنا فأين القراء ؟؟

سؤال وجيه ومهم ويجب على كل كاتب محترف عاشق للكتابة أن يسأله لنفسه وأستثنى من ذلك من يكتب مأجورا لنصرة باطل على حق او مأزوما حاقدأ لحاجة فى نفسه تجاه شخص بعينه أو شعب بعينه أو دين بعينه أو عرق بعينه أو لون بعينه أو أيدلوجية بعينها , حيث لا أعتبره كاتبأ بقدر ما أعتبره جنديأ مرتزقأ بلا هدف وبلا هوية غير الحصول على أكبر قدر من مال وذهب ومتع رخيصة وحصانات زائفة ولكننى أخص بكلمة ( كاتب) أصحاب المبادىء والقيم والمثل , حيث يتمسكون بها ويمسّكون بها , ويدعون لها ويدافعون عنها , ويضعون برامجهم لإقناع العقلاء والشرفاء بها , ويكون هدفهم عامأ وليس خاصأ , وأقصد به عموم النفع والفائدة من مشروعه الإصلاحى للبشرية كلها , وليس لطائفة بعينها دون الأخرين أو شعبأ دون باقى الشعوب , غاضأ نظره عن مكانهم ومكانتهم , ودينهم وعقائدهم , ولونهم وبشرتهم , وأصلهم ومحتدهم0
الكاتب الذى يهتف له الجميع لا بد ان يكون منافقأ , إذ كيف يتسنى له إرضاء جميع الأهواء والإستحواذ على إعجاب الكل على إختلاف آرائهم ومعتقداتهم وأهدافهم وتوجهاتهم , اللهم إلا إذا كان يلعب دور البلياتشو أو الأراجوز الذى يصفق له كل الحاضرين من عقلاء وسفهاء وأدباء وحمقى ولصوص وشرفاء لأنه اضحكهم جميعأ , فكيف لكاتب ذى مبدأ يعيش له وليس عليه ويدافع عنه عن قناعة ورضا وليس بسبب قبض معلوم مادى أو ذهبى أو منصبى , كيف لهذا الكاتب المغلف بمثله العليا والمبطن بها أيضأ , أن يرضى كل الأطراف المتنافرة والأضداد المتحاربة المتناحرة فيصفقون له جميعأ إلا إذا كان قد رقص على كل الموائد ولعب على جميع الحبال وهو أمر لا شك محال , إلا على مزيف دجال و نصاب محتال يرتزق من قلمه بغض النظر عن تضارب ما يكتبه مع ما يؤمن به فقد همش قضية الإيمان ولم يعد لها ترتيب فى أرقام أولوياته0
فليكتب كل كاتب ما يؤمن به وما يعتقد انه صحيح وليحترم كل الردود ويقدرها خير التقدير ويرد عليها بأدب جم ولا يحقرها ولا يتعالى عليها ولا يجعل من نفسه كوكبأ فى أعالى السماء يلقى بنوره ولا يمسه أحد ولا يدرك كنهه ولا يصل إليه , بل عليه أن يرد وأن يدافع عن مبدئه الذى أرساه فى مقاله وإلا لو هرب من الرد فإن أقل قول يقال هو أنه يكتب ما لا يؤمن به ولا يستطيع الدفاع عنه ولا يكلف نفسه مشقة الرد على القارىء الذى بدونه لا يخرج مقاله لعالم النور والمعرفة , فليدافع كل كاتب عن مقالاته بروح طيبة ولا يرد على الإساءة بمثلها بل يدفع بالتى هى أحسن فكم من كلمة طيبة صنعت صديقأ من عدو , وصنعت حليفأ من ضد0
لا تظن أنك سترضى كل الأذواق والتوجهات والعقول والافكار والأحلام إلا إذا كنت أراجوزأ كما أسلفنا , ولكنك فى معرض كتاباتك لا تقلل من شأن إنسان ولا تعتدى على دين من الأديان ولا تهاجم فارسأ من فرسان الزمان فلكل دين أتباعه , ولكل إنسان اشياعه , ولكل فارس أوضاعه , فلو تعرضت لدين بنقد لنا تنال غير الكراهية والحقد , ولو تعرضت لفارس بهمز لن تنال غير اللمز والغمز , ولو تعرضت لإنسان بسوء لن تحصد غير ما يسوء0
لا تظن – عزيزى الكاتب الشريف الذى أخاطبه--- أننى أخيفك او أحدّ من قدراتك الإبداعية أو أقلل من جهد قلمك المتحمس المتحفز ليل نهار , لا والله , ولكن الكتابة عن المبادىء أعظم وأجمل وأجدى من الكتابة عن الأشخاص , أما فى موضوع الأديان فإن نقد السلوك البشرى أنفع وأجدى واقوم واقوى من التوجه لنقد نص سماوى كل المؤمنين بالله تعالى ورسله يعلمون انه من عند الله , فهل ينقد العبد ربه وخالقه تعالى الله علوأ كبيرأ , ولكنه ينقد إنسانأ ما أخفق فى فهم أو تطبيق مبدأ ما واراد فرض إخفاقه كأنه دين , أوفرض فشله فى فهم مراد الله كأنه مراد الله تعالى0
يجب ألا يعتمد الكاتب الشريف الثقافة السمعية مصدرا من مصادر العلم فيكتب موضوعأ طويلأ عريضأ بناءأ على إشاعة أو خبر عابر دون التحقق من سلامته وصدقه فيقع الكاتب فى زلل عظيم ويصبح موقفه فى غاية الحرج والمرج , وتبدا الاقلام المضادة فى الهجوم عليه وتقع المعارك االكتاباتية التى قد تمتد وقتأ طويلأ وقد تنتهى بكوارث وقد توقع شعوبأ فى بعضها وقد تسبب قتلى والسبب خبر كاذب أو إشاعة عابرة لم يتم التأكد منها وكان الهدف سبقأ صحفيأ وشهرة زائفة تعود بالشقاء على طالبها الذى لن يحصل عليها ولن يكون صاحبها 0
لا تتوقع ان يقرأ لك الناس جميعأ , ولا تنتظر أن يصفق لك كل من يقرؤن كتاباتك , ولا تحلم بالهدايا والحفلات والرحلات فكل هذه مقاصد لا تتحقق اللهم إلا للاراجوز كما أسلفنا , اما اصحاب القيم والمبادىء والمثل التى يعيشون لها وليس عليها فإنهم يعلمون ان فى كل متر لهم أحباب ولهم أعداء , لهم مشجعون وضدهم مثبطون , لهم مناهضون ومعهم مناصرون , وسيظل الناس كلهم مختلفين إلى يوم الدين ولن يتفقوا على رأى واحد أو فكر واحد أو مذهب واحد أو دين واحد او حتى إله واحد ولو شاء الله تعالى خالق الكون لجعلهم امة واحدة ولا يزالون مختلفين , فالإختلاف سنة الله فى خلقه وفى كونه ولن يوجد كاتب واحد يصفق له الجميع وإلا إذا كان اراجوزأ!!!!

(
9) التعليق من حق القارىء
هذه السلسلة التى اكتبها عن الكتاب وأقلامهم وأنواع الكتاب وأنواع القراء لا اقصد بها طبعأ كاتبأ معينأ او قارئأ معينأ وإنما كتاباتى عامة أرجو منها النفع لى وللجميع فى إلقاء بعض الشعاع الضوئى على هذا الموضوع العسير وأرجو ان يؤتى ثماره وأن ينبه كل كاتب ويعلم ان كتابته إجتهاد بشرى ورأى إنسانى يحت ومن حق الآخرين رفضه أو قبوله حسب ثقافة كل منهم وليس من حق أى كاتب أن يظن نفسه فوق النقد ولكن المؤكد أن التجريح والإهانة والتعرض لشخص الكاتب وخصوصياته هى من أقبح الأمور التى قد يقع فيها معلق متهور أو حتى كاتب آخر يعلق على نفس المقال بتعليق او بمقال0
ايها الكاتب الهمام المتعدد المقالات والكتب والمتنوع الكلام , يا من تكتب فى كل مكان وتريد أن تسيطر على العقول وتأسر الافهام , وتحب ان تطوى القلوب وتستميل الأقلام , أو لست بشرأ يشرب الماء ويأكل الطعام ويستيقظ وينام ويعمل جاهدأ لكى يشتهر بين الأنام ؟؟ أم أنك من شىء آخر غير الطين الصلصال والماء الزلال ؟ هل ظننت نفسك نبيأ يأتيه وحى السماء ؟ ام أنك متأله على الناس تتعالى فى سماء أحلامك وفضاء أوهامك ؟
قلنا وسنكرر أن كلامك كلام بشر يمكن لكل إنسان أن يرفضه بأدب فإذا صممت على فرض وجهة نظرك بالقوة فمن حق الآخر أن يتركك ويتركها فأى مخلوق أنت ؟ وكيف تعتقد أن وجهة نظرك قد وصلت لدرجة الوحى الإلهى وغير قابلة للمناقشة والرفض والدحض والإلقاء أحيانأ فى سلة المهملات , نعم يا هذا , يا كل من يكتب ويظن نفسه نبيأ أو رسولأ يأتيه خبر السماء , يا من تؤله نفسك دون أن تدرى , لا تتحمس بكل هذه القوة لما كتبت ولا تدافع باستماتة عن ما سطرت بل عد بهدوء إلى نفسك وقلمك واقرأ تعليقات الذين فندوا رأيك وأبطلوا زعمك , راجعها بحب وسمو وكرامة لو كنت تؤمن بأنك تسعى لخير الإنسان فى كل مكان , لا لأنانياتك الخاصة وطموحاتك فى شهرة مريضة تفرضها على الناس فرضأ , والناس بصراحة تعبت من كل شىء فإذا كتبت وأحب الناس كتاباتك فحبأ وكرامة وإذا إكتشفت شذوذ فكرك وانحراف رأيك ورأيت قلمك مرفوضأ فما المانع من الإنسحاب بشرف ؟ , لأن القائد الذكى هو الذى يستشعر قرب الهزيمة فينجو بجلده من المعركة وينجى معه مئات الألوف من جنوده المغلوبين على أمرهم , فما المانع أن ينسحب الكاتب لو شعر بهزيمة رأيه ودحض فكره وفرغ جرابه من أى سلاح حقيقى يدافع به عن رأيه , فلا يلجأ للقمع والقهرالفكرى والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور , إذ من هو حتى يفعل ذلك وماذا يمتلك حتى يصل لهذا المأرب البعيد المنال؟0
مصيبتنا الكبرى فى عالمنا العربى أن كلأ منا متفوق فى شحذ لسانه فإذا قال رايأ لم يعجب الآخر ولاحظ رفضا أو امتعاضأ من رأيه سلق الآخر بلسان حاد كحد السيف او أمضى , وإذا وافقه الرأى عانقه وتفاخر به وصعد به إلى السماء فإذا خالفه ذلك المرضى عنه فى رأى جديد حقره ونهره وهبط به من أعلى سماء إلى أسفل أرض , فأى عقول هذه وهل تمت للعلم والثقافة والأدب والتسامح بصلة ؟ وأى تحجر ذلك الذى يعشش فى تلك العقول المريضة ؟
منذ متى ورأينا قاطع لا يرد ؟ ومن أعطانا حق الكلام الذى لا يراجع ولا يستثنى ولا يرفض ولا يلغى ؟ قل ما شئت وتكلم وابحث واجتهد واعرض رأيك على الناس فإن وافقوك فمرحبأ وإن خالفوك فراجع نفسك فقد تكون متسرعأ أو معتمدأ على مصادر غير حقيقية أو نظريات ليست علمية , راجع رأيك واجتهد من جديد فلن تخسر شيئأ بل ستكسب كل شىء وأولها نفسك التى بين جنبيك لأنك لو تركت نفسك للغرور والكبر والتعالى والإيحاء الشيطانى بأنك لا يدانيك احد فى فكرك ولا يجاريك مخلوق فى وجهة نظرك فقد ضعت ضياعأ ابديأ وسقطت سقوطأ سرمديأ 0
من عادة البشر أن يتفكروا فيما يقال لهم ويبحثوه ويتدبروه ويزنوه ويثمنوه ويقدروه فلا يقع القول على آذانهم بلا اثر فإذا فقهوه وعلموا أنه حق ولا غبار عليه قبلوه وإلا رفضوه وذلك حقهم , حتى لو رفضوا الإيمان وصمموا على الكفر أو رفضوا الكفر وصمموا على الإيمان فلكل عقله ولكل فكره ولكل رأيه , ومن منا لم يدرك حقيقته وكنهه ؟ ومن منا لم ير طفلأ يولد او إنسانأ يموت ؟ ومن منا لم ير آيات الكون العظيمة فى الأرض والسماء , والماء والهواء , والجبال والصحراء , فمن كفر بعد ذلك فعليه كفره ومن آمن برب الكون فله إيمانه ولا تزر وازرة وزر اخرى , وليس من حق مخلوق فرض رأيه على الآخرين حتى لو كان نبيأ مرسلأ فقد منح الله الحرية لعباده فى رفض كل شىء أو التصديق بأى شىء ومقابل ما حصل عليه الإنسان من حرية وعقل فإنه يدان أمام الواحد الأحد الديان فى يوم لا يهرب منه إنس ولا جان , فالكل محاسب وكل إنسان سيلقى جزاء ما قدمت يداه فى دنيا النزاع واللعب واللهو الجدال0
أيها الكاتب المغتر بكتاباته , من حقك أن يكون لك رأى طبعأ وأن تكتب عنه وتدعو له بأدب وسمو وتسامح وتواضع لكن الذى ليس من حقك هو أن تفرضه فرضأ او توحى للقارىء أنك لا تنطق عن الهوى وأن ما تكتبه هو وحى يوحى فحاشا لله تعالى فقد ختم بالقرآن كتبه السماوية وبمحمد عليه السلام أنبياءه , إذا انت مثلى ومثله ومثلهم جميعأ , كلنا يفكر ويتدبر سواء فى أمر دينى او دنيوى , خلقى او خلقى ( بضم وكسر الخاء) , صناعى او زراعى , فلسفى او واقعى , جهرى أو سرى , صعب او يسير , جديد او قديم , مكرر اومبتكر , كلنا له حق التفكر والكلام والكتابة والتأليف طالما لديه المعطيات والمقومات التى تؤهله لذلك , وكلنا له حق القبول والإقتناع او الرفض الجزئى أو الرفض التام لما يقال امامه او لما يقرأه فى كتاب أو مقال او قصة أو قصيدة 0
جميل جدأ ان نفكر فبغير التفكير لا كرامة لنا ولا كينونة , لكن الأجمل ان نعرض فكرنا عرض التلميذ على الأستاذ وليس عرض الأستاذ على التلميذ لان المؤلف او الكاتب الذى يجعل من نفسه استاذأ للناس هو كاتب فاشل فاشل فاشل , أكررها ثلاثا , لأنه لن ينصلح له حال ولن يتقدم نحو الأمام ونهايته هو وكتاباته صناديق المهملات طبعا أما الكاتب الذى يعرض رايه وكتابته كانه تلميذ وعموم العقول استاذ له فهو فى طريق التقدم والرقى والعلو لا محالة , فسوف يستفيد من كل رأى ويستثمر كل فكر , ويدخر آراء الذين نقدوه كأنها ذهب خالص فعن طريقها سيعرف رأسه من قدميه ويصلح من نفسه ويهذب وجهة نظره , وبالطبع لن يكون الكاتب منافقا مرائيأ يكتب ما يرضى الناس حتى يكسب تصفيقهم ولكنه سيكتب ما يقتنع به ويستفيد من خبرات القراء والكتاب الآخرين فى الترقى بكلماته والإرتفاع بكتاباته إلى أعلى عليين 0
(10) أبطال خلف لوحة المفاتيح

من رحمة الله سبحانه بنا أن منحنا العقل والعلم والحرية , فقد ترقى العقل البشرى (( الحر)) ووصل بالبشرية إلى رقى حضارى منقطع النظير فى شتى مجالات الحياة , فقد غطت التكنولوجيا كل مناحى الحياة حتى تحولت الدنيا على سعتها إلى قرية واحدة , فإذا هرش مخلوق رأسه فى طوكيو تحدثت عنه وكالات الأنباء قبل أن تنزل يده التى يهرش بها لكى يعلمها أهل الصين والهند والسند وكوالالامبور وبوركينا فاسو , فيا لفرحة العالم ويا لسعده بهذا التقدم المبهر المذهل الذى جعل من جهاز الكمبيوترأو اللاب توب مرصدا لإرسال ما تريد واستقبال ما تشاء من أحداث وكتابات وقصص ومقالات وصور وأغانى وأفلام وتحقيق أحلام وبيزنس وكسب وخسارة وسوق وسويقة وشارع رهيب مدهش يعج بالملايين من كل شكل ولون وكل واحد يبيع بضاعته بالسعر الذى يروق له ولم يحرم اللصوص والحرامية من مكانهم ومكانتهم على شبكة النت المتناهية الدقة واللامتناهية المساحة , فانتشر اللصوص يسرقون الأموال والفلوس ويخربون المواقع كالتيوس , ويدمرون الأحلام ويعوقون الأقلام , ويسرقون الآمال والذكريات , ويشيعون فسادهم على شكل فيروسات , تسلب الحقوق ,وتنشر الفسوق , وتعيث فسادا فى كل شارع ومحفل وسوق0
أصبح النت متنفسأ عظيما للكاتب والقارىء العربى معا بعد زمن من القهر والإضطهاد والذل والإستعباد إمتد على مر تاريخ العرب الكرام لقرون طويلة , عانى منها الإنسان العربى معاناة وصلت إلى عنان السماء , حيث قتل واغتيل , وجلد ورجم وأعدم وصلب , وحورب فى رزقه ومصدر عيشه , وحقر وسفه وحرم من حقوقه , وحرم من مجرد النطق برأيه , وذل وكبت وقهر وأرغم على عمل ما يكره , ورؤية ما يأبى وممارسة ما يرفض , كل ذلك ذاقه الإنسان العربى على مدى قرون طويلة حرصأ من الملوك على كراسى الملك ومن حواشيهم على مناصبهم ومكاسبهم ومتعهم الخاصة وسرقاتهم اللانهائية وطموحاتهم المجنونة الغير محدودة , فكان المواطن المسكين قليل الحيلة هو الضحية دائمأ , ودفع كرامته وحريته وإنسانيته ثمنأ غاليأ لمهاترات المجرمين , ولأطماع الخونة والظلمة والطغاة على مر تاريخ أسود طويل , وليل حالك لا ينتهى , فكان هذا سببأ فى كبت رهيب أصاب العقل والقلب العربى معأ فى مقتل وأدى بهما أن ينفجرا فى الإنترنت كل هذا الإنفجار الرهيب المذهل والذى أخرج لنا عواطف جياشة , خرجت على هيئة قصص وشعر ومسرحيات وصور وأفلام وأغانى , و فكرا متنوعأ خرج على هيئة كتب ومقالات ومؤلفات واجنهادات , ما بين المستنير والمتحجر وما يدعو للتمسك بالماضى لدرجة الجمود وما يدعو للحداثة لدرجة الإنحلال الأخلاقى , ومنهم الوسطيون الذين يريدون الإستفادة من الحداثة مع الإحتفاظ بعبق الماضى وتراثه نأخذ منه ما ينفعنا ونترك ما لا يلزمنا كما يقولون0
راح كل كاتب محروم من النشر أو شاعر منزوى من فداحة القهر , راحوا يكتبون على شبكة النت ما يحلو لهم فمنهم مقتصد , ومنهم سابق بالخيرات , وكثير منهم ساء ما يكتبون وما يكسبون , فكتبوا باسماء كثيرة مستعارة , مما يؤكد أن الشخصية العربية ما زالت مهزوزة و منهارة , ولو أنهم صدقوا مع الله ومع أنفسهم ومع الناس لما أخفوا أسماءهم وأماكنهم وتخفوا خلف أسوار الخوف والرعب وراحوا يكتبون ما يرونه حقأ ويسطرون ما يرونه واجبأ وجهادأ وصدقأ من وجهة نظرهم طبعأ , فغيروا أسماءهم وانتحلوا أسماءأ اخرى حتى يتسنى لهم مهاجمة الحكام والحكومات والأشخاص والجماعات والجمعيات ويعرضون ما يكتبون غير خائفين و غير عابئين فهيهات أن تصل إليهم يد أو يعرفهم أحد أو يسجنهم أو يعذبهم كما حدث فى الماضى مما تسبب فى بتر الفكر وقتل العقل العربى الذى لم يعد يعيش إلا للتقليد والتكرار الممل فتعسأ لهم هؤلاء الذين فعلوا ذلك بالعقل والفكر العربى –أقصد طبعأ الذين قهروه وعذبوه واغتالوه--- تحت أى مسمى فحرموه من أهم معطيات التقدم والتحضر العلمى والفكرى وجعلوه فى آخر الأمم بل جعلوه متهمأ بالعجز والتواكل والتطفل على حضارة الأمم الراقية0
الغريب أنك تجد الشخصية العربية بنفس صفاتها فى أرض الواقع تجدها هى هى على النت , فالصراخ فى المؤتمرات وفرض الرأى وتوبيخ الآخر وتحقيره والإقلال من شأنه وعبادة الذات , وتأليه البشر , وتعميم الأحكام واستعماء المستمع والإستهزاء به وبفكره وبرأيه , والخروج من كل جلسة أو أجتماع أو مؤتمر بالنتيجة المعروفة وهى صفر , كل هذا تقرأه على النت فتصاب بالذهول لو دخلت منتدى عربيأ وقرأت كم الشتائم والتحقير والتكفير والتأكيد على دخول النار للمخالف والجنة للموافق وكأن الجنة والنار قد خصصت للعرب , وليس للأمم الأخرى فيهما نصيب , بل كأن الامم الأخرى ليس لهم علم بثقافة الجنة والنار والعذاب والثواب والخلود , حيث لا تجد أحدا فى العالم يتوعد الآخرين بالنار ويهدى الجنة لمن أحب إلا فى الفكر والثقافة العربية , ولا يقتصر ذلك على المنتديات بل يمتد طبعا ليشمل الصحف النتية بما فيها من مقالات هجومية تتهم الآخرين بالضلال والعمالة والجريمة والتآمر على الوطن دون سند أو دليل , و بعض الكتاب صنع من نفسه حاكمأ وقاضيأ وجلادأ , يصدر الأحكام وينتظر تنفيذها بأى شكل وصورة فسبحان الله الذى له الحكم وإليه يرجعون0
لم نتعود على عرض آرائنا بشفافية وحرية وشرف وتسامح وتقبل للآخر المخالف , بل تعودنا على ثقافة الإتهام والتكفير والتحقير والتصغير والإقصاء لكل من قال لنا 00 لا ء , ولكل من نهج غير نهجنا ودان غير ديننا , وهكذا انتقلت ثقافة المؤتمرات والمؤامرات العربية بكل ما فيها إلى النت , ولكن عزاءنا أن الشبكة العنكبوتية تقنية جديدة فى عالمنا وانها سوف تخلص وتصفو وتتطهر من الرجس مع مرور الزمن , فيتذوق كتابها لذة الحوار الهادف البناء المحترم الذى لا يرجو غير خير البشرية جمعاء بلا استثناء , والذى يعلم أن الله تعالى لو اراد أن يجعل الناس امة واحدة من قديم الزمان لفعل ولكنه سبحانه قال لهم فى بداية نزولهم للأرض الدنيا :-
(اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )
* وأخيرأ أختم هذه السلسلة التى كتبتها عن الكاتب والقارىء وأصول الكتابة والقراءة والتعليق ( من وجهة نظرى) ولقد

مختارات من كتاباتى لدعم التسامح وتجديد الخطاب الدينى
20 ايلول, 2009
كفى صراخاً فى وجوه الناس أيها الوعاظ ( إستنساخ الأشياخ) :

كفى كلامأ عن الوعد والوعيد وناكر ونكير وعذاب القبر والثعبان الأقرع، كفى تقديمأ لآيات العذاب على آيات الرحمة، كفى تقديمأ لآيات القتال على آيات المحبة والسلام والتعايش مع الآخرين كفاكم تهديدا ووعيدا كلما صعدتم المنابر أو وعظتم بين المقابر كفاكم فقد مل الناس من أسلوبكم المكرر الذى يفتقر للإبتكار والتجديد، لقد سئم الناس كلاlكم عن النار والجحيم والعذاب وشوى الأجساد فى جهنم، لقد رسختم فى عقولهم أن الله تعالى يعذب فقط ويحرق فقط ويدمر فقط ويخلد المذنبين فى جهنم فقط ونسيتم أو أنساكم الشيطان الرجيم أن تذكروا لهم أن رحمة الله العظيم قد وسعت كل شىء وأن الله الرحيم يدعو إلى دار السلام والمغفرة ويدعو إلى سبل السلام وعوامل المحبة الصادقة بين الأفراد والشعوب ويدعو الناس للأمن والطمأنينة ويدعوهم لتكريم الإنسان لأنه سبحانه كرم بنى آدم وحملهم فى البر والبحر وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا0

لماذا لا نغيرأسلوب الخطابة من النهج التقليدى الذى بعتمد على تلقين المستمع لتعاليم الدين دون إشراكه فى قضايا الدين المختلفة والوقوف على أبعاده الفكرية، لو تحول الخطاب الدينى إلى خطاب تحاورى لكان من السهولة واليسر تخريج أجيال من الناس يفهمون الدين ومبادئه عن قناعة دون إرغام وعن حب دون قهر وعن إقبال دون إدبار سوف يفهم الناس مبادىء دينهم بشكل صحيح إذا تعلموا إعمال عقولهم وفهموا أسلوبأ يسيرا للتفكر والتدبر فى كل أمر يهمهم من أمور الدين والحياة فى كل شأن من شئون حياتهم اليومية0


ما هذا الكم الهائل من النسخ المكررة من الأشياخ المستنسخين؟

إن كلامهم واحد وأسلوبهم لا يتغير ومواضيعهم مكررة ويرددونها كل جمعة وكل خطبة سواء على المنابر أو وسط المقابر بعد دفن أحد الأموات، كلامهم يتركز على التخويف المزعج من عذاب الآخرة ويتحدث بإسهاب شديد عن عذاب القبر وضمة القبر والثعبان الأقرع وناكر ونكير ولا يمكن للإنسان أن يتخيل كيف سيعيش فى القبر ويستيقظ من الموت لكى يجيب على أسئلة الملكين ناكر ونكير وكيف سيكون موقفه من ذلك الثعبان الأقرع الذى سيمزقه إربأ إربا ناهيك عما ينتظره يوم القيامة من جحيم جهنم وعذاب يخلد فيه أبد ألآبدين وإذا قرأت معى كتاب إبن عباس الذى يحكى عن رحلة النبى محمد (ص) ليلة المعراج وأنواع العذاب الرهيب الذى رآه فى جهنم وألوان التعذيب الذى يشيب لهوله الولدان والمخصص معظمه للنساء لا يمكن أن تتذوق طعم الحياة ولا سعادة العيش ولا يمكن أن تكون لديك لحظة من الطمأنينة والأمن وأى أمن وأنت كمسلم تصلى الفروض وتصوم رمضان وتزكى وتسمع هذا الكلام فى كل خطبة دينية وفى كل محفل دينى، إذا كان المسلم الذى يعرف الله ويؤمن به وباليوم الآخر يقال له هذا الكلام صباحأ ومساءأ فما بالك بمن هم ليسوا بمسلمين وأين يذهبون وما هو موقفهم وما هو مصيرهم؟


لماذا لا يتحدثون عن رحمة الله العظيم الذى خلق الإنسان فى أحسن تقويم وفضله وكرمه؟


لماذا لا يتحدثون عن مغفرته التى شملت جميع العصاة التائبين عن ذنوبهم والتى وصلت لدرجة غفرانه سبحانه وتعالى للمفسدين فى الأرض ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) ( فل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعأ إنه هو الغفور الرحيم) (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ( ورحمتى وسعت كل شىء)

أنا واحد من الناس الذين ملوا من الخطاب الدينى التقليدى المكرر وافضل عدم الحضور وعدم الإستماع إليه حتى ينضج وينمو ويتعاظم شأنه ويحترم عقول البشر ولايفرض عليهم ان يسمعوا بالقوة لصراخ الجهلة وعنف الأغبياء وضجيج المفرغة عقولهم إلا من كل غث لا يسمن ولا يغنى من جوع أين دعوة المحبة والتصالح والتسامح بين الناس جميعأ حتى لو أختلفت الأديان والملل والنحل والأفكار والتوجهات؟ أين دعوات السلام وإحترام حقوق الإنسان تلك الحقوق التى لو نجحنا فى توفيرها للإنسان العربى فقد نجحنا فى كل شىء وصرنا فى أعلى عليين بدلأ من القهر والقتل والإذلال تحت عباءة الدين رغم براءة أى دين سماوى من القهر والإرغام والقتل والعنف لأن الله رب العالمين يدعو للمحبة والمغفرة ويدعو إلى دار السلام وإلى سبل السلام ( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى)
( إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء)
ألا من مجيب لهذا النداء؟
نريد خطابأ دينيأ جديدأ يركز على رحمة الله لعباده وعلى حقوق الإنسان ويجعل الوصول للعدل والسلام الإجتماعى من أهم غاياته ويركز على دعوات الرحمة بين الأفراد والشعوب والتسامح وإحترام الآخر وعدم تنصيب الإنسان من نفسه قاضيأ وجلادأ لكل من خالفه الرأى والفكر والدين وعدم إصدار الفتاوى والأحكام العشوائية بتكفير الناس ثم إهدار دمائهم تحت مسميات غريبة ما أنزل الله بها من سلطان نريد خطابأ دينيأ يحترم عقل الإنسان وآدميته وكرامته ولا يصبحه ويمسيه بالعذاب والجحيم كلما غدا أو جاء ليس فى حياته سوى الرعب من النار وجهنم وعذاب القبر حتى مل ولم يعد يتأثر بالوعظ المكرر والكلمات التقليدية الباهتة البائتة التى لم يعد لها فى نفسه أى صدى أو أثر يذكر نريد خطابأ دينيأ يكون فيه المستمع مشاركأ برأيه وإجتهاده وأن يحترم هذا الرأى وذاك الإجتهاد ولا يحتقر ولا يلقى به فى سلة المهملات ولا يتهم صاحبه بالكفر والضلال والخروج من الملة مهما كان هذا الإجتهاد وحتى لو كان مختلفا مع بعض ثوابت الدين فعلى المثقفين والواعين والمستنبطين لحقائق الدين التعامل برفق مع الإجتهاد دون زجر أو قدح أو شتم أو توبيخ أو تكفير لصاحبه ولكن إيضاح للحقائق مع حوار هادف بناء وليس حوارأ للهدم والسيطرة وتدمير الأفكار وتسفيه العقول لا تشترطوا على الناس أن يكونوا من خريجى أى مؤسسة دينية لأن المؤسسة االدينية المعترف بها من قبل الله تعالى هى المؤسسة التى تعلم فيها جميع الأنبياء والمرسلين وآخرهم محمد وهى مؤسسة الكتاب السماوى وآخرها القرآن الكريم تلك المؤسسة التى لا يأتيها الباطل من يديها ولا من خلفها وليس لها رجال مخصصون ومعينون من قبل الدولة ولكنها تفتح أبوابها على مصاريعها لكل مجتهد ولكل صالح يبحث عن سبل التقوى فى آيات مولاه العظيم لا تردوا المجتهدين بحجة أنهم ليسوا رجال دين فكل الرجال وكل النساء مؤهلون لأن يكونوا أحباب الله والدين كل بقدر علمه وجهده وإجتهاده فلا تمنعوا المفكرين من طرح أقكارهم حتى لو بدت غريبة ومناقضة لكم فليس هذا هو المهم لأن المهم ألا تتناقض مع نور الرحمن وليس مع آرائكم وأفكاركم أخرجوا من القالب التقليدى الممل والمكرر وأدخلوا الناس فى عصر الفكر والإجتهاد الحقيقى فى كتاب الله تعالى وكفى جمودأ وكفى مللا وكفى تكرارأ 0




لكل زمان علماؤه ومفكروه :


الدين السماوى --- عموماً --- هو مجموعة من المبادىء والقيم النبيلة والمثل العليا ألمكتوبة فى كتاب سماوى أنزله الله تعالى على أحد أنبيائه بالوحى وأمره بإبلاغ رسالته للناس بأسلوب حضارى يتميز بالمحبة والسماحة والأدب الرفيع .... فإذا استوعب الأشخاص مفردات الدين وتعاليمه وشرائعه وشعائره وفهموها وآمنوا بها واستقرت فى عقولهم وهيمنت على أفئدتهم وتحولت إلى سلوكيات واضحة جلية برشدها ورقيها وسموها على شكل أفعال حميدة وتصرفات مسئولة ومعاملات إنسانية فى جميع المناحى الحياتية اليومية .... كان ذلك دليلأ على إنتماء هؤلاء الأشخاص لذلك الدين وعندئذ يمكن تعريف هؤلاء الأشخاص بأنهم (( متدينون ))

ولكنهم –المتمسكون بدينهم--- لا يمثلون هذا الدين بحال من الأحوال ولكن يمثلون أنفسهم لأن الدين مبادىء وقيم ومثل وخلق ينفذها اشخاص على الطبيعة

إذأ ليس الدين ( أى دين ) هو هؤلاء الأشخاص لأنهم لو كفروا به وتنكروا لمبادئه فلن ينقص ذلك من الدين شيئأ وسيظل الدين هو الدين ومن هنا نأتى إلى نقطة فى غاية الأهمية وهى أن الدين—أى دين ---بنصوصه وقيمه وشعائره وشرائعه ومبادئه يصبح حجة على أى إنسان تابع له وليس العكس إطلاقأ فلا يوجد إنسان حجة على دينه بحيث يستطيع التحكم فى أيديولوجياته من حيث التبديل والتغيير والإضافة والحذف لأن الدين السماوى ملك لله وحده وهو المتصرف فيه كيفما يشاء , ولكن من حق هذا الإنسان أن يرفض تفسيراً معيناً أو شرحاً لمفردة من مفرداته إذا رأى تعارضاً بين هذا التفسير أو الشرح وبين الحقيقة .

إذأ هؤلاء الذين اجتهدوا وتفكروا فى الدين لا يمكن بحال أن يكونوا سندأ أبديأ للفكر الدينى على مر التاريخ وإلى يوم القيامة ذلك لأنهم عاشوا عصورأ تختلف عن عصرنا وظروفا تغاير ظروفنا وأفكارا وطموحات لا تمت لعصرنا بصلة ..

هم قد اجتهدوا لأنفسهم وليس لنا ولزمنهم ولظروف حياتهم بما يتفق معها ويليق بها ونحن نحترم إجتهاداتهم لزمانهم وحسابهم عند الله تعالى فلكل مجتهد نصيب ..

عندما تدبروا وفكروا واجتهدوا كانوا يعلمون تمام العلم أن ذلك كله إجتهادات وليست مقدسات لأن من يجتهد ليصبح إجتهاده مقدسأ أو دستوراً عاماً لكل الأماكن وكل العصور لا يصح أن يحسب من العلماء او المجتهدين أو المفكرين فالمفكر الحق هو الذى يعلم أن إجتهاده إجتهاد بشرى قابل للأخذ او الرد والخطأ والنسيان ولن تتعطل العقول الأخرى لأنه فكر وتدبر--- إذ أن لكل عقل نفس الحقوق التى له غير منقوصة --- كما حدث فيما بعد حيث ركن اللاحقون على فكر السابقين وأهملوا عقولهم التى ميزهم بها خالقهم عن سائر الكائنات الأخرى00

ليس لأحد إذاً ان يجتهد لنا أوأن يقنن تشريعات لعصرنا أو يضع لنا دستوراً يحكمنا حتى لو كان إمام زمانه وعلامة مكانه .. أو أن يورثنا فكره مجبرين وهو الذى عاش فى عصور مضت واختفت وزالت من الوجود بكل ما فيها من عادات وتقاليد ونظم حكم ووسائل معيشية وأساليب حياتية قد اختلفت كلية شكلاً ورسماً وموضوعاً عن زماننا وعصرنا ومكاننا بما فيه من سرعة وتقنيات وأدوات ووسائل ومليارات البشر وعلم حديث وعلماء ونظريات ومدارس وجامعات وتكنولوجيا جعلت العالم يمضى سريعاً متقارباً كالقرية الواحدة .

فالواجب على كل ذى دين أن يجتهد لعصره الراهن بما يتلاءم معه ومع مستحدثات المشاكل والقضايا فى عالم يغص بكل هذه التكنولوجيا والعلوم الحديثة الشائكة الشائقة ..

إن زماننا يحتاج فقهأ وعقلأ جديدا وفكرأ جديدأ يلائم و يساير روح العصرمع المحافظة على الأسس والقيم التى تقوم عليها الأديان وترتفع بها الأمم والأوطان

إن الذين يفرضون علينا تراث السابقين- أى فكرهم وفقههم- هم مجموعة من القابضين على التراث ( كالغريق المتعلق بقشة ) الجامدين فى أماكنهم الغير راغبين فى التجديد والإبداع رغم أن دين الله تعالى صالح لكل زمان ومكان ولم يقف عند زمان أو مكان بعينه .

إن الكتب السماوية مفتوحة على مصراعيها أمام الجميع لكى يقرؤها ويتدبروها ويفقهوها ويجتهدوا فيها فهذه الكتب الشامخة . . ألتوراة والإنجيل والقرآن---هى كتب الله تعالى وحكمه وليست حكرأ لأحد 00من حق المسيحى واليهودى قراءة القرآن وتدبره وفهمه ومن حق المسلم قراءة الإنجيل والتوراة وتدبرهما وفهمهما ..

كفى عراكا وقتالأ ايها المحاربون النشطاء لأن المستفيد الوحيد من تقاتلكم وتناحركم هو عدوكم القديم الشيطان الرجيم كفى تزكية لأنفسكم فليس فيكم من هم أبناء الله وأحباؤه وكيف تكونون أحباءه وأكثركم لا يعبده إلا وهو مشرك به وفضلتم الدنيا على الآخرة وغرتكم الأمانى وظننتم ظن السوء وكنتم قومأ بورا.

لن يغيركم الله ولن يغير ما فيكم من أخطاء وشرور وضلالات حتى تغيروا ما بأنفسكم

إن المفكرين المجتهدين للوصول بالبشرية إلى بر الامان متهمون بالكفر والضلالة لأنهم أعملوا عقولهم فكرأ وتدبرا وكفاحأ فى النصوص الدينية لكى يستخلصوا منها فقهأ جديدأ يساير العصر ويحافظ على قيم الدين النبيلة وأسسه الكريمة وفضائله

إن الباحثين من العلماء والمفكرين على اختلاف مشاربهم ومناهجهم وأديانهم يطاردهم القابضون على التراث بتهم التكفير الجاهزة والتفصيل لكل واحد منهم ما يناسبه من تهم وكل ذلك بغرض تسفيه أى فكرة جديدة وتحقيرها والحط من شأنها ليظل الناس تحت عباءة التراث وفقه الماضى لا يتزحزحون عنه قيد أنملة رغم الإختلاف الرهيب بين الزمان والمكان وكل ما فيهما .

ألم يئن للذين يكفرون المفكرين أن يحركوا عقولهم إجتهادأ فى الحياة والدين وإبتغاءأ لفقه جديد يلائم روح العصر الذى نعيشه ويحافظ –فى ذات الوقت—على ثوابت الدين والعقيدة والمثل العليا والقيم النبيلة الراقية ؟؟

ألم يئن لهم تحريك عقولهم الساكنة الجامدة التى أسلموها للتراث يحركها كيفما يشاء ؟؟ ألم يئن لهم أن يفيقوا ويغيروا ما بأنفسهم لأن الله لن يغيرهم حتى يغيروا ما بأنفسهم , فاليعبد كل إنسان ربه على دينه وبالطريقة التى يفهمها وله أن يعيش آمناً مطمئناً على نفسه وأهله وماله وبيته .

إنها دعوة كبرى لسلام الأديان سلام المحبة بين كل الشعوب ,
سلام ينبذ الإرهاب والعنف والقتل العشوائى وإغتصاب بلاد الغير وهتك أعراضهم وهضم حقوقهم , سلام يجعل الإنسان لا يشعر بالغربة فى غير وطنه الأصلى ,
سلام يضمن لكل صاحب عقيدة مختلفة أن يأمن على نفسه وسربه وماله ,
سلام يضمن كرامة الإنسان وحقوقه على كل ربوع الأرض ,
سلام يحارب الفقر والجهل والمرض وينشر الحرية والسعادة والكرامة الإنسانية ,
سلام يوحد قوى الخير والمحبة ضد المجرمين والديكتاتوريين والظلمة ومتهكى حقوق الإنسان , سلام يعيد للمرأة ثقلها وما سلب من حقوقها ويضمن لها العدل والطمأنينة ,
سلام يحرر الطفولة من ذل الإستعباد والتشرد والإهمال ,
سلام دعا إليه الله تعالى فالله يدعو إلى دار السلام ,
فمالهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً .




وعلى الإنترنت السلام :

منذ سنين وأنا أقرأ كثيرأ على النت وأكتب قليلاً , قرأت حقائق ومعجزات وفهمت قصصاً وروايات , وكررت قراءة بحوث وكتب ودراسات , تجولت فى الكثير من الصفحات , سمعت أفلاماً وأغنيات , واستمتعت بفنون وموسيقى ورسومات , ودخلت مواقع ومنتديات , وقرأت مقالات وتعليقات , وحضرت مناقشات وحوارات ومناوشات , وصلت لحد الشتائم والبذاءات , .
فهذا موقع يؤكد كتابه أن الشمس تشرق من الغرب ويقسمون على ذلك ويأتون بالأدلة والمستندات والبراهين والتأكيدات , وينتفض آخرون رافضين لما يقولون , حرام عليكم يا عالم الشمس تشرق من الشرق وتغرب فى الغرب منذ خلق الله الدنيا , فينظر أصحاب الرأى الأول لهم ساخرين ولرأيهم محتقرين قائلين اسكتوا يا جهلة فأنتم لم ولن تتوصلوا لما عرفناه من حقائق وما وصلنا إليه من علم صادق , ويقف كل من الفريقين كالديك يدافع عن رأيه , أهل الحق أفلسوا من كثرة أهل الباطل ووضعوا اصابعهم العشرة فى الشق , وسكتوا عن الكلام المباح , وذهب كل منهم لداره كى يرتاح .

مواقع أخرى لأقوام يسمون ( اللادينيين ) يعلنون فيه فكرهم ويؤكدون أن الدين خرافة ولعبة كبيرة لإلهاء الناس عن الحياة ولذاتها وطموحاتها , وفكرة وجود الله باطلة وهى أكذوبة كبيرة , وقد سخروا لهذا الباطل مواقع كثيرة وصفحات وفيرة , ولديهم فلافسفة أفذاذ يتكلمون كثيرأ ويتبجحون أكثر , ويريدون تجنيد الكثيرين ليؤمنوا بما آمنوا به , ويسعون جاهدين لنشر دعوتهم , وأمنية حياتهم أن يتحول كل الناس إليهم وينحوا نحوهم ويسلكوا مسلكهم , وينامون يحلمون باليوم الذى يكفر فيه العالم كله بالله ( تعالى علوأ كبيرأ ) , والغريب أن لهم زبائن ولمواقعهم أحباب ورواد ومناضلون يذودون عنهم ويكافحون من أجل إعلاء كلمتهم , ولما لا .. أليس للشيطان جنود من الإنس والجن ؟؟ بلى ..

مواقع ومنتديات ليس لهم هم سوى القدح فى معتقدات الآخرين , فهؤلاء مسيحيون ليس لهم هم سوى التهجم على الإسلام ورسوله وكتابه , ويقرؤن القرآن والأحاديث ليس رغبة فى الفهم أو التعلم أو سعيأ وراء الإيمان به , ولكن لغرض واحد فقط وهو الخروج بآيات من سياقها لكى يثبتوا لأنفسهم أن الإسلام دين سىء ولا يمت لله بصلة وأن رسوله هو من ألف القرآن وأن الإسلام دين قتل ودم وسيف , ويسوقون لذلك الأدلة والبراهين ليؤكدوا حجتهم ويثبتوا وجهة نظرهم , وعلى الجانب الآخر فقد تم تخصيص مواقع أخرى لمهاجمة الدين المسيحى وعقائده وشرائعه وأتباعه وتجد أهل هذه المواقع فقهاء فى العهدين القديم والجديد ليس لأى هدف أو غرض سوى أن يثبتوا لأهل هذا الدين أنهم على الباطل وأن مصيرهم جهنم وبئس المصير .

الأعجب هو التمذهب فأصحاب الدين الواحد ( أى دين ) قد تفرقوا شيعأ وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون , وكل فريق ينشىء لنفسه المواقع على النت والمنتديات ويجيش الجيوش من الكتاب والنقاد والمعلقين والباحثين , ويحاول أهل كل فرقة أن يثبتوا للآخرين أنهم هم الناجون من النار وسواهم هم أصحاب الجحيم , وأنهم الوحيدون الفاهمون لدينهم وطقوسه وتفاسيره وشروحه , وغيرهم جاهل وواهم وتافه وسطحى وليس هناك عقل مثلهم يفهم أو قلب مثل قلبهم يعقل , وقد وضعوا أيديهم على الحقيقة وغيرهم يعج فى ظلمات الباطل والجهل والضلال , ولا يمكن لفريق منهم أن يستمع للآخر بإخلاص وأن يستوعب فكرته ويستقرأها بعقله وقلبه معأ , ولكن التكفير والتحقير على طرف لسانه يسبق كلامه ويقفز من فمه على وجه من يجادله ولا يسمح له بقول رأيه أو توصيل حجته .

والأعجب من كل ذلك هم فتوات التعليقات , فقد كانت الفتونة زمان بالنبوت ( عصا غليظة مشهورة فى مصر القديمة) وكان يتم أختيار فتوة لكل حارة يؤدب أى واحد بيستهبل أو عاوز يعمل جدع , فى المواقع والمنتديات هناك فتوات أيضأ من ذوى الأساليب اللاذعة والشتائم الرادعة والتهديدات الموجعة , وتجد خلفه فئة كبيرة من المعلقين الصغار ( الصعاليك ) يؤيدونه فيما يقول ويرفعوا نبوتهم أقصد تعليقهم فى وجه كل من تسول له نفسه الرد على الفتوة ( فتوة الموقع ) والغريب أن فتوة الحارة كان له إسماء مزعجة مثل أبو شفتورة وحنكورة وسلومة وأبو رجل مسلوخة , فتجد أيضأ ان فتوة الموقع أو المنتدى قد اختار لنفسه إسمأ جديدأ ليخيف به الآخرين ويرعبهم ويرهبهم مثل أبو زلومة أو أبو مخالب أو الجن أو العفريت أو ابو جلمبو وهكذا ..

وكل موقع أو منتدى يسيطر على تعليقاته فتوة خاص به ومعه مجموع صعاليك أو هتيفة أو مهلالتية يصفقون له كلما قال أى شىء حتى لو قال ريان يا فجل أو لوبيا فجل لوبيا أو طرى يا خيار اخضر ... فقد أغلقوا عقولهم واسندوا للفتوة مهمة الفهم والتفكير والتدبير لأنه هنا هو المخ وهم العضلات , وعندما لا يعجبهم مقال فما على الفتوة غير أن يكتب إشارة بسيطة بإصبع رجله أن هذا المقال مش ماشى على هواه فترى الباقين نزلوا بما لديهم من نبابيت أقصد تعليقات وكلام فارغ وقلة أدب وسفالة من أقذع الأنواع ضد المسكين المخالف لهم فى الفكر أو الرآى أو الدين , فماذا يفعل غير أن يضع يديه على راسه ويهرب من تكاثر النباييت اللافكرية على رأسه فجأة وبدون توجيه سابق إنذار .

يبدو أن قلة الأدب فى المقالات أو الشتائم والسفالة فى التعليقات هى أيدولوجيات شعوب كاملة وأساليب تربية لا أخلاقية لأقوام كاملة برمتهم , فيعتقدون أن الرد على مقال ببضع شتائم قبيحة هى حق مباح وشىء طبيعى من حقهم بل لا أحد يستطيع أن يحرمهم من هذا الحق , ولقد نسوا أن العالم كله يقرأ لهم وهناك مواقع تترجم للغات أخرى .
فعندما يقرأ الآخرون لهم هذه الشتائم واللعنات والبذاءات سيعرفون لأى ثقافة ينتمون ومن أى بئر يشربون , وسيكونون دليل إدانة ضد أقوامهم وجنسياتهم وأوطانهم فى نظر العالم أجمع .
ومع ذلك فلا يخلو الإنترنت من المعتدلين والمصلحين والناشرين العلم والبحث والدراسة من أجل تقدم البشرية وحضارتها ورفاهيتها , والمشكلة أننى أصبحت مدمنأ للإنترنت فلا أستطيع الإستغناء عنه رغم ما يصيبنى من غثيان من تلك المواقع والمنتديات التى تنحط بقيمة الإنسان إلى أسفل سافلين , وعزاؤنا فى ذلك أن الخير موجود فى هذه الدنيا جنبأ إلى جنب مع الشر , ورغم أن الشر كثير جدأ إلا أنه يحترق بسرعة ويختفى من أى خير جواره , وسوف يحق الله الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين .



حلم قديم وواقع أليم :


أثناء عمرى السابق وفى مرحلتى الطفولة المتأخرة وبداية الشباب كنت أستمع لقراءة القرآن الكريم فى الراديو أو العزاء او فى المنزل من أحد شيوخ القرية الذين يقرؤن فى البيوت بقصد إحلال البركة فى المكان وكنت أحب القرآن جدا وكنت أطرب لسماعه بل كنت ابكى أحيانأ من جمال صوت المقرىء الملىء بالخشوع
الغريب اننى كنت فى طفولتى متأكدا ان هذا الكتاب العظيم ( القرآن ) لابد وانه يحمل كل معانى الخير والحب والسعادة للبشرية جميعأ حيث ينظم حياتهم بشكل جميل وينصحهم بأسلوب ربانى معجز وينير لهم ظلمات حياتهم , وتأكد داخل قلبى ان هذا القرآن لا بد ان يسير فى إتجاه واحد لا غير وهو إتجاه النور ولا يمكن ان يسير فى طريق الظلام تعالى الله علوا كبيرا
اى ان القرآن يدعو فقط للحب فلا يمكن أن تجد فيه آية تدعو للبغض والكراهية والحقد , ويدعو للسلام فلا يمكن ان تجد فيه آية واحدة تأمر ببدأ الحرب والإعتداء على أحد ولكن توجد آيات تأمر بصد الإعتداء والإنتصار لحرية الإنسان حتى لا يصير الدين الربانى ملكأ لأحد من العباد بل يصير الدين كله لله
بمعنى أن يترك امر الدين والتدين أو عدم التدين للواحد الديان هو وحده عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا وهو وحده القادر على محاسبة عبيده على ما قدموا وأخروا , فأنا كإنسان استطيع أن أراقبك من الخارج فاراك تصلى فاظنك تقيأ وانت قد تكون عكس ذلك , وقد أراك حول الكعبة الشريفة تؤدى مناسك العمرة أو الحج فاعتقد انك صالح وقد تكون أنت غير ذلك وقد ألتقى بك فى رمضان صائمأ او هكذا تبدو لى ولكنك قد تكون غير ذلك , وقد نتصادف وأنت توزع اموالأ على الفقراء فاظنك من عباد الله المخلصين وانت من ألدّ اعداء الله تعالى ..
كيف ذلك ؟؟
أما عن الصلاة فقد تؤدى رياءأ ( الذين هم يراءون ويمنعمون الماعون ) , واما عن حجك فقد تكون ذاهبأ لشراء إسم الحاج , وأما عن الزكاة فقد تكون رءاء الناس (كالذى ينفق ماله رءاء الناس) وأما عن الصيام فقد تكون مفطرأ ونحن لا نعلم , إذأ كيف يفصل فى ذلك ؟
لان المسألة ... مسألة العبادة والتقوى والخشوع للواحد الأحد.... مسألة غيبية من الأساس فلا يتأتى لمخلوق ان يفهمها أو يزنها او يتنبه لحقيقتها فتلك مسألة عظيمة لا يمكن أن يعلمها غير الله تعالى فيحاسب عليها برحمته وقدرته وعلمه
ولست أدرى لماذا عندما كبرت رأيت بعض الاشياخ والمجتهدين والمفسرين يحاولون إدخال أشياء فى عقلى تتناقض مع ما كبرت عليه من معتقدات فى الدين والقرآن العظيم فبدلا من السماحة التى كبرت على أنها من أهم أخلاق القرأن وجدت القسوة والقهر والدعوة لمقت الآخرين أصحاب الديانات الأخرى وتكفيرهم ودحض معتقداتهم ووجدت الدعوة لقتل المخالف فى الرأى بعد إقامة حجج الإرتداد عليه ورأيت بحورأ من الدماء تسيل تحت إسم الدين والتدين وأبرياء يقتلون وأطفال يغتالون وشيوخ يقهرون ومفكرين يكفرون ويطردون او يهربون وكل ذلك تحت غطاء وستار الدين والتدين
رايت الخوف يحل محل الامن ورأيت النفاق يحل محل الفكر الحر والرأى الجرىء الغير خائف , ورايت المداهنة تحل محل الرجولة والثقة بالنفس والكرامة الإنسانية , فلو حاولت التفكير ولو قليلأ فيما حولك من افكار ومعتقدات وآراء وأعملت عقلك قليلأ ثم صرحت بذلك لكان السيف – سيف الإرهاب—مسلطأ عليك متهمأ إياك بمحاولة النيل من الدين وهدمه رغم علمى الأكيد أن الدين الذى هو من عند الله ومن لدنه ومن وحيه لا يمكن للبشرية كلها هدمه حتى لو صممت على ذلك وجيشت الجيوش , إذ كيف للمبادىء الراسخة أن تهدم ؟ إنها تهدم وتعدم فعلأ— وفقط -- من الخوف والقهر والإرهاب والإرغام والإجبار وقتل الحريات الشخصية وسفك دماء الفكر المستنير
كانت الدنيا فى صغرى كأنها جنة وكان القرآن ينيرها ويمحو ظلامها ويملؤ القلوب ببهجة التقوى والقرب من الله تعالى , ولكن الدنيا صارت جحيمأ من المدافع والقنابل والقتل والتفجير والإختطاف وتقطيع الأوصال بحجة نصرة دين الله , فهل دين الله فعلأ يحتاج لكل تلك الدماء حتى ينتشر ؟ ولو إنتشر فهل يثبت فى القلوب ؟ أى هل الخوف من السيف والقنبلة والقتل وحد الردة يمكن أن ينتج لنا قومأ يعبدون الله حقأ ويتقونه ويخافون عقابه هو ؟ أم يخرج لنا قومأ يخافون التعذيب والتنكيل والقتل وتنفيذ حد الإرتداد عن الدين أى قومأ من المرائين والمنافقين والخاشعين للمخلوق والخائفين فقط من المخلوق وليس من الخالق , وبذلك , وبكل هذا الكم الهائل من التخويف وحرق الامن ينشأ شعب جاهل يكره الدين من داخله وينفذ مناسكه من خارجه خوفأ من العقاب والعذاب على يد المخلوق وليس على يد الخالق سبحانه
مع كل التناقض الرهيب المفزع بين ما نشأت عليه من رأى حول الدين والقرآن وبين ما رأيته وعاصرته بعد دخولى فى عمر الفهم والإدراك الكاملين قررت مراجعة القرآن وقراءته على مهل فى عشرين عامأ مضت فلم أجد فيه غير الدعوة للحب والسلام والعدل والكرامة الإنسانية وحرية الدين والرأى والمعتقد والفكر واحترام عقائد الآخرين فلهم دينهم ولى دين
فمن اين جاءت تلك العصبية وكيف نشأت وكيف انتشرت وكلنا يعلم مدى سماحة الرسول الخاتم مع اهل الديانات الأخرى وحتى مع الكفار الذين لم يعتدوا على المؤمنين ولم يظاهروا عليهم احدا وكلنا يعلم انه عليه السلام لم يمس كفار مكة بسوء بعد الفتح المبين لمكة المكرمة ولكنه عليه السلام قال لهم إذهبوا فأنتم الطلقاء ولم يفرض عليهم دين الإسلام بل تركهم يختارون ما يشاؤن من عقائد طالما عاشوا فى حالهم ولم تمتد ايديهم بسوء لأحد , ولقد كرم رسول الله فى هذا الموقف العظيم حرية العقيدة والفكر والمنهج طالما عاش الآخرون آمنين لا يضرون أحدا ولا يدبرون المكائد ضد احد
هكذا كبرت وتعلمت وهذا ما فقهته عن خاتم الرسل والأنبياء عليهم السلام الذى كان خلقه القرآن وكان قرآنأ يمشى على الارض وكان يرفض إيذاء اى كائن حى فما بالك بالإنسان المكرم ؟
وهكذا عرفت وايقنت وتأكد لى أن كل الافعال التى يقوم بها المتشددون والمتزمتون هى أفعال من وحى خيالهم ومن واقع فكرهم وثقافتهم التى استقوها من تراث قديم عبثت به كل الأيادى الحاقدة على الإسلام وكتابه النير ورسوله الكريم , كما تأكد لى براءة القرآن العظيم من كل دعوة قتل بلا مبرر او تدمير او تفجير او إغتيال أو حرق الأمن او التنغيص على الناس او فرض الرأى بالقوة , كل ذلك برىء منه الله تعالى وكتابه الكريم ورسوله الحكيم
لن أقتنع ان دين الله العظيم يمكن ان يدعو للحرب او القتل او سفك الدماء ولكن أقتنع انه يدعو للحب والتآخى بين الشعوب والتسامح بين البشر ولا يمكن لدين الله العظيم ان يكون فيه توكيل لبعض البشر بمحاسبة البعض الآخر قبل الموت اى فى حياتهم الدنيا ولكنى اقتنع أن الأمر كله لله والحكم كله لله فهو سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور وغيره لا يعلم وغيره لا يحيط بالكون علمأ وغيره ضعيف وغيره فان وغيره ميت وغيره يمرض وغيره لا يستطيع ان يمنع نفسه من الشهوات والذنوب , فيا ايها المتألهون على العباد رويدا رويدا , واتقوا يومأ ترجعون فيه إلى الله واتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة وعليكم الدعوة لدين الله بالتى هى أحسن وما الله بغافل عما تعملون.




الحقيقة ليست حكراً لإنسان :

مسكين جدأ ذلك الإنسان الذى يظن أنه يملك الحقيقة فى يديه , واستحوذ عليها , وصارت تحت إمرته , يتصرف فيها , ويحركها ويثبتها , ويظهرها ويخفيها , عندما يريد وحيثما تسمح نفسه بذلك , وبعد ان يتشاور مع عقله الأوحد , وفكره الأعظم , الذى لا يدانيه فكر , ولا يصل إلى مكانته عقل إنسان مهما كان 00فقد صارت الحقيقة جزءأ من ممتلكاته , ولا يحق لمخلوق أن ينافسه فى ملكيتها , وإلا كان النقد القاتل , والترويع والتخويف , والوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور نصيب ذلك المتهور الذى يريد ان يتنافس معه فى معرفة الحقيقة وأقول هنا معرفة وليست ملكية لأن السيد الفاضل مالك الحقيقة هو وحده مالكها 0
ولست أعرف ولست أدرى ولست افهم لأى سبب ولأى هدف يعيش هذا الإنسان المسكين – مالك الحقيقة — فى هذا الوهم القاتل والكابوس المفزع الذى لن يستيقظ منه إلا فى قبره مضيعأ بذلك حصاد وشقاء عمره فى الإختباء وراء وهم مزعج إسمه ( ملكية الحقيقة ) ويعلم الله تعالى أن الحق والحقيقة ملك لقيوم السماوات والأرض وحده بلا شريك , فأى بئر سحيقة سقط فيها هذا الجانى على نفسه , المناقض لكل كتاب سماوى , المحارب للعقل والفكر والكرامة الإنسانية , الداعى لعبادته بدلأ من عبادة الحى القيوم , والذائد عن نفسه لدرجة التورم العقلى , والحارق لغيره بأبشع انواع التهميش والتصغير والتحقير فكأنه وحده الذى يعرف وغيره يجهل , وهو وحده الذى يفكر وغيره يتخبط , وهو وحده الذى يتدبر وغيره يتعثر , وهو وحده الذى يرى وسواه اعمى , وهو وحده الذى يسمع وسواه أكمه , وهو وحده الذى يفقه وغيره أبله , وهو وحده القوى وغيره ضعيف , وهو وحده الثقيل وغيره خفيف , وهو وحده الفاهم وغيره ناقم , وهو وحده الذكى وغيره غبى , وهو وحده الجدع وغيره يضرب الودع , وهو وحده الوسيم وغيره دميم 00
إنه شخص متفرد بذاته , يعيش فى ملكوت ملذاته , وجبروت شهواته هذا الذى ينفى كل النعم الربانية عن بقية العباد , ويثبتها فقط لذاته ويسخرها لمتعه ولذاته , ويجود ببعضها على أقاربه وذواته ومجامع أشتاته , فهو شقى بكبره , ميت كأنه بقبره , سخيف يخيلائه , وضيع حتى فى أبهى ردائه , هذا الذى يريد سرقة الحقيقة وجعلها حكرأ له من دون العباد , وكأن الناس خلقوا لكى يلتفوا حوله ويستجدوا عطفه فيتنازل من علياء سمائه , وينسى جزءأ يسيرأ من حقده وكبريائه فينظر إليهم ويتكلم معهم وكأنه واحد منهم والحق أنه كذاب أشر , وأشر نفر والبعد عنه غنيمة , والقرب منه جريمة0
طبعأ لا يوجد شخص بعينه أقصده بمقالى , ولكن توجد صفات ممقوتة فى بعض المسوخ البشرية التى غواها الشيطان الرجيم , وطغى عليها الحقد ولفها الكبر على العباد , فظنوا كما ظن إبليس من ذى قبل أنهم خلقوا من طينة أغلى وقماشة أعلى وصنعة خصوصية خصصها رب الكون لخلقهم فتعالوا على الناس , والناس عند الله أعظم منهم , وإليه اقرب والله أعلم وأعظم
لو أردت نقاشه فى مسألة , تحول الموقف إلى مهزلة , فهو لا يطيق الحوار , ولكنه يقدس الموافقة على ما يقول وكأنه يتكلم مع عجول , ولا يطيق رفض وجهة نظره فهو فوق وغيره تحت فكيف يتطاول التحتيون على الفوقيين , وكيف يتجرأ الاراذل على ألأكابر , وكيف تناقشه وهو أصلأ لا يراك , فقد عميت عيناه ليس من مرض ولكن من حقد , وقد صمت أذناه ليس من صمم ولكن عن عمد , وقد تدرب لسانه على القذف والسب والشتم لكل من خالفه , والمدح والتبجيل لكل من وافقه فهى صفات عربيد عتيد , وعتل زنيم , لا يرقى للفكر الإنسانى المستنير ولا يتأتى له أن يحسب بشرأ , بل هو ذئب يفترس حق الناس فى الكلام والفهم والرفض والثورة على الباطل , ويفترس حقهم فى الحرية بكل ما تحمل كلمة حرية من معان , ويفترس حقهم فى أن يكونوا رأيأ ما فى مسألة ما وأن يكون لهم فكرهم الخاص ووجهة نظرهم التى يجب أن تحترم مهما كانت مخالفة لمعتقداته وافكاره وآرائه0
الإنسان مخلوق مميز بالعقل والفكر والإدراك والفهم وتكوين وجهات نظر فى كل منحى من مناحى الحياة , بل لقد كرم الله الإنسان لدرجة أنه حر طليق يفعل ما يشاء – دون إضرار الآخر طبعأ – لدرجة إطلاق الحرية الدينية لمن شاء أن يؤمن بالله الذى خلقه أو يكفر به والعياذ بالله تعالى فقد حكى القرآن الكريم عن نبى الله إبراهيم الخليل عندما دعا ربه ان يرزق أهل مكة ( بلد الكعبة الشريفة) من آمن منهم بالله واليوم الآخر وخصص الدعاء للمؤمن فقط ولكن الله الغنى القوى العزيز الكريم قال ومن كفر فأمتعه قليلأ – أى فترة حياته الدنيا—ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير وقرر المولى سبحانه أن يرزق الكفرة كما يرزق المؤمنين فى الدنيا ولكن فى الآخرة شأن آخر فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثأ
فيا ايها الواهم ظلمأ انك تملك الحقيقة0000 رويدك
ويا ايها الناظر للناس من فوق وهم – فى رأيك – تحت
ويا ايها المعتقد زورأ وجورأ أنك على الحق وغيرك باطل
ويا كل إنسان متكبر على خلق الله لأى سبب من الأسباب
أفيقوا قبل فوات الأوان وقبل ان يأتى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم 0




الإرهاب والكُتّاب :

يعيش أى كاتب عربى حر فى عزلة تامة فى موطنه أو يفكر بصدق فى الرحيل عنه بسبب الخوف الشديد من الإتهامات المكررة بالكفر والضلال والعمالة للامريكان والتجسس لصالح الصهاينة والعمل من أجل تفكيك القوى الإسلامية وتفتيت الكيان الدينى لها ومد يد العون للظلمة من أعداء الدين للقضاء عليه وتحطيم الأعمدة التى بنى عليها 0
ولقد نسى هؤلاء ان دين الله الإسلام قوى بكتابه الذى لا يضعف , متين ببنائه الذى لا يهتز مهما قويت الزلازل وحمي وطيس البراكين, ثابت بحفظ رب العزة له , مسيطر على قلوب وعقول المؤمنين , مهيمن على فكرهم , ساطع فى قلوبهم ومشرق فى نفوسهم0
هؤلاء الذين يصورونه دينأ هشا تهزه الرياح وبناءا متأرجحأ تكاد تقتلعه أقل العواصف وكيانأ ضعيفأ يميل يسرة ويمنة مع كل من راح أو غدا , هؤلاء لم يفهموا عظمة الخالق عندما أبدع الخلائق وقدرته الفذة اللانهائية حين اتخذ قرار الكينونة للبشرية وقرار الهداية بإصطفاء المرسلين من بنى آدم وبإرسال الكتب السماوية لتكون نبراسأ على طريق البشرية فى عمرها المديد0
ألدين قوى بمولاه , متين بمحتواه , صادق فى فحواه , فهو شفاء لما فى الصدور, وإكمال لنواقص محتويات القلوب من دعائم الإيمان التى توزن عند رب العزة بميزان , لا يدرك دقته ملاك ولا إنس ولا جان , فهو ميزان التقوى التى اختص الله تعالى بها نفسه فلا يعلم مقدارها سواه ولا يقف عند حدودها إلاه0
إننى أكتب مقالى هذا وأنا متأكد من إرهابهم فسوف تنبرى أقلامهم بوصفى بأوصاف لا يعلم مداها إلا الله ونعتى بألقاب لا تمت لى بصلة وقد يتم ربط إسمى بأسماء بعض الصهاينة او الأمريكان بحجة العمالة وقد يتم وصفى بالمتآمر على الإسلام وقد يكون لى رصيد ضخم فى البنوك كأجر لعمالتى وثمن لضلالتى ومقابل لوضع يدى فى يد اعداء الدين 00نعم هكذا سيكون كلامهم ووصفهم وتعليقهم0
لقد كتبت مئات المقالات وسأكتب ما دمت حيأ ولن يثنينى أحد عن عزمى طالما عشت مؤمنأ بحقى فى الكتابة والتفكير والإجتهاد فنفسى التى بين جنبى هى ملك لله وحده ولن ينتزعها سواه وقلبى ينبض بحب الله تعالى وكتبه السماوية وملائكته ورسله الكرام فلماذا يريد بعضهم منعى وإيقافى عن الكتابة ونشر افكارى ؟
إننى مصاب فعلأ بذهول شديد من التهم التى لفقت للكثيرين من الكتاب الشرفاء على صفحات هذه الجرائد الإلكترونية والمطبوعة على حد سواء لمجرد أنهم أعملوا عقولهم وحركوا أفكارهم ولست ادرى بأى حق يطلق الإنسان لنفسه العنان للشتائم والسباب وتوزيع التهم دون دليل حقيقى أو سند مؤكد أو إثبات يقف أمامه ذوو العقول مشدوهين0
فليكتب كل واحد ما يشاء وليفكر كما يحلو له وليغوص فى ملكوت الله تعالى ويسرح ويبدع أو حتى يخرف فهل ينقص ذلك من ملك الله شىء؟ هل يتأثر قرآن الله العظيم بفكر المفكرين وجهد المجتهدين؟ حاشا لله تعالى فهو سبحانه الإله العظيم القوى السرمدى الذى لا تأخذه سنة ولا نوم ولا يشرك فى حكمه أحدا ولا يهتز دينه العظيم بفكرة مفكر او حلم حالم أو هلوسة مخرف فما الذى يجعلنا نكمم الأفواه إذأ عن التفكير ونحبس الألسنة فى أماكنها فلا تتكلم إلا بسلطان ولا تعبر إلا بإذن فهل هذا هو الصواب ؟0
إن الحرية فى أوسع معانيها علمها لنا القرآن والحب فى أعظم صوره تعلمناه من القرآن والسلام والوئام والعدل والصدق والمساواة وكرامة الإنسان تعلمناهم من القرآن وإحترام معتقدات الآخرين وعدم سب آلهتهم تعلمناها من القرآن وعدم الإكراه فى الدين تعلمناه من القرآن وحب الصديق والجار والغريب تعلمناه من القرآن وحب الله ورسله وعدم التفريق بينهم فى أى شىء تعلمناه من القرآن وتقديس الآباء والأمهات تعلمناه من القرآن والوزن بالقسط وعدم الغش أو السرقة أو الإعتداء على حرمات الآخرين تعلمناه من القرآن 0
فأى نور عظيم ساطع هذا الذى جاء به محمد(ص) من عند مولاه سبحانه وأى شفاء للقلوب وعلاج لحقد النفوس هذا الذى جاء به محمد (ص) من عند مولاه سبحانه ومع ذلك فقد جعل الله قضية الإيمان إختيارية بحتة ولم يجعلها قهرية أو قسرية بل فتح باب الإختيار لمن اراد أن يؤمن ولمن اراد ان يكفر ولكل منهم مقام عند ربه يوم يقوم الأشهاد0
فإلى متى يتهم أحدنا الأخر فى دينه وإلى متى تستمر محاكم التفتيش؟ وإلى متى نصور دين الله ضعيفأ هشأ يمكن لأى حاقد هدمه ولأى عدو قطعه من جذوره فأى ظلم هذا الذى ترتكبون بحق الله ودينه القويم ورسوله الكريم ؟
هؤلاء الذين نسوا انفسهم ونصبوامن أنفسهم حماة للدين هم واهمون ويكذب كل منهم على نفسه فالله وحده يدافع عن دينه والدين الإسلامى عالمى لكل الدنيا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ومن اعلى الشمال إلى أدنى الجنوب وهو لكل البشر ابيضهم وأسودهم وأحمرهم وأصفرهم بل وللجن أيضا فمن الذى يحمى دين الله ويدافع عنه؟
إنك –يا مفكر—مهما كتبت فأنت تعبر عن رأيك الذى قد يكون خطأ فى رأى الكثيرين وإن ما تعتقد انك تدافع به عن دين الله قد يكون فى رأييى ضد الدين وحربأ عليه فى نفس اللحظة التى تقسم أنت فى داخلك انك المدافع الأوحد عن دين الله فمتى نصحو من سباتنا العميق ونتذكر أن الله يدافع عن دينه وأن النصر من عند الله وحده وليس لبشر فضل فيه وأن الهدى من عند الله وحده وليس لبشر فضل فيه وأن تأليف القلوب المؤمنة يتم بقدرة الله وحده وليس لبشر فضل فيه فلا يوهمن الواحد منكم نفسه بأن رأيه هو نهاية المطاف وان كلامه لا يرد ولا يعلق عليه ولايوهمن أى كاتب أو مفكر نفسه بأن إجتهاده حق مطلق وأن من خالفه الراى قد ضل عن سواء الصراط فذلك منزلق خطير كالذى خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق والعياذ بالله تعالى0
عن هؤلاء الذين يزكون انفسهم ويتعالون على البشر ويعتقدون أن فكرهم قرآنا يتلى ورأيهم قانون ربانى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه 00هؤلاء قد ضاعوا ضياع إبليس فلا مكان لهم ولا لأحقادهم ولا لكبرهم فى عهد الله وذمته0
أيها المفكر الذى يؤمن بفكره لدرجة العبادة
عد فانت فى خطر واعلم أنك لا تزيد عن كونك بشرا ضعيفأ مسكينأ لك الحق فى الإجتهاد نعم لكنه إجتهاد ليس إلا وهو قابل للرفض أو القبول حسب عقلية كل قارىء فلا تفرض فكرأ مهترئأ أو رايأ مسروقأ أو عبقرية مزيفة على الآخرين فلكل منهم عقل وفكر ورأى ولن يقبلوك وسطهم إلا إذا كنت متواضعأ شاعرأ بضعفك الإنسانى طارحأ فكرك بقلب مرتعش كتلميذ فى لجنة الإمتحان وليس كإله متحكم ومهيمن فمن قبل فكرك فهو المؤمن التقى ومن رفضه فهو الكافر المارق والعميل السارق والصهيونى الآبق !!!
فليعرف كل منا حجم نفسه وليتذكر انه قريبأ جدأ يحتويه قبر ضيق وتأكله بكتريا التعفن فلا ينسى أصله الطينى :
نسى الطين ساعة انه طين حقير فصال تيهأ وعربد
وكسى الخز جسمه فتباهى وحوى المال كيسه فتمرد
يا اخى لا تمل بوجهك عنى أنا لست فحمة ولات أنت فرقد
قمر واحد يطل علينا وعلى الكوخ والبناء الموطد
فانتبه أيها الغافل يا من جعلت من نفسك حكمأ على اعمال العباد وأفكارهم ونسيت نفسك وجلست تزن اعمالهم وأفكارهم وتوزع عليهم التهم فهذا كافر وذاك عميل وهذا عظيم وذاك حقير وتقمصت دور الرب تعالى يا أيها الطين الحقير أفق فأنت ميت والموت يجرى فى عروقك والله حى لا يموت 00لا يموت0




مدرس الفصل يضطهد إبنتى :


كانت إبنتى تجلس فى الفصل تستمع لحصة اللغة العربية عندما طلب منها مدرس الفصل أن تقرأ الدرس وكان فى الدرس كلام عن عدد من الأنبياء والمرسلين منهم رسول الله محمد ورسول الله إبراهيم ورسول الله نوح ورسول الله يحى ورسول الله عيسى ورسول الله موسى وغيرهم عليهم جميعأ الصلاةو السلام ولقد اوقفها المدرس عن القراءة لبرهة ليسألها سؤالأ معينأ عن هؤلاء الرسل المكرمين فكانت اثناء الإجابة تقول عبارة ( صلى الله عليه وسلم) خلف إسم كل نبى من الأنبياء المذكورين فتعصب منها المدرس لذلك السبب وقال لها الصلاة والسلام على رسول الإسلام أما اى رسول آخر فقولى عليه السلام فقط !!!
فقالت كيف ذلك يا استاذى وقد تعلمت من القرآن ألكريم ألا أفرق بين أحد من رسل الله تعالى ؟ فى قول الله عز وجل
( لا نفرق بين أحد من رسله)
فقال المدرس ولكن الله قال
( إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمأ)
والمقصود بالنبى هنا هو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام
قالت وما المانع فى تعميم الصلاة والسلام عليهم جميعأ خصوصأ وأن الله تعالى لم يحدد إسم النبى المطلوب الصلاة عليه فى الآية؟
قال لها : الأمر فى الآية مفهوم يا فيلسوفة العصر والأوان من سياق الآية الكريمة
قالت هل يمكن ان تشرح لى يا أستاذ معنى ( صلوا عليه وسلموا تسليمأ)
قال: نقول ( صلى الله عليه وسلم)
قالت : فهل عندما يصلى الله على النبى يقول ( صلى الله عليه وسلم) علمأ بأن الآية ذكرت أن الله وملائكته يصلون على النبى وماذا يقول الملائكة أيضأ ؟ هل هم يقولون (صلى الله عليه وسلم)؟؟
عنئذ طردها من الفصل وصمم على إستدعاء ولى الأمر الذى هو العبد لله كاتب هذا المقال وقال لها ممنوع تحضرى حصتى إلابعد حضور ولى أمرك
جاءتنى إبنتى باكية شاكية وأنا أعرف أنها تحب الإستفسار عن كل شىء ولا تدع الأمور تمضى دون أن تفهم وتتأكد ولا تسلم للأمر الواقع حتى لو فصلوها من المدرسة –سألتها ما الخطب يا شقية ؟ قالت كذا وكذا وكذا وقصت القصة من طقطق لسلامه عليكم
ذهبت فى اليوم التالى للقاء المدرس الذى قابلنى غاضبأ وكأن إبنتى إرتكبت جرمأ لا يغتفر وراح يقص الحكاية التى سمعتها من ذى قبل
قلت لسيادته وما المشكلة فى ذلك؟ هل تريدها صماء لا تسمع خرساء لا تتكلم بلهاء لا تفكر ولا تتدبر ؟ لقد تعلمت منى محاولة فهم الآيات القرآنية بعمق شديد وتدبر لفهم معانيها العظيمة والوقوف على ما بها من إعجاز فما ذا فى هذا؟
فقال ولكنك طبيب والقرآن له رجاله المتخصصون والدين له علماؤه
قلت هذا الكلام قد انتهى مفعوله وصار عملة قديمة فنحن فى عصر ثورة المعلومات وموضوع الكهانة الدينية وفرض أشخاص بعينهم على الناس وفرض آراء معينة وإجتهادات خاصة على الناس كل ذلك قد بطل مفعوله expired
فجن جنونه وقال معنى ذلك أنك تحرضها على العلماء والأئمة والمذاهب وأهل الرأى ؟
قلت له لا طبعأ فأنا أحترم كل المجتهدين ولكننى لا أنسى أن كل واحد منهم قد إجتهد لعصره وزمانه وقد تعب وسهر من أجل إجلاء الحقائق وتفهيم الناس أصول دينهم ولكن هؤلاء المجتهدون لم يعد لهم صلاحيات هذا الزمان فقد ماتوا من مئات السنين ولا يعلمون عنا شيئأ الآن ولو بعث أحدهم ورأى الحضارة والطائرة والصاروخ والكمبيوتر والفضائيات والتليفون المحمول لمات من فوره لأنه معذور فقد عاش فى زمن كان الحصان والحمار والناقة هى وسيلة المواصلات وكان الخطاب يصل لصاحبه بعد ستة أشهر فى حالة السرعة وكانت الثقافة سمعية لأن الطباعة لم تكن موجودة وكان كل شىء بدائيأ فكيف لهم ان يجتهدوا لزماننا ويضعوا لنا الأطر واللوائح ويسنوا لنا القوانين وهم لا يدرون شيئأ عن حضارتنا ومتطلباتها
فقال ما هو جواب السؤال الذى وجهته لى نجلتكم بخصوص الصلاة على النبى؟
قلت أولأ لا يجب أن نفرق بين نبى وآخر وعلينا أن نؤمن بهم كرسل إصطفاهم الله لتبليغ رسالته إلى بقية عباده وقد علمنا ربنا فى كتابه العزيز الا نفرق بين أحد من رسله
فقال متسرعأ ولكن الله قال
( ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض)
ونظر لى نظرة المنتصر قائلأ فما رأيك ؟؟؟
قلت لو قرأت الآية الكريمة فى هدوء ستجد الرد على نفسك لأن الذى يفاضل بين نبى ونبى هو الله تعالى وحده وليس أنت أو أنا واقرأ قوله تعالى فى الآية التى تكرمت أنت بذكرها فهى تقول ( فضلنا) والنون ألف تعود على الله تعالى ولا تعود على عبد من عباده وبذلك يتضح أن مسألة التفضيل بين نبى وآخر هى حقيقة قرآنية ولكنها حق من حقوق الله تعالى وحده
قال فما معنى الصلاة على النبى إذأ؟؟
قلت إن الله عندما يصلى على النبى أى يتولاه بحفظه فى الدنيا وبرحمته فى الآخرة
والملائكة عندما يصلون على النبى أى يدعون له بالرحمة والدرجات العلى والمقام المحمود عند خالقه سبحانه وتعالى
اما المؤمن عندما يصلى على النبى فإن الموضوع هنا ينقسم قسمين
أولأ صلاة المعاصرين للنبى عليه معناها دوام التواصل مع ما جاء به من حق مبين فى القرآن العظيم مع دوام السؤال عن النبى والوقوف الدائم على أخباره والمشاركة معه فى الصلوات والإجتماعات والجهاد ضد المعتدين على الوطن والدين وجميع المواقف ما استطاع المسلم إلى ذلك سبيلأ
ومحاولة تطبيق مبادىء الخير والعدل والمساواة والحب والإصلاح بين الناس كما هو مذكور فى كتاب الله تعالى
ثانيأ صلاة من لم يعاصروا النبى فى حياته هى تواصل العمل بما جاء به من قرآن وتطبيق مبادىء الحب والعدل والمساواة والسلام الموجودة به ما استطاع المؤمن لذلك سبيلأ
وقلت له كذلك لا تنسى ان الله تعالى فى المقابل أوصى نبيه محمد (ص) بالصلاة على المسلمين فى قوله تعالى
(وصلى عليهم إن صلاتك سكن لهم)
فهل عندما يصلى الرسول على المسلمين يقول صلى الله عليهم وسلم ؟ ام يدعو لهم بالخير والمغفرة ثم يزورهم ويسأل عليهم إذا غابوا ويزورهم إذا مرضوا ويمشى فى جنازتهم إذا ماتوا ويقوم بالصلاة على موتاهم والدعاء لهم وهذا هو الأقرب لمنطق القرآن العظيم , كما لاتنسى ان الله تعالى قد قال قى المقابل أيضأ عن المسلمين
(هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور)
أى أن الله يصلى على النبى أى يرحمه ويصلى على المؤمنين فيرحمهم وملائكة الله يصلون على النبى بالدعاء له ويصلون على المؤمنين بالدعاء لهم كما ان الله تعالى طلب من المسلمين الصلاة على النبى اى التواصل بما جاء به ومشاركته فى الصلاة والإجتماعات وصد الإعتداءات والجهاد ضد المتربصين بهم كما أمر الله رسوله بالصلاة على المؤمنين اى الدعاء لهم والإستغفار لهم عما اقترفوه من ذنوب
( ولو أنهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله غفورأ رحيمأ)
وبذلك نعلم ان الله يصلى على الرسول وعلى جميع المؤمنين والملائكة يصلون على الرسول ويصلون على المؤمنين والرسول يصلى على المؤمنين والمؤمنون يصلون عليه
قال وكلمة صلى الله عليه وسلم ألا نقولها؟
قلت كيف ذلك قلها كيفما شئت ولكن لا تجعلها تنسيك ذكر الله وتسبيحه وتكبيره والإستغفار فلا يصح أن نستبدل ذكر الله بذكر عبد من عباده لأن كل نبى ورسول كانت مهمته الأولى أن يعبد الله فى الأرض بلا شريك
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ الأنبياء{25}
فعلى كل مؤمن تقى صالح أن يملأ جل وقته بذكر الله وحده والتبتل إليه بالتقرب والإستغفار بحيث يكون ذلك الذكر سرأ لا يعلمه ولا يسمعه غير الله السميع العليم
قال : وانا عندما أقول صلى الله عليه وسلم اليس ذلك ذكرأ لله تعالى؟
قلت : لقد علمنا ربنا عز وجل كيف نذكره كما يلى
أولأ مادة الذكر اللفظية
( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد فى السماوات والأرض وعشيأ وحين تظهرون)
( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)
( فسبح باسم ربك العظيم) ( سبح اسم ربك الأعلى)
( الذين يذكرون الله قيامأ وقعودأ وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السماوات والأرض )
ومئات الآيات الأخرى التى تعلمنا الألفاظ التى نسبح ونذكر بها ربنا عز وجل
ثانيأ طريقة الذكر
( واذكر ربك فى نفسك تضرعأ وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين)
قال : لم تجب على سؤالى حتى الآن
قلت : يكفيك أن تنطق لفظة صلى الله عليه وسلم مرة واحدة فى حياتك ولكنك مطلوب منك –كمؤمن صالح—ألا تكف عن ذكر الله وتسبيحه وإستغفاره والتقرب إليه بالصالحات ولعلمك فإن الصالحات ليست صلوات وصيام وصدقات فقط بل إن إخلاصك فى تأدية عملك الخاص أو الحكومى على أكمل وجه هو تقرب لله بالصالحات وعندما تربى الأجيال على إحترام حقوق الآخرين فى معتقداتهم وفى قول رأيهم والإستماع لهم حتى لو كانوا مختلفين معنا فى كل شىء فهذا تقرب إلى الله بالصالحات وهكذا
قال أصارحك القول فأنا غير متعمق فى مثل هذه الأمور وأنت تحتاج لعالم أزهرى فهو يستطيع الرد عليك وتفنيد ما تقول
قلت شكرأ هل يمكن أن تسمح للبنت بحضور الحصص؟
قال على ألا تجادلنى فى شىء فليس عندى وقت لها والحصة مدتها نصف ساعة أو أكثر قليلأ ولو سمعت لكل تلميذ فلن أشرح شيئأ
قلت : فكيف سنربى الأجيال التى عليها حمل المسئولية بعدنا ؟ اليس هناك أمل فى فتح حوارات مع الطلبة حتى يتعلموا أدب وفن النقاش الحر المستنير؟
قال: هذا الأمر ليس فى يدى والبركة فى أولياء الأمور مثل حضرتك
ودخلت البنت فصلها وودعت المدرس وكان غير مستريح لى ولكننى أحببته لطول باله وهدوئه وأدب حواره رغم قلة معلوماته



1. 2. 3. 4. 5. 6. 7. 8. عين الحسود فيها عود :


عنوان المقال هو أحد الأمثال العربية الشهيرة التى تعكس ثقافة الخوف من الحسد وهى ثقافة منتشرة إنتشارأ واسعأ فى العالم العربى عامة وفى مصر خاصة حيث تسمع قصصأ وأساطير يرويها العامة والخاصة عن امور ومواضيع لها صلة مباشرة وغير مباشرة بموضوع الحسد وكأنه حقيقة واقعة ونظرية ثابتة يجب ان نحتاط لها ونوسع مداركنا تجاهها حتى لا يجرفنا طوفانها ولا نسقط صرعى فى بئرها
ولم يقف الحد فى الخوف من الحسد عند الأمثال الشعبية والروايات التراثية التى منها ما يؤكد أن عين الحاسد خرقت الحجر ولست أدرى هل كانت تلك العين الحاسدة تتمتع بأقوى أنواع أشعة الليزر أم ماذا ؟؟ ..بل ذهب شعراء الاغانى العامية للإهتمام بأمر الحسد فجعلوه موضوعأ هامأ فى كتاباتهم التى غناها اشهر المطربين ورددها الناس من بعدهم بأصواتهم مثل ذلك القائل
يا حاسدين الناس مالكم ومال الناس
أو تلك التى غنت قائلة
لما رمتنا العين
شوف انت فين وأنا فين
واللى شافونا ليه يحسدونا
ويفرقوا القلبين
لما رمتنا العين
وهذه مغنية شعبية تغنى لبنتها ليلة الزفاف فتقول
يا صغيرة يا أحلى بنات الحارة
خوفى عليكى م الحسد والجارة
ومما لا شك فيه هو وجود ملايين من البشر يؤمنون بالحسد ويعملون له ألف مليون حساب بل ويفسرون ما يلحق بهم من خسائر ومصائب وأمراض طبقأ لهذا الحسد ولتلك العين الحسودة , والأعجب هو إعتقاد الناس وخصوصأ العامة منهم فى كل حى وحارة فى أى مدينة وفى كل زقاق وفى كل قرية وعزبة ونجع ---يعتقدون فى وجود شخص معين أو عدة أشخاص متهمين دائمأ بالحسد ويقع على كاهلهم عبأ الأمراض والأوبئة والخسائر التى تصيب المنطقة أو أحد أفرادها ويسمونه بالحسود أو الحساد أو أبو عين صفراء علمأ بأن عيناه قد تكون سوداء أو زرقاء أو خضراء أو حتى بنية ولكننى لست أفهم سبب إتهام المجتمع لبعض افراده من الفقراء والمساكين وخصوصأ من ذوى العاهات كالعرج والعور والبرص وغيرهم بالحسد ؟
والغريب أنهم يؤمنون من عميق قلوبهم بمقدرة هؤلاء الأشخاص على إصابة الهدف بما يريد الحاسد من مرض أو وباء أو خسارة مادية أو تلف فى ممتلكات الضحية فتسمع التاجر الذى خسر فى السوق يقول ( ياترى أنا تصبحت بوجه مين النهاردة؟) وهو يسأل السؤال بصدق ويبحث عن إجابة ويريد أن يتذكر صاحب الوجه العتم الأسود الذى قابله فى الطريق اثناء ذهابه للسوق فتسبب له فى تلك الخسارة
وأتعجب كثيرا من بعض الحاصلين على درجات علمية ولا أسميهم مثقفين فالفرق شاسع –أتعجب من قناعتهم التامة بمفهوم العامة للحسد ومشاركتهم لهم فيه بل وارى الكثير من الفنانين يتحدثون بجدية مبالغ فيها عن تعرضهم لذلك الحسد وكيف أنهم تأثروا به وكاد يعرقل نجاحهم لولا قوة إيمانهم التى أنقذتهم من غول العين الحاسدة وأرثى لحالهم ولجهلهم وفراغ عقولهم من أى فكر أو ثقافة تمكنهم من فهم حقيقة الأشياء ومعانيها ولكن لا ضير فالمال والشهرة أهم من الكتب والثقافة والعلم وهم رغم أنف الدنيا أهل علم وثقافة مهما بلغت درجات جهلهم
كانت أمى –رحمها الله--- تحذرنى بشدة من فلان وفلانة لكى لا أمر أمامهم وعندما أسألها عن السبب –وقد كنت طفلأ صغيرأ – تقول إنه حساد وأن العين قد خرقت الحجر عندما أراد رجل كافر أن يحسد الرسول (ص) ولكن العين لم تصب الهدف فخرقت الحجر وكنت أعجب من هذا الكلام حتى سمعته من بعض المشايخ بعد أن كبرت وأكد لى أنها حقيقة
وأثناء تعليمى الجامعى وكنت أعيش فى قرية ريفية نائية – وطبعأ المدينة لا تختلف عن القرية فى هذه المعتقدات--- كنت أسمع أن بقرة جارنا ماتت فى الحقل وأن السبب هو أن فلان الحساد قد نظر إليها بعينيه فحسدها فماتت وكذلك الزرع لو خاب الزرع ولم يحصد الفلاح ما كان يطمح له من محصول ألقى بالعبأ كله على فلانة الحسادة التى كانت طوال الموسم تمر على الحقل وتنظر بعينيها للزرع فتحسده
لم يعلق صاحب الزرعة الخائبة فشل زراعته على إهماله فى القيام بواجباته تجاه أرضه وإنما وجد شماعة الحسد والعين الصفراء حتى يلقى عليها همومه ويعتبر ذلك الحساد هو السبب ثم ينام قرير العين مقتنعأ تمامأ بما فعل ويما حصد وبما اعتقد
وكذلك صاحب البقرة الميتة لم يسأل نفسه هل كانت مريضة ؟ ولماذا لم يعالجها ؟ وهل تتبعها بالرعاية البدنية والطبية؟ ولكنه رمى بهمومه وحموله على الحسد والحسادين والعين الصفراء ونام قرير العين راضيأ عن نفسه وسلوكه ومعتقده
وكنت فى طفولتى كلما مرضت بإلتهاب فى اللوز أو نزلة شعبية سمعت النساء حول أمى يقلن لها أنه محسود وأكيد فلانة الفلانية طسته عين جابته الأرض
أى خرافات وخزعبلات عشنا فيها ونشأنا فى أحضانها ؟ ومن الذى أرضعنا هذا التخلف فى عقولنا ؟
لو كان هناك حسد بالمعنى العامى الدارج والذى يؤمن به الغالبية العظمى من الناس بكل أطيافهم وأديانهم ومعتقداتهم لو كان صحيحأ ألم يكن الأجدر أن نجمع هؤلاء الحسادين من ذوى العيون الصفراء ونأمرهم بأن يوجهوا عيونهم ناحية الأعداء فيقتلوا جيوشهم ورؤسائهم الذين دوخونا السبع دوخات وأكلوا حقوقنا ونهبوا أرضنا؟؟؟
وكان الأولى توجيه أحد الحاسدين نحو شارون وكأنه صاروخ عابر للقارات فيطسه عينأ يجيبه الأرض ويبدو أن هناك من قام بذلك فقد سقط شارون صريع الجلطة الدماغية فيجب أن يتقدم ذلك الحساد للحصول على جائزة نوبل فى الحسد!!!
الشيخ الذى سمعته يتحدث عن العين التى خرقت الحجر قلت له ما هذا الهراء الذى تنشرونه بين الناس ؟
قال الحسد مذكور فى القرآن وتلا قول الله تعالى :
( قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق 000000ومن شر حاسد إذا حسد)
قلت له وهل ترى بفكرك أن المقصود هنا هو قدرة عين الحاسد على القتل وإصابة الهدف فى مقتل بأمراض أو خسائر مادية أو تلف فى ممتلكاته ؟
أم أن المقصود هنا هو الحقد والضغينة الذى يصيب القلوب والنفوس تجاه إنسان معين بسبب نجاحه وتفوقه وذكائه أو غناه ثم ما يلبث هذا الحقد أن يتحول إلى فعل مؤثر عن طريق التأليب عليه وشحن القلوب ضده وإفساد الناس من حوله ونشر الإشاعات الباطلة عنه وتشويه سمعته وقتله معنويأ أو حتى جسديأ؟
أليس هذا هو المفهوم الحقيقى للحسد والأقرب للمنطق والعقل السليمين والتفكر العلمى
قال صاحبى لم أسمع ذلك الرأى من قبل والحسد هو ما شرحت ولا أستطيع تغيير مفهومى عنه لمجرد أن سمعت رأيك
قلت له تعالى نبحث فى كتاب الله تعالى عن الحسد سوف أذكر لك كل الآيات التى بها كلمة حسد ومشتقاتها :--

(وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) البقرة{109}
(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً ) النساء{54}
(سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً) الفتح {15}
ثم نذكر قول الله تعالى فى سورة القلم عن حقد الكافرين على رسول الله من شدة ما شعروا به من روعة القرآن العظيم وإعجازه وعجزهم أمام آياته الكريمات
(وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) القلم {51}
فالآية الأولى (البقرة 109 ) تتحدث عن رغبة الكثيرين --وليس الكل-- من أهل الكتاب فى رد المسلمين عن دينهم حسدأ منهم بسبب تأكدهم الشديد من صدق هذا الدين وقوته وكماله
كما تتحدث الآية الثانية (النساء54 )عن الحقد الذى أصاب الكفار والمنافقين عندما اختار الله تعالى رسوله الكريم نبيأ ورسولأ للعالمين فحقدوا عليه وقالوا:--
لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم؟؟
فرد عليهم ملك الملك:--
اهم يقسمون رحمة ربك ؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا
أما الآية الثالثة (الفتح15 ) فيتهم المنافقون المؤمنين بحسدهم لكثرة مالهم حيث أنهم تراخوا عن الجهاد فى سبيل الله مع الرسول والمؤمنين ضد المعتدين الذين يتربصون بهم الدوائر ويؤلبون عليهم القبائل ويريدون إستئصالهم من الوجود ومن المؤكد طبعأ فساد رأى المنافقين وعطب معتقدهم بسبب كفرهم وفسوقهم عن أمر الله تعالى ورسوله
أما الآية الرابعة القلم 51 فتتحدث عن بلوغ حقد الكافرين على الرسول الكريم ذروته لدرجة أنهم يريدون إسقاطه أرضأ بنظرة حقد من عيونهم ولكن هيهات
أرجو أن يكون تغيير فكرة الحسد المنتشرة بقوة بين مئات الملايين من المواطنين فى العالم العربى مما يصيبهم بمزيد من التخلف والجهل وفساد العقيدة لأن الوحيد الذى يصيب ويمرض ويشفى ويميت ويحيى هوالله وحده مالك الملك فكيف يعتقد هؤلاء أن شخصأ معينأ يستطيع أن يصيب الآخرين بالمرض والداء والوباء والتلف والخسارة وهو مسكين ضعيف لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرأ ولا نفعأ ولا موتأ ولا حياة ولا نشورأ
لمجرد انه فقير معدم أو ذو عاهة مخيفة أو شكله مختلف بسبب مرض معين يتهمه الجهلاء بأنه حاسد وتلاحقه هذه اللعنة فى حياته وبعد موته ويرث أبناؤه وذووه تلك اللعنة وقد يهرب الواحد منهم من بلده حتى لا تلاحقه تلك اللعنة القبيحة التى لفقها له مجموعة من الجهلة المتخلفين من ذوى الفكر الضحل , المحدود المعلومات, المتطفل على النقل والتقليد بكل بلاهة وبلادة , الكاره لكل جديد كما يكره الخفاش النور0




حرية التفكير بين التسيير والتخيير :


ن ما يثير عجبى هو أن يعتقد البعض أن بإمكانهم فرض فكر أو رأى أو دين أو عقيدة وهى كلها معنويات بإستخدام ماديات كالقوة والتخويف والتهديد والإرهاب
فلا استطيع أن أستوعب بعقلى البشرى القاصر كيف أجعل شخصأ يؤمن بما أؤمن به ثم يعتنق أفكارى ويؤيدها بل ويدعو لنشرها وكل ذلك دون أى قناعة منه أو رضا سوى خوفه من سطوتى وقوتى وقدرتى على سحقه وتعذيبه وإذلاله.
أعرف انه يمكن لى بسبب قوتى أو سلطانى أو جبروتى أن أعذب شخصأ ما وأجبره على الأكل او الشرب او اللبس بطريقة معينة أو النوم بشكل ما ولكن المستحيل الحقيقى هو قدرتى على أن أجعله يؤمن ---حقيقة---بفكرة ما أو رأى ما أو عقيدة ما
إذ أن هذه المعنويات تكمن فى القلوب والعقول والضمائر ولا يراها ولا يعلمها سوى الله تعالى المهيمن على كل مثقال حبة من خردل فى ملكوته العظيم.
أستطيع وأنا أقف بين يدى ضابط الأمن أو رئيس المباحث أو المحافظ او أكبر رأس فى البلد أن اشتمه وأن العنه وأن أدعو الله ربى ان يحرقه طبعأ سرا وداخل قلبى ودون أن يسمعنى هذا المخلوق المحدود المؤقت الميت , واستطيع ان اسرح بخيالى فأشاهد هذا الطاغى ذليلا فى خيالى يركله المظلومون باقدامهم جراء ما اذاقهم من عذاب وما فعل بهم من أفاعيل يأبى الشيطان الرجيم -- بكل قبحه-- أن يفعل مثلها.
أستطيع أن أخدع كل من حولى واتظاهر بأننى مؤمن وصالح وتقى حتى لو كلفنى ذلك ان أخسر جزءأ من أموالى رياءأ حتى احقق أغراضى واصل إلى مآربى لأن كل الذين حولى لا يطلعون على محتويات قلبى ولا يصلون لخبايا عقلى ولا يعلمون مخططاتى ومن السهل ان أواظب على الصلوات وأتظاهر بالصيام إرضاءأ لغرور أشخاص يجبروننى على ذلك وأنا أضمر فى نفسى كل حقد وكراهية وضغينة لهذا الدين -- أى دين سماوى-- ولكل من يعتنقه طالما أنه يقوم على الضغط والقهر والإكراه كما يحاول الغلاة تصويره وهو بالطبع—الدين—برىء من ذلك فلا إكراه فيه ولا إجبار على إعتناقه ولا قهر لمخلوق لكى يؤدى مناسكه وإلا تحول من دين سماوى سمح إلى أحكام فاشية شمولية قهرية تنتهك حرمات العقل وتحرق مكنونات الفكر وتكمم الأفواه وتحجر على الألباب وما الله يريد ذلك أبدا لأن ذلك ظلم بين وإفتراء واضح على الله الرحيم ورسله الكرام ودينه القويم وصراطه المستقيم.
لقد خلق الله الإنسان من العدم بقدرته وفرض عليه تعاليم سمائية راقية تبدأ بإعتراف الإنسان بالله الأحد ربأ والقيام ببعض العبادات التى تؤكد تواصل المخلوق مع الخالق وتملأ حياة المخلوق بهجة وسعادة وأمنأ وطمأنينة وتجعله يخرج من مسجده او معبده او كنيسته خاشعأ لله يعامل خلق الله بالحسنى ويتأدب معهم فى الحوار ويحافظ على أموالهم واملاكهم واعراضهم وأحلامهم وحريتهم وسلامتهم وأمنهم وسعادتهم واستقرارهم ووحدتهم وتقدمهم ورقيهم وعلو شأنهم.
أما إذا خرج من مكان عبادته --أيا كان-- لكى يجرح مشاعرهم أو يسرق أموالهم أو يعتدى على حرماتهم وأعراضهم أو يهدد امنهم او يكدر سعادتهم او يحرق فرحتهم أو يبدد أحلامهم أو يفزع قلوبهم أو ينشر بينهم الرعب والخوف والإرهاب أو يعيق تقدمهم أو يفرق شملهم أو يشتت وطنهم فوالله الذى لا إله غيره ما هذا بمتدين ولا هو بصالح ولا هو بتقى ولن يكون كذلك حتى يثوب إلى رشده ويعود إلى كنف مولاه تائبأ عن خطاياه طالبأ غفرانه ورضاه .
لم يخلق الله الناس عبثأ حاشاه سبحانه بل لحكمة لا يبلغ الإنسان منتهاها مهما بلغ فكره ووثق فى قوة عقله ولذلك جعل الله للدين يومأ لا ريب فيه وحصنه بالتوثيق وعدم الريب لأنه آت رغم أنف الناكرين ينصر الله فيه الدين السمائى وينصر الصالحين ويقتص للمظلوم من الظالم ويحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين
ولأن الدين ملك لله وحده لأنه تعالى المفتش فى محتويات القلوب والذى يعلم ما تخفيه ويعلم خائنة الأعين ويعلم ما توسوس به نفس الإنسان من خير أو شر فإن الله لم يخلق وكلاء أو أوصياء على عبيده ولم يعطهم إذنأ بالبحث فى قلوب الخلائق ولم ينزل لهم ترمومترأ سماويأ لقياس شدة الإيمان والتقوى أو ضعفهما وإنما أرجأ المولى ذلك كله له وحده فى يوم مهيب تشيب من هوله الولدان ويفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لأن كل واحد منهم له شأن يغنيه عن التفكير لحظة واحدة فى غيره حتى فى هؤلاء الذين لا يفارقونه فى الدنيا ساعة واحدة وكانوا يحزنون لحزنه ويفرحون لفرحه ويتألمون لألمه ويرقصون لنجاحه هاهم فى يوم الدين عنه ذاهلون ولا ينظرون له وليس معه سوى عمله يحمله على ظهره إن خيرأ فخير وإن شرأ فشر.
ما أعظم قانون الله لا إكراه فى الدين فهو الأب ,والمصدر والمنبع لكل قوانين حقوق الإنسان وهو الراعى الحقيقى لحقوق البشر فى كل مكان سواء رجال او أطفال أو نساء أو شيوخ أو اقليات فى كل أنحاء العالم فإذا كان الله حرم الإكراه فى الدين فهل يكون هناك إكراه فى السياسة أو الإقتصاد أو العادات الإجتماعية أو السلوكيات القومية والتصرفات القبلية ؟؟
إذا كان الدين الذى هو نور الله فى الأرض وحبله المتين وصراطه المستقيم لا إكراه فيه فهل يتأتى لبشر ان يكره أخاه الإنسان على رأى أو فكر أو اتجاه أو عقيدة أو سياسة معينة لأى سبب وبأى حجة ؟؟
فليرفع الذين يفرضون أنفسهم على الناس-- بالقوة والتخويف-- أيديهم عن الخلائق وليتركوا عباد الله لربهم يفعلون ما يشاءون وإنهم فى يوم ما محاسبون لا شك ولكن من ربهم وليس من خلق مثلهم فالله القدير هو مالك الملك وسواه لا يعدو كونه جزءأ يسيرأ من ملك الله إن شاء الله أماته وإن شاء أحياه
فلنترك ابوب الحريات مفتوحة على مصاريعها لأن الحرية هى مصدر الفكر والإبداع والفن والإبتكار والشعر والتعبير والتأليف والإختراع والتجديد والتحديث وبدون كل ذلك تظل الحياة راكدة بلا حراك وتفقد قيمتها ومصداقيتها ووقعها الساحر الأخاذ كما تظل الأمم ترزح تحت نير الإستبداد والظلم والجهل والتخلف والمرض.
ألحرية هدية الله لخلقه فليكف أعداؤها عن قتلها وليكفوا عن حرمان الناس من نعمة الله الكبرى وهى الحرية فى كل شىء بدأ من حرية الدين والمعتقد والرأى والفكر وإنتهاءا بأقل الأشياء شأنأ فى الوجود

(10) تفتيش القلوب والبحث عن ذنوب :


فى جميع دول العالم المؤمنة بحقوق الإنسان فى العدل والمساواة والحرية بكافة مشتقاتها ينظر المجتمع للإنسان نظرة حب وتكريم مفادها أنه شريف وكريم وحر ومحترم طالما لم يأت بفعل يخرق به القانون المطبق والمعروف فى تلك الدول التى تؤمن بأحقية الإنسان فى حياة كريمة تتميز بالحرية فى كل صورها شاملة حرية الدين والمعتقد والفكر والرأى والتوجه والجنسية والحركة والتعبير والتمثيل السياسى والعمل الشريف وإصدار الصحف وتأليف الكتب وإقامة المنشآت الإعلامية التثقيفية منها والإخبارية وحرية التنقل والتجارة من تصدير إلى توريد وحرية التعامل مع باقى أفراد المجتمع المحيط به والمجتمع الدولى عمومأ كما تسخر هذه الدول كل قواها الشرعية لحماية هذه الحريات وتأمين المواطن ضد اخطار الإرهاب والسرقات والأمراض وأخطار التجهيل والتغييب بما تنشره من عوامل توعية بين مواطنيها لأن هذه الدول آمنت أن المواطن الحر الكريم الآمن القوى الصحيح البدن والعقل والمتعلم والباحث والمثقف هو عماد البلد وهو كيانها الذى تقوم عليه وبغير هذا المواطن يفقد الوطن معناه ولا تصبح للحياة قيمة تذكر0
على النقيض تمامأ فى عالمنا العربى الميمون والذى من المفترض أصلأ انه مهد الرسالات السماوية ومنبع الخير والحب والسلام لكل الإنسانية على ربوع أرض الله وتحت سمائه ولكن –للأسف--- فإن المواطن فى بلادنا العربية متهم دائمأ حتى لو لم يفعل ما يخالف به القوانين والأعراف وذلك بسبب الأنظمة الإستبدادية التى تنمو وتترعرع وتتغذى على مقدرات هذا المواطن الذى يعانى الأمرين فى كل مؤسساتها من مؤسسات التعليم إلى مؤسسات الصحة إلى مؤسسات الشرطة والأمن وغيرهم يعامل المواطن كمتهم وينتظر منه أن يثبت لمن حوله أنه طيب ومسالم وشريف ويحب الناس ولا ينوى الإضرار بالآخرين وأن قصده شريف وأنه يسعى فقط للحصول على لقمة العيش المرة ولا يطمع فى أكثر منها وليس من مخططاته أن يطمح لمنصب معين أو يضع عينه على شىء معين ويسعى للحصول عليه فكل هذه محظورات يقف الإستبداد وأعوانه حاجزأ بين أى مواطن وبين تحقيقها بما شرعوه من قوانبن تعجيزية وبما وضعوه من نصوص وبنود تجعل المشروعات ضربأ من ضروب الخيال والأحلام فى مستقبل أفضل شكلأ من اشكال الأساطير والخرافات
لماذا يتعمد الإنسان العربى التفتيش الدائم والمستمر فى قلوب من حوله والمحاولة المستميتة للوقوف على ما يفكر فيه الآخر وما ينوى عليه ؟ بل لماذا يتهم كل منا الآخر فى دينه وعقيدته وفكره ورأيه بمجرد الشعور أنه يخالفنا وأن له إتجاهأ مغايرأ وأنه يستعمل عقله ولا يرضى أن تملى عليه الأفكار لكى يبتلعها إبتلاعأ كما يبتلع السمك طعم الصياد فيصطاده ويأكله ؟ لماذا نعادى كل صاحب فكر متحرر عن طبيعة تفكيرنا التى ورثناها ونكيل له التهم ونصفه بأقذع الصفات وأبشع الألفاظ ؟
ما السر فى أن معظم العرب قد ألهوا أنفسهم وجعل كل منهم من نفسه قيمأ على غيره يحاسبه ويؤدبه فى أى وقت ويتهمه ويطلب منه الدفاع عن نفسه وتبرير موقفه وتقديم الأدلة التى تثبت براءته –لماذا ومن أنت ؟ ومن كلفك بذلك ؟ وما هذا التفكير العجيب الجاسم على العقول والقلوب؟ ألم يحن الوقت بعد فى القرن الواحد والعشرين أن نتحرر ويعيش كل منا فى حاله يبحث عن رزقه وأعماله تاركأ شأن القلوب وما بها والعقول وتفكيرها لله خالق القلوب والعقول والمطلع على كل ما فيها من أسرار ؟
كل إنسان فى عالمنا العربى تحديدأ يريد من أخيه الإنسان أن يقدم له كشف حساب بأعماله وأفكاره وآرائه يومأ بيوم أو حتى ساعة بساعة والعجيب أنه ينسى أنه هو أيضأ مطلوب منه تقديم نفس هذا الكشف لآخرين ينتظرونه هو أيضأ لتفتيش قلبه والوقوف على أعماله وأفكاره وماذا قال وماذا فعل وما هو معتقده فى كذا ولماذا فعل ذلك ولم يفعل ذلك ؟
محمكة تفتيش منصوبة داخل قلب كل منا ويا للعجب تفرغ كل منا لرصد أعمال الآخرين ونسى هو ما قدمت يداه وما ارتكبت من معاصى وآثام وتفرغ لمحاسبة أخيه الإنسان بأسلوب مقزز يجعل الحياة تمر صعبة ركيكة وخالية من الحكمة والإبداع لما أصاب العقل من قيود وراثية ونظرات شخصية وسلوكيات طائفية تجعلنا نتأخر عن ركب الحضارة ولا نجارى أقل الأمم شأنأ فيما وصلوا إليه من علم وتكنولوجيا وفكر وفلسفة وثقافة0
إن الله تعالى قد خلق العقل لكى يفكر ويبدع ويخترع وينعم بلذة الحياة التى حباها الله له وخلق القلب لكى يحب ويجيش بالعواطف ويحس ويبكى عند اللزوم وخلق العينين لكى ترى إبداع الله فى كونه وعظمة الله فى خلقه وخلق اللسان لكى يعبر وينطق ويتكلم ويوضح ويظهر ما خفى عن الآخرين ويتفلسف ويقول ويبدع القول , وخلق اليدين للعمل والعلم والكتابة والتأليف والتعبير وتوصيل الحقائق للناس بغير بخل أو حقد وخلق القدمين للسعى على الأرزاق والحركة من أجل صالح الإنسان وصالح البشرىة كلها .
لم يخلق الله تعالى هذا الملكوت العظيم فى كل جسد بشرى لكى يقهر ويذل ويمنع من التفكير والتعبير والقول والرأى والحركة لا فما قيمة الحياة إذا حرم الإنسان من حريته بمختلف أنواعها وإذا حرم من كرامته وإحساسه بكينونته التى منحها له علام الغيوب سبحانه0
إننى أنادى من هذا المنبر برفع الإيدى والرعب والإرهاب عن الناس حتى يستطيع كل منهم التعبير عن نفسه وفكره ورأيه ومعتقده غير مكره على شىء ولا خائف من أحد ولا عامل أى حساب لشخص سيسجنه أو يقهره أو يذله لمجرد أنه يعبر عن رأيه وفكره ومعتقده فى كل مكان وعلى كل الصفحات وهو حق طبيعى كفله الله للإنسان الذى جعله الله خليفة فى الأارض فكيف يكون خليفة وهو مقهور أو مسجون ظلمأ او مجبور على شكل معين من الرأى والفكر والأإتجاه أو حتى الدين0
فليرفع كل منا يده عن أخيه ولنترك الحساب لرب السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى فليس من حق المخلوق محاسبة أخيه المخلوق ولا التفتيش عن محتويات قلبه ومكنونات عقله وطبيعة فكره , ولن ننهض ولن نرتقى إلا إذا حذونا هذا الحذو
فليخرج كل منا أنفه من قلب وعقل وعمل أخيه الإنسان0



9. 10. يا أعداء الحب والسلام .. زولوا :


نعم 00لن أكره من يخالفنى الدين ولن أعاديه ولن أتربص به الدوائر ولن أنتظر شرا يحيق به او مرضا يودى بحياته أو كارثة تقوض أحلامه أو مصيبة تسود ايامه , لأننى لو كنت كذلك فلا يحق لى ان أكون إنسانأ من بنى آدم ولا يحق لى ان اتمتع بنعم الله فى كونه ولا يحق لى أن ابقى تحت سماوات الله تعالى لأننى فى هذه الحالة سأكون—لا قدر الله --- حقدأ يمشى فوق الأرض وفسادا يعيث فى ملكوت الله0
من أنا حتى أعادى من يخالفنى الدين أو اكرهه أو أحيك ضده المؤامرات لإفساد حياته وملئها بالمنغصات؟ من أنا ؟ ومن أوصانى بذلك ؟ ومن علمنى أن أكون هكذا؟ ومن سمح لى بالتدخل فى دينه ومعتقداته وآرائه وأفكاره وتوجهاته؟ من أذن لى بأن أنصب من نفسى قاضيأ وجلادا عليه؟ من أذن لى أن افتش فى قلبه وعقله عن حقيقة معتقده وطبيعة علاقته مع خالقه ؟
إننى كإنسان محدود القدرات ومحدود العمر ومحدود القوة ومحدود العقل لا أملك لنفسى ولا لغيرى ضرأ ولا نفعأ ولا موتأ ولا حياة ولا نشورا ولم يجعل الله للواحد منا غير قلب واحد فى جوفه وعلى كل منا أن يملأ قلبه بواحد من نقيضين فإما أن يملأه حبأ يفيض على نفسه وأهله وعياله وكل من حوله وإما أن يملأه حقدأ يدمره ويدمر كل من وما حوله لأن الحب من الله تعالى والحقد من الشيطان الرجيم0
وإما أن يملأ قلبه إيمانأ بالله وكتبه المقدسة ورسله المكرمين وملائكته الأبرار واليوم الآخر بكل ما فيه وإما أن يملأ قلبه كفرأ وضلالأ وهروبأ من الحقيقة الكبرى الأبدية وهى حقيقة الله تعالى خالق الأكوان ومبدع كل شىء بقدرته من العدم والمهيمن على أسرار الذرات ومكنون المجرات سبحانه وتعالى علوا كبيرأ عما يصفون0
إن الله قد علمنا الحب فى كتبه السماوية بل وفرض المحبة والسلام بين العباد ولم تكن المحبة والسلام نافلة من النوافل بل فرض على كل إنسان يعمر الكون أن يسالم أخاه وألا يمسه بأذى وألا يحيك ضده المؤامرات وأن يخاف على أمنه وسلامته وكرامته كما يخاف على نفسه إذ أن الحياة لن تمر ولن تمضى هادئة سالمة إلا إذا عم الحب وانتشر, ومات الحقد واندثر, وملأت القلوب بهجة الصفاء لله ولخلقه تاركين دين كل الناس لرب الناس غير حاشرين أنوفنا فيما لا يعنينا ولا يخصنا من اعمال الله وإختصاصاته حيث هو الذى خلق وأبدع وأوجد , وهو الذى رزق وقدر وهدى, وهو الذى منح وأعطى ووهب وأكرم , وهو الذى منع وحرم وأخذ واذل وأفنى وهو الذى يتحكم فى غيره وغيره لا يملك التحكم حتى فى جناح بعوضة فلماذا ننسى أنفسنا وننصب منها إلهأ يحاسب ويعذب ويعاقب , ألا تعلمون أن من يحشر نفسه بين الله والناس يكون كافرأ بوحدانية الله وقدرته وجبروته؟ الا تعلمون أن من ينسى نفسه ويجعل منها قيمأ على خلق الله ومحاسبأ لهم وفارضأ وصايته عليهم وقاهرأ لهم فى إعتناق دين ما أو فكر ما أو رأى ما أو توجه ما 00من يفعل ذلك فليس من الله فى شىء , فلم يعينه الله قيمأ على عباده وليس معه توكيل سماوى مختوم بأنه مسؤل عن أعمال الناس وعباداتهم وفقههم وزهدهم وورعهم , ولو رأى الله أن الناس يحتاجون لغير عقولهم وكتبه المقدسة ورسله الأخيار لأرسل فى الأرض حفظة يقفون فى وجه كل عاص ويمنعون كل كافر من كفره وكل ظالم عن ظلمه , ولكن الله لم يشا ذلك بل كان وسيظل قانونه الأبدى ( لا إكراه فى الدين)0
لقد كان خاتم الرسل (ص) يحب أن يؤمن كل أهل الأرض بالله تعالى وقرآنه وكان يبذل قصارى جهده لهذا الغرض وكان يحزن حزنأ شديدا عندما يرفض الكثيرون دخول دين الله فكان الله يقول له:
( لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفأ)
ثم يقول له:
(إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء)
ثم يقول سبحانه لنبيه ورسوله:
( وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغى نفقأ فى الأرض أو سلمأ فى السماء فتأتيهم بآيه)
ثم يحسم الله مسألة هداية الناس له هو وحده سبحانه:
(ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء)
إن حتى هؤلاء الذين آمنوا بالله وكتابه ورسوله وتجمعوا مع النبى لم يكن محمد هو من ألف بين قلوبهم ولكن الله فعل ذلك:
( لو أنفقت ما فى الأرض جميعأ ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)
أيها الناس:
إن تجميع قلوب العالم على طريق واحد ودين واحد وهدف واحد وراى واحد كما سبق ليس إختصاصأ بشريأ على الإطلاق ولا حتى من إختصاص الأنبياء والمرسلين لانه من خصوصيات الله رب العالمين ولذلك فقد حسم الله النزاع فى ذلك حين قال:
( ولوشاء ربك لآمن فى الأرض كلهم جميعأ افأنت تكره الناس حتى يونوا مؤمنين)؟؟
ولذلك فلن اكره من يخالفنى فى الدين بل سأحبه وسأحترمه لأنه إنسان وحسابه على خالقه وليس على مخلوقاته ونهايته فى يد مولاه وليس فى يد عبد منا ميت آجلأ أو عاجلأ ينتظره الدود ليتغذى على جسده الفانى فاتركوا العظائم لخالق الكون فمن أنتم حتى تحاسبوا العباد ؟ وأين انتم من عدالة رب العباد فالعودة العودة يا من نصبتم من نفوسكم إلهأ يحاسب ويعذب ويقتل ويحرق ويفجر ويدمر وما الله بفاعل ذلك فهو أرحم على الإنسان من أمه التى ولدته ولا يرضى لعباده الكفر وقد قال:
( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم)
إن دعوة الحب والسلام بين كل الأمم على ربوع الأرض يجب أن تكبر وتنتشر وتعم لأنها دعوة الخير التى نادى بها كل نبى ورسول ومصلح ومفكر وصالح وتقى وبر ورحيم فما اقبح الحروب وما ألعن القتل والدمار فى أى مكان فلا مبرر له ولاداعى لحدوثه ولو كانت هناك أمة شريرة تنشر الفساد فى الأرض فليقف العالم أجمع فى وجهها حتى تعود إلى رشدها وتعلو راية الحب والسلام , اللهم لا تجعل كلامنا شعارات نرددها وأهازيج نغنيها رياءأ ولكن اجعلها حقائق باهرة وشمسأ ساطعة يعيشها الناس فى كل بقاع الكون 0
دعوة السلام هبطت من السماء إلى الأرض لأنها حق لكل مخلوق ونعمة من الله على عباده فمن يحرم عباد الله من نعمة الحب والسلام فاللهم احرقه بنارك ومن ساهم فى نشر دعوة الحب والسلام فاللهم ادخله فسيح جناتك وأكرمه فى ملكوتك
(( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم )
((أحبوا أعداءكم باركوا لا عنيكم أحسنوا إلى منغصيكم وصلوا لأجل الذين يسيؤن إليكم ويطردوكم))




ألأسد يعظ على المنابر :


أثناء كونى فى نهاية المرحلة الثانوية كنا ندرس مادة البلاغة وكان مدرس اللغة العربية هو نفسه مدرس التربية الدينية وكلما جاء ليدرس لنا البلاغة يصر ان يدخل الدين ومبادىء الدين فى البلاغة وكنا نسمع جميعأ صامتين لا ينبس أحدنا بحرف حتى جاء اليوم الذى يشرح فيه الصور البيانية والمحسنات البديعية والألوان البلاغية ومن ضمنها الإستعارة المكنية وكما تعلمون تأتى الإستعارة المكنية لتجسيم المعنى فى صورة حسية واقعية ملموسة –فقال المدرس مثالأ لا زلت أذكره بكل اسى وأسف شديدين وهو ( رأيت أسدا يقف على المنبر) وقال ان هذه أالإستعارة مكنية فقد تم تشبيه الواعظ بالأسد وتم حذف المشبه وجاء بالمشبه به لتوضيح المعنى فى شكل حسى واضح وملموس 0
توقفت هنا ورفعت يدى طالبأ الكلمة ولقد كنت أكتب الشعر أثناءها فقال الأستاذ ماذا تريد فقلت يا سيدى كيف يقف الأسد لكى يعظ الناس على المنبر ؟
قال : نعم إذا كان الواعظ شجاعأ جهورى الصوت قوى الشخصية متمكنأ من معلوماته ولغته واقفأ على المنبر نافخأ صدره فإنه يجذب المتلقى ويشد إنتباهه ويجعله يفهم
قلت معذرة يا سيدى انا لا أرى ذلك وأظن أن ذلك يخالف قول الله تعالى
(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)
وقوله تعالى ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)
حتى ربنا عندما أمر نبيه موسى أن يذهب للفرعون مع أخيه هارون قال لهما
( فقولا له قولأ لينأ لعله يتذكر أو يخشى)
فقال المدرس : هؤلاء أنبياء ورسل يوحى إليهم من السماء فهل يوحى إلى كل واعظ من السماء؟
فقلت له يا سيدى ولكن الوحى السماوى موجود بيننا بكل ما فيه من أنوار وتعاليم
ولا يجب للواعظ ولا يحق له أن يخيف الناس وإلا فهو القهر والضغط وهذا ليس دينأ
فقال تعالى هنا لكى تشرح الدرس لزملائك واذهب أنا اقعد على القهوة وطالما كلامى لا يعجبك فلا تحضر حصتى بعد الآن يا حضرة الفيلسوف
فقلت معذرة لا أقصد ذلك أبدا يا سيدى ولكننى اردت الإعتراض فقط على المثال لأنه يسىء لطريقة الوعظ ويوحى أن الدين يفرض قهرأ على الناس وتخويفأ ولا يترك لهم الفرصة للتفكير والتدبر وإعمال العقل وإننى أعتقد أن الدين ليس كذلك فكيف يقف الواعظ على المنبر ويكون مطلوبأ منه تخويف الناس وإرهابهم ؟
اليس من أهم واجباته تحبيب الناس فى الدين وترغيبهم فيه؟
قال : نعم
قلت : وهذا لا يستقيم مع منطق الخوف الذى سيسببه لو كان شبيهأ بالإسد
قال ولكننى مصر ومصمم على مثالى ولن أغيره وأنت لا تفقه شيئأ فى الدين فلا تجعلنى أطردك من دروسى
وهكذا يا سادة يا كرام أضطررت للصمت كباقى زملائى وانتصر المدرس لأنه يملك السلطة والقوة والصوت الأعلى وله حق طردى من الفصل بحجة أننى طالب مشاغب وعدت إلى منزلنا وانا أردد فى نفسى
(الأسد يعظ على المنابر)
أعتقد أنها إستعارة تخويفيه إرهابية وليست إستعارة مكنية

11.
نظام الكفيل هو أقبح نظام يستعبد البشر منذ خلق البشرية
25 ايلول, 2008
  1. إنكسار الروح :



هل شعرت يومأ ما أنك ريشة تتقاذفها الرياح فى كل اتجاه لا يحميها من بطش الرياح والبرد والثلج جدار أو سقف أو بيت أو ملابس ؟؟ هل شعرت أنك غريب شريد تتمنى الموت فلا تموت ؟ هل رأيت الفضاء نارأ تحرق كل شىء حولك ؟ هل رأيت الماء سرابأ لا يروى ظمأك ولا يرد عطشك ولا يبرد نار قلبك ولا يطفىء شعلة حزنك؟

هل بحثت عن صديق فى ملايين الوجوه العابثة فلم يعبأ بك أحد ولم يهتم بك مخلوق ولم يعرك أى إنسان أى انتباه ؟ هل شعرت بصحراء القلوب وهجير النفوس وعطش الوحشة وألم الفراق وذل العيون وانكسار الروح وسط قلوب تحجرت ونفوس تسمرت ووجوه تبلدت وأحاسيس انعدمت ومشاعر احترقت ؟

هل كلمت نفسك كالمجنون وخاطبت الجدران والكراسى والأثاث كأنهم أشخاص ؟
هل وقفت اللقمة فى حلقك ورفضت النزول لأن ذكريات الأحبة وصور الأهل والأصدقاء والجيران وعبق الماضى يتراقصون أمام عينيك فيمنعون نزول الطعام من الحلق فتتحجر الدموع فى عينيك ويجف فمك وبلعومك فتشرب كثيرأ حتى تبتلع لقمة واحدة ثم تترك طعامك وترتد ى أى ثياب للخروج إلى شوارع ذلك المكان المخيف الذى صار بمثابة سجن واسع يضمك ويضم غيرك من الآلاف الذين تركوا الأهل والأحبة والجيران والأصدقاء سعيأ وراء رزق أوسع أو هربأ من إضطهاد بأى شكل فيجدون أنفسهم بين عشية أو ضحاها صرعى الغربة بكل مرارتها وتعاستها وشقائها

لو صادفتك قلوب طيبة فى الغربة وهى قليلة جدأ وشحيحة جدأ فسوف يكون محض صدفة لقاؤك بإنسان لم يزل يحتفظ ببقاياه كإنسان ولا زالت لديه بعض المشاعر القديمة والأحاسيس الكريمة سيقول لك ان عذاب الغربة الحقيقة فى العدة شهور الأولى أو السنة الأولى وبعدها ستتأقلم وتأخذ على الوضع وتنسى كل شىء وتبدأ حياة جديدة جميلة كأنك ولدت من جديد فإذا سألته عن عبق الماضى وحب الأهل والأبناء والأخوة والأصدقاء وتراب الوطن الغالى وخضرة الشجر وصوت الكروان المغرد صباحأ أو فى وقت الأصيل ولذة الهواء وقت السحر وجمال السير تحت ضوء القمر, قال لك سوف يكونون معك على التليفون والنت وسوف تنسى بالتدريج

مسكين وحزين أنت دائمأ أيها الإنسان المقهور الذى يزج به قدره التعيس نحو السفر والهجرة من أجل تحسين حاله أو هربأ من الإضطهاد فى بلده الحبيب أو طلبأ للعلم والمعرفة , تحاصرك قوانين السفر والهجرة بأنيابها الحادة فى بلاد الغرب وتحاصرك قوانين الكفيل فى بلاد العرب الشرقية الغنية بالنفط والتى يتوفر بها رزق جيد فلا أنت تملك قرارك لو سافرت شرقأ ولا تملك زمام أمرك لو سافرت غربأ ولو قررت عدم السفر هروبأ من تلك القوانين المتعجرفة لعشت بين فكى أسد هما الفقر والقهر , نعم تعيش فقيرأ بلا مال أو آمال أو أحلام وتعيش مقهورأ فى بلاد حرمت الفكرة الجديدة وجرمت الآراء السديدة فكبتت الأفواه وخيطت الشفاه فلك الله يا إنسان هذا العصر ويا وليد زمن القهر لك الله الذى لا تضيع عنده الحقائق ولا تسرق من خزائنه الوثائق ولا تشعل فى أملاكه الحرائق من أجل نصرة ظالم أو التستر على غاشم بهلك الزرع ويتسف الضرع ويبتلع الحقيقة فى أقل من دقيقة !!!

لماذا تعقدت عملية السفر والهجرة لدرجة طلوع الروح وانكسارها ؟ أين روح النص فى قوانين السفر والهجرة وكيف يحكم على مهاجر بنسيان أعز احبابه الذين عاش من أجلهم وتغلغل حبهم فى قلبه وضميره ووجدانه ولماذا تكون الأفضلية دائمأ لمن يملك المال وكلنا يعلم آلاف الطرق التى يمتلك بها المال ولكنه مفضل دائمأ حتى فى الدول التى تتشدق بدعم الحريات بكل أشكالها فإنهم يكذبون وليجرب أحدكم محاولة الهجرة لدولة من تلك الدول حيث يدخل فى متاهات ونفقات رهيبة وتكون النتيجة رفض طلبه بسبب عدم ملكيته لحسابات بنكية تكفيه لعدة سنوات مع أسرته من مأكل ومشرب وملبس وعلاج وخلافه أى أنه لا مكان لفقير فى تلك الدول حتى لو كان عالمأ أو مبدعأ أو عملأقأ فى مجال عمله ولكن العصمة عندهم لمن يملك المال بغض النظر من أين اكتسبه

دموع الغرباء تتساقط كل لحظة على فراق ذويهم وأحبابهم وأهلهم وأصدقائهم وعدم قدرة المغترب على استقدامهم بعد أن تعقدت القوانين أمامه بشكل مفزع وصار ينظر للإنسان نظرات تلعثمية ويفترض دائمأ أنه مجرم أو إرهابى أو مسافر لتفجير شىء ما فى بلد ما فى وقت ما , تهمة تلتصق الآن بأى إنسان بحجة مكافحة الإرهاب العالمى وكأن إفتراض الشر والسوء أصبح القاعدة حتى يثبت العكس فتعقدت الأمور وأظلمت الدنيا واسودت كل القلوب حول المغترب سواء كان مسافرأ للعمل أو مهاجرأ أو حتى للدراسة

وفى بلاد العرب الشرقية التى أغناها الله تعالى من فضله وأفاض عليهم من خزائنه التى لا تنفد , ألم يئن الأوان للتخلص من نظام الكفيل فى الجزيرة العربية وهو نظام أقرب للعبودية وإذلال الإنسان من أن يكون نظامأ إنسانيأ يحفظ كرامة الإنسان وإنسانيته , حيث يكون لذلك الكفيل كل الحق فى إستقدام المكفول وتشغيله بعقد وبنود من نار وفرض الشروط الكثيرة والأكيدة على الطرف الثانى ( المكفول ) مع شروط قليلة جدأ على الطرف الأول ( الكفيل) ولدى ألاف الأمثلة لأشخاص ذاقوا الذل والعذاب والهوان بسبب خلافات نشأت بينهم وبين كفيلهم وبسبب عناد الكفيل وعدم إكتراث مكاتب العمل بتلك القضايا تتحطم قلوب وتهدم أحلام وتتدمر أسر ويعانى المكفول ( كأنه عبد ذليل ) أمرّ الأمرّين للحصول حتى على تأشيرة خروج فلا يجد ويدفع الثمن سنوات شقاء وذل من عمره لا يمكن تعويضه عنها إلا بحبل من الله وحبل من الناس
ألم يحن الوقت بعد لإلغاء نظام الكفيل فى الدول العربية والذى يتسبب فى ذل العامل الغريب وتدمير نفسيته حيث يؤخذ منه جواز سفره من أول يوم لوصوله ويستبدل بإقامة ولوكره العامل كفيله لسبب معين أو كره العمل أو تعب نفسيأ ورغب فى العودة لوطنه تكون الطامة الكبرى فى عدد كبير من البنود التى تلزمه بدفع غرامة كبيرة فوق طاقته فيضطر للبقاء قسرأ فى مكان لا يطيق البقاء به أليس ذلك ظلمأ مروعأ وقهرأ قاتلأ وهتكأ فاضحأ لكرامة الإنسان الذى كرمه رب العالمين ؟؟ كما تحكم عليه بالبقاء عدة شهور بمكانه حتى يعثر الكفيل على عامل يحل محله أو ينتظر سنة رغم أنفه يعمل فى مكان يكرهه تنفيذأ للقوانين التى فرضها الكفيل فى عقده

لماذا لا تكون هناك حرية كاملة للعامل فى أن يستمر فى عمله لو راق له أو يتركه لو كرهه ؟؟ إنها أبسط حقوق الأنسان فى حرية الإختيار إذ كيف يعمل الإنسان مجبرأ فى مكان ما أو دولة ما وهو يرفض ذلك العمل

أنظروا معى يا سادتى الكرام ويا سيداتى الفاضلات كيف يكون إنكسار الروح فى بلاد الحرية التى تملك فيها جواز سفرك وكامل قرارك فى العودة لبلادك وقارنوا بين هذا الإنكسار وبين إنكسار الروح لإنسان يعيش فى بلاد تسحب منه جواز سفره فى أول لحظة يصل فيها لمقر عمله وتعطيه إقامة ( هوية) بدلأ منه ويفقد قراره وحريته فى العودة لبلاده عندما يحتاج لذلك أو يحب فعل ذلك فهو ممنوع من الحركة إلا بأمر من الكفيل الذى يتصرف فيه ويتحكم فيه كيفما يشاء وهناك آلاف الأمثلة لأشخاص ذاقوا ذل الإستعباد ومرارة الهوان والحرمان على أيدى من يكفلونهم بسبب بعض الخلافات البسيطة ففقدوا حريتهم وفقدوا سلام النفس وكرامة الإنسان وعاشوا فى غربتهم أذلاء تتقاذفهم رياح الموت ولا يموتون ويلتاع الأهل والأحبة بلوعة فراقهم فلا يحصلون على ما يريدون حتى يتنازل السيد الكفيل ويمن ويحن على المكفول وينزل من سمائه وعرشه وكبريائه ويوافق له على أبسط حقوقه فى العودة السهلة لبلاده بعد أن يذرف المكفول دموعأ تغرق الأرض وتروى ظمأ الصحراء على فراق الأهل والأحبة ومن ظلم الظالمين وعبث العابثين ,

أليس لهذه القوانين وتلك اللوائح قلب يحس باحتراق الغريب وموته البطىء يوميأ ودمعه الذى لا ينقطع ؟؟ الا يمكن لهذه القوانين أن تعتدل وتستقيم وتستوعب الآخر اللاجىء من أجل لقمة عيش مريرة يطلبها لنفسه ولأهله ؟ ألم يئن لهؤلاء الذين يسنون تلك القوانين أن يكون لهم قلوب يعقلون بها أو أعين يبصرون بها أو آذان يسمعون بها ؟ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور

أين نحن من قول الشاعر الحر هاشم الرفاعى حين صاح فى وجه جلاديه
أهوى الحياة كريمة لا قبد لا إرهاب لا استخفاف بالإنسان
فإذا سقطت سقطت أحمل عزتى يغلى دم الأحرار فى شريانى

ثم أين نحن من قول جبران خليل جبران حين ثار على الجمود والتردى وعبادة الماضى والتمسك بعادات وقوانين بالية فقال يخاطب نفسه :

هو ذا الفجر فقومى ننصرف
عن دبار ما لنا فيها صديق
ما عسى يرجو نبات يختلف
زهره عن كل ورد وشقيق
وجديد القلب أنى يأتلف
مع قلوب كل ما فيها عتيق
هو ذا الصبح ينادى فاسمعى
وهلمى نقتفى خطواته
قد كفانا من مساء يدعى
أن نور الصبح من آياته

ستظل أرواح كثيرة تنكسر كل يوم بسبب ما شرعه بنو البشر من لوائح وقوانين اقل ما يقال عنها أنها تهدر كرامة الإنسان وتقتل سعادته وتحرق سلامه وتصيبه بظلم فادح لا يحصاه إلا الله تعالى الذى لا تضيع عنده المظالم وقريبأ جدأ يحكم الله فى كل من تعرض بظلم لأخيه الإنسان حتى لو كان يخالفه الدين أو العقيدة أو الجنس أو اللون وسيدفع كل الذين كسروا ارواح الأبرياء على أعتاب قلوبهم الصلبة ثمنأ يعلم الله العظيم مقداره وقدره

