..أحياناً يضطرك الموقف للمشاركة في جنازة، لا تعرف من هو الميت ولا تعرف
لمن تقدم العزاء، كنت في طريقي الى العقبة مع (شعبان) وفي آخر الجنوب
وقفنا عند مسجد صغير لأن شعبان يريد اداء صلاة الظهر.
..انتهت الصلاة وخرج (شعبان)، وقال لي الجنازة لطفل متوفٍ، وان المقبرة
بجانب المسجد واعطاني درساً في الدين مفاده ان المشاركة في الجنازة اجر
وثواب.. فشاركت مع شعبان.
..الأصل كان ان يؤدي (شعبان) الصلاة ثم نمضي الى العقبة، ولكنه ضالع في الدين هو ليس مثلي وان كان صديقي..
..فعلاً المقبرة بجانب المسجد، وثمة صلاة جنازة قد اداها المشيعون.. وانا
وقفت على رأسهم كان عددهم (18) شخصاً فقط بالاضافة لي ولشعبان، شاهدت
الفتى.. يا الهى عمره لم يتجاوز الاربع سنوات وكان طرف الكفن مفتوحاً،
والرمانة - أي عظمة القدم نافرة - كانت واضحة.. وتبين لي انه اسمر.. بدوي
الطلة هل هؤلاء هم من قال عنهم تيسير السبول: (بدوياً خطت الصحراء لا جدوى
خطاه..).
..كيف مات هذا الطفل لا اعرف، ولكنهم حملّوه على نقالة، هو اصغر من كفي..
كيف قرر الموت بسرعة هكذا.. ولأن الهواء كان شديدا، طيّرت الريح اطراف
الكفن كانت سيقانه نحيلة جدا، وكان ثمة قطن يتطاير من اطراف الكفن، ورائحة
كالونيا نثرها الريح على انفي، هو لم يتعب احدا حملوه كما الريشة تحت
نسمات الهواء.. (وكسدرنا) فيه الى مثواه الاخير، وتم دفنه والغريب ان
شعبان صديقي هو الذي حمله واعطاه لوالده كي يضعه في القبر، شعبان يبحث عن
الاجر وانا الملم حزني، واسأل لماذا غادرت تلك السيقان النحيلة الحياة.
الغريب في الامر ان بكما يحمل لوحة حمراء جاء الى الدفن، هل حضر مندوب
رسمي يا ترى؟ طبعا لا ولكن تبين انه يجب ان تحصل على تصريح من البلدية او
المجلس القروي المشرف على المقبرة، وحتى تحصل على قبر عليك بدفع (42
دينارا) والجماعة لم يهتموا للاجراءات الرسمية وقاموا بالدفن لهذا احتجت
البلدية، يبدو ان البلدية لا تدرك بان البدوي يتعامل مع الارض على انها
لله، وانها ملك لساكنها.
حدث جدل وقدم المختار وعودا بان ينهي المسألة مع البلدية صباح الاحد،
وحذرهم موظف البلدية من عقوبة التملص من الدفع والحصول على تصريح، ظننت
المسألة (مزحة) ولكن شعبان صديقي وبحكم عمله في البلديات أكد لي ان
المقابر في المملكة جميعها تحتاج لتصريح دفن ولدفع بدل مالي معين.
ارجوكم لا ترفعوا سعر الموت علينا.. ارجوكم