مدونة حليمة محمد عبدالرحمن

انا صحفية سودانية. أحاول في كل منحي أن أجد لنفسي متلمسَا
صوتي المبحوح ولو همسَا

« | »

أدبيات سودانية... المواصلات في غناء البنات

   أنا يا حناني.. وأنا يا بلالي
قول للمسافر ليك عودة تاني
إنا ما كلمتو وأنا ما المتو
ده وليد السادة.. وده درب عجلتو..
ككل الأشياء ليس هناك تاريخ بعينه أو شاعرة لهذا الأغنية.. ولحسها النسوي: تعم الفائدة كل النساء في بلادي فيطلق عليها أغاني البنات. لست هنا بصدد الكلام عن الشعر أو بحوره , غيره لكنني يصدد تناول الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية الكامنة وراءه.. وذلك وصولاً لفهم المجتمع السوداني ..

 واضح انه كان في ذلك الرمان الغابر السودان يعيش انقي

الأجواء وان بيئته كانت تضاهي بيئة اليابان من حيث قلة استعمال المحروقات والضوضاء . كما أن الدراجة ارتبطت بفئة ترفل في النعيم . ورؤية اثر أي دراجة علي الأرض في المنطقة الفلانية، تنبئك بأنها دراجة فلان بن فلان الفلاني. للدراجة اثر وربما سجل مثلها مثل البصمة ، أو أن شاعرتنا من النساء المشهود لهن بالبراعة في اقتفاء الأثر ( الدرب ).
غير أن الوجه الآخر لوليد السادة، لا يبدو وجهاً طيباً حسب الأغنية، حيث يحتاج ذلك السيد الذي لم تسمه الأغنية، إلي قواعد وبروتوكولات لمخاطبته، وذلك لرقته وربما هشاشة بنيته والدليل من الأغنية عبارة: أنا ما كلمتو وأنا ما ألمتو. يعني سي السيد حنكوش من زمان!!! وان ظاهرة " الحنكشة في ال main road في جامعة الخرطوم ، ليست البداية وإنما هي امتداد لإرث ثقافي في الزمن الغابر. ذلك المين رود طيب الذكر الذي لم نكن ندخله إلا عند انقطاع التيار الكهربائي وفرار الحناكيش منه إلي جحور أخري.
مثل هذا السيد ينطبق عليه مقطع الشعر الذي يقول :
يا ستار علي زولن خليقتو دقاقة
يحفي من التري ويورد من الرقراقة
والتري في العامية السودانية هي الأرض المبتلة، والرقراقة هي الضوء الخفيف الذي يتسرب عبر سقف المنزل أو النافذة أو الراكوبة أو سقف المنزل الذي يوجد ضعف في بعض أجزائه .
أما المرأة التي يكثر أهلها أو زوجها من الاهتمام بها ، يقال إنهم أو انه يعملون لها في "يا زبيدة ما تموعي" والزبيدة تصغير لكلمة زبدة . و تموع بمعني تذوب. أي أنهم شديدو الحرص عليها، الأمر الذي قد تكون له انعكاسات سلبية. كما انها شديدة الهشاشة.
أغنية أخري، لا تستسمح العربة التي يقودها ، احد عامة الناس ، والتي يحاول بها الطلوع إلي سلم المجد الاجتماعي، إلا إن المغنية كانت له بالمرصاد وعارفة انه (شاديها) مستلفها :
سائق الهنتر وعامل فيها عنتر
بس لكن ما عنتر، دي حركات في دفتر .
يعني أن العربة ليست قدر المقام ، كما انه يبدو انه يخطط لكي ينضم إلي تلك الفئة، مظهراً وليس محتوي ، ولكن هيهات . " بعيد يا سما الما بتنطلع بسلم ." كما يقول المثل العامي.
الغريب أن البنات تغنين لمعظم وسائل المواصلات الحديثة و لكنهن لم يتنازلن للغناء للوسائل لوسائل النقل الجماعي ورديفاتها الوسائل التقليدية. ليس هناك ذكر للحمار أو الجمل أو الحصان أو الثور...الخ .
باستثناء القصيدة التي قيلت في رثاء موسي ود جلي ، فارس بني جرار . الذي قالت فيه شغبة المرغومابية :
يوم جانا الحصان مجلوب
وفوق ضهرو السرج مقلوب
ابكنو يا بنات حيي ووب .
ولا تنسي البنات وهن يتغنين للعربات ، من المرور بمحطات الوقود :
شل شل كب لي جالون
شل شل حسب القانون
الوابور جاز خلي يشتغل
الشغل بالجاز
خلي اللي يشتغل
ثم يصلن إلي ابدأ المعرفة ببعض أمور الصيانة وتحديد مناطق العطل وربما إصلاح العطب في أغنية أخري قد تفبرك لاحقاً :
وفي سنار
خلي اللي يشتغل
انحلج مسمار
خلي اللي يشتغل
انحلج مسمار
خلي اللي يشتغل
بطل العمال
ثم تأتي الفتيات ، إلي ذكر الماركات والتي يبدو أن لديهن إلمام كبير بالماركات اليابانية التي تتصدرها التويوتا. فتستعمل الكلاكسون أو البوري بالعامية السودانية، أداة للتنبيه وذلك كمدخل للأغنية
تايوتا تيت
مع الالتزام بتكرار صوت الكلاكسون :
تيت تيت تيت .

