10 كانون اول, 2007
حليمة محمد عبد الرحمن
يشهد المجتمع السعودي تطورات وتغيرات واسعة في مجالات عديدة، خاصة في المجالات الثقافية والاجتماعية.. ومن الموضوعات التي برزت في الساحة مؤخراً موضوع السينما.
ما مدي تقبل المجتمع لفتح دور السينما؟ وهل السينما وسيلة ثقافية واجتماعية وتربوية وأداة تثقيفية "قابلة للانضباط"؟ وما مدى أهميتها لفئات المجتمع السعودي؟ لماذا تعثرت البدايات السينمائية في كل من جدة والرياض؟ هل بدائل السينما كالتلفزيون والقنوات الفضائية كافية أم أن الأمر يحتاج إلى مراجعة؟
للإجابة علي هذه الأسئلة، أجرت"سيدتي" عددا من اللقاءات تعكس آراء مختلفة حول وجود السينما كصرح ثقافي جديد وحاولنا من خلال هذه اللقاءات التعرف إلى أهمية السينما بالنسبة للمجتمع السعودي، وكيف أن تعثر البدايات السينمائية وبالتالي غياب السينما، يتخذه بعض ضعاف النفوس ذريعة لتنشيط نوع آخر من أنواع التجارة "الإباحية"، كما حدث مؤخراً لولا يقظة ولاة الأمر...
يجب أن نتطور..
هيام الكيلاني المخرجة التلفزيونية السعودية و مديرة البرامج المحلية بالقناة الثانية، بالتلفزيون السعودي، تحدثت عن السينما قائلة: "السينما ليست ذلك الشيطان الرجيم، وإنما هي صوت وصورة مثلها مثل التلفزيون. العالم يعيش في حالة حركة مستمرة. تطورت لغة العصر وأدواته التعبيرية يجب أن نتطور معها." وتضيف هيام أن السينما وسيلة ترفيهية وثقافية، يمكن توظيفها من خلال اختيار النوعية الجيدة من الأفلام سواء كانت عربية أو أجنبية. وتشير هيام الى الجانب التربوي للسينما قائلة: "إن الذهاب إلى دور السينما يساعد في غرس المفاهيم التربوية الجديدة في نفوس الصغار. فجلوس الطفل في مكانه والتزامه الصمت عند بدء الفيلم، يعتبر نوعاً من أنواع التربية. كما أنها تعلم الإنسان التفاعل مع الآخرين فعدوى الضحك في المشهد الكوميدي، تسري إلى الجميع، وهذا النوع من التفاعل، يعد من أرقى الأنماط التربوية والترفيهية، ومن المعروف أن التلفزيون يفتقد هذه الخاصية."
وأوضحت الكيلاني أن هناك إحصائية حديثة، تفترض ان 66% من السكان في السعودية شباب. مما يستدعي مناشدة كافة الاختصاصيين في العلوم الإنسانية المسارعة إلى وضع برامج مبسطة و بلغة عصرية تفيد الشباب وتكون حلقة للتواصل "بين جيلي القرن العشرين والحادي والعشرين.".
وفي ذات الخصوص، تطرقت الكيلاني إلى رسالة السينما في المجتمع قائلة:" السينما رسالة قوية جداً. خلافاً للقنوات الفضائية فالفيلم وثيقة دائمة. فإذا كانت السينما لا تختلف كثيراً عن التلفزيون من حيث الشكل والمحتوي، إذاً لماذا يسمح للتلفزيون بعرض برامجه وترفض السينما ؟"وترىالكيلاني أن تكون السينما في البداية تحت رعاية الدولة وذلك لطمأنة التيارات وأصحاب الرؤى الفكرية المختلفة و"ذلك حتى نطمئن إلى مقدرتنا على التعايش مع أنفسنا ومع الآخرين،"
مقومات السينما السعودية..
تعد هيفاء المنصور أول امرأة سعودية تعمل في مجال السينما وأخرجت العديد من الأفلام السينمائية القصيرة، باستخدام التقنية الرقمية، من أشهر أفلامها فيلمي: "من؟" و"أنا والآخر" وقد شاركت في العديد من المهرجانات الإقليمية والدولية..
في سؤال وجهته لها "سيدتي "عن جدوى اشتغالها في الإخراج السينمائي بينما لا توجد دور عرض في السعودية لعرض أفلامها، ردت قائلة: " إن رؤية أفلامي حبيسة العلب، في وطني لا يزعجني أبدا. أعرف أن السينما لا تزال غير مألوفة في السعودية ، ونحن، و بوصفنا سينمائيين مطالبون بالتمهيد لها وإعداد أنفسنا جيداً للمنافسة، حتى تحتل السينما السعودية مكاناً مرموقاً، بجانب الفنون الأخرى.."
