22 شباط, 2007
لبنان والألوان.. قمار
حسان الزين
(إلى بيروت)
ألوان ألوان ألوان، كيفما نظرت وماذا رأيت تقع عينك على ألوان. فالألوان، في لبنان، قد باتت لغة سياسية بامتياز. لعل ذلك يحصل للمرة الأولى منذ الاستقلال ورسْمِ العلم الوطني الذي لا نرى ألوانه مجموعة إلا فيه، فيه وحسب، منفصلة عنا. فهو علمٌ ليس إلا. علمٌ وقد نأينا بألوانه بعيداً من أمزجتنا وذائقاتنا المختلفة، السياسية والثقافية والفنية. لعلنا استبدلناها بألوان أخرى ليست منه ولا من لبنان وتراثه وطبيعته وجماله الذي نتغنى به، ولا من الأرجوان أو أدونيس الذي نسيناه، على الرغم من أننا لا نكف عن استخدام أسطورته ونحن ننعى الشهداء تلو الشهداء الذين يموتون.. لأجل لبنان.ألوان ألوان ألوان. صيفاً ألوان وشتاءً ألوان. ليلاً ألوان ونهاراً ألوان. كأنها ما عادت أمراً فردياً أو نفسياً واختيارياً أو شأناً يتعلق بالمزاج والموضة والأزياء لهذا الموسم أو ذاك. كأن ما عاد في الأسواق إلا هذه الألوان المتكررة، المملة، السجنية، إذ تذكر بثياب السجناء المخططة. كل لون أو لونين أو ثلاثة لعقوبة وجريمة أو حزب. تفرزنا الألوان. تلغينا. تغطينا. نحن ملفوفون كموتى بالألوان التي تحذف أسماءنا وهيئاتنا، تحذفنا أو نحذفها ونشوهها ونتفهها، لا فرق.فالألوان الآن في لبنان شأن الواقع حين يزعم مخادعاً أنه الحلم. هي شأن جماعي، قطعاني مذهبي أيضاً. نلبس الأزرق فنُحسب على هذا التيار، ونرتدي البرتقالي أو الأصفر فنُتهم بالانتماء إلى ذاك، إلى الخصم أو الخائن. وثنية متكررة، بائسة. كيف انتشرت النيران بهذه السرعة؟ كيف التهمت كل هذه العقول والأجساد والذائقات..والألوان أيضاً! الألوان تلتهم الألوان. ونحن نعلم أننا لسنا في ملعب كرة قدم، ولا نتابع المونديال، ولا حتى في حلم أو احتفاء بالحياة أو في لعبة ديمقراطية. لعلنا في طقس أشبه بالطقس الأسباني (Corrida). لكن من هو الثور ومن هو "التوريرو"؟ ونحن نعلم أن الألوان صباغ ونفاخر أننا أول من صنعها وأبحر بها. كيف بات الجميع، كلٌ منَّا، جاهزاً يعرف ماذا سيرتدي اليوم وغداً وربما بعد غدٍ وبعد بعد غدٍ، ولا يحسب ما يناسب لون بشرته وعمره وشخصيته ومزاج الحبيب وظروف العمل والموسم. من أين كل هذا اليقين، من أين للمقامر كل هذا اليقين؟هكذا، يمكن أن تبقى الثياب خارج الخزائن، ويمكن ألا نغسلها من عرقنا ووحل الشوارع والساحات والمعارك والسجالات التي تمزق القماش واللوحة وتحرق الدماء. يمكن أن تبقى الثياب خارج الخزائن وأن تُستعمل كرايات نعلقها فوق الشرفات أو نذهب بها إلى الحرب، إلى الحرب التي بات لها ألوان أكثر من إشارات السير.ألوان ألوان ألوان ومن لا لون له، الآن في لبنان، لا طعم له ولا رائحة. الألوان ثروتنا القومية، ثرواتنا التي جمعناها، في الوطن والمهجر، لنورثها إلى الأبناء والأحفاد والأجيال، كي يلطخوا بها وجوههم كما نفعل بأيدينا وقلوبنا وشوارعنا وساحاتنا. "نيال" من له لون في لبنان. وكنا قد قلنا "نيال من له مرقد عنزة في لبنان". فمن لا لون له لا طعم له ولا رائحة. من لا لون له فليشتري لوناً، أو أكثر. لمَ لا؟ فليشتري لوناً آخر، ألواناً أخرى للقمار.الألوان إذاً تأتي كما الرزق معنا حين نولد. الألوان التي بتنا نلبسها ونرفعها رايات تميزنا عن الآخرين، كأننا نقول إننا الأفضل والأشرف. بل كأننا في ساحة القتال ونُعرِّف أنفسنا بالألوان كي لا نقتل من هم من لوننا، وإنما كي نقتل من هم من الألوان الأخرى. ونموت مؤمنين بأن تلك الألوان هي ألوان بشرتنا والدماء التي تتحرك في عروقنا، ونحن من عروق وأجناس وألوان عدة جمعها القدر، أو لعناته، في هذه الأرض الصغيرة القليلة. لعناتُ القدر أتت بالبعض منا إلى هذه الأرض، ولعنات القدر نفسها أو غيرها جعلت البعض الآخر، الأصلي في هذه الأرض، يجد فجأة أقواماً من ألوان أخرى وقد باتوا معه على أرضه، في وطنه، يشاركونه الهواء والماء ويأخذون من دربه الألوان التي تنبت من دماء الشهداء.كم أن عقلنا صغير!ألوان ألوان ألوان تُبكيني كلها وتُحزنني كلها وتقتلني كلها، لا الأسود وحده. الأسود الذي هو لون تلتقي فيه الألوان كلها، من الأبيض إلى الأحمر إلى البرتقالي والأصفر والأخضر، حتى الأزرق بلا شك. الألوان كلها تلتقي في الأسود ولا تشعر بأنها هناك في الأسود. كأنها ألوان لا تحس ولا تشعر ولا تعقل حتى نفسها. ألوان لا يرى كل منها إلا نفسه، إلا هو ولا سواه، لا أحد سواه، هو ولا أحد سواه، هو أو لا أحد سواه. تلتقي الألوان في الأسود ولا تنظر في المرآة، أو المرايا حيث ترقص وتشعوذ، ولا تتفقد جسدها، إذا كانت تبدلت من حال إلى أخرى، إذا كانت جُرحت وخرج منها أحمرٌ وأبيضٌ يتحولان أخضرَ، أو أسودَ.كأن الموت، في لبنان، بلا لون ولا طعم أو رائحة. كأن الأسود بلا لون، والألوان بلا ألوان. كم بتنا خارج اللوحة! كم بتنا ألواناً لا ثياباً ولا علماً!رايات حرب ليس إلا.أنظُرُ من هنا، من خارج الألوان، من خارجها كلها، لا تعني لي شيئاً. كلا، تعني لي الخوف. الخوف. الخوف والغموض. الخوف والخطط الغامضة أحياناً والمكشوفة قليلاً. الخطط المخيفة.الألوان تبعد لبنان أكثر، تغرقه. أنظُرُ من هنا، من خارج الألوان كلها، كلها، ويمسّني الأسود وحده. نحن نرتدي الأسود ولا من يحزنون. الأسود نفسه الذي يخيفني أيضاً. لكنه يخيفني بصدق. هو صادق. لعله الأصدق بين الألوان. هكذا فعلناه. وهو الأصعب بينها. لا نذهب إليه اختياراً. نتردد كثيراً في الذهاب إليه مباشرة بلا مواربة أو تضليل. كأننا نذهب إليه، نفعله ونرتكبه ونريد ذلك عبر ألوان أخرى، عبر هذا اللون أو ذاك، عبر ألوان أخرى مخيفة أكثر منه. الموت بطرق أخرى، بألوان أخرى، ألوان الأذية بلا تردد والخصام بلا رأفة والفراق بلا شعور بقيمة الآخر وأهميته وهويته، والقتال والحرب بلا جفون أو رموش ترتعش. نذهب إلى الموت عبر تلك الألوان ونحن نتوهم، أو يُوهم كل منا نفسه والآخر والآخرين، بأننا لا نذهب إلى الموت، وبأننا نتجنبه ونبعده. نُقنِّع الأسودَ بلونٍ آخرَ، بألوان أخرى. يخدرنا ذلك حتى ولو كنا نموت في اللون الذي اخترناه لأنفسنا، أو نموت ضد اللون الذي اختاره الخصم لنفسه.للموت ألوان أخرى غير الأسود، وربما الأسود أقل ألوان الموت أو هو ليس لون الموت أصلاً. قل هو لون تعامل الأحياء مع الموت أو مع الحياة في لحظة فراق وموت حبيب أو قريب. الأسود لون قبول الموت لا الذهاب إليه. للذهاب إلى الموت ألوان أخرى، ورايات أخرى. الأسود ليس راية، ولا إعلان حرب، أو ثأر وانتقام. الأسود بكاء، وجع، جُرح، عمق، ترويض غضب، وربما هو سكينة وتأمل وتسامح وحب. نعرف ذلك، نشعر به، نفكر على هذا النحو. الألوان الأخرى لا نعرف إلى ما ترمز، لا نعرف ما هي. نحسها من الخارج، بما هي حاجات وأشكال وصور. نحن نستهلك الألوان، أو كنا كذلك وباتت الآن تستهلكنا. كنا نحب هذا اللون أو ذاك لسبب غامض، أو لمزاج حميم، أو لاستجابة لأزياء وموضة. أما الآن فما عاد في مقدور الفرد منا أن يختار لوناً غير لون قطيعه وبشرته التي نبتت فجأة كترس أو حتى كسلاح. ما عاد في مقدور الفرد منا أن يسأل نفسه أي لون تحب، أو أن يبوح لأحباء بلونه المفضل، أو أن يحب الألوان المفضلة لدى الأحباء. فالأزرق ما عاد لون السماء والتحليق والسفر إلى البعيد وفي القصص، ولا حتى لون المستقبل، إلا لمن يرفعونه. والأصفر ما عاد لون الغيرة، مثلاً، (الغيرة على الوطن، لنفترض) ما عاد لون وردة. فلا هنا وردة ولا شيء. الوردة حمراء من الدم، من أدونيس والشهداء.ولا البرتقالي برتقالياً وحسب، ولا هو من الجنوب الممتد من فلسطين. ولا الأخضر أخضر الأيدي التي تزرع الشجر والنبات وتسقيها وترسلها ثمراً ووروداً في البساتين والبيوت والقلوب. الأزرق، يحسب كل منا من جهته، إما هو لون المشاريع التي تأخذ البلاد إلى المستقبل وإما هو لون المشاريع التي تأخذ البلاد بعيداً من أهلها التاريخيين وبعيداً من أحلامهم ومصالحهم. فالأزرق السابح في السماء والبحر، يقول خصومه، عملة أميركية.الأصفر، يحسب كل منا وفق اعتقاده، أنه إما لون ثورة المظلوم ضد الظلم والظالمين والمتكبرين والطامعين، وإما لون الطامعين والتابعين. فالأصفر الموجود في كل العالم، في كل البلدان، يواجهه معارضوه بالقول إنه قنبلة إيرانية.البرتقالي، يحسب كل منا على مزاجه، أنه إما لون الإصلاح والتغيير بلا تنازل أو مساومة، وإما لون الجنون والتهور من أجل كرسي ومنصب. البرتقالي النابت في الأرض، مع الأخضر والأحمر (للتذكير هما موجودان في علم لبنان) ومع الأصفر، ينعته غير المؤمنين فيه، بأنه حرب إلغاء للآخرين.الأخضر، يحسب كل منا انطلاقاً من عصبيته، أنه إما لون الدين والإيمان وجادلهم بالتي هي أحسن، وإما لون الإرهاب. فالأخضر الضارب في التاريخ، يقول ذوو الألوان الأخرى، إنه عنيف وقاتم وقديم. كم بتنا بلا لون وطعم، وأما الرائحة فقوية كمن يتذكر الحياة والوطن.
22 شباط, 2007
لبنان والألوان.. قمار
حسان الزين
(إلى بيروت) ألوان ألوان ألوان، كيفما نظرت وماذا رأيت تقع عينك على ألوان. فالألوان، في لبنان، قد باتت لغة سياسية بامتياز. لعل ذلك يحصل للمرة الأولى منذ الاستقلال ورسْمِ العلم الوطني الذي لا نرى ألوانه مجموعة إلا فيه، فيه وحسب، منفصلة عنا. فهو علمٌ ليس إلا. علمٌ وقد نأينا بألوانه بعيداً من أمزجتنا وذائقاتنا المختلفة، السياسية والثقافية والفنية. لعلنا استبدلناها بألوان أخرى ليست منه ولا من لبنان وتراثه وطبيعته وجماله الذي نتغنى به، ولا من الأرجوان أو أدونيس الذي نسيناه، على الرغم من أننا لا نكف عن استخدام أسطورته ونحن ننعى الشهداء تلو الشهداء الذين يموتون.. لأجل لبنان.ألوان ألوان ألوان. صيفاً ألوان وشتاءً ألوان. ليلاً ألوان ونهاراً ألوان. كأنها ما عادت أمراً فردياً أو نفسياً واختيارياً أو شأناً يتعلق بالمزاج والموضة والأزياء لهذا الموسم أو ذاك. كأن ما عاد في الأسواق إلا هذه الألوان المتكررة، المملة، السجنية، إذ تذكر بثياب السجناء المخططة. كل لون أو لونين أو ثلاثة لعقوبة وجريمة أو حزب. تفرزنا الألوان. تلغينا. تغطينا. نحن ملفوفون كموتى بالألوان التي تحذف أسماءنا وهيئاتنا، تحذفنا أو نحذفها ونشوهها ونتفهها، لا فرق.فالألوان الآن في لبنان شأن الواقع حين يزعم مخادعاً أنه الحلم. هي شأن جماعي، قطعاني مذهبي أيضاً. نلبس الأزرق فنُحسب على هذا التيار، ونرتدي البرتقالي أو الأصفر فنُتهم بالانتماء إلى ذاك، إلى الخصم أو الخائن. وثنية متكررة، بائسة. كيف انتشرت النيران بهذه السرعة؟ كيف التهمت كل هذه العقول والأجساد والذائقات..والألوان أيضاً! الألوان تلتهم الألوان. ونحن نعلم أننا لسنا في ملعب كرة قدم، ولا نتابع المونديال، ولا حتى في حلم أو احتفاء بالحياة أو في لعبة ديمقراطية. لعلنا في طقس أشبه بالطقس الأسباني (Corrida). لكن من هو الثور ومن هو "التوريرو"؟ ونحن نعلم أن الألوان صباغ ونفاخر أننا أول من صنعها وأبحر بها. كيف بات الجميع، كلٌ منَّا، جاهزاً يعرف ماذا سيرتدي اليوم وغداً وربما بعد غدٍ وبعد بعد غدٍ، ولا يحسب ما يناسب لون بشرته وعمره وشخصيته ومزاج الحبيب وظروف العمل والموسم. من أين كل هذا اليقين، من أين للمقامر كل هذا اليقين؟هكذا، يمكن أن تبقى الثياب خارج الخزائن، ويمكن ألا نغسلها من عرقنا ووحل الشوارع والساحات والمعارك والسجالات التي تمزق القماش واللوحة وتحرق الدماء. يمكن أن تبقى الثياب خارج الخزائن وأن تُستعمل كرايات نعلقها فوق الشرفات أو نذهب بها إلى الحرب، إلى الحرب التي بات لها ألوان أكثر من إشارات السير.ألوان ألوان ألوان ومن لا لون له، الآن في لبنان، لا طعم له ولا رائحة. الألوان ثروتنا القومية، ثرواتنا التي جمعناها، في الوطن والمهجر، لنورثها إلى الأبناء والأحفاد والأجيال، كي يلطخوا بها وجوههم كما نفعل بأيدينا وقلوبنا وشوارعنا وساحاتنا. "نيال" من له لون في لبنان. وكنا قد قلنا "نيال من له مرقد عنزة في لبنان". فمن لا لون له لا طعم له ولا رائحة. من لا لون له فليشتري لوناً، أو أكثر. لمَ لا؟ فليشتري لوناً آخر، ألواناً أخرى للقمار.الألوان إذاً تأتي كما الرزق معنا حين نولد. الألوان التي بتنا نلبسها ونرفعها رايات تميزنا عن الآخرين، كأننا نقول إننا الأفضل والأشرف. بل كأننا في ساحة القتال ونُعرِّف أنفسنا بالألوان كي لا نقتل من هم من لوننا، وإنما كي نقتل من هم من الألوان الأخرى. ونموت مؤمنين بأن تلك الألوان هي ألوان بشرتنا والدماء التي تتحرك في عروقنا، ونحن من عروق وأجناس وألوان عدة جمعها القدر، أو لعناته، في هذه الأرض الصغيرة القليلة. لعناتُ القدر أتت بالبعض منا إلى هذه الأرض، ولعنات القدر نفسها أو غيرها جعلت البعض الآخر، الأصلي في هذه الأرض، يجد فجأة أقواماً من ألوان أخرى وقد باتوا معه على أرضه، في وطنه، يشاركونه الهواء والماء ويأخذون من دربه الألوان التي تنبت من دماء الشهداء.كم أن عقلنا صغير!ألوان ألوان ألوان تُبكيني كلها وتُحزنني كلها وتقتلني كلها، لا الأسود وحده. الأسود الذي هو لون تلتقي فيه الألوان كلها، من الأبيض إلى الأحمر إلى البرتقالي والأصفر والأخضر، حتى الأزرق بلا شك. الألوان كلها تلتقي في الأسود ولا تشعر بأنها هناك في الأسود. كأنها ألوان لا تحس ولا تشعر ولا تعقل حتى نفسها. ألوان لا يرى كل منها إلا نفسه، إلا هو ولا سواه، لا أحد سواه، هو ولا أحد سواه، هو أو لا أحد سواه. تلتقي الألوان في الأسود ولا تنظر في المرآة، أو المرايا حيث ترقص وتشعوذ، ولا تتفقد جسدها، إذا كانت تبدلت من حال إلى أخرى، إذا كانت جُرحت وخرج منها أحمرٌ وأبيضٌ يتحولان أخضرَ، أو أسودَ.كأن الموت، في لبنان، بلا لون ولا طعم أو رائحة. كأن الأسود بلا لون، والألوان بلا ألوان. كم بتنا خارج اللوحة! كم بتنا ألواناً لا ثياباً ولا علماً!رايات حرب ليس إلا.أنظُرُ من هنا، من خارج الألوان، من خارجها كلها، لا تعني لي شيئاً. كلا، تعني لي الخوف. الخوف. الخوف والغموض. الخوف والخطط الغامضة أحياناً والمكشوفة قليلاً. الخطط المخيفة.الألوان تبعد لبنان أكثر، تغرقه. أنظُرُ من هنا، من خارج الألوان كلها، كلها، ويمسّني الأسود وحده. نحن نرتدي الأسود ولا من يحزنون. الأسود نفسه الذي يخيفني أيضاً. لكنه يخيفني بصدق. هو صادق. لعله الأصدق بين الألوان. هكذا فعلناه. وهو الأصعب بينها. لا نذهب إليه اختياراً. نتردد كثيراً في الذهاب إليه مباشرة بلا مواربة أو تضليل. كأننا نذهب إليه، نفعله ونرتكبه ونريد ذلك عبر ألوان أخرى، عبر هذا اللون أو ذاك، عبر ألوان أخرى مخيفة أكثر منه. الموت بطرق أخرى، بألوان أخرى، ألوان الأذية بلا تردد والخصام بلا رأفة والفراق بلا شعور بقيمة الآخر وأهميته وهويته، والقتال والحرب بلا جفون أو رموش ترتعش. نذهب إلى الموت عبر تلك الألوان ونحن نتوهم، أو يُوهم كل منا نفسه والآخر والآخرين، بأننا لا نذهب إلى الموت، وبأننا نتجنبه ونبعده. نُقنِّع الأسودَ بلونٍ آخرَ، بألوان أخرى. يخدرنا ذلك حتى ولو كنا نموت في اللون الذي اخترناه لأنفسنا، أو نموت ضد اللون الذي اختاره الخصم لنفسه.للموت ألوان أخرى غير الأسود، وربما الأسود أقل ألوان الموت أو هو ليس لون الموت أصلاً. قل هو لون تعامل الأحياء مع الموت أو مع الحياة في لحظة فراق وموت حبيب أو قريب. الأسود لون قبول الموت لا الذهاب إليه. للذهاب إلى الموت ألوان أخرى، ورايات أخرى. الأسود ليس راية، ولا إعلان حرب، أو ثأر وانتقام. الأسود بكاء، وجع، جُرح، عمق، ترويض غضب، وربما هو سكينة وتأمل وتسامح وحب. نعرف ذلك، نشعر به، نفكر على هذا النحو. الألوان الأخرى لا نعرف إلى ما ترمز، لا نعرف ما هي. نحسها من الخارج، بما هي حاجات وأشكال وصور. نحن نستهلك الألوان، أو كنا كذلك وباتت الآن تستهلكنا. كنا نحب هذا اللون أو ذاك لسبب غامض، أو لمزاج حميم، أو لاستجابة لأزياء وموضة. أما الآن فما عاد في مقدور الفرد منا أن يختار لوناً غير لون قطيعه وبشرته التي نبتت فجأة كترس أو حتى كسلاح. ما عاد في مقدور الفرد منا أن يسأل نفسه أي لون تحب، أو أن يبوح لأحباء بلونه المفضل، أو أن يحب الألوان المفضلة لدى الأحباء. فالأزرق ما عاد لون السماء والتحليق والسفر إلى البعيد وفي القصص، ولا حتى لون المستقبل، إلا لمن يرفعونه. والأصفر ما عاد لون الغيرة، مثلاً، (الغيرة على الوطن، لنفترض) ما عاد لون وردة. فلا هنا وردة ولا شيء. الوردة حمراء من الدم، من أدونيس والشهداء.ولا البرتقالي برتقالياً وحسب، ولا هو من الجنوب الممتد من فلسطين. ولا الأخضر أخضر الأيدي التي تزرع الشجر والنبات وتسقيها وترسلها ثمراً ووروداً في البساتين والبيوت والقلوب. الأزرق، يحسب كل منا من جهته، إما هو لون المشاريع التي تأخذ البلاد إلى المستقبل وإما هو لون المشاريع التي تأخذ البلاد بعيداً من أهلها التاريخيين وبعيداً من أحلامهم ومصالحهم. فالأزرق السابح في السماء والبحر، يقول خصومه، عملة أميركية.الأصفر، يحسب كل منا وفق اعتقاده، أنه إما لون ثورة المظلوم ضد الظلم والظالمين والمتكبرين والطامعين، وإما لون الطامعين والتابعين. فالأصفر الموجود في كل العالم، في كل البلدان، يواجهه معارضوه بالقول إنه قنبلة إيرانية.البرتقالي، يحسب كل منا على مزاجه، أنه إما لون الإصلاح والتغيير بلا تنازل أو مساومة، وإما لون الجنون والتهور من أجل كرسي ومنصب. البرتقالي النابت في الأرض، مع الأخضر والأحمر (للتذكير هما موجودان في علم لبنان) ومع الأصفر، ينعته غير المؤمنين فيه، بأنه حرب إلغاء للآخرين.الأخضر، يحسب كل منا انطلاقاً من عصبيته، أنه إما لون الدين والإيمان وجادلهم بالتي هي أحسن، وإما لون الإرهاب. فالأخضر الضارب في التاريخ، يقول ذوو الألوان الأخرى، إنه عنيف وقاتم وقديم. كم بتنا بلا لون وطعم، وأما الرائحة فقوية كمن يتذكر الحياة والوطن.
21 شباط, 2007