(2) أنا وااكفيل والزمن طويل


ألظلم ظلمات يوم القيامة وكلمة الظلم مشتقة من الفعل( يظلم - ظلم ) ومعناها فى القرآن إنقاص حق من الحقوق الطبيعية لإنسان معين فى زمان معين ومكان معين وقد ذكر الله تعالى فى كتابه العظيم القرآن الكريم قوله تعالى فى سورة الكهف : ( كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئأ ) أى لم تنقص من الكمية الطبيعية التى إعتاد صاحب البستانين أن يجنيها من محصول فى كل موسم فمن يحرم إنسانأ من قول رأيه بحرية فى موضوع ما فإنه يظلمه ومن يسجن بريئأ دون سبب أو حجة قوية أو برهان مقنع فهو ظالم لأنه يسلبه حريته التى منّ الله عليه بها ومن يهن إنسانأ بالسب أو الضرب أو التجريح فهو ظالم ومن يغتاب إنسانأ فى شرفه أو رجولته أو ضميره أو ذمته فهو ظالم ومن يسلب مالأ أو عقارأ أو ارضأ أو دارأ من إنسان فهو ظالم ومن يقهر إنسانأ بسبب ما يملك من سلطة فيذله أو ينقص من قدره أو يحتقره أو يهن إنسانيته فهو ظالم . ومن يتكبر على العباد ويتعالى عليهم بماله أو صحته أو جاهه أو سلطانه فهو ظالم ومن يعتقد أنه فوق الناس وقبلهم فى كل شىء فهو ظالم ومن يفرض على مضطر شروطأ صعبة وهو يعلم أنه سيقبلها مضطرأ بسبب شدته وحاجته وظرفه الصعب ووقته الراهن فهو ظالم ومن يتعد حدود الأدب مع الغير فى نقاش أو جدال أو كلام أو جيرة فى ارض أو بيت أو سفر فى طريق فهو ظالم وقال تعالى واصفأ من ينقص الله تعالى أعظم حقوقه وهو أن يعبد بلا شريك فقال عنه ( إن الشرك لظلم عظيم ) , ثم قال ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق ) , لأن المشرك يعتدى على وحدانية الله خالق الكون فيعبد معه آلهة أخرى ليس لها أى حق فى هذه العبادة بل إنها مخلوق من مخلوقات الله العظيم مثل الحجر والشجر والبقر والنار والعجل والأموات والأضرحة وغيرها من الأوثان . تخيلوا ايها السادة أن نظام الكفيل فى الجزيرة العربية يحمل كل أنواع الظلم التى ذكرتها آنفأ فالمغترب القادم للعمل فى الخليج يترك أهله ولا يحق له إستقدامهم إلا بعد وقت معين ولا بد أن يكون من أصحاب الكوادر العلمية كالمدرس والمهندس والطبيب ألخ 00أما العامل العادى فلا يحق له مطلقأ أن يستقدم أهله بحال من الأحوال , ثم تفرض على المغترب بنودأ من نار وساعات عمل لا يمكنه التقصير فيها ورواتب صغيرة لا تساوى يومأ واحدأ من غربته وذله وبعد ه عن الأهل والأحبة ويا ويله لو اختلف مع كفيله أو عصى أمرأ من أوامره أو قصر فى أداء جزء يسير من واجبه , وهناك آلاف الأمثلة لأناس ظلموا وهضمت حقوقهم وأكلت رواتبهم بيد السيد الكفيل المتكبر المتعالى على خلق الله سبحانه وتعالى وأعرف اشخاصأ كانوا يتقاضون جزءأ يسيرأ من رواتبهم طوال عامين والكفيل يؤجل دفع الباقى حتى نهاية مدة العقد فلا يفى لهم بحقهم ولا نصفه ولا ربعه ويضطرون للمغادرة دون أن ينبسوا بحرف رغبة فى العودة مهما كان الثمن , واعرف اشخاصأ آخرين يريدون نقل كفالتهم لكفيل آخر بعد أن ذاقوا الأمرين مع الكفيل الأول فيكون الرفض هو النتيجة الطبيعية وعندما يشكو المغترب مظالمه فى مكاتب العمل تطول المسألة بشكل يدعو المغترب لليأس من الحصول على حقوقه فتتحول أمنيته إلى مجرد موافقة الكفيل على سفره وعودته لبلده عن طريق تأشيرة خروج نهائى كلمة كفيل جاءت من الفعل (يكفل – كفل ) وقد ذكرت فى القرآن العظيم فى عدة مواضع منها على سبيل المثال : ( ونادى مناد أيتها العير إنكم لسارقون , قالوا واقبلوا عليهم ماذا تفقدون , قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به كفيل ) سورة يوسف أى انا مسئول عن إعطائه حمل البعير عندما يكشف لنا عن سر إختفاء الصواع ومكانه يعنى الكفالة مسئولية الكفيل عن من يكفله وقال تعالى عن مريم البتول : ( وما كنت معهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ) أى يكون مسئولأ عنها وعن الإنفاق عليها وتربيتها وتعليمها وتمريضها والإهتمام بكامل شئونها لأنها كانت طفلة صغيرة , كما قال تعالى على لسان أخت موسى حين رفض المرضعات وكانوا يبحثون له عن مرضعة فقالت أخته التى كانت تتابع تحركاته فى النهر وفى قصر الفرعون وتتحسس أخباره قالت لهم ( هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ) أى تدلهم على سيدة ترضعه وترعاه وتهتم بطعامه وشرابه وصحته لأنه كان طفلأ لا يستطيع فعل شىء لنفسه أى أن الكفالة تكون للشخص الحديث فى السن الذى لا يعرف مصالح نفسه ولا يستطيع القيام بأعباء حياته اليومية بمفرده إلا بمساعدة كفيل يكفله ويهتم به وبمصالحه وصحته وطعامه وشرابه وعلاجه ونومه ويقظته . نظام الكفيل فى الجزيرة العربية يعتمد الصفتين السابقتين بمعنى أنه يتعامل مع الغريب كأنه فاقد للأهليه ولا يعرف مصالحه ويحتاج لمن يأخذ بيده وينصح له ويقف إلى جواره وإلى هنا والمعنى معقول حيث أن الغريب أعمى ولو كان بصيرأ كما يقول المثل المصرى ولكن الكارثة أن الكفيل يظلم المكفول فى معظم الأحيان ولا نقول فى كل الأحيان حتى لا ننكر وجود الطيبين وأصحاب النفوس الكريمة ولكن الغالب على نظام الكفيل هو الظلم وهضم الحق وانتقاص الكرامة الإنسانية لدرجة تجعل الغريب المكفول تدور به الدنيا ويلف حول نفسه ولا يجد منقذأ له أو مجيرأ غير مكاتب العمل وقوانينها المطاطة التى قد يهرب الكفيل منها شهورأ أو سنينأ عتدما يشكوه المكفول فى مظلمة معينة ويدفع المغترب شهورأ أو سنينأ من عمره بحثأ وراء حقه وقد بفلس بسبب عجزه عن الحصول عليه فيضطر للتنازل عنه بل ودفع مبالغ أخرى للكفيل من أجل نقل كفالته إلى رجل آخر يتوسم فيه المغترب خيرأ وقد يخيب ظنه ليكتشف صفات سيئة وبشعة فى الكفيل الجديد وقد يظلمه ويهضم حقوقه مرة أخرى فيسقط فى يده ويتوه المغترب فى حلقة مفرغة لا تنتهى من العذاب المهين . يقول أحد المغتربين ( م . خ . م ) مصرى الجنسية : سافرت على كفالة أحدهم فى دولة من دول الخليج وعملت لديه اربع سنوات وكان يعطينى جزءأ صغيرأ من راتبى أنفق بصعوبة على نفسى وأرسل لزوجتى مبلغأ صغيرأ كل شهر وكان يوهمنى أنه يوفر المبلغ لى وكلما طالبته بكامل راتبى قال لى إنت مخونى وما مآمن لى ياخى ؟ فأحرج منه وأضطر للصبر أملأ فى صدقه , وفى نهاية المدة كان لى عنده خمسون ألفأ وبدأت أطلب حقى وهو يزوغ منى ويموه ويتحجج بحجج واهية وعرفت أنه لا يريد دفع الحق وشكوته عند معارفه فلم يعبأ بهم ثم أخيرأ لجأت لمكتب العمل الذى لم ينصفنى لمدة عام كامل بسبب المماطلة من الكفيل وتحضير أوراق وهمية يثبت بها حصولى على أكثر من حقوقى ثم وصل به الأمر لتهديدى بتلفيق جريمة لى تتسبب فى سجنى إلى الأبد فلا أعود لأهلى مدى الحياة , وأخيرأ بعد سماع نصائح الأصدقاء عملت معه مصالحة ووقعت على أننى استلمت كافة حقوقى فى مقابل أن يسمح لى بتأشيرة خروج نهائى ويعطينى جواز سفرى لأعود إلى أولادى صفر اليدين بلا مال وبلا صحة ونفسيتى محطمة ولأننى ليس لى وظيفة فى مصر فلا أدرى ماذا أفعل هنا وشعرت أننى أمام شخص منهار يفضل الموت على الحياة فلا هو منصوف فى وطنه ولا منصوف فى غربته , بالله عليكم ماذا يفعل هذا الإنسان أيها السادة ؟؟ ألا يمكن لأصحاب الأيادى البيضاء النقية وهم بالفعل موجودون فى دول الخليج ولا يمكن إنكار فضلهم أن يتقدموا بلوائح تلغى نظام الكفيل وتعيد للمغتربين حقوقهم وتحترم آدمية الإنسان وكرامته وتقدر أنه خارج من وطنه بحثأ عن لقمة عيش حلال تاركأ كل أحبابه وأبنائه وأهله زارفأ دمعأ غزيرأ على فراقهم مسافرأ متوسمأ خيرأ فيمن يسافر إليهم فتقابله طامة الكفيل وأخلاقه وشروطه وتعسفه وأحيانأ قليلة جدأ يكون الكفيل رجلأ طيبأ وهذا وارد طبعأ , ولكننا نبحث عن تشريع يحفظ حقوق المغتربين ويحترم آدميتهم وكرامتهم , فهل إلى سبيل من خروج ؟؟؟


  1. هذه بضاعتكم ردت إليكم



طبيب مصرى سافر للعمل فى إحدى دول الخليج وكان حظه أن المنطقة التى نزل بها للعمل متشددة دينياً إلى ابعد حد يمكن أن يتخيله إنسان , وصاحبنا – الطبيب – كان مسلماً عاديأ يصلى الفرائض ولكن ليس بانتظام وأحيانأ يؤخر بعضها أو يجمع عدة فروض بسبب عمله أو لأى سبب آخر ولكنه فى النهاية كان ينام مسبحاً ذاكرا لربه شاكرأ لأنعمه وكان ممن يؤمنون أن الدين لله تعالى هو وحده الذى يحاسب عباده على أعمالهم , كما كان متحررأ فكريأ فهو يشاهد الأفلام التلفزيزنية والمسلسلات والأغانى والفيديو كليب وأحيانأ تقع يده على شريط ثقافى فيشاهده خلسة دون أن يراه أحد ثم يستغفر ربه على هذا الذنب المشين .

كان يصوم رمضان كأى مسلم ويحلق لحيته فتظل ناعمة ملساء لعدة ايام ويضع الكريمات والبارفانات ويرتدى ما يشاء من بناطيل وقمصان وبلوفرات وبدلات وغيرها , ويستعمل منذ طفولته فرشاة اسنان لتنظيف أسنانه ثلاثة مرات يوميأ , ولكنه – كما حكى – كان يحب عمله جدأ ويقوم به على أكمل وجه ويجاهد قدر الإمكان ليصبح طبيباً مرموقا وناجحاً , وكان أهل الحارة يحبونه حباً شديداً ويقدرونه وهو بينهم يعيش أخاً للجميع وفى معظم الأحيان يوقع عليهم الكشف الطبى أخوية – يعنى بدون أجر- لشعوره بأنهم جميعاً مثل أهله وكم قدموا له من خيرات ومواقف نبيلة شهمة فى حياته الماضية وهو طبعاً يقدر ذلك أعظم تقدير.

كان لم يتزوج بعد وقد مر عليه الزمن فكبر فى السن حتى ناهز الأربعين من عمره ولكنه كان ينظر إليه كأنه فى الثلاثين من شدة حيويته ونشوة شبابه وقوة شخصيته , ظل يحلم بعقد عمل إلى دول النفط يرفع من مستواه المادى ليجد بنت الحلال التى تحتاج لكم هائل من الأموال حتى ترضى عنه وتتزوجه , وأخيرأ وجد عقد العمل ودفع فيه تحويشة العمر وسافر على حسابه بالطريق البرى فقد كانت هذه إحدى شروط السيد الكفيل الذى يمتلك المستوصف الخاص , وفى طريقه للسفر ذاق الأمرين من الأوتوبيس وطول الطريق وشقاء السفر والحر والحسرة على فراق الأهل والأصدقاء والجيران والأحبة ولم يجد فى طريقه صديقاً مخلصأ يأنس به أو رفيقاً حنوناً يشكو له وجع الغربة التى يشعر بنارها تلسع قلبه رغم أنه لم يزل بعد فى أراضى بلده الحبيب  مصر ولم يعبر بعد  إلى الجانب الآخر .

وصل الرجل إلى مقر عمله وهناك قابلوه مقابلة حسنة وأوصلوه إلى مسكنه الجماعى ( لأنه أعزب ) وكان بصحبته إلى مسكنه زميل له يعمل هناك منذ عامين وقد تأقلم ( على حد زعمه ) مع الوضع هناك حيث أن المنطقة التى بها المستوصف أهلها متشددون للغاية خاصة فى الشكليات الدينية فمثلأ حذره زميله من حلق لحيته لأنها ستكون مشكلة لو حلقها كلما راح أو جاء , كما طلب منه أن يحف الشارب وأن يرتدى جلباباً لا يصل للأرض وأن يحمل فى جيبه مسواكاً يدعك به أسنانه قبل كل صلاة وأن يقيم جميع فرائض الصلاة فى المسجد وعندما يسمع المؤذن لا بد أن يهرول للمسجد ولا يتأخر أبداً وإلا تعرض لمساءلة ( المطوعين ) وهم مسؤولون عن جمع الناس من الشوارع والمحلات والمنازل لأداء الصلاة ولو لاحظوا عليك – لازال الكلام من الزميل موجهاً للطبيب المصرى – أنك تتأخر عن أداء الصلاة فهى  طامة كبرى , وإذا دعيت فى عزومة أو أكلت أمام الناس فى مطعم فعليك تناول طعامك بيدك اليمين ولا تستخدم اليد اليسرى فى ذلك أبدأ , وأن تشرب المياه على ثلاث مرات وتسمى قبل كل مرة وتحمد الله بعد كل مرة , وبالنسبة لتليفونك المحمول عندما تشترى تليفون وخط  حذارى من وضع موسيقى أو أغنية كنغمة فى التليفون وإلا تعرضت هنا لمساءلات المطوعين الذين سيتتبعونك أولاً بأول ويرصدون حركاتك لحظة بلحظة , وبطبيعة الحال فقد كان لديك طبق ( دش) تستقبل به القنوات التلفزيونية  فى مصر , أما هنا فحذارى من محاولة تركيب طبق فقد كسروا هذا العام أكثر من عشرين طبق وحكم بالجلد على من حاول تكرار محاولة تركيب الدش أو التلاعب عليهم   بأى شكل  من الأشكال  فلديهم عيون تأتى  لهم بالأسرار  من كل مكان وساعتها لن يرحموك.

 

كل ذلك وأخونا الطبيب الجديد ينظر لزميله وقد فغر فاهه وفتح عينيه وصار نفسه سريعاً من الخوف والرعب والإنزعاج , كيف ذلك وما هذا الرعب الذى تريد أن تقنعنى به ؟ أنا أصلى ولكن معظم الفروض فى المنزل أو العمل ومعظم الأحيان أقوم بتأخير الفرض لعذر يعلمه الله  ربى وأحياناً أجمع فرضين وأحياناً أخرى يضيع منى فرض أو إثنان ولا أقضيهما  ,  أما عن اللحية فأنا لم أطلق لحيتى طوال عمرى الماضى فكيف أطلقها اليوم ولماذا ؟ وبالنسبة للمسواك فطوال عمرى أستخدم معجون الأسنان , وبالنسبة للجلباب فلن ألبسه أبدأ فأنا متعود على البنطلون والقميص وغيره , وبالنسبة لأكلى باليد اليمين والشرب على ثلاث مرات فلم أتعود على ذلك , فقال له زميله : لا بد أن تؤقلم نفسك على ذلك كما فعلنا جميعاً وليس مهماً أن تكون مقتنعاً يا صديقى فهى فترة وستمر !!

 تعجب الطبيب من كلام زميله إذ أنه لم يتعود على فعل شىء بغير قناعة كاملة فقال له ولكننى غير قانع بما تقول فأنا أعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يطلق لحيته مثل بقية القوم وحتى كان يطلقها قبل أن يبعث نبياً لأنها كانت عادة متبعة لقلة الحلاقين وصعوبة الحلاقة وأسباب أخرى وأما عن المسواك فقد كان النبى يقصد نظافة الفم والأسنان وطهارة رائحتهما ولم تكن فى زمنه فرشاة أسنان أو معجون يكافح الجير أو التسوس ولو عاش النبى فى زماننا لاستخدم المعجون والفرشاة لأنه أطهر خلق الله تعالى ,

راح صاحبنا – الطبيب الجديد – فى جدال عقيم مع زميله الذى تأقلم على الوضع وصار قطعة من أهل المكان  بكل صفاتهم حتى يعيش ويكسب قرشين يعود بهما لأهله سالماً غانماً , ولكن بطل  قصتنا كان مشاكساً ومجادلاً أكثر من اللازم , وعندما وصلوا لمسكنه دخل وودعه زميله وتمنى له الخير والتوفيق ,  ودخل صاحبنا مسكنه ورأسه يدور فيما سمعه من تحذيرات  إقشعر منها بدنه , ونام ليلته من شدة الإرهاق واستيقظ صباحاً على كلاكس سيارة المستوصف ليذهب لإكمال الإجراءات فقام على الفور وفى بضع دقائق جهز نفسه ونزل للسائق وغادرا المكان متوجهين للمستوصف حيث قابل المدير الذى سلم عليه بحرارة شديدة ورحب به , ولكنه بعد فترة قصيرة بدأ يتحدث معه عن اللحية والشارب والجلباب والمسواك والإلتزام بآداب السنة النبوية , ولم يحاول صاحبنا جدال المدير كما فعل أمس مع زميله ولكنه وعده بأن يكون عند حسن ظنه , وتكررنفس الموقف مع كل من قابلهم من أطباء وممرضين وعمال فى المستوصف فالكل يلتزم بنفس الأشياء التى حدثه فيها صاحبه بالأمس , ولكن صاحبنا له رأى مخالف فهو يرى أن هذا تدخل من هؤلاء بينه وبين الله تعالى وأنه لا يجب أن يفعل إلا ما يؤمن به ولا يؤدى إلا ما يقتنع به ولكنه الآن وجد نفسه مجبرا على فعل أشياء لم تخطر له ببال ,  بل إنه كان يضيق ذرعاً بمن يشبههم فى مصر ولا يحاول مطلقاً أن يناقشهم لعلمه بتعصبهم وتشددهم بل وتطرفهم  الذى وصل أحياناً لإتهام الغير ملتحين بالكفر ومعاداة  سنة الرسول وغير ذلك من فكر متطرف عجيب , فكيف يعيش وسط هؤلاء ؟ وهل فعلاً سيطلق لحيته ؟ ويرتدى جلبابأ ويحمل مسواكاً ويأكل فقط  بيمينه وكأن اليد الشمال بنت حرام ؟ وكيف يستيقظ مبكرا لصلاة الفجر وقد تعود على صلاة الصبح بعد أن يصحو على مهله ؟ وماذا سيكون موقفه لو أحداً من المطوعين تعرض له ؟ إن كلامهم مطاع وهم يحكمون الناس ويتحكمون فيهم فكيف يعيش هنا وقد كان يعيش فى كامل حريته فى مصر لا يسأله أحد عن صلاته أو صيامه أو عباداته أو ملابسه أو لحيته أو شاربه أو طريقة طعامه باليد اليمين أو الشمال أو بكليهما , وعن غسل أسنانه بالمسواك أو بالفرشاة وغيرهما ,

بحر متلاطم من الأفكار المتزاحمة المشتتة .... هل يعود  من  أول أسبوع إلى مصر ؟ هل يسمع كلامهم وينفذ تعاليمهم ؟ ويلغى عقله وقناعته التى عاش بها ؟ وماذا سيقول عنه الأهل والجيران والزملاء لو عاد بهذه السرعة , سيتهمونه بالفشل وعدم الرجولة وعدم القدرة على تحمل الغربة وفراق الأهل

, والأصعب من ذلك سيضيع عليه ما أنفقه من مال قد اقترض نصفه للحصول على العقد والسفر فماذا سيكون موقفه ؟ لقد أقنع نفسه أن يصبر حتى ولو عدة أشهر لتعويض مخاسره فى هذه الرحلة التى بدت تعيسة من أول لحظاتها ,

ومرت الأيام وبدأت لحيته فى النمو حتى استطالت وقصر شاربه , ولبس جلبابا أبيض  ووضع المسواك فى جيبه وواظب على الصلاة فى مواعيدها واكتشف أنه عندما يذهب لصلاة الظهر فى الثانية عشرة فإن الإمام يقيم الصلاة بعد خمس وأربعين دقيقة ويصلى فى ربع ساعة وبذلك يضيع من وقت عمله ساعة كلما ذهب لصلاة فرض من الفروض , وصار فى نظرهم الشيخ التائب والعابد الزاهد فكانوا يكنون له كل الإحترام والتقدير بعد أن غير من نفسه بنسبة 360 درجة , وهو فى داخله غير قانع بأى شىء يفعله .

 

كان المستوصف مقسوماً قسمين , قسم للرجال يقوم عليه أطباء وعمال وممرضون , وقسم للنساء يقوم عليه طبيبات وممرضات وعاملات , ولأن صاحبنا كان طبياً عاماً وكان يعمل فى دوام منفصل بذاته ليلاً فقد يأتى له الجميع بما فيهم النساء للكشف عليهم , وكانت أى سيدة تأتى طبعاً منقبة ويحضر معها زوجها أو أبوها أو أخوها ( محرم ) بفتح الميم والراء لأنه لا يصح أن تخرج وحدها وكنت أستدعى ممرضة من الجانب النسائى لكى تقوم بوضع السماعة على صدر المريضة بيدها هى وليس بيدى وكنت لا أجرؤ على سؤال المريضة عن مرضها لأن صوتها عورة فكنت أتوجه بالسؤال لزوجها أو محرمها فيرد هو ويشرح ما تعانى منه , وبالطبع التشخيص لا يمكن أن يكون صحيحا لأن هناك أعراض تكون فى العيينن ( بياض العين مثلأ لو تحول للأصفر )  والوجه  ( شحوب الوجه مثلاً يدل على الأنيميا ) والشفتين  ( هناك أمراض لا تعرف إلا من لون الشفتين ) والعنق ( أمراض الغدة الدرقية والغدد اللمفاوية العنقية ) لا بد أن يدقق الطبيب فيها حتى يصل لتشحيص سليم , فكان صاحبنا يضطر لكتابة روشتة علاج كبيرة لانه كان يخمن ( يتوقع ) التشخيص وهو غير متأكد منه  !!!!!.

فى أحد الأيام لم يقم لصلاة الفجر فقد كان جنباً , وجاء المطوع لباب مسكنه وقال له ((الصلاة الصلاة )) فرد بسرعة  : حاضر أنا قادم ودخل الحمام وهو شبه نائم واغتسل بماء سخن لأنه لم يتحمل الماء العادى وقتها وخرج فوراً لصلاة الفجر حتى لا يتعرض لعقاب المطوعين فأصيب بنوبة برد حادة ظل يعالج منه أسبوعين من  إحتقان  بالزور ونزلة شعبية حادة وارتفاع بالحرارة وخلافه ومع ذلك كانوا يمرون عليه لصلاة الفجر أثناء مرضه فيذهب للصلاة خوفاً منهم وهو مريض .

مما رآه من عجائب أنه فى أول ايامه هناك مدّ يده لجاره المصلى وقال له : تقبل الله وحاول السلام عليه فرفض جاره فى الصلاة السلام عليه أو حتى الرد عليه فحزن حزناً شديداً وسأل إمام المسجد عن هذا التصرف فقال له : السلام بعد الصلاة لم يرد فى السنة يا أخى !!!!

فاض الكيل بعد أربعة أشهر من وصوله وجاء موعد إمتحان وزارة الصحة الذى يدخله أى طبيب جديد فقرر أن يرسب فيه ليهرب من هناك وقد كان , فظهرت نتيجته وكان راسباً رغم أنه تكلف مبلغأ كبيرأ من المال رسوم دخول هذا الإمتحان ولكن الرسوب فيه كان فرصته الوحيدة للفرار والعودة لبلده , وقرر العودة رغم إلحاح المدير عليه بالبقاء وأن من حقه دخول الإختبار مرة أخرى فرفض وصمم على العودة لمصر ,  وحصل منهم على تأشيرة خروج نهائى وعاد أيضاً بالأتوبيس , وعندما وطأت قدماه ارض مصر سجد لله تعالى وقبل أرض وطنه الحبيب وقال لو عشت متسولاً هنا أفضل من الحياة هناك ألف مرة  ,

وعندما وصل منزله وسلم على أهله بكى بكاءاً مراً وبكوا جميعاً من أجله ثم نام يومين ليرتاح من وعثاء السفر , وفى صباح اليوم الثالث حلق لحيته ذات الشعر الكثيف ونعّمها تمامأ مثل أيام زمان , ثم وضع شعر لحيته فى خطاب كبير( مسوجربعلم الوصول )  ومعه ورقة مكتوب عليها ( هذه بضاعتكم ردت إليكم ) وأرسلها لمدير المستوصف وعندئذ , هدأ قلبه وبردت ناره , واستلم عمله فى بلده وفتح لنفسه صفحة جديدة .






إستنباط معنى كلمة ( فتنة ) من آيات القرآن الكريم
26 تموز, 2008

2008-07-26

11:59:04

 

أللهم إنى أستعين بك فأعنى وأنر سبيلى وفلبى بقرآنك العظيم واجعله نوراً لنا فى الدنيا ونوراً لنا فى الآخرة واهدنا على صراطك المستقيم ولا تجعل فى قلوبنا غلاً للذين آمنوا وقنا عذاب السعير .

بعون الله الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد سأقوم الآن بعمل بحث فى كتاب الله العزيز أستنبط منه المعانى التى جاءت بها كلمة (( فتنة )) فى القرآن الكريم مستهدياً بآيات الذكر الحكيم والله وحده المستعان .

 

أولاً الفتنة بمعنى الإختبار :

يقول الله تعالى :

(( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ))العنكبوت 2, 3

لا يعتبر الإيمان الشفهى نهاية الأمر فى مسألة الإيمان بالله تعالى ولكنه يلزمه الكثير ليثبت بالبرهان العملى صدق هذا الإيمان وكماله وقوته وصلابته , فعندما يصاب ذلك المؤمن بمصيبة مثل فقدان عزيز لديه أو مرضه أو خسارة مالية فادحة أوحادث أليم مثلاً فهنا يظهر معدن إيمانه الأصيل

 

وهنا ينقسم الناس إلى نوعين :

 

1-             نوع ينطبق عليه قول الله تعالى :
((
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )) البقرة 155,156,157

 

2-             ونوع آخر ينطبق عليه قول الله تعالى :

(( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ )) الحج 11

ومن حكمة الله العلى القدير أن تكون أموال الإنسان وأولاده (( فتنة )) له أى إختبار له ولإيمانه وهل ستكون الأموال والأولاد سبباً من أسباب تقربه إلى الله تعالى بالصالحات أم سبباً من أسباب غضب الله تعالى عليه ودخوله جهنم نعوذ بالله منها يقول تعالى عن ذلك أيضاً :

((قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )) التوبة 24

 

 وهنا أيضاً ينقسم الناس إلى نوعين :

 

1-          نوع تكون أمواله وأولاده سبباً يقربه زلفى من خالقه تعالى ويجعل له رصيداً من الخير والبر والتقوى عند الله سبحانه و ينطبق عليه قول المولى تعالى :

 

((رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ )) النور 37

 

2-          نوع آخر تغره الأمانى ويضحك عليه الشيطان الرجيم فتصبح الدنيا غايته وهدفه فيلهث خلف المال والولد طالباً عندهم العزة ضارباً بالحق والحقيقة عرض الحائط مهتماً فقط بمكاسبه الدنيوية وماله الزائل ناسياً حتى أن هذا مال ليس ماله فى الواقع بل هو مستخلف فيه وهذا الصنف يقول عنه المولى تعالى :

 

((فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ )) التوبة 55

((وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ )) التوبة 85

وكذلك فإن الفتنة بمعنى الإختبار قد جاءت بالقرآن فى مواضع شتى نذكر منها على سبيل المثال رؤية النبى محمد صلى الله عليه وسلم عندما رأى رؤية وجعلها الله فتنة للناس أى إختبار لهم ليميز الله الخبيث من الطيب يقول تعالى :

 

((وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا )) الإسراء 60

 

ثانياً الفتنة بمعنى التعذيب :

كلمة تعذيب معناها أن يقوم إنسان بتعذيب إنسان آخر بطريقة نفسية أو بدنية متعمدة وتكون من طرف قادر ذى سلطان أو قوة ضد طرف ضعيف مقهور مسلوب لا يستطيع الذود عن نفسه , يقول تعالى :

 

(( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ )) البروج 10

 

ثم يقول الله تعالى عن المؤمنين الذين هاجروا بعد الرسول الخاتم (عليه الصلاة والسلام ) وذلك بعد أن تعرضوا للتنكيل والتعذيب على يد كفار قريش وسفهائم ومجرميهم :

 

((ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ )) النحل 110

 

وكان المنافقون الذين آمنوا بأفواههم واضمروا الكفر يخافون من قتال المعتدين الذين يتربصون بدين الله ورسوله فيطلبون من النبى ص أن يأذن لهم بعدم الذهاب لقتال المعتدين معتبرين أن ذلك القتال عذاب شديد ولكنهم ينسون فى ذات الوقت أنهم عندما يتخلون عن رسول الله ص وعن نصرته ضد الذين أجرموا فى حقه وحق المسلمين , فإنهم بذلك يضمنون مكانهم فى جهنم خالدين فيها وهم لا يشعرون يقول تعالى :

 

((وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ )) التوبة 49

وهناك من البشر من هم ضعاف النفوس ليس لديهم ذرة إستعداد للتمسك بدينهم أو الدفاع عنه أو قتال المعتدين أوتحمل أدنى إيذاء فى سبيل الله تعالى فتجده يولى الأدبار فى المعارك ويتخلى عن دينه إذا تعرض لإيذاء بل ويكفر بخالقه تعالى ويعود لسابق عهده من الضلال فهذا الصنف من الناس لم يتمكن من قلوبهم الإيمان بالله تعالى ورسوله واليوم الآخر يقول عنهم الله تعالى :

((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ )) العنكبوت 10

 

ثالثاً الفتنة بمعنى الإفساد :

 

إن أكبر وأشر الفتن هو إشاعة الفساد والإفساد بين الناس ومحبة الضلال والإضلال , إذ أن هناك طائفة من شياطين الإنس يلذ لهم إشاعة الفساد فى الأرض ولا يهداً لهم بال طالما شعروا بوجود الخير والعدل والصدق والسلام فيظلون يحيكون المؤامرات ويرسمون الخطط ويدبرون فى الظلمات من أجل نشر شرهم وفسادهم وهؤلاء مصيرهم جهنم إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً وهذا النوع من الفتنة هو أخطر أنواع الفتن إذ أنه يتمخض عنه هلاك أمم وموت شعوب وفناء أقوام , هذا لو لم يكن الناس يقظين لهم يحبطون مؤامراتهم بسرعة ويفضحونهم فى كل مكان , يقول تعالى :

 

((هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ )) آل عمران 7

هنا يصور الله تعالى هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض تصويراً دقيقاً إذ أنهم يحزنهم أن يهتدى الناس ويتعرفوا ربهم ويعبدوه وحده ويتبعوا كتابه ومهجه الصافى فتجدهم يتتبعون الآيات المتشابهة فى القرآن العظيم لعمل بلبلة فى قلوب المؤمنين تشكيكهم فى كتاب الله بأى شكل أو وسيلة وهو أعظم أنواع الفساد فى الأرض.

وهناك أيضاً نوع من الفساد (( الفتنة )) قد يكون فى الشارع الذى تعيش فيه أو الحارة أو القرية أو المدينة قد يكون جوارك فساد ما ثم تقول ( وانا مالى ) وكل واحد يقول نفس الكلمة ويكون هذا الفساد فى منتهى الخطورة كشخص يبيع المخدرات فى شارعك مثلاً والكل يخشاه ولا يريد الإبلاغ عنه , ثم فجأة وبعد عدة سنوات يفاجأ أهل المكان بأن معظم أولادهم وبناتهم قد أصبحوا ( حشاشين ) أو ( شمامين ) ويتحول معظمهم لمدمنين ولصوص يسرقون من أجل شراء ( الكيف ) , هذه فتنة عظيمة وفساد خطير لو اتقيناه ومنعناه ووقفنا له بالمرصاد لما حدث هذا لأبنائنا , وهناك آلاف الأمثلة الأخرى ولكننى ضربت هذا المثل للتقريب فقط وهنا يقول الله تعالى :

 

((وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ))الأنفال 25

ومن الآية الكريمة نفهم أن هناك نوع من الفساد ( الفتن ) لا يمكن السكوت عليه لأن عواقبه لن تكون على من قاموا به وحدهم ولكنها ستعم وتشمل الجميع حتى الناس الغلابة والمساكين والذين هم ليس لهم فى الثور ولا فى الطاحونة ( كما يقولون ) وهم هؤلاء المساكين أتباع جملة ( وانا مالى ) , وجملة ( هو احنا حنصلح الكون ) !!!