ثم أضافت : " ولكنني رغم ذلك أتمنى أن أرى أفلاما سعودية تشكل تياراً سينمائياً يفرض نفسه على الجمهور سواء في وجود دور سينما أو عدمه."
وتؤكد هيفاء المنصور على أهمية الحديث عن السينما السعودية قبل التطرق إلى دور السينما قائلة.
"أنتم الآن تتحدثون عن دور عرض و ليس عن السينما كثقافة. يجب دعم السينما السعودية المستقلة ونشر جو سينمائي قبل المطالبة بنوعية دور العرض.. فلا طائل من دور سينما تم فتحها لتعرض أخر أفلام هوليود فقط .." وأضافت :على الرغم من قناعتي التامة بان وجود دور العرض لا يسهم في نشأة سينما سعودية، إلا إن الحديث عن دور العرض يختلف عن الحديث عن السينما كوسيلة ثقافية" وأكدت على وجوب توفير الجو السينمائي قبل المطالبة بدور العرض. لكنها استدركت في سياق حديثها على أهمية دور العرض في تنمية السينما المحلية قائلة:"إن وجود دور العرض يساهم في بناء السينما المحلية حيث إن ارتياد مثل تلك الدور يعود بربح مادي على صانعي الأفلام و يمكنهم من مواصلة إنتاج أفلام أخرى.
وأضافت أن وجود دور عرض يساعد على انتشار الفيلم جماهيريا وهو أيضا، دليل على وجود صناعة السينما ..
ولكنها استنكرت أن يكون غياب دور العرض في الوقت الراهن، مبرراً لتجاهل السينما كأداة فنية راقية.
الصورة الحقيقية عن المجتمع..
تتناول المنصور تجربتها في الإخراج السينمائي دون أن تتاح لها فرصة العرض، وتستنكر الاتهام الموجه لها بأن البعض يتهمها بأنها تلعب دور المتحدثة عن المجتمع السعودي دون أن تجرؤ علي مخاطبته مباشرة، قائلة: "تساءل كثيرون عن جدوى عملي بالإخراج السينمائي في الوقت الذي لا تتوفر فيه دور عرض في بلدي. لكني مثلي مثل أي سينمائي آخر، في أي مكان من العالم، بدأت بأفلام قصيرة تعرض في المهرجانات السينمائية،إلى المختصين للمختصين حتى اثبت وجودي وأشجع المنتجين علي دعمي.. والحمد لله أن شركة كبيرة مثل روتانا تقدم لي الدعم الآن." وتؤكد هيفاء المنصور علي أن مخاطبة المجتمع السعودي هو شغلها الشاغل "بدليل أن هناك دلالات لا يفهمها ولا يشعر بها إلا من يعيش في هذا المجتمع ويعرف خباياه" وأنها حريصة كل الحرص على تقديم صورة غير مكررة عنه.
القوالب السينمائية الجاهزة..
رداً علي سؤال عن أي أنواع السينما تفضل ، أوضحت المنصور أن السينما رافد ثقافي مرغوب و مطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى وإنها ترفض تقديم قوالب ترفيهية أو تثقيفية جاهزة لتصنيف البدايات السينمائية ثم أردفت قائلة :السينما أداة فنية يطوعها السينمائي في الشكل الذي يراه مناسبا وأتمنى أن تكون السينما السعودية أكثر وعيا بالقضايا الاجتماعية الهامة، بدلاً عن تخصيص أفلام لتناول قضايا النساء أو الرجال فقط، فالهم العام يجمع الجميع .
الاستياء من الفضائيات..
الإعلامية نجاة عبد العزيز الوحيشي، بإذاعة الرياض تحدثت رأيها في السينما قائلة:"أنا مع الإسراع بفتح دور السينما لأنني شديدة الاستياء من الفضائيات، التي دخلت بيوتنا دون استئذان منا وبدأت تفرض علينا بضاعتها." !
وحول الفرق بين السينما والفضائيات تتابع قائلة: إن السينما تكفل لي اختيار الوقت المناسب لارتيادها ونوعية المواضيع المطروحة فيها، وهي ارحم من كثير من الفضائيات وإن الإسراع بفتحها يعتبر حلاً جذرياً لكثير من الفضائيات العربية والأجنبية. غير أنها اشترطت وجود الرقابة السينمائية وأضافت أنها تفضل أن تكون السينما تحت رقابة الدولة وذلك لتفويت الفرصة علي "تجار الأفكار،" كما تصف مستوردي الأفلام.
فكرة جديدة: لماذا لا نناقش الفيلم السينمائي كما ننقاش الكتب؟..
وتضيف الوحيشي "لابد من مرحلية السينما والبدء بسينما الأطفال لأنها مفقودة. حتى نربي جيلا جديدا على سينما هادفة،".
