مدونة حليمة محمد عبدالرحمن

انا صحفية سودانية. أحاول في كل منحي أن أجد لنفسي متلمسَا
صوتي المبحوح ولو همسَا

« | »

في قبضة جهاز المغتربين... انا التي درست ابنة الجيران!!

حشرت نفسي حشراً بين الجموع الواقفة في أحد المكاتب الضيقة بجهاز شؤون المغتربين بالخرطوم . لم يكن هناك عدد كاف من المقاعد للجلوس. كان الجميع وقوفاً ، باستثناء واحد أو اثنين فضلوا الجلوس على كرسيين متكآكليين والمتابعة بعين نصف مغمضة أو متظاهرين بالتحليق في ملكوت الله حتى إشعار آخر ..
المهم كانت التجربة جديدة عليَّ لذلك شربت المقلب ..!!
وقفت أمام الموظف وقلبي يخفق بشدة .. وكان صوت حنجرتي وهي تكركر نزولا وصعوداً عند ابتلاع ريقي مسموعاً ..

اللهم جيب العواقب سليمة وجنبنا أولاد الـ....... دعوت في سري .
- عندك بكالوريوس ؟
- ايوة .

- بس ؟
- لا عندي دبلوم ترجمة ؟
- يعني دراسات عليا ؟
صمتُ ولم أحرك ساكناً . لم يحدث قط أن صنفت دبلومي المتواضع بين الدراسات العليا . بل اعتبرته زيادة في لقمة العيش أتحفني بها رب عملي , " ووقعت لي فوق جرح "، خاصة وان بكالوريوس اللغة الفرنسية، طلع لي " خازوق " في سوق العمالة السودانية .
- طيب نشوف .
إلا إن تلك " الطيب " لم تنزل عليَّ برداً وسلاماً . اجتهد موظف الضرائب بجهاز المغتربين في استنباط وظائف عديدة يفترض أنني اشغلها بناءً علي المعلومات السابقة التي استخلصها مني ، لغبائي الشديد، بكل بساطة .
حوقلت وبسملت وقلت في نفسي : " الراجل دا كتر لي الأسئلة كدي مالو ؟ "
عاد الموظف مرة أخرى إلى الأسئلة ..
- اسمعي شغالة شنو ؟
- أ نا ؟؟ ما شغالة أي حاجة ؟؟ أبدا .. والله ما شغالة .. !!
أقسمت و أغلظت في القسم علي الرغم من أنه لم يطلب مني ذلك ..
يبدو أن الرجل كان يجيد تنفيذ المهام الملقاة علي عاتقه . كما أن معايير قسمه تختلف عن معاييري علي الرغم من وحدة المحصلة . يعرف هو كيف ينفذ القسم بطريقته السادية .. رمق المصحف الموضوع يمينه فوق الطاولة والتفت إلى الآية المعلقة على الحائط خلفه .. ثم ابتسم ..
ارتعدت فرائصي " ونقز الفأر في عبي " كما يقولون .. الله يكضب الشينة ..
وعملاً بالـ" فيك بادر بيهو ".. أسرعت إلى توضيح موقفي المالي وإزالة كل شوائب قد تعلق به ..
- ياخي اسمع والله العظيم أنا مع شغالة .. بس أنا احتفظت بالمهنة في الجواز ساكت عشان ما كل مرة أغيرها لو اشتغلت .. واحلف صادقة بأنني طيلة السنة الماضية درست بت الجيران ستة شهور وأدوني 300 ريال بس .. علي العموم أنا بحلف صادقة علي الشي الحصل ..
- يعني كنت شغالة ؟
- والله ما اشترطت عليهم يدوني قروش،  بس هم براهم ادوني المبلغ دا كهدية وأنا ذاتي ما كنت بمشي ليهم في بيتهم..بعدين هم ذاتهم سودانيين زيي .. كانت مجرد مساعدة ليهم وأنا ذاتي اتفاجأت ..

وبس ..!!

وأوشكت أن أخبره ان المبلغ الضئيل كان مفاجأة شديدة الوقع عليَّ خاصة وأنني- في انتظارها - شيدت قصوراً من الآمال .. لكنني لم افعل ..
شددت علي عبارة " الاخوة سودانيين " الأخيرة في محاولة مني مخاطبة الجانب الإنساني فيه وصولاً إلى تعاطفه معي .. إلا انه يبدو أن لا حياة لمن تنادي ، وأحسست أنني كمن ينفخ في قربة " مقدودة "..
- احلفي .. ختي أيدك هنا ..
إن التشديد والانتشاء اللذين نطق بهما كلمة (هنا)، وهو يرفع يده ويضعها مبسوطة علي المصحف ، أوحت لي بأن ذلك الرجل يعتبرني صيدًا ثميناً ستتحول أصفار مبلغه الاثنين إلى ثلاثة ، على أقل تقدير ، في اللحظة التي أضع فيها يدي على المصحف .. غير أنني خيبت أمله .. وضعت يدي علي المصحف مقسمة بالمائة والأربعة عشر سورة مجتمعة أنني لم أكسب طيلة ذلك العام أكثر من المبلغ المذكور أعلاه .. علماً بأن كل شروط الاتفاق المسبق الذي يدل علي وقوع عمل ، لم تحدث مع جارتي التي جعلتني أضرب أخماسًا بأسداس أفكر في مجموع الهدايا التي اشتريها لنفسي ولأقاربي . ويبدو أن المرأة كانت متفهمة تماماً لنفسية المغتربات العاطلات عن العمل حيث دأبت هي الأخرى علي تذكيري الدائم بأنها لن تقصر معي وأنها ستحضر لي طلاباَ آخرين . " وقعتي فيَّ ولا لا والله تاني راسك دا ما تقدري تحكيهو من كترة الشغل . "
نصحتني إحدى الأخوات بألا اجتهد كثيرًا معها لعواقبه الوخيمة .. " شوفي كان بتها نجحت ما بتجيب ليك أي زول عشان تحظى باهتمامك الكامل . " وفعلا صدق حدسها .. لم تكتف " بتطنيش " استفساراتي العديدة عن الزبائن المنتظرين وإنما تمخض جبل عطاياها الموعودة " نطفة " فأر ، ليجعل من قيمة مجهودي ريالان ونصف فقط لا غير للستين دقيقة .
انحني الرجل وبدأ يعدد في مهن مزعومة : تدريس ، ترجمة ، وأعمال أخرى .. !!
لم تنفع توسلاتي .. ثم زمجرتي وزئيري .. كيف لا والحكاية فيها دفع وبالعملة الصعبة ، إضافة إلى تكلفة مستلزماتها .. فتحت علي نفسي باباً من أبواب جهنم ..
أمام خانة المهنة وضع الموظف عبارة عامل، ترفقا بي.. ضحكت في سري، ثم انطلقت منى ضحكة قصيرة غصبا عني .. كيف لا وانا عامل اعمل في مجال الترجمة!!. لم يتوان الموظف سيعد الحظ، في أن يجعل الجهة المخدمة هي السعودية دون مراجعة البيانات الموجودة في وثيقة سفري .. طبعا من يراجع اخطائه وينصفني؟؟

وقد كان..لم تشفع توسلاتي .. طلب مني الذهاب ومتابعة الإجراءات .. وأردف قائلاً : كان ما عاجبك امشي للمدير .. شوفي والله كان اشتغلتي (حَنـَّانة) وكسبتي عشرين ريال نلحقك ناخد حقنا منك .. " آل حقهم آل ".. !!
برطمت "هو كان أنا اشتغلت حَنَّانة في كوفير ولا في واحدة من الحدائق كان دا حالي كدي "..
عندما أدركت مدي فشلي وأن الفأس وقعت في الرأس " قررت أن أفش غلي
قبل خروجي .. أقسمت له بأنني لو استقبلت ما استدبرت من أمري ، ولو علمت أن الصدق سيجر علي مثل هذه المتاعب لما توانيت لحظة واحدة في تنفيذ القسم دون أن   يطرف لي جفن ، بأنني لم ولن أعمل قط ..
تكرر نفس السيناريو مع المدير الذي لم تجدِ محاولاتي المستميتة معه شيئاً .. أصر هو الآخر بأن الموظف كان يقوم بواجبه بناء علي المعلومات التي أدليت بها حِـرت هل أضحك أم أبكي .. دخلت مبني تأشيرة المغتربين ربة منزل في الواقع المعاش لاخرج منه امرأة مهمة تحمل مهنتين موضحتين وأخريات محتملات وجيب خالي الوفاض ..
أنا مهمة ..

انتفخت، ثم زدت في الانتفاخ 

وانتشيت وشققت طريقي إلى صف البطاقة .. !!
عزيت النفس بان " الجاتك في مالك سامحتك "..
ولكي لا تسقط تأشيرة دخولي إلى المملكة، خاصة وأن المدارس علي الأبواب .. لم يكن أمامي سوي متابعة الإجراءات التي بدأت بأستوديو التصوير واستخراج البطاقة الضريبية ثم المرور بالبنك لشراء القيمة المقابلة بالعملة الصعبة عن فئتي العمالية والبالغ قدرها 137 ريالاً سعودياً من مجموع مكافآتي البالغ قدرها 300 ريال ..
ولا يخفي علي أحد أن البطاقة الضريبية وملحقاتها مضافاً إليها ضريبة فئتي العمالية تجاوزت مبلغي طيب الذكر .. وما زلت أدفع سنوياً ...
جهاز شؤون المغتربين ، كان يضع لافتة عند المدخل كتب عليها "انتم سفراء بلادكم".. بحيث إن المغترب يعطيها ظهره عند دخوله دون أن يلحظها .. لتحظى بسبه وسخطه عندما يواجهها وهو خارج خالي الوفاض ، آخر النهار .. خيراً فعل عندما قام بنزعها ..
ما زلت أردد منذ أربع سنوات عبارة أنني التي درست بنت الجيران " ولا حياة لمن تنادي .. حتى أنني فكرت في كتابة القصة وإرفا قها للمسئولين عند طلب التأشيرة أو تجديد الجواز .. ولعل ملاحظة إحدى الموظفات في الضرائب أبدتها لي وضاعف تأثيرها في لهجتها المتشككة : طيب لما انتي ما شغالة محتفظة بالمهنة ليه وبتدفعي رسوم علي تجديد الجواز ليه ..؟؟ كانت نقطة تحول في تفكيري .. !!
كانت المرأة علي حق .. الحمد لله الجات منكم..
ماذا جنيت من مهنة الصحافة التي لم تطعم فمي ؟ بل صارت بند استهلاكي ثابت تمتلك حق الإقامة الدائم في جيبي.. !!
لك يا منازل في القلوب منازل .. وعلي رأي المثل السوداني"القلب ووكتين يعشق لِكة" -أي لا يعرف لغة.
وللسلطة الرابعة منزلة عظيمة في النفس .. يدفعني جهاز المغتربين دفعاً إلى الترجل عنها وامتهان " المطبخ "
" ما كلو ببدأ من التُـكـُل .".!!
كيف لا وفي زماننا صارت الضرائب تجبي من أصحاب عربات الكارو ، ومن لا يدفع تنزع عنه عربته ويترك له الحمار .. بند صرف هو الآخر .. وصار للزكاة كذلك حد أدني .. !!
عجبي !!
لك يا منازل في " القلب المحرور والمتآكل " منازل .. !!
ودمتم سالمين ..

حاشية: زادت ضرائب الثلاثمائة ريال وقفزت الى 667 ريالا
َبالتمام والكمال.. والمغالطني.. الورق بحوزتي..

عجبي مثنى وثلاث ورباع، واوصاف اخرى في طور الاستيلاد..

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba