زمان.. قبل سنوات طويلة، قيل لنا أن الصف السادس الابتدائي سيذهب في رحلة
الى العقبة... كانت المرة الاولى في حياتي التي سأشاهد فيها البحر وأمضيت
الليل سارحا فيه، لم أنم فالصباح سيحملني الى البحر... وكلما غفت عيوني
صحوت على صوت فؤادي: جايلك يا بحر .
... في الصباح اجتمعنا في باحة المدرسة، وكنت ارتدي قميصا اصفر، وجلست في
الكرسي الخلفي... وانطلقنا، وانا شوقي يحضّني الى البحر، فقد سيطر على
تفكيري وكنت اتمنى لو ان الكرك كانت على البحر. ليست مشكلة فلدينا بحر
بحكم (الذبائح) التي يتم سلخها يوميا لزوم العزائم.
... لم نمش سوى كيلو مترات قليلة... وفجأة انقلب الباص لا اعرف ما حدث
ولكن تناثر الطلبة وجئنا فوق بعضنا البعض... والسبب ان السائق تجاوز بشكل
خاطىء ولكن الحمدلله لم يصب احد منا بأذى وكانت الاضرار مجرد خدوش بسيطة.
...عدنا لمنازلنا... وبكيت، بكيت على أنني لم أرَ البحر كانت تفصلنا عنه
ساعات قليلة... ولكني لم أره، ورحت أندب الحظ... كان حلمي أن أراه... وأقف
على الشاطىء.
...أمضيت ليلي وحيدا، تسرق الدموع صمتي، وكان ان شعر بي أبي... كان
يراقبني وكان يعرف ما في روحي من خجل وشوق وود كان يدرك ماذا تعني دمعة
الفتى..
... حين افقنا صباح الجمعة وكان الحزن ما زال في قلبي بعد ولم يغادر جاء
الي ابي في الصباح، وقال لي افق يا فتى سنذهب الى البحر.. لم اصدق ما
يقول...
ولكني اكتشفت ان العائلة كلها جهزت نفسها.. واكتشفت ان القصة ليست (مزحة)
والرجل جاهز ايضاً.. وحين وقفت قال لي جملة ما زالت في رأسي للآن:.
لو البحر بنسحب كان جبتلك بحر .. انطلقنا بعد ذلك ووصلنا مع العصر وامضيت اليوم كله جالساً على الشاطىء.
...حين يسألني البعض ماذا فعل لك والدك قبل ان يموت اقول لهم: جابلي البحر ..
.. لهذا كان يتباهى طلبة الصف السادس (ب) بآبائهم كونهم احضروا لهم
العاباً او حقائب مدرسية جديدة او دفاتر ملونة.. كنت اضحك في داخلي واقول
بس ما بقدروا (يجيبوا الهم بحر زي ما جاب ابوي)..
.. رحم الله رجلاً كان يحضر لابنه الاصغر بحر