ومن أفظع أنواع الفتن ( الفساد ) هو القهر الدينى بمعنى أن أقهرك على دخول دين معين أو إعتناق فكر معين أو ممارسة شعائر معينة , وهذا القهر الدينى هو فساد فظيع فى الأرض حيث قرر المولى تعالى الحريات الدينية والفكرية

 ( لكم دينكم ولى دين ) ,

 ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) ,

 ثم قال لرسوله ص ( إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء ) ,

 وقال تعالى ( لست عليهم بمسيطر ) ,

 وقال ( وما جعلناك عليهم وكيلاً)

وقال ( لا تكلف إلا نفسك ) ,

 وقال ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) ,

قال ( ما عليك من حسابهم من شىء ) ,

وقال ( فإن استطعت أن تبتغى نفقاً فى الأرض أو سلماً فى السماء فتأتيهم بآية )

 

وبناءاً على تحريم القهر الدينى والعقيدى فقد أمر الله تعالى رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) والمؤمنين معه أن يقاتلوا جبابرة قريش والعرب الذين فتنوا الناس وعذبوهم بسبب دخولهم فى الإسلام ولأن الله تعالى يريد إقرار مبدأ حرية الدين والمعتقد وأن حساب كل إنسان عند ربه يوم القيامة فقد أمر الرسول ص بقتال مجرمى قريش والعرب الذين يقهرون الناس من أجل إعادتهم لعبادة الأصنام والأحجار ومن أجل إعتناق دين معين وكراهية دين آخر يقول تعالى :

 

((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )) الأنفال 39

وعندما يكون الدين كله لله يكون قد تم إقرار الحرية الدينية والعقيدية والفكرية لكل إنسان ويصبح من حقه إختيار دينه بعد تفكير وتمحيص وتمكن وتمعن وليس بالقهر والقتل والسيف والإرهاب .

 

ولقد ذكر القرآن الكريم محاولات الكفار والمشركين مع الرسول الخاتم ص ليجعلوه يترك القرآن ويؤلف لهم كتاباً آخر غيره لأن القرآن لم يأت على هواهم كما أنه فضح كفرهم وشركهم وزيف معتقداتهم فكرهوه وحاولوا زحزحة النبى عنه فنصره الله عليهم ونصر كتابه العزيز يقول تعالى فى هذا الشأن :

 

((وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا *وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)) الإسراء 73-77

 

رابعاً الفتنة بمعنى جهنم :
لا شك أن جهنم أعاذنا الله منها ومن عذابها هى أبشع أنواع الفتن التى يمكن أن يلاقيها الإنسان ولكنها فتنة حق بمعنى أن جهنم لن يدخلها إلا من يستحقها لأن الله تعالى هو العدل وهو أحكم الحاكمين وأعدلهم ولا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون , يقول تعالى عن جهنم :
((
إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ ))الصافات 63

برجاء مراجعة سورة الصافت كاملة .

((وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ))التوبة 49

((يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ )) الذاريات 13

وبعد

هذا ما تمكنت من بحثه لأستنباط معانى كلمة ( فتنة ) فى القرآن الكريم وأعتقد- ولله وحده العلم كله-   أن كلمة فتنة فى القرآن فى أى آية لن تخرج من تلك المعانى الثلاثة المذكورة وهى الفتنة بمعنى الإختبار والإمتحان , والفتنة بمعنى التعذيب والعذاب , والفتنة بمعنى الفسد والإفساد , وأرجو ممن يحب المناقشة أو لديه اى إعتراض على بحثى هذا أن يعلق ويكتب ما يراه ونتحاور بالتى هى أحسن حتى نضع النقاط على الحروف , فهدفى هو معرفة الحق والعمل به وصولاً إلى غفران الله تعالى ورضوانه فى يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد .

 

 

من تجليات إسم الله ( المهيمن )
26 تموز, 2008

2008-07-26

11:29:12 

 

 

 

 

 

من أسماء الله العلى القدير ( ألمهيمن ) وهو إسم الفاعل لفعل ثلاثى الأصل هو ( همن) ومعناه القائم على خلقه و ألذى يحكم سيطرته بشكل تام على مانراه وما لا نراه وعلى ما ندركه وما لا ندركه وعلى ما نعلمه وما لا نعلمه  ومعناه أيضاً ( أمن ) ويفهم منه أن الله تعالى قد أمن عباده من أن يظلمهم فقال عن نفسه ( ولا يظلم ربك أحداً ) وقال العرب أن الفعل ( همن ) يقال عن الحزام والرباط إذا شد بقوة حول الظهر لحمايته وتأمينه ,  ولذلك فإن الله تعالى خلق هذا الكون المترامى الأطراف بقدرته من العدم وسيطر عليه ( هيمن عليه )  وقال له كن فيكون فى فترة زمنية حددها الله تعالى بستة أيام لتقريب المعنى للعقل البشرى الذى لا يستطيع أن يستوعب ملكوت الله وقدرته , إلا من خلال القدرات الربانية التى أودعها الله تعالى فى هذا العقل .

 

ولما أراد الله تعالى أن يجعل للقرآن وصفاً نهائياً مقارنة بكتبه السماوية السابقة للقرآن فقد قال الله تعالى عن القرآن وعلاقته بما سبقه من وحى سماوى ( ومهيمناً عليه ) أى شاهد عليها و قائم على ماسبقه من كتب بالحجة الدامغة القوية وكذلك هذا القرآن يؤمن كتب الله السابقة من أى تحريف وقد قيل أن كلمة ( مهيمن ) قد تنطق ( مؤأمن ومؤيمن ) فقلبت الهمزة الأولى هاءً والثانية ياءً ,  ومعناها ضمان الأمان والأمن من التحريف لكل كتاب سابق أى يستطيع القرآن بما فيه من ميزان إلهى أن يكشف أى زيف أو تحريف فى الكتب السماوية السابقة  إذا قيست عليه ووزنت بميزانه الحق .

 

 

ومن مفردات الهيمنة الإلهية على مخلوقاته أننا نتحرك حركاتنا الديناميكية سواء حركات الجسم الخارجية أو حركات الأعضاء الداخلية كالقلب والدم والكليتين والكبد والمعدة وغيرها لا تحدث تلك الحركات إلا بقدرة الله تعالى الذى يحرك الأشياء كلها ويسيرها بهيمنته ومقدرته وعلمه بداً من دورات الجسيمات الميكروسكوبية ( مثل الإلكترون واالنيوترون والبوزيترون ) داخل الذرة وليس إنتهاء بحركة النجوم العظيمة والكواكب العملاقة حول الشمس فى مجرتنا وغيرها من المجرات الأخرى .

 

 

كل ذلك يتحرك بقدرة الله تعالى وقد وضح لنا ربنا فى كتابه العزيز ذلك حين قال ( وهو الذى يسيركم فى البر والبحر ) , وهذا لا علاقة له  بالسلوك الشخصى للإنسان وهو السلوك الذى يعتمد على القرار الشخصى لفعل كذا أو عدم فعله وهو ما يسمى بالإرادة الإنسانية الحرة والتى سيحاسب الإنسان بناءاً عليها يوم القيامة حيث تأتى كل نفس تجادل عن نفسها ويود الكافر والمجرم لو يفتدى يومئذ من عذاب ربه بصاحبته و بنيه وأمه وأبيه وفصيلته التى تؤيه ومن فى الأرض جميعاً ثم ينجيه .

 

يذكر القرآن العظيم أمثلة عديدة توضح للمتدبر فى آياته أن الله تعالى يسير البشر والحجر والبحار والأنهار والسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى بقدرته جل وعلا , وسوف نقتطف بعض هذه الأمثلة التى جاءت بكتاب الله العزيز دليلاً على هيمنته سبحانه على الكون من الذرة إلى المجرة :

 

أولاً : النهر يسمع ويطيع :

 فى قصة نبى الله ورسوله موسى ص عندما حكى القرآن الكريم عن طغيان الفرعون على قومه يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين ولأن الله تعالى يريد أن يمن على الذين استضعفوا فى الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين , ويمكن لهم فى الأرض ويرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون , فإن الله تعالى يدبر ويمكر وهو خير الماكرين سبحانه ويسخر لتدبيره كل ما ومن شاء بهذا الكون لتنفيذ ما دبره مالك الملك جل وعلا , ولما كانت قصة إنقاذ بنى إسرائيل من براثن الفرعون وملئه تبدأ بميلاد موسى عليه السلام فقد أوحى الله تعالى لأم موسى أن تضعه فى صندوق ثم تضعه فى النهر حتى لا يقتله جنود الفرعون ثم نرى هنا من تجليات هيمنة الله على كونه تسمع أمر الله تعالى للنهر  حين كان الصندوق يسبح فوق مياهه حاملاً الطفل الرضيع موسى فقال الله تعالى للنهر (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) طه 39,

 

 يخضع النهر  لأمر ربه ويقول سمعاً وطاعة يا ربى ويقوم بزحزحة الصندوق حتى يرسو على شاطىء النهر  ويصل تحت قصر الفرعون فيمتثل الجميع لهيمنة الواحد الأحد ويقوم الخدم بإخراج الصندوق ليجدوا الطفل ويعرفوا أنه من بنى إسرائيل حيث لا يمكن أن يفعل هذا الفعل غيرهم خوفاً على أبنائهم من القتل على يد جنود الفرعون , ثم عندما يهموا بقتله تصرخ إمرأة الفرعون : 

 

(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ  ) القصص 9

 

 فيمتثل الفرعون السفاح القاتل لطلب زوجته ( وهى المرأة الصالحة التى ضرب الله بها مثلاً للذين آمنوا مع مريم إبنة عمران ) ويدخل الطفل موسى قصر الفرعون ويتربى فيه كأمير ملكى له خدم وحشم ورعاية خاصة , ثم يشاء الله ( المهيمن) أن يرفض موسى كل المرضعات حتى يشيع الخبر أن الطفل الملكى لا يرضع فتذهب أخته التى كانت تتحسس أخباره  لحظة بلحظة بأمر أمها :

 

 (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ  ) القصص 11

 

وتعرض عليهم مرضعة ممتازة  أقنعتهم بها ,  سيسعد بها الطفل (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ )  القصص 12  ,       ثم يصدر الأمر الملكى بإحضارها تنفيذا لأمر الله تعالى المهيمن على كل القلوب حتى قلوب الكافرين  :

 

 (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) القصص 13    

 

.. وهكذا تكتمل منظومة الهيمنة الربانية على قصة الطفل موسى لينجو بأمر ربه من القتل ويشترك الجميع فى تنفيذ فعل الهيمنة التى أرادها الله تعالى لتنفيذ أمره تعالى فاشترك فى ذلك أم موسى ( بوحى ربها ومشيئته) والصندوق الذى حمل موسى ثم موج النهر  الذى أطاع أمر ربه ونفذه بدقة بالغة ( فليلقه اليم بالساحل ) ثم الخدم الذين أخرجوا الصندوق من النهر ثم إمرأة الفرعون ( المؤمنة بربها سراً ) ثم الفرعون الذى أصدر قراراً بعدم قتل موسى ثم أخت موسى التى راقبت الموقف كاملاً دون أن يشعروا بها ثم الفرعون مرة أخرى عندما قرر إحضار المرضعة الجديدة والتى كانت أم موسى , وكل ذلك تنفيذاً وطاعة وامتثالاً لأمر الله الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولا نوم وليكتمل فعل من أفعال الهيمنة الإلهية .

 

ثانياً : النار تسمع وتطيع :

 قصة خليل الله إبراهيم ص عندما ولد طفلاً ونشأ صبياً ذكياً لأب يصنع الأصنام ويبيعها للناس لكى يعبدوها , ونشأ فى قوم يسجدون للحجارة ويقدمون لها القرابين ليل نهار ويعبدونها فى خشوع وخضوع , فتعجب من أمرهم ولم يقتنع بضلالهم وشعر أن هناك خطاً جسيماً وقع فيه أبوه وقومه فراح يعمل عقله فى ملكوت الله ويبحث عن الله فى كل مكان حتى تابع حركة النجوم والكواكب والشمس والقمر , وظن لوقت قليل أن الله قد يكون واحداً من هؤلاء ولكن فى كل مرة كانوا يأفلون جميعاً فأسلم وجهه للقوة الأعظم التى خلقت بقدرتها اللانهائية كل هذا الكون المديد وقال  :

 (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ  *  إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الأنعام 78,79,

 

أنظر هنا لقوله ( للذى ) فلم يكن يعرف قبل ذلك إسم الله تعالى ولا أى إسم من أسمائه الحسنى ولكنه توصل بفطرته السليمة وقلبه الطاهر إلى إسم الله ( الفاطر) أى الخالق , ثم ذهب بفتوة الشباب وقد عرف الحق وعرف أن للكون خالقاً عظيماً خلقه وقدره بعلمه وأن قومه ضالون ضائعون مضلون فذهب إلى معبدهم وكسر أصنامهم إلا كبيراً لهم   لعلهم إليه يرجعون  , فلما أصبح الصبح وذهبوا لعبادة أصنامهم وجدوها محطمة أجزاءاً صغيرة ( قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ) فرد آخرون ( سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) فأحضروه بسرعة فائقة وسألوه ( أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ) فقال ساخراً منهم ( بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ) وفى هذه اللحظة رجعوا إلى أنفسهم وتحدث بعضهم لبعض قائلين ( إنكم أنتم الظالمون ) ثم لحق بهم الشيطان الرجيم وأعادهم إلى الكفر والضلال فقالوا لإبراهيم ( لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) .. فقال لهم الفتى النبى الرسول الصادق (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ  *   أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) الأنبياء66-67     

 

      فكان قرار الكفار هو

 (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)الأنبياء 68 

 

 ولكن قرار الله المهيمن على كل شىء كان قد سبق قرارهم

 

 (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ   *  وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الأنبياء 69-70

 

فأمر الله تعالى النار أن تتحول إلى برد وسلام على إبراهيم ( وقلنا يا نار كونى برداً وسلاماً على إبراهيم ) وهكذا نرى تجليات فعل الهيمنة ونرى كيف يسيطر الله تعالى على كل مخلوقاته وتخضع لأمره وتطيع وتنفذ صاغرة ذليلة متقربة إلى ربها بالطاعة فتخضع النار وتطيع خالقها سبحانه وتتحول بقدرة الله تعالى إلى برد وسلام على إبراهيم النبى الرسول الطيب الصالح الذى عبد الله وحده بلا شريك وكان يريد الخير لأبيه وقومه ولكنهم قوم لا يعقلون , فتركهم إبراهيم ص مهاجرا إلى ربه واصطحب معه لوطاًُ ص وهاجرا إلى الله تعالى لنشر الحق والفضيلة والخلق الكريم على ربوع الأرض الطيبة

(وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ )الأنبياء 71.

 

ثالثاً : الحوت يسمع ويطيع :

  قصة نبى الله يونس ص مع قومه وكلنا يعرفها حيث أرسله الله تعالى فى قومه ليدعوهم إلى عبادة الله الأحد وعدم الإشراك به ويدعوهم للتحلى بالخلق الكريم والمبادىء السامية والمثل العليا , ولكنهم استكبروا فى الأرض وأبوا أن يؤمنوا وتهكموا من يونس ورسالته فحزن منهم حزناً شديداً وغضب عليهم ثم ترك لهم القرية وهرب من ضلالهم وكفرهم بعد أن يئس منهم  

 

( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ  ) الأنبياء87 ,  

 

  وبعد أن هرب ركب فى الفلك ليسافر مبتعداً عنهم وهو ضجر منهم قانط من إيمانهم فلما ركب فى الفلك قامت رياح شديدة وكانت على وشك الغرق فقام ربان السفينة بالمساهمة أى الإقتراع بين الركاب فمن يقع من الإقتراع يكون مصيره أن يلقى بنفسه فى البحر ليفتدى الآخرين , ومن العجب أن الله المهيمن قد ساق يونس لهذا الإختبار العسير وكان مطلوباً منه أن يشترك فى المساهمة فوقع عليه الإختيار فألقى بنفسه فى الماء فداءاً للآخرين فالتقمه حوت عملاق وابتلعه داخل معدته فظل يونس يحمد ربه ويستغفره ويتوب إليه ويسبح له وهو فى بطن الحوت فشمله الله برحمته التى وسعت كل شىء وأمر الحوت أن تلقى بيونس من بطنها على الشاطىء فاستجاب الحوت لأمر مولاه العزيز القدير المهيمن على كل صغير وكبير وأخرجت يونس ص من بطنها وألقت به تحت شجرة من يقطين فلما افاق أكل منها واستظل بها حتى استرد عافيته

يقول تعالى فى هذا :

 

(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ    * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ   *  فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ  * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ  * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ   *  لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  *  فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ  *وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ  * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) الصافات 139-148

وأراد الله المهيمن على القلوب أن يثبت ليونس أن الله يستطيع هداية البشر أجمعين لو اراد ذلك :

 

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  )  يونس 99

 

ولكنه سبحانه وتعالى يترك كل إنسان يختار بحرية إما الإيمان وإما الكفر ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)  , فأرسل الله نبيه يونس بعد أن أفاق واسترد صحته المنهكة وعافيته أرسله إلى مئة ألف إنسان أو يزيدون فآمنوا له وآمنوا معه بالله رب العالمين .

 

رابعاً : السماوات والأرض والنجوم تسمع وتطيع :

يتحكم الله تعالى فى ملكه بقوة لا نهائية حكيمة مدبرة فيظل كل كوكب يجرى فى مساره المحدد الذى قدره الله تعالى له بقوى مختلفة من الجاذبية إختص الله تعالى النجوم والكواكب بنسب متفاوتة تسمح لها بالبقاء فى مسارها دون أن تحيد عنه (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *  وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ  * لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ) يس 38-40

 

ليس ذلك فحسب بل إن هيمنة الله على كونه تتحكم فى كل صغيرة وكبيرة فيه يقول تعالى :

(الم تر ان الله سخر لكم ما في الارض والفلك تجري في البحر بامره ويمسك السماء ان تقع على الارض الا باذنه ان الله بالناس لرؤوف رحيم ) الحج 65

 

ويقول تعالى :

(ان الله يمسك السماوات والارض ان تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من احد من بعده انه كان حليما غفورا ) فاطر 41

 

وأخيرا :

هذا غيض من فيض مما فتح الله علينا به من تجليات معانى إسم الله المهيمن ولو أطلقنا للعقل العنان لما كف عن الكتابة حتى يتوفانى الله تعالى , فمن هذا الذى يستطيع الإحاطة علماً بكل معانى إسم من أسماء الله تعالى ؟؟ .

 

فسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

هل هجر المسلمون القرآن فعلاً؟
25 تموز, 2008

إستنباط معنى قوله تعالى ( لم يخروا عليها صماً وعمياناً )

 

كيف يكون القرآن الكريم مهجوراً لدى أغلب المسلمين رغم هذا الكم الهائل من مئات الملايين من  المصاحف المطبوعة على أعلى مستوى من التقنية الحديثة ، وهذا الكم الهائل من الأشرطة المسجلة لعشرات الآلاف من المقرئين ما بين ترتيل وتجويد ، وهذه الأعداد اللانهائية من السى دى هات التى تحمل كل سى دى منهم آيات القرآن العظيم ما بين مكتوب ومقروء بعشرات الأصوات الرخيمة والباكية والشجية ، حتى أن الموبايلات ( التليفونات المحمولة ) غدت مكتظة بآيات القرآن الكريم ذهاباً ورواحاً ، وكلما ذهبت هنا أو هناك واجهتك الأشرطة المسجلة فى سيارات الأجرة والميكروباصات والمحلات والمطاعم والمقاهى والكوفى نيت ومحلات بيع الأشرطة وأماكن أخرى كثيرة وكلها قرآن يتلى على المسامع والآذان فى كل لحظة من لحظات الحياة ، فكيف يتهم الرسول الخاتم صلوات ربى وسلامه عليه قومه  يوم القيامة بأنهم بعد كل هذا الزخم قد إتخذوا كتاب الله تعالى مهجوراً ؟؟؟؟

 

ألا يدفعنا ذلك لتدبر وفهم قول الله تعالى

:

 ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا )) ألفرقان   30   ؟؟

 

كيف هجروه وهو معهم أينما ذهبوا وأينما عادوا ؟ كيف هجروه وهو فى أحضانهم ليل نهار ، بل ويضعونه فى جيوبهم لقراءته فى المواصلات وفى أوقات الفراغ على مكاتب العمل ؟ كيف هجروه وهم يستمعون لإذاعة القرآن الكريم ليل نهار ويدفعون الغالى والنفيس فى شراء الأشرطة والإسطوانات المسجل عليها القرآن والخطب الوعظية ؟ كيف هجروه وهم يضعونه تحت الوسائد وفى غرف النوم لحفظهم من كيد الشيطان الرجيم ويضعونه معلقاً أو فى صندوق حريرى فخم على تابلوه السيارة لحفظهم من الحوادث ؟ كيف هجروه وهم يعملون منه الأحجبة لمرضاهم النفسانيين ولأطفالهم لحفظهم من عيون الحاسدين ؟ كيف هجروه وهم يتلونه على موتاهم بين القبور طلباً للرحمة والعفو والمغفرة من الله تعالى ؟؟

 

ما هذه التهمة المفزعة والتى يجب أن تقض مضاجع من كان لهم قلوب أو ألقوا السمع وهم شاهدون ؟ المسلمون بعد كل هذا الجهد الجهيد من حفظ القرآن فى المدارس والمعاهد وتفسيره على  يد المئات من العلماء والمجتهدين وعمل المعاهد والجامعات المختصة فقط بالقرآن ، وتعطى شهادات علمية تخصصية فى فقه القرآن وعلومه وآدابه ونحوه وصرفه وبلاغته موع ذلك ينتظرهم هذا الإتهام الذى هو فى الحقيقة ليس إتهاماً ولكنه واقع أكيد لا فرار منه مهما كان من وسائل إهتمام بالقرآن كما سبق وأسلفت أعلاه ، فما هى الحكاية وما هو الموضوع وما هى الحقيقة ؟ تعالوا بنا نطوف ونتدبر قول المولى عز وجل وهو يعدد صفات عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ، يقول عز من قائل من ضمن صفات عباد الرحمن الذين هم النموذج الأمثل والأعلى الذى يحبه الله تعالى لعباده يقول عنهم :

 

((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا )) الفرقان 73

 

من بين صفات عباد الرحمن الصالحين أنهم إذا ذكروا بآيات ربهم سواء عن طريق تلاوتها بأنفسهم أو قيام آخرين بتلاوتها عليهم ، فإنهم لا يستمعوا إليها وهم يلعبون أو يلهون أو يستهزءون ، ولكنهم – عباد الرحمن -  يعطون لآيات الله تعالى حين يقرؤها أو يسمعوها كل عقولهم وقلوبهم وآذانهم مسخرين كل هذه الحواس لفهمها وتدبر معانيها والتوصل إلى عميق حقائقها والوقوف على أسبابها وأهدافها وأوامرها ونواهيها ، وتحسس ما بها من دعوة لأخلاق حميدة ونهى عن أخلاق ذميمة ، والسعى خلف معانيها لتلمس ما بها من أنوار تضىء القلوب بذكر الله وكلماته التامات ولذلك يقول جل من قائل :

 

)) وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (( الأعراف 204

 

فالإستماع للقرآن مجرد إستماع لا أهمية له ولكن الإنصات هو الأساس ، لأنك بإنصاتك لقول الله تعالى تتمكن من تدبر آياته وفهم معانيها من خلال سياقها فى السورة فلا يصح أن تقتطع آية من سياقها دون فهم ما قبلها وما بعدها كأن تقول مثلاً ( فويل للمصلين ) ثم لا تتبعها بقوله تعالى ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) ، أو تقول (ولا تصل على أحد منهم مات ابداً ) دون أن تذكر ما قبلها وما بعدها ليعرف المستمع أن الله تعالى ينهى رسوله ص عن الصلاة على المنافقين لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ، ولا يصح أن تقول واصفاً رسول الله ص ( وما ينطق عن الهوى ) دون أن تذكر قوله تعالى ( إن هو إلا وحى يوحى ، علمه شديد القوى ... الآيات ) لكى يعلم المستمع الحصيف أن رسول الله ص لا ينطق هذا القرآن الكريم عن هواه أو من تلقاء نفسه ولكنه ينتظر وحى الله تعالى إليه فينطق به بعد نزول الوحى .

 

وعندما تنصت ( لا تستمع فقط ) فإنك ستعى وتفهم ماذا يريد الله تعالى أن يعلمك من قرآنه العظيم ، وستعلم الفرق بين الحق والباطل وبين النور والظلام وبين الضلال والهدى  ، وستعرف بإنصاتك لكلام الله تعالى كيف تتدبر آياته لتصل إلى معنى معين تريد فهمه ، أو تشريع تريد الوقوف عليه أو أمر أو نهى من أوامر الله تعالى ونواهيه التى يعلم بها عباده كيف يستقيمون فى هذه الحياة ويصبح كل منهم  مثلاً يحتذى ونبراساً يقتدى به الناس ويقلدونه فيما يفعل من تعلم وتدبر آيات الذكر الحكيم .

 

إن قول الله تعالى :

 

((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا )) الفرقان 73

 

هو مفتاح آية هجران القرآن ) الفرقان 30 ) التى تنتظر الكثيرين من المسلمين رغم ما بها من رعب يجب أن يصيب قلب كل مؤمن يخشى الله تعالى بالغيب ، ويريد أن يمرق من هذه التهمة خوفاً من أن تلبسه فى يوم القيامة فيكون والعياذ بالله تعالى كالذى خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق ، هذه الآية الفرقان 73 هى فى الحقيقة مفتاح آية هجر القرآن لو فهمناها وعقلناها وتدبرناها بصبر وتؤدة وأعطينا لأنفسنا وعقولنا الفرصة لفهمها فى هدوء .

 

ولكى نفهم آية ( لم يخروا عليها صماً وعمياناً ) يجب أن نبحث فى معانى كلمات ( يخروا – صماً – عمياناً ) حتى تنجلى لنا الحقيقة ونعرف المعنى المقصود من هذا القول الكريم .

 

أولاً كلمة يخروا :

 

وهى من الفعل ( خرر) لأن الراء مضعفة ومعناها هوى أو سقط من أعلى وندلل على ذلك بقوله تعالى ( يخرون للأذقان يبكون ) ومعناها أنهم عندما يستمعون وينصتون لكلام الرحمن يسجدون فوراً خاشعين لخالقهم وتلمس أذقانهم الأرض وهم يستغفرون ويسبحون رب الأكوان ، كما ندلل على رأينا أيضاً بقوله تعالى عن الذى يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق) وهى آية شديدة الوضوع تبين أن كلمة ( خر) معناها سقط من أعلى إلى أسفل ،وكذلك قوله تعالى عن يوسف وقومه حين استدعاهم للحياة فى مصر يقول عنهم ( وخروا له سجداً ) ومعناها ايضاً أنهم بعد أن كانوا واقفين جلسوا على ركبهم ( جمع ركبة وهو مفصل الركبة ) وهو نوع من سجود التبجيل والإحترام للحكام وليس للعبادة وهو دليل آخر أنهم كانوا واقفين فسجدوا مما يؤكد أن الفعل ( خر) معناه هوى من أعلى أو هبط أو سقط .

 

 فإذا عدنا إلى قوله تعالى (لم يخروا عليها ) لعرفنا أن هؤلاء الذين يستمعون القرآن لاعبين  يظهرون كأنهم يحبونه حباً شديداً ويشعر من يجلس معهم وكأنهم يفهمونه ويعلمون مقاصده ، وتراهم يتمايلون عند سماعه ويرتجفون رعباً صناعياً مفتعلاً ، ويتمتمون بكلمات غير مفهومة كأن عليهم مساً من الجن ، ويريدون توصيل رسالة سطحية جداً لمن حولهم مفادها  أنهم يحبون القرآن ويحبون الله وأنهم رجال الحق ولا يريدون شيئاً من زينة الحياة الدنيا ، ولكن الحقيقة المؤسفة  أنهم لا يعقلون القرآن ولا يفهمون ما يسمعون ولا يتدبرون آيات الله تعالى ولا يقتطعون وقتاً مخصصاً كل يوم من حياتهم لفهم كلام الله وتدبره وتطبيقه على أنفسهم ، ورغم أنهم يستمعون للقرآن  بما يوحى لمن حولهم أنهم خاشعون ولكنهم فى الحقيقة إستمعوه كأنهم صم ومرت عليهم معجزاته كأنهم عمى ، فرغم إظهار الخضوع والسجود ( يخروا ) إلا أنهم لم يكلفوا أنفسم عناء الفهم والتدبر ومشقة الفقه والتمعن ، ولم يتلذذوا بالخوض فى بحار القرآن الكريم ليرجعوا منها باللالىء والجواهر الربانية التى يحرم منها اللاعبون العابثون الذين يستمعون القرآن وهم يلعبون لاهية قلوبهم .

 

ثانياً    كلمة صم :

 

ومعروف أن الصمم هو عدم القدرة على السمع وقد يولد الإنسان أصماً أو يصاب بمرض يؤدى إلى الصمم ، وهذا النوع غير مقصود على الإطلاق هنا ولكن المقصود هو الذى يصطنع الصمم لنفسه رغم سلامة أذنيه وقدرته على تلقف المعلومة ، ولكنه يسخر كل ذلك لشهواته وملذاته وحياته الدنيا ومكاسبه الزائلة فإذا قرىء القرآن عليه أهمله ولم يعطه أذنه ولم يهتم بفهمه ، معتمداً على أن هناك من سيفهمه له ( العلماء من وجهة نظره ) ثم يشرحه له ، ومع ذلك فلو تعرض لهذا الشرح لما سمعه أيضاً ولأهمله ولاصطنع الصمم ولذهب بعقله وخياله هناك حيث دنياه وملذاته ومكاسبه ، ويظل يخر أصماً على كتاب الله تعالى حتى يدركه الموت وهو لم يفهم منه شيئاً ولم يفقه شيئاً ، فعاش ومات كمثل الحمار يحمل أسفاراً وبئس المثل لكل إنسان يتعامل من القرآن بلا مبالاة فهو بذلك يخسر آخرته ويكسب دنياه .

 

يقول تعالى عن من يهمل اذنيه ولا يستمع لقول الحق القرآنى العظيم :

 

((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ))الأعراف 179

 

ومن هنا نفهم أنهم لهم قلوب ( عقول )  لا يستعملوها فى فقه دينهم ، ولهم أعين ترى فقط ما يلذ لهم من شهوات الدنيا ، ولهم آذان تستمع لكل المتع فإذا جاءت نحو القرآن أصيبت بالصمم واستمعت إليه وهى تلهو وتتراقص وتتمايل مدعية العلم والإيمان ومعرفة الحقيقة والواقع عكس ذلك تماماً ، فلو جلست مع أحدهم لتختبره فى آية قرآنية واحدة لوجدته فارغاً من داخله كالخشب المسندة ، ولرأيته أمامك منظراً مهيباً لإنسان خطير ولكنه تافه قرآنياً ولا يفقه شيئاً ولا يحاول أن  يفهم ، ولو حاولت تفهيمه أو نقاشه لنهرك وسفهك وسبك بأقذع الألفاظ ، بل واتهمك بالجنون وأنك تتعالم عليه ، ثم يسألك : هل أنت عالم دين ؟ هل أنت خريج كلية دينية ؟ أليس هناك تخصصات فى الطب والهندسة والصيدلة ؟ هناك أيضاً علماء للدين وأنت لست واحداً منهم حتى لو كنت أفنيت عمرك فى البحوث القرآنية والتأصيل القرآنى والإجتهاد لفهم كتاب الله تعالى ، ولذلك فإن الله تعالى يختصر عليك الوقت ويصفهم بأنهم مثل البهائم ولا غاية ترجى منهم مهما تشدقوا بالإيمان وادعوا – كذباً وزوراً – معرفة الحقيقة يقول تعالى عنهم فى نهاية الآية السابقة :

 

 (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) .

 

ثالثاً كلمة عمياناً :

 

وهى كما هو واضح جمع أعمى وليس لها أى علاقة من قريب او من بعيد بشخص ولد أعمى أو اصابه العمى الحسى ( فى نظره ) بسبب مرض معين ، ولكنها تعنى عمى القلب وعمى البصيرة لقوله تعالى ( إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور) ، وهنا ينفى الله تعالى صفة العمى عن العينين لأنها عميت بإرادة الله تعالى ولكنه جل شأنه يؤكد أن العمى الحقيقى المقصود هو عمى البصيرة وتعمد عدم الفهم ، وعدم السعى نحو معرفة القرآن وتدبر آياته الكريمات والوقوف على معانيه الربانية العظيمة ، ولذلك تنطبق الآية رقم 179 الأعراف على هؤلاء أيضاً الذين عميت بصيرتهم عن رؤية الحق ومشاهدة الحقيقة ، ولم يكلفوا أنفسهم أى عناء لمعرفة حقيقة الكتاب الذى بين ايديهم وهو القرآن العظيم فاستحقوا أن يعيشوا ويموتوا مثل البهائم والعياذ بالله تعالى .

 

ومن عجب أن ينادى الكفار والمجرمون فى كل زمان ومكان بإهمال هذا القرآن العظيم وعدم الإستماع له ، لأنهم يعلمون أن من يسمعه وينصت له سيهتدى قلبه ، وسيصل لحب مولاه تعالى ، ولذلك كانوا يقولون :

 

((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ )) فصلت 26

 

وهذا دليل قرآنى قاطع على غيهم وإجرامهم ورغبتهم فى التشويش على القرآن وكراهيتهم له لدرجة وصلت للدعوة العلنية لمحاربته والإعتداء عليه وعدم السماع له واللغو فيه بكل الوسائل مثل التحريف والتزييف والتقديم والتأخير والشوشرة عليه بروايات وأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان حتى يتوصلوا لهدفهم المنشود وهو إهمال القرآن العظيم وإلقاؤه وراء ظهورهم وعدم الإهتمام به والإستهزاء بمن يهتم به ، وإلصاق التهم الجزافية له والكيد له وايقاعه فى المصائب والمصائد ، وتسليط السفهاء عليه ليرموه بكل نقيصة وكل عيب حتى يظلوا هم دائماً الوارثون الذين يرثون الدين وهو له حافظون ، والحقيقة أنهم عن القرآن بعيدون ولآياته الكريمات هاجرون وإذا استمعوا إليه إستمعوه وهو لاهون لاعبون .

 

والآن نعود إلى قوله تعالى عن عباد الرحمن :

 

((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا )) الفرقان 73

 

أى أن عباد الرحمن الصالحين الأتقياء إذا قرىء عليهم القرآن أو قرؤه أعملوا عقولهم وآذانهم وعيونهم فتدبروا القرآن وفهموا معانيه وعقلوه وأيقنوه وطبقوه فى حياتهم اليومية تطبيقاً دقيقاً تقرباً إلى الله تعالى وخشية منه ورغبة منهم فى إصلاح أنفسهم وإصلاح من يحبون ، ولذلك فهم يخرون أى تسجد قلوبهم لله حين يقرؤن القرآن ويعملون عقولهم فيه لفهمه ولا يصيبهم الصمم ولا العمى اثناء ذلك بل لديهم رغبة قوية فى تدبر القرآن العظيم وفهم معانيه ، ولذلك فإنهم عندما يفعلون ذلك لا ينطبق عليهم قول الرسول لربه يوم القيامة ( يارب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا) لأنهم – أى عباد الرحمن – قد حققوا حكمة الله فى فهم كتابه وتدبره والعمل به ، أما أولئك الأدعياء الكاذبون الذين يخرون على القرآن صماً وعمياناً بمزاجهم ويخدعون من حولهم ويوحون لهم أنهم أهل القرآن وأهل العلم وأهل المعرفة وهو فى الحقيقة لا يطيقون  القرآن ولا يعتبرونه غير كتاب للبركة والحفظ من عيون الحاسدين ومن الحوادث ومن مس الشياطين , ولا يستمعون إليه إلا وهم يلعبون ويتراقصون فى حفلات العزاء وغيرها ويوهمون أنفسهم أنهم على شىء والحقيقة أنهم أهل باطل وعلى الباطل طالما ظل القرآن العظيم كتاباً مهملاً فى حياتهم ومهجوراً فى دينهم ومعتقداتهم وطالما ظلوا يلغوا فيه بالتشويش عليه بكل شىء حتى أصبح بينهم غريباً مهجوراً رغم الكم الهائل من الزخم التقنى الذى يحفظون عليه القرآن من أشرطة واسطوانات وكمبيوترات ، ورغم أنهم يفتحون تلك الأجهزة بسبب وبدون سبب فى المقاهى والمواصلات والمنازل وغيرها ليخفوا نقصهم وجهلهم وليوهموا المتعامل معهم أنهم أهل تقوى وصلاح ولكن الحقيقة أن الذى يهجر القرآن ويعيش ويموت دون أن يفهمه أو يحاول جاهداً فهمه ، فإنه يعيش كالأنعام صم بكم عمى فهم لا يعقلون .

 

 

لماذا نكتب ...؟؟؟
15 شباط, 2008
ن * والقلم  وما يسطرون1) هل لا بد أن نكتب؟
سؤال مهم جدا وإجابته سهلة ويسيرة : نعم لا بد ان نكتب , ولكن المهم ماذا نكتب ؟ هل يحب الكاتب أن يظهر إسمه على صفحات الجرائد المطبوعة والإلكترونية وحسب ؟ بغض النظر عن أهمية الموضوع الذى يتناوله وحساسيته وملائمته للظروف الراهنة فى بلده خصوصا وفى العالم عموما ؟ هل يعقل ان يقرر الكاتب ان يكتب فيكتب دون سابق إنذار من فكرة معينة تراوده فيتقرب منها ويتودد إليها حتى تصير حقيقة كائنة فى عقله وفكره ووجدانه فيؤمن بها أولا بينه وبين نفسه ثم يقرر بعد ذلك صياغتها فى شكل مقال أو قصة أو قصيدة؟
أحب المواضيع الدسمة التى تشدنى وتهز وجدانى وتبكينى , تأخذنى فى أعماقها فأغيب فيها كأننى تركت الوجود وذهبت هناك فى عالم من الفكر العميق والخيال الخصب والصور المبهرة المعبرة الجذابة , يبهرنى صدق الكلمة وروعة التعبير وجمال المعنى وصفاء الفكرة لدرجة تجعلنى أؤجل طعامى وشرابى وأعيد قراءة ذلك الإبداع عدة مرات حتى أختلط به ويختلط بى فنصبح كيانأ واحدأ وبعد ان كنا حروفا مبعثرة نتجمع لنكون كلمة جميلة يحبها قلبى هى حب وسلام وعدل وأمان وطمأنينة وكرامة 0
ألمكافحون بالكلمة الحرة لدحض الظلم أحبهم , والساهرون يكتبون بدموعهم كلمات من نور من أجل كرامة الإنسان وحريته وسلامته وسعادته هم هؤلاء الملائكة المتخفون فى صور بشرية وهم من يهزون وجدانى بما يكتبون ويسقطون دموعى بما يبدعون وهم أنوار فى الأرض تطيح بظلمات الفساد والقهر والجبروت البشرى الذى يطغى فلا يرده غير القبر ويبغى الفساد فى الأرض فلا يوقفه غير الموت , حيث خمدت امام ظلمه كل الأصوات الحرة وقتل بكفره وفجوره كل دعاة المحبة والسلام والحرية والكرامة الإنسانية0
ألمناضلون من أجل قضايا تحرير أوطانهم من الطغاة المغتصبين لصوص الأوطان , سعيأ وراء العدل وجلب الحرية لوطنهم المغصوب المنهوب , هؤلاء هم شموع الكون ويجب أن تجلهم البشرية وتساعدهم وتحترمهم وتقدم لهم كل نفيس من أجل استعادة الحق المنهوب وتعديل الوضع المقلوب , فمن يلوم مظلومأ يكافح لإستعادة حقه ؟ ومن يلوم مقهورأ من أجل دفاعه عن كرامته وإنسانيته وعزته وعودة وطنه المسروق وخيراته المغصوبة0
ألكلمة الطيبة تطفىء نار الحقد وتحيل بقدرة الله تعالى العدو إلى حبيب والغريم إلى صديق
( إدفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم)
ثم علمنا القرآن العظيم ( وقولوا للناس حسنأ ) حتى الذين ينعمون برضوان الله فى جنات الخلد يصفهم الرحمن قائلأ ( وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد) , والشاعر القديم زهير بن ابى سلمى كتب معلقته الرائعة التى جاء فيها
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم تبقى إلا صورة اللحم والدم
والغريب ان هناك حالة واحدة قد يحق لصاحبها ان ينطق بقول السوء وتلك هى حالة وقوع الظلم على إنسان معين لدرجة أنه لم يعد يستطيع التحكم فى لسانه من هول ما وقع عليه من ظلم وقهر وإجرام فيقول عنه القرآن العظيم :
( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)
وهو استثناء ذكره الله تعالى ليؤكد لنا قبح الظلم وقبح الظالم وأن للمظلوم حقأ لا بد أنه آخذه إن عاجلأ وإن آجلأ0
فلا يجب ان تذهب نفوسنا حسرات على الشتامين اللعانين بغير سلطان ولا هدى ولا كتاب منير ولنعرف أن مالك الملك يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار0
ألكتابة رسالة الإنسان لإشعاع النور ودحض الظلام والظلم الذين طغا فلم يعد احد يسمع للحق صوتأ اللهم إلا اقل القليل , والكتاب هم حملة مشاعل النور فى سبيل الحرية والمساواة بين البشر على إختلاف مشاربهم وفى سبيل سعادة الإنسان—كل إنسان وأى إنسان بأى مكان وبأى زمان--- وكرامته وسلامه وحقه فى التعبير والإفصاع عن رأيه ومعتقده بوسائل سلمية راقية تعبر عن إنسانيته وحقوقه 0
وإن من دواعى الحزن والقلق وما يندى له جبين البشر هو كاتب لا يكتب إلا إذا شتم هذا وسب ذاك وحقر من شأن فلان وقلل من قيمة علان , فكأن الكتابة اصبحت متلازمة مع الهجاء والذم والقدح والتوبيخ والتجريح والتقريع والإمتهان والإذلال وتوجيه التهم بشتى ألوانها ومختلف أنواعها دون التأكد من شىء ودون التثبت ودون الوقوف على أى حقيقة ودون الوثوق بأى مصدر ودون تدعيم شتائمه وإهاناته واتهاماته بما يقوى من مركزها فتصبح شتائم مسنودة وذات مصدر يعتمد عليه , اما الشتم والتجريح لأن الآخر ذو دين مغاير أو مذهب مختلف او فكر شاذ فى رأى الكاتب أو وجهة نظر لا تعجبه فهذا بحق أبشع درجات الظلم وعاقبته وخيمة حيث سيسأل كل إنسان عن كلماته التى قالها شفويأ أو كتبها تحريريأ فى يوم يفر المرء فيه من أعز الناس إليه , فى يوم يملكه الواحد القهار فهو وحده مالك يوم الدين0
أى كتابة هذه التى تكون مقدماتها شتائم ومواضيعا جرائم ونهاياتها إهانات؟ وهل يرضى قارىء يحترم عقله أن يلوث سمعه وبصره وعقله بكتابات من هذا القبيل ؟ وأى كاتب هذا الذى لا يكف عن التقريع لكاتب آخر ولا يخجل من تكرار شتمه آلاف المرات ؟ ومتى كانت الشتائم حجة ؟ ومتى كان التجريح برهانأ ؟
الشتائم دليل ضعف وبرهان عجز لدى الشاتم الذى يفشل فى الوصول لرأى مقنع فلا يجد أمامه سبيلأ غير الشتم والتجريح والإهانة لغريمه فى الرآى ظانأ أنه بذلك ينتصر وهو فى حقيقة الأمر ينزوى ويندحر وينتحر !! دون ان يدرى0
المفكرون واهل الرأى واهل العلم واصحاب النظرة الثاقبة لا يوافقون ولا يعتمدون القدح والذم والهجاء اسلوبأ للنقاش إلا عند عاجز ضعيف لا يرقى لمستوى شرح فكرته وتبيان وجهة نظره فيلجا إلى ذلك الأسلوب المرفوض وهو الشتم والتقريع والهجاء0
ألغريب هو وجود باب أدبى فى كتب الأدب العربى إسمه (الذم والهجاء )لأمثال الفرزدق وجرير وغيرهما حيث كانت تعقد لهم الندوات ليشتم كل منهم الآخر باقذع الألفاظ وقد يذكر كلاهما صفات تمس أم أو أخت الآخر او أصله(عرقه) او لونه فإذا كان اسود البشرة فله شتائم معينة والأسود ايضا يهجو الأبيض بما عنده مما لذ وطاب من الشتم والتقبيح والتقريع والإذلا ل والإهانات المختلفة , وعلى الجانب الآخر يقوم نفس الشعراء الهجاؤون بمدح أسيادهم من الحكام للحصول على المنح والهدايا والعطايا مما يعنى ان الشتام أو الهجاء لديه المقدرة المزدوجة على شتم وإهانة إنسان ثم مدح وتعظيم وتوقير آخر ولكل موقف حجته الدامغة0
هل التلذذ بشتم المختلفين معنا صار ثقافة محسوبة علينا ؟ واين هى لغة الحوار الكريم الجاد الحر الشريف الذى يحتفظ للآخر المختلف باحترامه كإنسان وبحقه فى هذا الإختلاف ؟
أرجو ان نكتب لكى نبنى لا لكى نهدم ولكى نضىء لا لكى نزيد الظلام سوادا ولكى ننشىء اجيالأ تحترم الفكر والفكرة وتوقر كرامة الإنسان وتؤكد عليها لا نريد أجيالا تسحق المختلف وتحرقه وتقتله , فتعسأ للدنيا لو تحولت لغابة وتعسأ للبشر لو تحولوا لوحوش ضارية يأكل كل منهم لحم أخيه الإنسان :
( أيحب أحدكم أن يأكل لحم اخيه ميتأ فكرهتموه )؟؟؟

(2) نعم لا بد أن نكتب
قلم الكاتب كريشة الفنان يرسم بها ما يحلو له من مناظر وصور وأشكال وقد يرسم من الطبيعة ايضا واقعأ معينأ لا يحلو له ولا يعجبه ولكنه مضطر لرسمه وتصويره لأنه واقع وحقيقة موجودة لا بد من إظهارها وتبيانها وتوضيحها لكل البشر فلا يصح ان يكون فنانا بلا مصداقية ولا يصح ان يكون هناك كاتب يتخلى عن واقعه ويشطح بعيدا , فمثل هؤلاء هاربون وجبناء عن مواجهة الواقع وتصويره وفضحه دون المساس بحريات البشر وثوابتهم ومعتقداتهم وعاداتهم التى يعيشون عليها إلا بقدر ما ترسم ريشة الفنان0
فأس الفلاح فى ارضه وهو يخططها للزراعة هى ريشة فنان ترسم وتخطط وترفع وتخفض وتعلو وتهبط وتنقر وتحفر حتى تخرج منظومة رائعة متكاملة معجزة فى رسمها وتخطيطها وبذرها ثم ريها ثم رعايتها ثم تطهيرها من الديدان والحشرات ثم السهر هلى سلامتها ثم الإهتمام بكل دقائقها حتى يوم الحصاد الذى يصاحبه الغناء والزغاريد والأفراح والسعادة وقبض ثمن عرق عام أو نصف عام مضى تبعأ لزمن المحصول المنزرع, لوحة رائعة بديعة لا يمكن ان ينكر جمالها وقوة تعبيرها إلا غافل 0
ألمهندس الذى يسهر فى المصنع ليخرج لنا التلفزيون والراديو والموبايل والكمبيوتر والسيارة والقطار والباخرة والطائرة , فنان من الطراز الأول يتقن عمله ويحقق أمله فى الوصول لأعلى جودة فى إنتاج مصنعه , مفكه ومفتاحه وآلته هى قلم معجز فى تعبيراته يكتب كلماته بشكل واقعى ويعبر عن كيانه بطريقته الخاصة وبريشته التى تتحرك بين أنامله ليهدى البشرية حاسبأ آليا وتليفونأ محمولأ وسيارة وطائرة , كلها تسهم فى الإرتقاء بالإنسان وقيمته وقيمه وكرامته وتعمل جاهدة لتصل به لدرجة معينة من درجات التكريم التى اختص الله تعالى بها بنى الإنسان ( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلأ)0
ألطبيب الذى يجرى جراحاته الخطيرة فى المخ او العمود الفقرى أو الكبد أو زراعة الأعضاء أو جراحات التجميل المتناهية الدقة او جراحات العيون والأنف والأذن , أليس مشرطه قلم مفكر وريشة فنان متخصص فى أدق وألذ وأشيق اللوحات الفنية المذهلة التى تقف لها كل البشرية إجلالا وتقديرأ وإكبارأ واحترامأ فكم تنقذ هذه الريشات—المشارط—ارواح بشر وكم تعيد آمالأ مفقودة لذويها رغم ما تسيله من دماء وما تسببه من جراح وآلام لصاحب الأمل المفقود والذى قرر التضحية بكل شىء من أجل تحقيق امله وتفعيل حلمه , اليست هذه لوحة رائعة وقصيدة مبدعة ومقالة مقنعة؟؟
الكاتب المبدع هو الذى ينقل صورة حية للحياة من حوله غير خائف ولا جبان ولا هارب من قدره وظروفه , بل هو مقاتل بالكلمة , محارب وسلاحه القلم والحروف والأفكار والواقع الذى يتراقص حوله ومطلوب منه تصويره بدقة وحنكة وصفاء بلا تزوير أو تلفيق أو تهويل او تهوين او توسيع او تضييق , فالقلم كان وسيظل سلاح المخلصين الطيبين على مر الزمان , ولم تكن مصادفة ابدا ان يقسم رب العزة بهذا السلاح الأبدى الشريف وبما يكتب من مقالات وقصص واشعار فرب العزة فى كتابه العزيز يقسم قائلأ ( ن والقلم وما يسطرون@ ما أنت بنعمة ربك بمجنون @)
بل سورة كاملة فى القرآن العظيم إسمها سورة القلم فأى تكريم وأى تعظيم لهذا السلاح القوى ولما يسطره ويكتبه فهو مذل الجبابرة وقاهر الطغاة وهادم عروش المجرمين على مر التاريخ , يبدا أثره ضعيفأ ثم ينتشر رويدا رويدأ حتى ينمو ويكبر ويعظم أثره وينتشر , قد يسقط ظالم من اثر صفحة كتبها كاتب مخلص فى يوم من الأيام وقد تتبدا أسر حاكمة بسبب قصيدة شعر فى لحظة صدق وصفاء وقد تتحرر دولة ويتحرر شعبها من نير الإستبداد وجبروته بسبب قصة كتبها مؤلف نقلت بؤس الواقع فأثارت دماء العزة فى عروق شعب بأكمله فثار بين عشية وضحاها واستعاد كرامته وحريته المسلوبة وعزته المستباحة0
إن المجرمين الذين تقولوا على الله ورسله ونسبوا لهم زورأ وبهتانأ برىء الله منه ورسله هؤلاء القوم أجرموا فى حق البشرية جرمأ لا يعلم مداه إلا الله وكان وعد الله لهم هو قوله (َوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاًفَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) , فليس هينأ ابدا ان يسطر الكاتب أكاذيب تتفق مع هواه وتختلف مع الحقيقة , ولن يكون كاتبأ شريفأ ذلك الذى يتعمد تشويه الحقائق ورمى الناس بالباطل وتلفيق التهم لهم لحاجة فى نفسه او لثأر فى قلبه فهو بذلك يكذب على الله والناس وضميره والكون جميعأ0
على اصحاب الأقلام رسم الواقع بريشتهم المذهلة الرائعة دون زيادة أو نقص ودون مجاملات او محاباة لهذا أو ذاك ودون طغيان على طرف لصالح طرف آخر من أجل حفنة مال زائل لا قيمة له بين المصلحين والمخلصين والشرفاء , هؤلاء الشرفاء الذين ينصرون المظلوم ويواجهون الظلم والظلمة غير عابئين بعقاب أو سجن أو تنكيل , وبوقع اقلامهم تنقشع غمامات الظلم وتندحر جيوش الظلمة وتستجمع الهمم وتثور الشعوب المقهورة على جلاديها فتتحرر وتحقق لنفسها وبلدها النصر والعزة والحرية والكرامة0
نعم لا بد ان نكتب ونكتب ونكتب , وليكتب كل الشرفاء والاحرار والابرار والصالحون من أجل خير ورفعة البشرية وليكتبوا كل لحظة فسلاحهم هو سلاح الله تعالى فلم ينزل الله من السماء سيوفا ولا دبابات ولا بوارج ولا قنابل ولا دمارأ شاملأ ولكن أنزل كتبأ مسطورة على رسل كرام وكانت وستظل كتب الله المسطورة الإنجيل والتوراة وآخرها القرآن ستظل سلاح الله فى الارض يقتع به أهل الإيمان والتقوى ويثور عليه ويحيك ضده المؤامرات أهل الكفر والشرك والظلم والجريمة , نعم فالكلمة الطيبة الكريمة التى تضىء للناس ظلماتهم وتهديهم إلى سبيل الرشاد والهداية والكمال هى سلاح الله فى الارض وإلى يوم القيامة وهى سلاح البشر الأسوياء الشرفاء الأبرار فى كل مكان وزمان0
(3) لقد كتبنا فأين القراء ؟؟
سؤال وجيه ومهم ويجب على كل كاتب محترف عاشق للكتابة أن يسأله لنفسه وأستثنى من ذلك من يكتب مأجورا لنصرة باطل على حق او مأزوما حاقدأ لحاجة فى نفسه تجاه شخص بعينه أو شعب بعينه أو دين بعينه أو عرق بعينه أو لون بعينه أو أيدلوجية بعينها , حيث لا أعتبره كاتبأ بقدر ما أعتبره جنديأ مرتزقأ بلا هدف وبلا هوية غير الحصول على أكبر قدر من مال وذهب ومتع رخيصة وحصانات زائفة ولكننى أخص بكلمة ( كاتب) أصحاب المبادىء والقيم والمثل , حيث يتمسكون بها ويمسّكون بها , ويدعون لها ويدافعون عنها , ويضعون برامجهم لإقناع العقلاء والشرفاء بها , ويكون هدفهم عامأ وليس خاصأ , وأقصد به عموم النفع والفائدة من مشروعه الإصلاحى للبشرية كلها , وليس لطائفة بعينها دون الأخرين أو شعبأ دون باقى الشعوب , غاضأ نظره عن مكانهم ومكانتهم , ودينهم وعقائدهم , ولونهم وبشرتهم , وأصلهم ومحتدهم0
الكاتب الذى يهتف له الجميع لا بد ان يكون منافقأ , إذ كيف يتسنى له إرضاء جميع الأهواء والإستحواذ على إعجاب الكل على إختلاف آرائهم ومعتقداتهم وأهدافهم وتوجهاتهم , اللهم إلا إذا كان يلعب دور البلياتشو أو الأراجوز الذى يصفق له كل الحاضرين من عقلاء وسفهاء وأدباء وحمقى ولصوص وشرفاء لأنه اضحكهم جميعأ , فكيف لكاتب ذى مبدأ يعيش له وليس عليه ويدافع عنه عن قناعة ورضا وليس بسبب قبض معلوم مادى أو ذهبى أو منصبى , كيف لهذا الكاتب المغلف بمثله العليا والمبطن بها أيضأ , أن يرضى كل الأطراف المتنافرة والأضداد المتحاربة المتناحرة فيصفقون له جميعأ إلا إذا كان قد رقص على كل الموائد ولعب على جميع الحبال وهو أمر لا شك محال , إلا على مزيف دجال و نصاب محتال يرتزق من قلمه بغض النظر عن تضارب ما يكتبه مع ما يؤمن به فقد همش قضية الإيمان ولم يعد لها ترتيب فى أرقام أولوياته0
فليكتب كل كاتب ما يؤمن به وما يعتقد انه صحيح وليحترم كل الردود ويقدرها خير التقدير ويرد عليها بأدب جم ولا يحقرها ولا يتعالى عليها ولا يجعل من نفسه كوكبأ فى أعالى السماء يلقى بنوره ولا يمسه أحد ولا يدرك كنهه ولا يصل إليه , بل عليه أن يرد وأن يدافع عن مبدئه الذى أرساه فى مقاله وإلا لو هرب من الرد فإن أقل قول يقال هو أنه يكتب ما لا يؤمن به ولا يستطيع الدفاع عنه ولا يكلف نفسه مشقة الرد على القارىء الذى بدونه لا يخرج مقاله لعالم النور والمعرفة , فليدافع كل كاتب عن مقالاته بروح طيبة ولا يرد على الإساءة بمثلها بل يدفع بالتى هى أحسن فكم من كلمة طيبة صنعت صديقأ من عدو , وصنعت حليفأ من ضد0
لا تظن أنك سترضى كل الأذواق والتوجهات والعقول والافكار والأحلام إلا إذا كنت أراجوزأ كما أسلفنا , ولكنك فى معرض كتاباتك لا تقلل من شأن إنسان ولا تعتدى على دين من الأديان ولا تهاجم فارسأ من فرسان الزمان فلكل دين أتباعه , ولكل إنسان اشياعه , ولكل فارس أوضاعه , فلو تعرضت لدين بنقد لنا تنال غير الكراهية والحقد , ولو تعرضت لفارس بهمز لن تنال غير اللمز والغمز , ولو تعرضت لإنسان بسوء لن تحصد غير ما يسوء0
لا تظن – عزيزى الكاتب الشريف الذى أخاطبه--- أننى أخيفك او أحدّ من قدراتك الإبداعية أو أقلل من جهد قلمك المتحمس المتحفز ليل نهار , لا والله , ولكن الكتابة عن المبادىء أعظم وأجمل وأجدى من الكتابة عن الأشخاص , أما فى موضوع الأديان فإن نقد السلوك البشرى أنفع وأجدى واقوم واقوى من التوجه لنقد نص سماوى كل المؤمنين بالله تعالى ورسله يعلمون انه من عند الله , فهل ينقد العبد ربه وخالقه تعالى الله علوأ كبيرأ , ولكنه ينقد إنسانأ ما أخفق فى فهم أو تطبيق مبدأ ما واراد فرض إخفاقه كأنه دين , أوفرض فشله فى فهم مراد الله كأنه مراد الله تعالى0
يجب ألا يعتمد الكاتب الشريف الثقافة السمعية مصدرا من مصادر العلم فيكتب موضوعأ طويلأ عريضأ بناءأ على إشاعة أو خبر عابر دون التحقق من سلامته وصدقه فيقع الكاتب فى زلل عظيم ويصبح موقفه فى غاية الحرج والمرج , وتبدا الاقلام المضادة فى الهجوم عليه وتقع المعارك االكتاباتية التى قد تمتد وقتأ طويلأ وقد تنتهى بكوارث وقد توقع شعوبأ فى بعضها وقد تسبب قتلى والسبب خبر كاذب أو إشاعة عابرة لم يتم التأكد منها وكان الهدف سبقأ صحفيأ وشهرة زائفة تعود بالشقاء على طالبها الذى لن يحصل عليها ولن يكون صاحبها 0
لا تتوقع ان يقرأ لك الناس جميعأ , ولا تنتظر أن يصفق لك كل من يقرؤن كتاباتك , ولا تحلم بالهدايا والحفلات والرحلات فكل هذه مقاصد لا تتحقق اللهم إلا للاراجوز كما أسلفنا , اما اصحاب القيم والمبادىء والمثل التى يعيشون لها وليس عليها فإنهم يعلمون ان فى كل متر لهم أحباب ولهم أعداء , لهم مشجعون وضدهم مثبطون , لهم مناهضون ومعهم مناصرون , وسيظل الناس كلهم مختلفين إلى يوم الدين ولن يتفقوا على رأى واحد أو فكر واحد أو مذهب واحد أو دين واحد او حتى إله واحد ولو شاء الله تعالى خالق الكون لجعلهم امة واحدة ولا يزالون مختلفين , فالإختلاف سنة الله فى خلقه وفى كونه ولن يوجد كاتب واحد يصفق له الجميع وإلا إذا كان اراجوزأ!!!!
(4)التعليق من حق القارىء
هذه السلسلة التى اكتبها عن الكتاب وأقلامهم وأنواع الكتاب وأنواع القراء لا اقصد بها طبعأ كاتبأ معينأ او قارئأ معينأ وإنما كتاباتى عامة أرجو منها النفع لى وللجميع فى إلقاء بعض الشعاع الضوئى على هذا الموضوع العسير وأرجو ان يؤتى ثماره وأن ينبه كل كاتب ويعلم ان كتابته إجتهاد بشرى ورأى إنسانى يحت ومن حق الآخرين رفضه أو قبوله حسب ثقافة كل منهم وليس من حق أى كاتب أن يظن نفسه فوق النقد ولكن المؤكد أن التجريح والإهانة والتعرض لشخص الكاتب وخصوصياته هى من أقبح الأمور التى قد يقع فيها معلق متهور أو حتى كاتب آخر يعلق على نفس المقال بتعليق او بمقال0
ايها الكاتب الهمام المتعدد المقالات والكتب والمتنوع الكلام , يا من تكتب فى كل مكان وتريد أن تسيطر على العقول وتأسر الافهام , وتحب ان تطوى القلوب وتستميل الأقلام , أو لست بشرأ يشرب الماء ويأكل الطعام ويستيقظ وينام ويعمل جاهدأ لكى يشتهر بين الأنام ؟؟ أم أنك من شىء آخر غير الطين الصلصال والماء الزلال ؟ هل ظننت نفسك نبيأ يأتيه وحى السماء ؟ ام أنك متأله على الناس تتعالى فى سماء أحلامك وفضاء أوهامك ؟
قلنا وسنكرر أن كلامك كلام بشر يمكن لكل إنسان أن يرفضه بأدب فإذا صممت على فرض وجهة نظرك بالقوة فمن حق الآخر أن يتركك ويتركها فأى مخلوق أنت ؟ وكيف تعتقد أن وجهة نظرك قد وصلت لدرجة الوحى الإلهى وغير قابلة للمناقشة والرفض والدحض والإلقاء أحيانأ فى سلة المهملات , نعم يا هذا , يا كل من يكتب ويظن نفسه نبيأ أو رسولأ يأتيه خبر السماء , يا من تؤله نفسك دون أن تدرى , لا تتحمس بكل هذه القوة لما كتبت ولا تدافع باستماتة عن ما سطرت بل عد بهدوء إلى نفسك وقلمك واقرأ تعليقات الذين فندوا رأيك وأبطلوا زعمك , راجعها بحب وسمو وكرامة لو كنت تؤمن بأنك تسعى لخير الإنسان فى كل مكان , لا لأنانياتك الخاصة وطموحاتك فى شهرة مريضة تفرضها على الناس فرضأ , والناس بصراحة تعبت من كل شىء فإذا كتبت وأحب الناس كتاباتك فحبأ وكرامة وإذا إكتشفت شذوذ فكرك وانحراف رأيك ورأيت قلمك مرفوضأ فما المانع من الإنسحاب بشرف ؟ , لأن القائد الذكى هو الذى يستشعر قرب الهزيمة فينجو بجلده من المعركة وينجى معه مئات الألوف من جنوده المغلوبين على أمرهم , فما المانع أن ينسحب الكاتب لو شعر بهزيمة رأيه ودحض فكره وفرغ جرابه من أى سلاح حقيقى يدافع به عن رأيه , فلا يلجأ للقمع والقهرالفكرى والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور , إذ من هو حتى يفعل ذلك وماذا يمتلك حتى يصل لهذا المأرب البعيد المنال؟0
مصيبتنا الكبرى فى عالمنا العربى أن كلأ منا متفوق فى شحذ لسانه فإذا قال رايأ لم يعجب الآخر ولاحظ رفضا أو امتعاضأ من رأيه سلق الآخر بلسان حاد كحد السيف او أمضى , وإذا وافقه الرأى عانقه وتفاخر به وصعد به إلى السماء فإذا خالفه ذلك المرضى عنه فى رأى جديد حقره ونهره وهبط به من أعلى سماء إلى أسفل أرض , فأى عقول هذه وهل تمت للعلم والثقافة والأدب والتسامح بصلة ؟ وأى تحجر ذلك الذى يعشش فى تلك العقول المريضة ؟
منذ متى ورأينا قاطع لا يرد ؟ ومن أعطانا حق الكلام الذى لا يراجع ولا يستثنى ولا يرفض ولا يلغى ؟ قل ما شئت وتكلم وابحث واجتهد واعرض رأيك على الناس فإن وافقوك فمرحبأ وإن خالفوك فراجع نفسك فقد تكون متسرعأ أو معتمدأ على مصادر غير حقيقية أو نظريات ليست علمية , راجع رأيك واجتهد من جديد فلن تخسر شيئأ بل ستكسب كل شىء وأولها نفسك التى بين جنبيك لأنك لو تركت نفسك للغرور والكبر والتعالى والإيحاء الشيطانى بأنك لا يدانيك احد فى فكرك ولا يجاريك مخلوق فى وجهة نظرك فقد ضعت ضياعأ ابديأ وسقطت سقوطأ سرمديأ 0
من عادة البشر أن يتفكروا فيما يقال لهم ويبحثوه ويتدبروه ويزنوه ويثمنوه ويقدروه فلا يقع القول على آذانهم بلا اثر فإذا فقهوه وعلموا أنه حق ولا غبار عليه قبلوه وإلا رفضوه وذلك حقهم , حتى لو رفضوا الإيمان وصمموا على الكفر أو رفضوا الكفر وصمموا على الإيمان فلكل عقله ولكل فكره ولكل رأيه , ومن منا لم يدرك حقيقته وكنهه ؟ ومن منا لم ير طفلأ يولد او إنسانأ يموت ؟ ومن منا لم ير آيات الكون العظيمة فى الأرض والسماء , والماء والهواء , والجبال والصحراء , فمن كفر بعد ذلك فعليه كفره ومن آمن برب الكون فله إيمانه ولا تزر وازرة وزر اخرى , وليس من حق مخلوق فرض رأيه على الآخرين حتى لو كان نبيأ مرسلأ فقد منح الله الحرية لعباده فى رفض كل شىء أو التصديق بأى شىء ومقابل ما حصل عليه الإنسان من حرية وعقل فإنه يدان أمام الواحد الأحد الديان فى يوم لا يهرب منه إنس ولا جان , فالكل محاسب وكل إنسان سيلقى جزاء ما قدمت يداه فى دنيا النزاع واللعب واللهو الجدال0
أيها الكاتب المغتر بكتاباته , من حقك أن يكون لك رأى طبعأ وأن تكتب عنه وتدعو له بأدب وسمو وتسامح وتواضع لكن الذى ليس من حقك هو أن تفرضه فرضأ او توحى للقارىء أنك لا تنطق عن الهوى وأن ما تكتبه هو وحى يوحى فحاشا لله تعالى فقد ختم بالقرآن كتبه السماوية وبمحمد عليه السلام أنبياءه , إذا انت مثلى ومثله ومثلهم جميعأ , كلنا يفكر ويتدبر سواء فى أمر دينى او دنيوى , خلقى او خلقى ( بضم وكسر الخاء) , صناعى او زراعى , فلسفى او واقعى , جهرى أو سرى , صعب او يسير , جديد او قديم , مكرر اومبتكر , كلنا له حق التفكر والكلام والكتابة والتأليف طالما لديه المعطيات والمقومات التى تؤهله لذلك , وكلنا له حق القبول والإقتناع او الرفض الجزئى أو الرفض التام لما يقال امامه او لما يقرأه فى كتاب أو مقال او قصة أو قصيدة 0
جميل جدأ ان نفكر فبغير التفكير لا كرامة لنا ولا كينونة , لكن الأجمل ان نعرض فكرنا عرض التلميذ على الأستاذ وليس عرض الأستاذ على التلميذ لان المؤلف او الكاتب الذى يجعل من نفسه استاذأ للناس هو كاتب فاشل فاشل فاشل , أكررها ثلاثا , لأنه لن ينصلح له حال ولن يتقدم نحو الأمام ونهايته هو وكتاباته صناديق المهملات طبعا أما الكاتب الذى يعرض رايه وكتابته كانه تلميذ وعموم العقول استاذ له فهو فى طريق التقدم والرقى والعلو لا محالة , فسوف يستفيد من كل رأى ويستثمر كل فكر , ويدخر آراء الذين نقدوه كأنها ذهب خالص فعن طريقها سيعرف رأسه من قدميه ويصلح من نفسه ويهذب وجهة نظره , وبالطبع لن يكون الكاتب منافقا مرائيأ يكتب ما يرضى الناس حتى يكسب تصفيقهم ولكنه سيكتب ما يقتنع به ويستفيد من خبرات القراء والكتاب الآخرين فى الترقى بكلماته والإرتفاع بكتاباته إلى أعلى عليين 0
(5) أبطال خلف لوحة المفاتيح
من رحمة الله سبحانه بنا أن منحنا العقل والعلم والحرية , فقد ترقى العقل البشرى (( الحر)) ووصل بالبشرية إلى رقى حضارى منقطع النظير فى شتى مجالات الحياة , فقد غطت التكنولوجيا كل مناحى الحياة حتى تحولت الدنيا على سعتها إلى قرية واحدة , فإذا هرش مخلوق رأسه فى طوكيو تحدثت عنه وكالات الأنباء قبل أن تنزل يده التى يهرش بها لكى يعلمها أهل الصين والهند والسند وكوالالامبور وبوركينا فاسو , فيا لفرحة العالم ويا لسعده بهذا التقدم المبهر المذهل الذى جعل من جهاز الكمبيوترأو اللاب توب مرصدا لإرسال ما تريد واستقبال ما تشاء من أحداث وكتابات وقصص ومقالات وصور وأغانى وأفلام وتحقيق أحلام وبيزنس وكسب وخسارة وسوق وسويقة وشارع رهيب مدهش يعج بالملايين من كل شكل ولون وكل واحد يبيع بضاعته بالسعر الذى يروق له ولم يحرم اللصوص والحرامية من مكانهم ومكانتهم على شبكة النت المتناهية الدقة واللامتناهية المساحة , فانتشر اللصوص يسرقون الأموال والفلوس ويخربون المواقع كالتيوس , ويدمرون الأحلام ويعوقون الأقلام , ويسرقون الآمال والذكريات , ويشيعون فسادهم على شكل فيروسات , تسلب الحقوق ,وتنشر الفسوق , وتعيث فسادا فى كل شارع ومحفل وسوق0
أصبح النت متنفسأ عظيما للكاتب والقارىء العربى معا بعد زمن من القهر والإضطهاد والذل والإستعباد إمتد على مر تاريخ العرب الكرام لقرون طويلة , عانى منها الإنسان العربى معاناة وصلت إلى عنان السماء , حيث قتل واغتيل , وجلد ورجم وأعدم وصلب , وحورب فى رزقه ومصدر عيشه , وحقر وسفه وحرم من حقوقه , وحرم من مجرد النطق برأيه , وذل وكبت وقهر وأرغم على عمل ما يكره , ورؤية ما يأبى وممارسة ما يرفض , كل ذلك ذاقه الإنسان العربى على مدى قرون طويلة حرصأ من الملوك على كراسى الملك ومن حواشيهم على مناصبهم ومكاسبهم ومتعهم الخاصة وسرقاتهم اللانهائية وطموحاتهم المجنونة الغير محدودة , فكان المواطن المسكين قليل الحيلة هو الضحية دائمأ , ودفع كرامته وحريته وإنسانيته ثمنأ غاليأ لمهاترات المجرمين , ولأطماع الخونة والظلمة والطغاة على مر تاريخ أسود طويل , وليل حالك لا ينتهى , فكان هذا سببأ فى كبت رهيب أصاب العقل والقلب العربى معأ فى مقتل وأدى بهما أن ينفجرا فى الإنترنت كل هذا الإنفجار الرهيب المذهل والذى أخرج لنا عواطف جياشة , خرجت على هيئة قصص وشعر ومسرحيات وصور وأفلام وأغانى , و فكرا متنوعأ خرج على هيئة كتب ومقالات ومؤلفات واجنهادات , ما بين المستنير والمتحجر وما يدعو للتمسك بالماضى لدرجة الجمود وما يدعو للحداثة لدرجة الإنحلال الأخلاقى , ومنهم الوسطيون الذين يريدون الإستفادة من الحداثة مع الإحتفاظ بعبق الماضى وتراثه نأخذ منه ما ينفعنا ونترك ما لا يلزمنا كما يقولون0
راح كل كاتب محروم من النشر أو شاعر منزوى من فداحة القهر , راحوا يكتبون على شبكة النت ما يحلو لهم فمنهم مقتصد , ومنهم سابق بالخيرات , وكثير منهم ساء ما يكتبون وما يكسبون , فكتبوا باسماء كثيرة مستعارة , مما يؤكد أن الشخصية العربية ما زالت مهزوزة و منهارة , ولو أنهم صدقوا مع الله ومع أنفسهم ومع الناس لما أخفوا أسماءهم وأماكنهم وتخفوا خلف أسوار الخوف والرعب وراحوا يكتبون ما يرونه حقأ ويسطرون ما يرونه واجبأ وجهادأ وصدقأ من وجهة نظرهم طبعأ , فغيروا أسماءهم وانتحلوا أسماءأ اخرى حتى يتسنى لهم مهاجمة الحكام والحكومات والأشخاص والجماعات والجمعيات ويعرضون ما يكتبون غير خائفين و غير عابئين فهيهات أن تصل إليهم يد أو يعرفهم أحد أو يسجنهم أو يعذبهم كما حدث فى الماضى مما تسبب فى بتر الفكر وقتل العقل العربى الذى لم يعد يعيش إلا للتقليد والتكرار الممل فتعسأ لهم هؤلاء الذين فعلوا ذلك بالعقل والفكر العربى –أقصد طبعأ الذين قهروه وعذبوه واغتالوه--- تحت أى مسمى فحرموه من أهم معطيات التقدم والتحضر العلمى والفكرى وجعلوه فى آخر الأمم بل جعلوه متهمأ بالعجز والتواكل والتطفل على حضارة الأمم الراقية0
الغريب أنك تجد الشخصية العربية بنفس صفاتها فى أرض الواقع تجدها هى هى على النت , فالصراخ فى المؤتمرات وفرض الرأى وتوبيخ الآخر وتحقيره والإقلال من شأنه وعبادة الذات , وتأليه البشر , وتعميم الأحكام واستعماء المستمع والإستهزاء به وبفكره وبرأيه , والخروج من كل جلسة أو أجتماع أو مؤتمر بالنتيجة المعروفة وهى صفر , كل هذا تقرأه على النت فتصاب بالذهول لو دخلت منتدى عربيأ وقرأت كم الشتائم والتحقير والتكفير والتأكيد على دخول النار للمخالف والجنة للموافق وكأن الجنة والنار قد خصصت للعرب , وليس للأمم الأخرى فيهما نصيب , بل كأن الامم الأخرى ليس لهم علم بثقافة الجنة والنار والعذاب والثواب والخلود , حيث لا تجد أحدا فى العالم يتوعد الآخرين بالنار ويهدى الجنة لمن أحب إلا فى الفكر والثقافة العربية , ولا يقتصر ذلك على المنتديات بل يمتد طبعا ليشمل الصحف النتية بما فيها من مقالات هجومية تتهم الآخرين بالضلال والعمالة والجريمة والتآمر على الوطن دون سند أو دليل , و بعض الكتاب صنع من نفسه حاكمأ وقاضيأ وجلادأ , يصدر الأحكام وينتظر تنفيذها بأى شكل وصورة فسبحان الله الذى له الحكم وإليه يرجعون0
لم نتعود على عرض آرائنا بشفافية وحرية وشرف وتسامح وتقبل للآخر المخالف , بل تعودنا على ثقافة الإتهام والتكفير والتحقير والتصغير والإقصاء لكل من قال لنا 00 لا ء , ولكل من نهج غير نهجنا ودان غير ديننا , وهكذا انتقلت ثقافة المؤتمرات والمؤامرات العربية بكل ما فيها إلى النت , ولكن عزاءنا أن الشبكة العنكبوتية تقنية جديدة فى عالمنا وانها سوف تخلص وتصفو وتتطهر من الرجس مع مرور الزمن , فيتذوق كتابها لذة الحوار الهادف البناء المحترم الذى لا يرجو غير خير البشرية جمعاء بلا استثناء , والذى يعلم أن الله تعالى لو اراد أن يجعل الناس امة واحدة من قديم الزمان لفعل ولكنه سبحانه قال لهم فى بداية نزولهم للأرض الدنيا :-
(اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )
* وأخيرأ أختم هذه السلسلة التى كتبتها عن الكاتب والقارىء وأصول الكتابة والقراءة والتعليق ( من وجهة نظرى) ولقد تكونت السلسلة من خمسة مقالات هى :
1- هل لا بد ان نكتب ؟
2- نعم لا بد ان نكتب
3- لقد كتبنا فأين القراء؟
4- التعليق من حق القارىء
5- ابطال خلف لوحة المفاتيح
وأرجو ان أكون قد وفقت لمجرد لفت نظر النخبة من الكتاب والقراء إلى وجهة نظرى المتواضعة فى هذا الصدد0
ملحدون بلا هوية
12 شباط, 2008
يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق فى ظلمات ثلاث    بداية لا يهمنى إيمان الملحد ولا يحزننى كفره لعلمى التام أن الله تعالى لا ينقص من ملكه كفر كافر ولا يزيد فى ملكه إيمان مؤمن , ولكن ما يجعلنى أكتب فى تلك المسألة أن هؤلاء الملحدين لهم مواقع ومنابر يبثون فيها آراءهم وينشرون فكرهم الذى يعتمد كلية على الهجوم على الله تعالى وكتبه السماوية ورسله المكرمين , فكان لزاما علينا ألا نسكت وأن نهم لإجلاء الحقيقة وتبيان ما يحاول هؤلاء الملحدون طمسه وإخفاء هويته من أجل إنجاح نظرياتهم الهشة والتى تدور وتلف حول إنكار وجود الخالق العظيم والجحود له ولملكوته اللانهائى لمجرد أنهم يريدون ذلك ضاربين بعرض الحائط ما عدا ذلك من آراء ووجهات نظر . أعجب كثيرا من كلام  الملحدين وغرابة  ما توصلوا إليه من رأى هو أقرب للهشاشة منه إلى الصلابة , وأقرب إلى الخيال منه إلى الواقع  , واقرب إلى السراب منه إلى الحقيقة , فهم يقولون بغير برهان ملموس ويتكلمون بغير إثبات محسوس , ومعظمهم مردوا على الجدال العقيم ,  وإشعال الحرائق الوهمية وافتعال المعارك الخيالية مع  المتمسكين بدينهم الواثقين فى عقائدهم , العابدين لربهم العائذين به سبحانه , ألمتوكلين عليه . معظمهم كان من أهل الدين السماوى ( إسلامى , مسيحى , يهودى ) ويتحدثون عن مراحل عمرهم المختلفة التى ضاعت منهم  سدى وتبعثرت  من أيديهم هباءاً منثوراً قبل أن يضعوا أيديهم على الحقيقة الأكيدة التى كانت غائبة عنهم وهى الكفر بالله تعالى وإعلان الحرب عليه وعلى كتبه ورسله واليوم الآخر , وهاهم الآن فرحون مستبشرون بما توصلوا إليه من حقائق على   - حد زعمهم -   غفل عنها الآخرون  المتمسكون بدينهم ( ألسفهاء  من وجهة نظرهم ) ولكنهم – أى الملحدون --  بعقولهم الرهيبة وأفكارهم الفذة الخطيرة قد أنهوا عناء البشرية ووضعوا النقاط على الحروف وتوصلوا للحقيقة الغائبة وهى أن الكون ليس له خالق وقد جاء بمحض الصدفة البحتة بما فيه من ذرات ومجرات وعجائب ومعجزات لم يتمكن الإنسان من كشف ستر معظمها وإماطة اللثام عن غالبيتها . ولست أكتب هنا لأدافع عن دين الله السماوى فالنور لا يحتاج لدليل ولا برهان وهو قادر على تبديد الظلمات ودحرها , ولقد فتح الله الباب على مصراعيه للراغبين فى الإيمان فمرحبا بهم والراغبين فى الكفر فليكفروا كيفما شاءوا وحسابهم على خالقهم  , ولكن ما أنا بصدد التعرض له هو تلك الفكرة المسيطرة على هؤلاء الملحدين وهى فكرة تسيير الكون بمزاجهم وطبقا لرغباتهم الخاصة ..  فجل ما  يغضبهم أن الله تعالى لم يستأذنهم قبل أن يخلقهم فقد قال لى أحدهم بكل وضوح  :  وهل أخذ  الله  رأيى فى مسألة إيجادى على ظهر الأرض ؟؟ فقلت له : وكيف يؤخذ رأيك أثناء كونك عدما ؟ لا بد أن تكون موجودا ليتم أخذ رأيك .. ثم قلت له : وهل تظن لو خيرت بين الوجود والعدم أنك كنت ستختار العدم وترفض الوجود ؟    ...وطالما أنك جئت الحياة رغم أنفك وتمرض وتشفى رغم أنفك وتحيق بك المصائب رغم أنفك وتموت وتدفن فى الطين رغم أنفك وتفقد حياتك وتتحل جثتك دون أن تنبس بحرف واحد ,  ألا يجب عليك تعظيم القوة التى تفعل ذلك بك وبمليارات البشر وتوقيرها والشهادة لها بالقوة والسلطة والهيمنة والألوهية ؟ .. .. لم يقف الأمر هنا فقط بل قال لى عندما سألته مستنكرا : ألا تخشى من مصيرك بعد الموت ؟ ماذا لو كان ما فى الكتب السماوية صحيحا وكان هناك بعث ونشور  بعد الموت وحساب ؟ فقال بكل تبجح :   بل أنا الذى سأسأل الله وأقول له لماذا خلقتنى دون موافقتى .. باختصار وبدون تورية يطالب الملحد بإله (( تفصيل )) على مزاجه ينفذ أحلامه بلا تردد , فإذا استدان مالاً وحل به الفقر فيجب  على هذا الإله أن يسارع بإمطاره بالمال الوفير حتى لو كان كسولاً متراخياً عاطلاً  , وإذا أصابه مرض فيجب أن يشفيه بأسرع ما يمكن دون أن ينتظر دعاءً أو رجاءاً أو توسلات , وإذا اشتعل حريق فى منزل الملحد فعلى هذا الإله أن يبطل مفعول النار فوراً حتى لو لم يتحرك الملحد لإطفاء النار , فهذا واجب الله ( كما يتوهمون ) لأنه سمى نفسه الرحيم ..والكريم .. والقوى ... الخ    فإذا لم يفعل ذلك يعلن الملحد إلحاده ويقرر أن الله وهمُ وخيال فى عقول البسطاء المخدوعين .. ( تعالى الله ) والمؤمنون به مخدوعون وسيتأكدون من ذلك حين يموتون !! يؤكد نوع من الملحدين عدم وجود بعث بعد الموت ( نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ) ويؤكد صنف آخر أن الناس تموت وتحيا بفعل الدهر ( نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) .. فماذا لو فوجىء الملحد بمن يبعثه من مرقده بعد الموت ؟ ( من بعثنا من مرقدنا .. هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) .. وماذا سيخسر هذا الملحد ( الكاره لنفسه ) لو ظل مؤمناً بالله مكافحاً فى حياته ( لقد خلقنا الإنسان فى كبد) كبقية البشر معترفاً بالله رباً وبأن الله تعالى خلق الوجود بقانون وحكمة إلهية كبرى لا يمكن لعقلنا المحدود أن يحيط بها كلها علماً ؟؟ فإذا مات وبعث كانت لديه حجته التى يدافع بها عن نفسه , أما لو مات ملحداً  وفوجىء بمن ييقظه من سباته العميق فأين يذهب ؟ وما هو مصيره ؟ وكيف يدافع عن موقفه ؟؟ . إلى أى مدى وصلت النرجسية بهم وعبادة عقولهم والإعتداد بها لدرجة الجنون الذى يهبط  بهم لضياع مخيف دون أن يستطيع الواحد منهم أن يرد ردا وافيا أو يجيب إجابة مقنعة عن مصيره وموقفه بعد موته   لو كان الأمر صحيحا وكان هناك بعث بعد الموت وجنة ونار .. وهل ستكون لديهم القوة والحجة والبرهان للدفاع عن موقفهم المهين وإلحادهم  الغير مبرر ؟ فقد ذكر أحدهم أنه ألحد لأنه ظل يعبد الله بإخلاص شديد طوال عمره الماضى ولما وقع فى ضائقة مالية  دعا الله أن يفرجها عنه فلم يستجب له الله بالسرعة المطلوبة وبالمبلغ المناسب ,  ومنذ ذلك الحين كفر وألحد وراح يدعو على منابر الملحدين وصار نجما  لامعاً  فى سمائهم . يريد الملحد أن يكون شريكا  لله فى ملكه , فهو يكره الكتب السماوية ويجتهد لكى يفندها ويدحضها ويثبت زيغها ومروقها عن جادة الطريق   ,  ليس ذلك فحسب بل يسأل عن أهمية هذه الكتب وماذا قدمت للبشرية غير الإختلافات والتحزبات والحروب والمناوشات ؟؟ هكذا صور له عقله وخياله ..  ويريد أن يحمُل كتب الله ذنوب البشر المنتمين  إليها ناسيا أن البشر يصيبون ويخطئون فى الفهم والتأويل والتطبيق , وليسوا ملائكة يسيرون على الأرض وليسوا معصومين وبالتالى كيف نحمل كتب الله ذنوب الناس فى نقص عقولهم أو ضعف بصيرتهم أو عمى أبصارهم عن الحقيقة سواء عن عمد أم عن خطأ ؟ . مغتاظ جدا – ذلك الملحد – من قوانين الله , يكرهها ولا يريدها فهى عبأ خانق يقيده ويعيق حركاته , يريد أن يكون حرا طليقا لكن الدين يقيده بأخلاقيات وقيم وشروط ومبادىء  لابد أن يطبقها فى حياته وهذا ما يجعله حانقا على ما يسمى بالدين , لا يريد حدا يكبح جماح  رغباته الجنسية  , ولا تشريعا يحرم عليه الخمر والقمار والربا وأكل السحت والغيبة والنميمة وقتل النفس وشهادة الزور  , ولا قانونا ربانيا يمنعه من الخوض فى أعراض الرجال والنساء , فهو ضائق ذرعا من  كل ذلك ..  جمعنى لقاء ببعضهم بمحض الصدفة دون تخطيط منى لذلك , وجدته يحتسى كأسا من الويسكى , لم أنزعج لأننى أؤمن بكامل الحرية لكل إنسان  طالما لا يمسنى بسوء أو ضرر ,   لكن المؤسف أنه انزعج لأننى رفضت عرضه علىّ لمشاركته كأسا وقلت أن الله قد حرمها علينا فضحك ضحكة مجنونة كأننى قلت نكتة رهيبة , ولم يحترم حريتى كما احترمت حريته ,  ثم عاود الشرب مرة أخرى وبدأ يهذى بكلماته المضحكة والتى سمعتها من ملاحدة غيره وهو أنه ليس للكون إله وأن الكون جاء بمحض الصدفة وأن حكاية الدين هذه لعبة قديمة وسخيفة يضحك بها أهل السلطة والثروة على الفقراء والمطحونين لكى يظل كل شىء على حاله , وأن أهل السلطة قد أجّروا لتلك الحيلة الخبيثة رجالا  إسمهم رجال الدين لتقوية سلطانهم وتأكيد مراكزهم ووضع أياديهم على مقدرات الناس تحت وهم الدين والوعظ والآخرة والجنة والنار و... الخ . ملحد آخر كان يجلس فى الركن المواجه ويحتسى كوب خمرته ويقول لصاحبه : لا أوافقك الرأى  على إنكار وجود الإله فهو موجود فعلا ولكن المشكلة فيما يسمى بالكتب السماوية والتى ينسبونها لله فهذه إكذوبة كبيرة لأن تلك الكتب بما فيها القرآن قد ألفها أصحابها  , فقلت له ماذا تقصد ؟ فقال : القرآن من تأليف محمد وهو من كتبه وهو عبارة عن فهمه للدين ومن حق أى إنسان أن يختلف معه أو يؤيده أو يتفق مع جزء منه ويختلف مع ما لا يعجبه . من وجهة نظرى أن الملحد متأكد من وجود الله وأن الله هو الذى خلقه وخلق الكون وكل شىء ولكن الذى يغضبه  هو تلك القوانين والقيود التى تمنعه من الإنطلاق ليعيث فسادا فى كل شىء , هو كان يتمنى أن يرسل الله سطرا واحدا مقتضبا يقول للناس أن الله هو رب كل شىء فافعلوا ما تشاءون ولا تتحرجوا من شىء فهذه الدنيا للمتع بكل أشكالها فتمتعوا فلا مانع عندى من إنطلاقكم , مارسوا الجنس بلا وازع من ضمير , إسرقوا , أقتلوا من يقف فى وجهكم , إشربوا خمورا واسكروا وعربدوا  والعبوا فليس هناك حساب ولا عقاب ولا جنة ولا نار ولا موت فأنتم خالدون فى الرذيلة , ولا رادع لظالم ولا محاكمة لمجرم . أعتقد أنهم كانوا سيسعدون بذلك , فالقيود الدينية وما بها من قوانين وتشريعات تتطلب من الإنسان خلقا قويماً وصراطاً مستقيماً وصبراً على الأمور عظيماً , حتى يصير نموذجا بشريا كريماً  , ذلك هو سبب يأسهم وقنوطهم  وإلحادهم .. وإلا فليفسر لى أحدهم من الذى خلق هذا الإنسان بما فيه من معجزات تقف أمامها العقول مدهوشة مذهولة بلا حيلة  ؟ ومن الذى هيأ كل شىء للإنسان كى يعيش من هواء وماء وزرع وطعام وكائنات ؟ من الذى أوجد هذا الكون اللامحدود ؟ هل هو محض الصدفة ؟ ومن أين أتت هذه الصدفة ؟ ومن هو خالق تلك الصدفة ؟؟ وهل هذه الصدفة كائن له صفات الحياة ؟ أم أنها تعنى الوهم والغيبوبة واللاوعى ؟  وكيف تكون الصدفة  بهذه الدقة والحكمة والإحكام والتحكم والكمال  الذى  تعجز أمامه  العقول وتقف مكتوفة لا تستطيع حراكا ؟ .. يقولون أن الدين هو سبب تخلف أهله وهذه فرية كبيرة فهل حجر الدين على العقل ومنعه من التفكر والبحث والتدبر والإختراع وخدمة البشرية بعلمه ؟ وماذا يضير الإنسان لو كان عالما فى الفضائيات أو الذرات أو العلوم النووية ويبدع للبشر ما يشاءون وهو فى ذات اللحظة مؤمن برب الكون وعظمة رب الكون وقدرته وجبروته .. هل يحول الدين السماوى بين الإنسان وبين العلم وإعمال العقل ؟ بالطبع لا فقد كرم الدين العقل ولولا العقل والفكر والتأمل والتدبر لما فهم الإنسان دينه ولا عرف شيئا فى ملكوت الله تعالى . أقول لمن آثر الحياة الدنيا وفضلها على حياة الخلود وصبر على عذاب أكيد .. أقول له الإلحاد والكفر بقيوم السماوات والأرض قديمان قدم الزمان والمكان , لا جديد إذا فهى صورة كربونية مكررة , ولكن أحدا منكم يعجز عقله عن وضع جواب شاف لما طرحته من تساؤلات بسيطة فى مقالى البسيط هذا , ولم يؤكد أحدكم ماذا حدث لأسلافه الملحدين بعد موتهم ؟ وطبعا لم يعد لنا أحد المؤمنين بالله ليحكى لنا ماذا حاق به ؟  نعم فنحن هنا على هذه الأرض وفى حياتنا الدنيا ليس لدينا دليل قطعى على ما يحدث للميت بعد موته لأنه لم يعد أحد ويقص علينا قصته ويروى حكايته  ,  ولكن المؤكد أن المؤمن بالله كان أكثر ذكاءا وأخذ حذره واحتاط لنفسه ولم يكن أشد على الرحمن عتيا ولن يكون أولى بجهنم صليا إلا من حارب خالقه ووقف معاندا مفاخرا بعقله المحدود الذى خلقه الله تعالى  هو وكل العقول بكلمة كن .. لم يسأل الملحد نفسه عندما كان عدماً وكان الكون مهيئاً لوجوده بكل أنواع الإمكانات التى تستقبله لكى يعيش ( يتنفس ,  ويشرب ,  ويأكل , وينام ,  ويصحو ,  ويسعى ,  ويجلس ...الخ ) .. لم يسأل نفسه أين كان قبل ن ينجح أحد الحيوانات المنوية ( الخاصة بأبيه )   من بين الملايين من أقرانه فى إجتياز عنق الرحم  ( الخاص بأمه ) و قطع مسافة رهيبة بين عنق الرحم والبويضة القابعة على جداره ثم يخترقها ليكون الزيجوت ( العلقة )  ثم تطور العلقة و تحولها إلى مضغة ( يكون الجنين مساوياً فى حجمه لما يمضغه الإنسان فى المرة الواحدة )  ثم تحول المضغة إلى عظام ثم كسو العظام لحماً ثم نفخ النفس ( سبب الحياة ) ثم التحول لخلق آخر ( بما فيه من مئات الأجهزة المعقدة المعجزة )  فتبارك الله أحسن الخالقين ..   كل منا بدأ طريقه عندما كان حيوانا منويا قابل بويضة فاخترقها فى عالم ميكروسكوبى معجز لا يراه إلا الله تعالى .. أولا يذكر الإنسان أن الله قد خلقه من قبل ولم يك شيئا ؟ ألم يأت على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ؟؟ وكم ضرب الكفار أمثلة لإثبات نجاح رأيهم وقوته وثباته .. وقد قال أحدهم لرسول الله الخاتم ( صلى الله عليه وسلم ) : من يحيى العظام وهى رميم ؟ فأوحى الله لرسوله أن يقول له : قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم .. الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون .. أو ليس الذى خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ؟ بلى وهو الخلاق العظيم .. عندما أنظر لنفسى فى المرآة وأتأمل خلق الله تعالى ( وفى أنفسكم أفلا تبصرون ) وأتذكر كيف بدأ هذا البناء المذهل المعجز من خليتين ( حيوان منوى وبويضة ) فإننى أخرّ لله ربى ساجداً متضرعاً مسبحاً بحمده , وأسأل نفسى ألا يخجل الكافر والملحد والمشرك من نفسه ؟ كيف يستهين بربه ومولاه وخالقه ؟ وأتذكر قول ربى ( وكان الكافر على ربه ظهيراً ) .      
عصاتى ومعزاتى
27 شباط, 2007
 ""يحكى أنه فى العصور السابقة ذهب قوم من الدعاة لنشر دين الله تعالى فوقع نظرهم على جزيرة نائية مهجورة فلم يتوقعوا وجود أحد يقطنها ولكنهم حتى يريحوا ضمائرهم صمموا على التوجه إليها بمركبهم , فلما أتوها ورست مركبتهم على شاطئها نظروا فوجدوا خيمة بسيطة وبعض الأطفال وسيدة هى أمهم ورأوا رجلاً يرعى بعض الأغنام ويلبس ثياباً رثة فتوجهوا نحوه وسألوه : هل تعرف الله خالق الأرض والسماء والحياة ؟؟  قال نعم أعرفه فقالوا : وهل تعبده ؟؟ فقال نعم أعبده فقالوا كيف تعبد الله تعالى ؟؟ فقال : أقول كلما طلعت الشمس أو غربت : عصاتى ومعزاتى يارب اغفر لى سيئاتى فتعصب عليه أحدهم وقال له : أهذه صلواتك يا رجل ؟؟ هل هذا كل ما عرفته عن عبادة الله تعالى وعن دينه ؟؟ فقال نعم لا أعرف غير ذلك ... فقالوا لبعضهم إنه معذور فمن الذى يعلمه دين الله فى هذه الجزيرة المهجورة ؟ عموماً علينا أن نعلمه أصول الدين حتى نخلص من ذنبه .. وقضوا معه يوماً كاملاً يعلمونه أصول الدين والتدين من الألف إلى الياء ولم يتركوه حتى تأكدوا أنه قد استوعب الدرس وفهمه جيداً فغادروه مطمئنين ودعا لهم بالتوفيق والسداد وبعد أن تركوه وركبوا مركبتهم وتحركوا داخل البحر نسى الرجل كل ما قيل له من تعاليم الدين فأسرع ليلحق بهم وإذا به يسير فوق الماء بسرعة مذهلة حتى أصبح قاب قوسين أو أدنى من مركبهم فقال لهم بالله عليكم لقد نسيت كل شىء فنظروا له جميعاً فى عجب شديد حيث رأوه يسير على الماء دون أن يدرى فأدركوا قيمته عند الله لأنه إنسان طيب وعلى الفطرة ولم يؤذ أحداً طوال حياته فأحبه الله تعالى لدرجة أنه يسير على الماء دون أن يدرى وهم يحتاجون لركوب  المركب ليعبروا به إلى الشاطىء الآخر رغم أنهم وهبوا حياتهم للدين والدعوة  فقالوا له : عد ايها الشيخ من حيث جئت واعبد ربك بالطريقة التى تعبده بها فأنت أفضل منا جميعاً عند الله تعالى والبرهان واضح أمام عيوننا جميعاً فتركهم عائداً إلى أهله وأغنامه وهو يردد عصاتى ومعزاتى يارب اغفر لى سيئاتى  "".لست صوفياً ولن أكون ولا أؤمن بالخرافات ولا توجد معجزات لغير الأنبياء والمرسلين أللهم إلا المعجزات العلمية مثل الإختراعات المذهلة كالكمبيوتر والإنترنت والراديو والتلفزيون والموبايل وغيرهم ..لقد سقت هذه القصة الجميلة التى كان ابى يقولها لى كلما ضيقت عليهم الخناق فى الصلوات والفرائض فى بداية شبابى وايام النشوة والرعونة وعندما كنت أظن أننى سأصلح الكون وأغير السىء إلى الأصلح فكنت متشدداً لدرجة كبيرة ولكن الله تعالى تولانى برحمته فكرهت التشدد والعصبية وآثرت التسامح والحب وهما أعظم ما تعلمت من كتاب الله تعالى الذى قص علينا خلق الأنبياء والمرسلين والصالحين من عباد الله تعالى وعلمنا كيف نخاطب الناس وحتى هؤلاء الذين يخالفوننا الرأى والفكر والدين  وانظروا جميعأ كيف طلب الله من نبيه موسى أن يخاطب الفرعون وبأى اسلوب ؟ هل طلب منه أن يعنفه أو يضغط عليه أو يخيفه أو يقول له يا كافر ... لا بل ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى )  , وتعلمنا كيف نعفو عند المقدرة وكيف ننشر روح التسامح والمحبة , وتعلمنا من القرآن العظيم كيف نتعامل مع الآخر بكل محبة وتسامح ولا نفرض عقائدنا على مخلوق ولا نقهر أحداً لكى يؤمن بما نؤمن به أو يفعل ما نفعله , بل دعوة سلمية كلها المحبة والحكمة والموعظة الحسنة , والمجادلة بالتى هى أحسن لأن الله تعالى هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين .ألقصة البسيطة التى سقتها فى البداية تحمل بعض المعانى الهامة وعلى رأسها أن الله تعالى يحب الإنسان الذى لا يؤذى الآخرين ولا يحمل فى قلبه حقداً أو غلاً تجاههم ولا يغتابهم ولا يتناولهم بالسباب واللعنات ولا يحقر من شأنهم ولا ينقص من قدرهم ويقابلهم بوجه بشوش صبوح ولا يتوعدهم فى كل وقت بالويل والثبور وعظائم الأمور , يحب الله تعالى الإنسان الذى يهتم بأمره وشئونه ويسعى من أجل العيش الحلال ويشارك فى بناء وطنه بكل ما حباه الرحمن من علم وقوة وشباب وصحة , ويسعى فى الأرض ليصلح فيها لا ليفسد فيها ويعمرها لا ليهدمها ولينيرها بفكره وعلمه ونظرياته لا ليملأها ظلاماً وظلماً , ولينشر مبادىء العدل والسلام والحب أينما ذهب وأينما راح , لا ليعيث فيها فسادأ ويهلك الحرث والنسل , يحب الله السلام ودعاته والعدل ورجاله والحب وكماله , ولا يحب القتل والقتال ( إلا من أجل الحق ) ولا يحب الله الظلم ولا يحب الله الكره والحقد .لا أطلب أن نعتزل عن الناس فى جزيرة كما فعل بطل القصة السابقة ولكن أتمنى أن نطهر قلوبنا وألا نتمنى جهنم لغيرنا وأن ندعو بالجنة والمغفرة لكل إنسان , فمن يدرى ؟ الا يمكن لكافر أن يتوب فجأة ويصبح من الصالحين ؟ بل إن التاريخ ملىء بكافرين تابوا وعرفوا ربهم وعبدوه فاستحقوا عفوه ومغفرته , والتاريخ ملىء بمؤمنين كفروا وعصوا وارتكبوا الفحشاء والمنكرات وماتوا على ذلك فاستحقوا غضب الله وعذابه وسخطه . قضيتى الرئيسية هى أن نؤمن جميعاً أن تقييم التقوى والإيمان مرده إلى الواحد الديان وليس من حق مخلوق أن يتدخل فى قلب إنسان ويفتش فيه ويصدر عليه أحكاماً متقمصاً دور الله تعالى عما يشركون , يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور , وعيب على الواحد منا أن يزكى نفسه أو يعتقد أنه من المفلحين فهو بذلك يأمن مكر الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون , فمهما كان عند الإنسان من علم فهو جاهل لو قارن نفسه بالكون العظيم , ومهما قرأ وتثقف وشعر أنه امتلأ علماً وفكراً وفهماً فعلمه قطرة من محيط بل أقل , وفوق كل ذى علم عليم .أرجو أن ألا نجعل للحقد مكاناً فى القلوب , وأن نستبدله بحب وسلام وجمال وكمال , أرجو أن نتعامل مع بعضنا البعض بروح الجسد الواحد الذى لو مرض منه عضو لسهر له بقية الأعضاء حتى يشفى , ارجو ألا نحاسب بعضنا على المعتقدات والأفكار والآراء وأن يكون النقد بناءأ وذا أغراض شريفة وأن يقدم كل منا أغلى ما عنده من أجل سعادة بلده وأهله وكل من حوله ولنتأكد جميعاً أن يوم العرض على الرحمن آت لا ريب فيه , وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون . 
A service provided by Al Bawaba