ثم أكملت حديثها عن الاهتمام بفئة الشباب أولاً حتى نتلافى نسبة المخاطر الكبيرة التي قد تتعرض لها هذه الفئة خاصة في سن المراهقة قائلة: "يجب ملء فراغهم بأشياء مفيدة، بدلاً عن التفحيط في الشوارع ."
نجاة ترى ايضا ضرورة عدم خلط دور سينما للنساء والأطفال في آن واحد فحسب وجهة نظرها فالمواضيع التي تصلح للكبار بالتأكيد لا تصلح للصغار، مع ضرورة البعد عن الوعظ والإرشاد في اختيار نوعية الأفلام والبدء بالسينما الترفيهية والتثقيفية.
و ردا علي سؤال عن رأيها حول كيفية توفير حول دور العرض قالت: يجب أن نستفيد في البداية من المراكز الاجتماعية الموجودة كمركز الأمير سلمان ومكتبة الملك عبد العزيز التثقيفية..الخ. من خلال مجلتكم أنادى بفكرة تطبيق تجربة الصالونات الأدبية أو نادي الكتاب ، فبدلاً عن الكتاب الشهري يكون هناك الفيلم الأسبوعي الذي تقوم السيدات بالتعقيب عليه بعد مشاهدته و"بهذه الطريقة يمكن للأمهات الاطمئنان علي نوعية الأفلام المعروضة واصطحاب أطفالهن معهن،" .
وأكدت علي أهمية استغلال كل الوسائل المتاحة لتثقيف شرائح المجتمع، بما فيها السينما كإحدى الوسائل المتاحة ."سيداهمنا الوقت إن لم نمسك بناصيتيه، لابد من تمرير وسائل تربوية نافعة."
وتستطرد الوحيشي أن حضور المرأة الحالي في السينما في الغالب سلبي و لا يعكس صورتها الحالية وتتساءل قائلة :"لماذا لا تعكس صورة الطبيبة والأكاديمية وربان الطائرة و الكادحة الفقيرة..إلخ. و في نفس الوقت يجب تجنيد كل الوسائل الإعلامية المتاحة لإيصال الرسالة الإعلامية لكل الناس مع ضمان جذب الناس وذلك بالبعد عن الخطاب الإعلامي المباشر.
وختمت حديثها بأنه في حالة فتح دور سينما للأطفال، فالأفضل أن تكون ضمن النشاط الدراسي اليومي.
أساليب الدعاية
فردوس أبو القاسم قاصة و كاتبة صحافية، تناولت الكيفية التي يجب أن تتناول بها السينما بعض المواضيع الاجتماعية قائلة: "هناك أولويات. يجب التركيز عليها مثل عقل المرأة وليس جسدها، كذلك عكس الصورة الحقيقية للمرأة السعودية. والابتعاد عن الروتين والقوالب المستهلكة السابقة في معالجة المشاكل الاجتماعية."
أما عن انسب أوقات العروض السينمائية، ترى فردوس أن العطلات الرسمية وعطلات نهاية الأسبوع هي في تقديرها أنسب الأوقات وذلك حتى تكون الحصيلة اكبر و"استطيع اصطحاب أطفالي معي كما افعل في المناسبات الأخرى ."
وتؤمن فردوس على ما طرحته الوحيشي بقولها:" أتمنىأن نبدأ بصناعة سينما الأطفال حتى نستطيع طرح مشاكل الأطفال بكل صراحة، فهم نصف الحاضر وكل المستقبل.
وفي نفس الوقت أكدت علىأهمية تكثيف النشاط المسرحي، وعلي وجه الخصوص مسرح الطفل المدرسي، وذلك حتى يكون لدي الطفل الدافع الكبير لإبراز إمكانياته أكثر وصقل مهاراته وتنميتها. "وذلك لما للمسرح من قوة ثقافية فكون المسرح "أبو الفنون" كما يقولون لم تأتِ من فراغ.""
ماذا تقول السيدات من خارج قطاع الاعلام والفنون؟
مجتمعنا متماسك
حصة الصالح –موظفة-"دخول السينما لن يكون له تأثير سلبي في سلوكيات الأفراد.."
وذلك إجابة علي السؤال عما إذا كان هناك جديد يتوقع من السينما أن تضيفه إلى قطاعات المجتمع؟
وأضافت تقول: هناك وسائل ترفيهية كثيرة وافدة، وان العبرة بالكيفية التي تستخدم بها السينما ولا اعتقد أن المجتمع السعودي الذي يحافظ على تمسكه بعاداته وتقاليده يغيره دخول السينما إليه."
منال الرواف (28 سنة، ربة منزل) والتي التقينا بها في احد المراكز الصحية، أكدت ما ذهبت إليه حصة الصالح من نفي التأثير السلبي للسينما على المجتمع وقالت:" لو كان الأمر كذلك لكانت الفضائيات العربية والأجنبية، قد عاثت فساداً، كبيراً في المجتمع."
أضمن من الفضائيات
نورة العبد الله (35سنة، ربة منزل) تحدثت إلي سيدتي قائلة: بيتي ممتلئ بكل أدوات الترفيه من فيديو وديجيتال وخلافه، ولم تغير فينا شيئاً، لذلك لا اعتقد أن دخول السينما قد يكون له تأثير سلبي بالعكس قد تكون أفضل حالاً.. . علي الأقل حينما أذهب إليها، مع أسرتي، أضمن أن بعض اللقطات المحرجة تنقصها."
وأعربت عن شكواها قائلة: نحن أمهات الشباب نعاني كثيراً.. فهم إما يمضون الوقت في السهر او يتسابقون بالسيارات أو يتسكعون في الأسواق.
كيف ولماذا تعثرت بدايات السينما في السعودية؟
ما هي اسباب فشل البدايات السينمائية التي ظهرت في جدةوحي المربع بالرياض وذلك في مطلع الستين والثمانين من القرن الماضي؟ طرحنا هذا السؤال علي فئات لا تنتمي إلى العمل الإعلامي أو السينمائي حتى نتعرف على البدايات المتعثرة ، وكمقارنة بين آراء العامة من المجتمع والآراء المتخصصة المنشورة في دوريات أخري وجدنا أن الوعي السينمائي عالي جداً كما في اللقاءات التالية.
يعزو علي الحسني الغامدي – 36 سنة، موظف - أسباب توقف العروض السينمائية في حي المربع، إلى الفوضى في جلب و توزيع الأفلام من المصدر مباشرة دون مرورها بأي نوع من أنواع الرقابة الفنية، خلافاً للوضع السائد في العادة، كما وصفها.
وأضاف أن الكيفية التي كانت تراقب بها الشوارع بغرض التبليغ عن الحملات المناهضة التي كانت تشنها آنذاك، بعض "الجماعات الدينية"، كانت من بين العوامل التي كرَّسَتْ لمفهوم الخطأ وجعلت المجتمع يعجل بإصدار "قراره" الصارم بمنعها نهائياً."
وختم الغامدي حديثه بأن غياب السينما حتى مطلع الثمانين فتح الباب على مصراعيه أمام "أدوات الأذى،" في إشارة إلى بعض القنوات الفضائية وأشرطة الفيديو.
عبد الله حامد الفيهد- 40سنة، موظف- لم يكن راغباً في البداية في الحديث عن موضوع السينما والذي وصفه بـ"الموضوع الحساس"و أرجع السبب إلى "عدم غياب سلطة الدولة في موضوع السينما،".
الا انه يستدرك قائلاً: " إن سبب اختفاء تلك الدور البدائية يعود إلى الموقف الاجتماعي المعادي للسينما والذي عززه الشراهة المادية، للمشتغلين بها. " فبعض الذين قاموا بتنفيذ الفكرة تعجلوا الربح المادي السريع، ولم يهتموا بمحتوي الأفلام كثيرا.
تجارة الأفلام الرديئة
يبدو أن غياب السينما كرافد ترفيهي وثقافي فتح الباب علي مصراعيه. ، أمام أشرطة الفيديو والأقراص المدمجة والتي تبعتها بدورها بدائل أنواع أخرى من أنواع القرصنة الجوية" من الفضائيات العربية والأجنبية. مما دفع ببعض الجهات الرسمية كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشرطة منطقة الرياض إلي تكثيف حملاتهما.
ففي الآونة الأخيرة أسفرت الحملة التي شنتها شرطة منطقة الرياض عن مصادرة أ(500) ألف من أشرطة الـ (سي دي) والفيديو المخلة بالآداب في مستودعين يديرهما وافدون
وفي تطورات سابقة ضبطت شرطة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في شهر يوليو الماضي، ثلاثة آلاف شريط إباحي في شرق المملكة، واعتقلت ثلاثة وافدين هنود كانوا يؤجرونها. كما أن الشرطة ضبطت أيضًا ستة أجهزة التقاط وعشرين جهاز فيديو وعشرين جهاز تليفزيون، كان الجناة الأجانب يستخدمونها لتسجيل الأفلام الإباحية من بعض الشبكات الفضائية الأجنبية، وكانت السلطات السعودية صادرت في إبريل الماضي عشرة آلاف فيلم وأوقفت ستة وافدين من بنغلادش كانوا يتاجرون في هذا النوع من الأفلام
نشرت بمجلة سيدتي عام 2005*