هذه الأغنية من أكثر الأغاني المستهلكة في رقصة العروس. ولها عند شل وتوتال وموبيل ، محطات الوقود المتعارف عليها في السودان، شأن كبير. والحمد لله أن العروس التي تقلد كل الحركات من قيادة إلي الوقوف عند المحطات المذكورة انفاً لا تقوم بإصدار صوت البوري من حلقها، و إلا لصادر للحدث حديث آخر. أما محطات توتال وشل فان الذهاب إليها يكون علي طول: لي موبيل نمشي طويل
ولي توتال عزة وراحة بال
أما أغنية المهيرة، وهي تصغير للمهرة وذلك للتمليح، فقد توارت كثيراً وصارت في معظم الأحيان تتخذ مدخلاً لاغاني أخري. كيف لا والزمن ليس زمن ( جياد ). ففي الوقت الذي كانت فيه جداتي يتغنين بالمهيرة :
المهيرة مهيرة السبق
يا الطيبك فاح بالحلة وعبق
يا أم كفيلاً صال وجال
يا ضميرا ً لف الشجار
الموت في شانك حلال
علي الرغم من عدم خلو الأبيات من الوصف الحسي، إلا إن ذلك كان شأن ذلك الزمان. ثم إن الأغنية في شاعرتها إمرأة تصف إمرأة جمال رصيفتها الاخري التي تعيش نفس الواقع الاجتماعي و ليس لها إلمام بالمفاهيم الحديثة من محاربة اضطهاد المرأة والعمل علي تقويتها، وذلك بتسليحها بالعلم والعمل والارتقاء بفهمها لوضعها الاجتماعي والدور الذي تلعبه والمنوط بها أدائه في المجتمع، والعمل علي محاربة اضطهاد المرأة مع المناداة بكامل الحقوق والحريات والأجر المتساوي للعمل المتساوي، تلك المطالب التي ينسب إلي تيار الفيمينيزم الريادة في رفعها.
هل يعقل أن توصف المرأة بتلك الصورة الكاريكاتورية ، كما فعلت رابطة حلمنتيش، وذلك حينما رأي احد أفرادها وكان طالباً في جامعة الخرطوم ، احدي الفتيات وقد غلب عليها النعاس في المكتبة:
يا سمحة لو تعبت عيونك امشي البركس وأجيب معاي المرتبة
وجوزين حمام ومخدة من ريش النعام .
وفاتني أن اذكر أنه ابتدر قصيدته تلك :
نعستي يا السمحة أم جضوم
يتجازي عاد دكتور فلان
تتهد كلية العلوم
دبابة تنزل فيها رف rough
وما تخلي عاد في الكيميا رف
وتلف هناك علي قسم النبات اهل التفف
في أي لاب أهديك من الأشواق قفف
وأرسل اسمك للجرايد والصحف
دكتورة من غير امتحان !!
لولا الطرفة التي تضمنتها الأبيات لما أوردناها. فالمقام ليس مقامها...
السؤال الذي نود طرحه، هو : لماذا الإهمال المتعمد لوسائل النقل الاخري ؟ تشير أصابع الاتهام إلي أن المدينة التي صارت هي الاخري ريفاً، هي مصدر هذه الأنماط الغنائية.

ودمتم...
نواصل...
حليـمة

تعليقات

Comment Icon

احترم جهدك المبذول في تعريفك للعالم ان حواء السودان ليست هي المكتوفه اليدين ولا هي الصامته اللسان بل هي لها لونها الخاص في شتى مناحي الحياه وان دل هذا يدل مدى ثقافتها وكذلك مشاركتك الرجل في كل مناحي الحياه

Arrow Icon الفاتح محمد عثمان | 13/06/2008, 10:15 [الرد]

Comment Icon

الاستازة حليمة
لكِ التحية و التجلة
تناولك لموضوع غناء البنات شيق و رشيق و لكن نحتاج منك إلي تشريح أعمق لجسم الموضوع و أنا أثق تماما في قدرتك علي ذلك

Arrow Icon خالد الصائغ | 04/07/2008, 17:25 [الرد]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba