صحفية سودانية متخصصة في صحافة المواطن والويب 2.0. خبيرة في ادارة المواقع الالكترونية . مهتمة بتمكين النساء والفئات المستضعفة في المجتمع عبر ترسيخ اهمية تعليم المراة وازالة اميتها وتمكينها من بناء مستقبلها المهني واستقلالها الاقتصادي، اضافة الى الدعوة للعمل على توفير بيئات افضل للاطفال تمكنهم من بناء مستقبلهم المهني والمشاركة في تنمية مجتمعاتهم.

« | »

ثلاثة وجوه من الماضي البعيد تغزو ذاكرتي بقوة

دياسبورا ... دياسبورا..دياسبورا
 

الوجه الأول:

مام سو فال.. سنغالية التقيت بها في شتاء 1987 في منطقة بيرينيه في الحدود الأسبانية مع فرنسا.. تزحلقنا علي الجليد.. ضحكنا.. ومرحنا وتصادقنا ..
مام من الإفريقيات القلائل اللائي يحملن هموم إفريقيا أينما حللن. تعشق الموسيقي والرقص الإفريقي وسنغور وشيخ حميدو كان ومريام با.. والطيب صالح. تلبس البؤبؤ كلما تسنت لها الفرصة للتعريف ببلدها.. وتأتزر البنطال لزوم ركوب المترو والبص السريع
كنا نتحلق حولها جميعنا .. من السودان.. من بوركينا فاسو.. من بنين .. من السنغال ... الخ .. وكنت ارجز لها:
مام يا بنت خال .
.
مام سمحة الخصال .
مام سماحة موش بطال
.
فكانت تضحك سعيدة رغم جهلها التام باللغة العربية..

 

زرتها في باريس الأيام الأخيرة لسنتي الدراسية وامضيت معها ثلاثة أيام في المدينة الجامعية، فأهدتني بؤبؤاً (زيها القومي) فوجدت أمي فيه ضالتها المنشودة.. شاركتني لبسه في اغلب الأحيان..

والله آ بتي الجلابية دي ساقطة خلاس.. أكان بتخليها لي حاجة تمام..

وكنت احمد الله أنها لم تختم عبارتها بكلمة عفيت منك والا لأصبح التنازل لازماً وضرورة يقتضيها الحصول التمتع بشعورها الأخير تجاهي.. لذا تشاركنا سقط الجلابية وذكري مام العزيزة ..

 

كانت مام إفريقيا بكل سحناتها ولهجاتها والسنتها المستغرب والمستعرب والمغرق في المحلية اختا عزيزة وددت لو ان الايام تكرمت بان تمطت وتمطت ثم اضافت اربعة وعشرين ساعة الى اخري الى يومها المعتاد، حتى استمتع بالحديث الى مام.. ابنة الخال

....
الوجه الثاني:

محمد بيلو أو مامدو بيلومن جمهورية افريقيا الوسطى.. ..
للغة الفرنسية تأثيرها الغريب علي عوجة الأسماء والألسن والمشارب..فحرف الحاء لا ينطق في الفرنسية وان نطق فهو فحيح.. بقدرة قادرة تحول اسم محمدُ إلي مامدو..وفهم الرجل الثقافة العربية، ومتطلبات الفرنسية ولم يعترض علي انه صار محمد في السودان ومامدو وسط زملائه الأفارقة الفرانكفونيين

.
محمد بيلو كان قنصل جمهورية أفريقيا الوسطي، حينما كانت لها سفارة بالخرطوم، قبل أن يقلص السودان التعورب(نسبة إلي العرب) ويفك الحظر عنه قليلاً. وذلك حينما رفض السماح لطائرة من أفريقيا الوسطي بالمرور عبر أجوائه الرسمية في طريقها إلي الأراضي المحتلة تحمل شخصية رسمية هامة.

 

رفض السودان ، في اواخر الثمانينات، السماح لها بالمرور في الوقت الذي سمحت لها القاهرة بالمرور ليتضح فيما بعد أن الشخصية الرسمية كانت رئيس الجمهورية بشحمه ولحمه.. بالطبع ساءات العلاقات بين البلدين وقررت أفريقيا الوسطي تقليص سفارتها إلي ممثل لها، خصصت له مكتباً في احدي السفارات يدير منه شئون بلده

.
تزوج بيلو من سودانية وأنجب منها أبناء اذكر منهم سارة وخالد .. إلا أن معرفة بيلو بالعربية كانت وبالاً عليه، حيث جعلته لصيقاً ببلد واحد أكثر من عشر سنوات. ثم رقي إلي درجة وزير للشئون العربية.. كان آخر عهدي به بداية التسعينات..

ما يميز بيلو رغبته الشديدة في أن يتعلم أبنائه اللغة العربية ويجيدونها إجادة تامة. وكان يضحك ويقول: أنا أسحح أخطائي في العربية من ابنتي السغيرة سارة .
تري هل تعفيهم الثقافة الفرنسية من تعقيداتها .. أم تفرض عليهم سطوتها ليصير خالد كالدون مامدو بيلو بدلاً عن خالد محمد بيلو ؟ قلبي يحدثني ان بيلو ما زال يذكر تلك السودانية وان تقطعت سبل التواصل بينهما..


الوجه الثالث :

خديجة بنت طايع الله.. لن أقول كيف أن الثقافة الثقافة الفرنسية عملت عمايلها في بطاقتها الشخصية او الي من أرجعتها إلي لتصير.. مدموازيل بنت..
خديجة ابنة احد المهاجرين الجزائريين .. ولدت في فرنسا، ولم تر الجزائر، تجيد الفرنسية إجادة ولا تعرف من اللغة العربية غير كلمة بسم الله الرحمن الرحيم.

 

 تسمع القران باستمرار ولا تفقه منه شيئاً.. تصوم رمضان ثلاثين يوماً بالتمام والكمال ولا تعرف انه مصرح لها بالإفطار في أيام معينة من الشهر.. وتفطر لأنها تنوي وضع بعض الميك أب لزوم اجراء معاينة عمل!!

خديجة لم تكن تفهم أن الأول مباح وان الثاني محرم الإفطار له.. لا تأكل الخنزير من حيث المبدأ الإسلامي ولا ترفض أكل الفطيسة، من حيث نفس المبدأ.. وجدنا صعوبة في حملها علي تصديقنا.. صحيح أن بعض المسلمين حللوا أكل الذبيحة التي لم تذبح حسب الطريقة الإسلامية وذلك تحت بند فقه الضرورة.. وقالوا أن النطق بكلمة بسم الله الرحمن الرحيم والله اكبر قبل الشروع في الأكل الموضوع أمامك تكفي لتحليله.. فأكلوا وأكلنا والذنب عليهم إن صح بطلان الفتوى..

كنت اتناول افطار رمضان مع خديجة وفتاة تركية اخرى تدعى عايشة..فرقتنا الجغرافية وجمعنا الاسلام وصوم رمضان وحب تجسير الحواجب الثقافية الوهمية ان وجدت-

كانت لنا ايام .. في القلب ذكراها..

يا ليتنا عدنا وعادت الايام..

ولكن هيهات.. هيهات..

اطوي ذكرياتي وايامي الخوالي  واكتب لعل وعسى احدهم يقرأ يوما كلماتي ليعلم ان ودهم مقيم في وجداني ما دام نفسي يطلع وينزل..


أنموذج خديجة تقابلها الدياسبورا السودانية الآن .. أطفال ولدوا في المهجر لا يعرفون شيئاً عن السودان .. أما العادات والتقاليد فحدث ولا حرج ..
حكي لي الأخ احمد يوسف عبد القادر السوداني من كردفان والكندي الجنسية الآن.. وهو من الرعيل التالي لنا في كلية الآداب.. انه ذهب في زيارة إلي احد الإخوة الذين التقاهم في المهجر، في احدي الجزر الكوبية.. وعندما وصل إلي هناك فرح به صديقه هوزي فرحاً شديداً .. فأقام له ليلة ساهرة احتفالاً بمقدمه ورقصوا وغنوا وعزف له صديقه علي احدي الآلات الموسيقية التي يجيد العزف عليها.. وعرفه علي زوجته الخلاسية أو المارتنيكية. وباقي أفراد أسرتها وعرفه كذلك علي بناته فاطمة وهدي.. وحكي احمد فيما حكي ان هوزي اخبره إن آخر رسالة وصلته من بلده كانت قبل سبعة وعشرين سنة تخبره بان أمه ماتت أثناء الولادة وإنها أنجبت بنتاً ، أطلقت عليها الأسرة اسم هدي.... وبالتالي أطلق هوزي اسم فاطمة –اسم والدته- علي ابنته الكبرى واسم هدي علي ابنته الصغرى.
بقي أن تعرف عزيزي القارئ أن هوزي اسمه الحقيقي هو هاشم وهو من منطقة أم روابة بغرب السودان .. وانه لم ير السودان منذ أكثر من أربعين عاماً .. تري هل تعرف فاطمة وهدي اللغة العربية مع أم مارتنيكية تجيد اللغة الكريولية ، وهي مزيج من لغت أمريكا الجنوبية ؟

 

ضربنا في كل بقاع الدنيا...واعطينا امل العودة قفانا..

شرق حامد وغرَّب بَلّة..بلحيل آجْنَيْ.. ايه والله..

وشرقت الاوطان وقد ابتلعت الغصة ووقفت غصة الهوان عصية على البلع!

واناخ الهم بعيره في دياجير قرانا وحلالنا وموتانا..


تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba