يقولون إن الجامعة الأردنية تنظم مؤتمراً حول جذور الثقافة الأردنية.. أودّ التقدّم بورقة عمل حول جذور ثقافتي..
أحلى الايام في طفولتي تلك الأيام التي أجلس فيها مع والدي في (حوش
الدار).. حين يقرر صبغ شاربه.. كنت أنا المسؤول عن حمل المرآة واحضار
الماء.. واعطاء النصائح والارشادات حول كميات الشيب وحفّ الشارب ومسح ما
ينفذ من الصباغ الى الخد او الحواجب.
والدي كان نظره خفيفا وكانت (النظارات) لا تفارق عينيه لهذا كان يستعين بعيوني، اصلاً لو طلب مني العيون ما بخلت بها عليه.
اتذكر أني كنت أدلّه على اماكن الشيب وكنت امسح له بأطراف (البشكير) حواف
الوجه والأنف وما يعلق من الصباغ على زجاج النظارات وكانت بعض النصائح
تنطلق مني حول اهمية صبغ السوالف، أيضاً.. وكنت احمل المرآة كي تكون
العملية ناجحة.
حين ينهي (الصباغ) كنت اقول له: ''يا الله بتجنن، شكلك زي ''شكري
سرحان''.. واحيانا كانت لي مهمة غاية في الخصوصية بين الاب وابنه وهي..
وضع العقال على الرأس، للعلم لدينا تقنية مهمة في ارتداء الشماغ وهي
(تمييل) العقال.
وحين يقف كنت أحسه كالنسر الشامخ.. والاعتداد في الكون كلّه كأنه استقر
على كتفيه، ابي كان طاعنا في الشباب، وان اعترى الشيب شعر الرأس.
كان له مهمات يمارسها في الدار وكنت شريكا بها، اولها صباغة الشوارب
وثانيها، مفتاح السيارة، فأنا الوحيد المخول من بين مرتبات الابناء يحمل
مفتاح السيارة والصعود فيها.. وايضا (الارض)... انا الوحيد الذي كان
يرافقه في موسم الحصاد والذي يقوم باحصاء شوالات القمح.. وانا الوحيد،
الذي كان (يبعبش) في جيوبه، ويسرق منها (فكّه) بعلمه ومن دون علمه.. وانا
الوحيد الذي، يقرر في المنزل على اي محطة سيدار التلفاز، والوحيد الذي يرد
على الهاتف ويعرف من المتصل.. اصغر الاولاد اكثرهم دلالا، وانا كنت الاصغر.
كيف نتحدث عن جذور ثقافتنا وننسى جذورنا..؟.
لا يوجد للثقافة جذور، وهذا امر لا يقبل النقاش، ولكتن للذين انجبونا الى
الحياة عسكرا وفلاحين ومعلمين وكتّاباً هم الجذور .. وهؤلاء الذين تنعقد
المؤتمرات لاجلهم وهؤلاء الذين صنعوا ثقافتنا وهويتنا.. واسسوا لغة الحب
في بلادنا.
عفواً لا أريد لأحدٍ أن يتحدث عني وباسمي.. ذلك أن جذوري لا تحتاج لمؤتمر بقدر حاجتها لرعاية وماءٍ وخصبٍ وشمس.