الدائري الخامس ، ذلك الطريق المؤدي الى المالانهاية ، تجري في عروقه الاف من السيارات كل يوم ، و لكل منها قصة ...
مختلفة ..
و لكن ..
تتعالى نغمات أغنية لأم كلثوم ، لا يميزها و لا ينشد لها ، يقلب المحطات ، يستقر على صوت رقيق يشدو بأغنية للأطفال .. شاطر شاطر .. يبدأ بهز رأسه يمنة و يسرة .. و كأنما افكاره تتراقص بداخل رأسه
يقطع فجأة هذا الانطراب نشرة أخبار ! و الصوت القائل :ننقل لك الحدث بالصوت ، لتكتمل عندك الصورة، "سخافة مطلقة ، يقطعون الاغنية لبث نشرة اخبار ؟ تفاهه ! " ، يمد يده الى درج السيارة و يلتقط شريطا دون ان يراه ، يشغله و يكمل قيادته .
انه في بداية الدائري الخامس ، في الحارة الأولى .. بسرعه منخفضه ، يتململ من بطء ايقاع هذه الحارة ، يحاول الانتقال للحارة المجاورة .. و لكنها تعاني من تزاحم لا تستطيع منه خلاصا ! يعدل عن قراره و يبقى في حارته إلى اشعار آخر ، يبحث عما يشد انتباهه
.. سيارة قديمه و شبه متهالكة ، يرى في كراسيها الخلفية أبراجا من الخضار و الفاكهة و أكياسا زرقاء ..
حاول بفضوله التعرف على ماهيه السائق ، لاحظ انه يرتدي شماغا و يقود بحذر فوق المعقول ، يفتح الشبابيك برغم درجه الحرارة التي تكاد تجاوز الخمسون درجه !" ياله من معتوه" .
الحارة الثانية فارغه ..
تم الانتقال إليها ، يهدأ سرعته قليلا ليقارب سرعة صاحب ابراج الخضراوات ، ليستكشفه و يتفحصه ، " رجل عجوز خرف ! أين دور العجزة عن هؤلاء ؟ " يفتح شباك سيارته و يطلق ابواقا متلاحقه لشد انتباه العجوز ، و عندما تحقق مراده و التفت العجوز ! صرخ بأعلى صوته " مجنوووووو.... " و اختفت بقيه الكلمه في الهواء ..و لم يسمع نهايتها مطلقا ذلك العجوز .. فقد ابتعد قائلها بعيدا ..
سيارة ضخمة ، يلاحظ أطفالا تطل عليه و خادمات يرمقنه بعين الاستغاثه ، و نساء و فتيات ، شعور مرتفعه و عباءات !
صبيان و بنات ، كرنفال من البشر في تلك السيارة ، و خادمة آسيوية لا تزال تستنجد به بعينيها الذابلتين ، قلد شرود تلك الخادمة بشئ من المبالغة ، الأدهى انها لم تحرج او ربما لم تلاحظ ، فاستمرت في بحلقتها اللامتناهيه .. و جاء دور الاطفال ، فمنهم من أخرج له لسانه ، و منهم من صار ينظف انفه ! ![]()
و هو يقول في نفسه : كل هؤلاء النسوة في داخل السيارة ، ولا واحده منهم تجيد تربية هؤلاء الشياطين الصغار ! لاحظ في نفسه بداية ملل .. قرر القضاء عليه بالسرعه .. و لكن السيارة الضخمة تعيقه ،،
انتقل للحارة الثالثه ، فراغ .. سرعة ... انه مرتاح ، و المذياع يتعالى بأنغام غربية عنيفه ، لا يفهم منها شيئا ، سوى بعض الشتائم المحقونه في تلك الاغاني ، و تأتي امامه سيارة .. صغيرة .. حمراء .. يلاحظ قلب حب يزين كابينتها ، يرى شابا و فتاة بها ، يتبادلان النظرات كل حين ، و يتحدثان و يبدو عليهما انهما يتحدثان في شئ يهمهما هما الاثنان ..
فكلما قال كلمه ضحكت هي ، و نظر هو ليس الى وجهها !! بل اسفل من ذلك بكثير !
" ياااااه! أفقد الناس احساسهم هذه الايام ! اليس هناك من مكان انسب لفعل هذه الاشياء سوى سيارة متحركة في وسط الطريق !!
اخذ يطلق ابواق طويلة مزعجه .. " لعلهم يحسون" .. ابواق ابواق متلاحقة .. لاحظ انزعاجهم ، ابتسم ابتسامه شامته و عريضه بينما كان السائق الآخر ينظر في المراية إليه بنظرات حاقدة .. و التفتت الفتاة خلفها لترى ذلك الكائن المزعج .. و هو لا يزال مثبتا تلك الابتسامة الحقيرة على وجهه ، .." فعلتها " .. سازيد سرعتي و انتهي من هذا العذاب ، اكتفيت من هؤلاء المعتوهين على الطريق اليوم ! .
فجأة انتقل لآخر حارة ..
الحارة الرابعة .. لمح اثناء تجاوزه سيارة الحب تلك ... مولودا صغيرا يصرخ على فخذي الفتاة .. ![]()
مؤشر السرعه يتزايد .. دقات قلبه تزايد .. شتائم الأغنية زادت بشكل فاحش..
ولا يسكت تلك و تلك و تلك .. إلا سيارة مسرعه ... تسير عكس الاتجاه ، في الحارة الرابعة ..