سمّورة
31 كانون اول, 2007
كلما نزلت من مصعد داري الى الشارع للذهاب الى العمل اصادف عائلة جاري، واقفين على باب منزلهم بانتظار أن يأتي باص المدرسة كي يأخذ (سمّورة) إلى هناك، واسمه الحقيقي سمير يبلغ من العمر (10) سنوات واظنه في الرابع الابتدائي ب .

المشكلة أن سمّورة لا يحب الذهاب الى المدرسة لهذا يقف معه الوالد والوالدة في محاولات حثيثة هدفها تنشيط الفتى واقناعه بالذهاب.. انا اقف بجانبهم واسترق السمع، لحديث الوالدة وقبلها على وجه سمورة .. واغار من المشهد، في زمننا لم يمكن هناك باصات، أصلاً لا أحد يأبه حتى لو لم نذهب للمدرسة.

بالطبع سمّورة دائم الاحتجاج، والام والاب لديهم حنان فائض، فالأم لا تبعده ابدا عن حضنها والوالد يمضي فترة الانتظار في لطع سمورة قُبل على خدوده والفتى يمضي وقته في البكاء.. مما يؤدي الى زيادة منسوب الحنان وانطلاق جُمل من الوالدين هدفها حضّ الفتى على الذهاب.. اتذكر ان والدة سمورة تضمه على صدرها وتقول له دوماً: يا ألبي يا حبيبي يا روحي بدي اجيبلك بس تيجي من المدرسة .. (سي دي) سبايدرمان .

والاب ايضا يطلق جملا هدفها زرع الحمية في الفتى: لا تغريد أنا بدي اوخذو معي على آنتي سوزان عشان يلعب مع ليلى .. للعلم اسم (الماما) تغريد.

المهم يأتي الباص ويصعد سمورة .. والاهم هو سلوك الماما فهي تقبله على جبهته وتقول له باي ... بصراحة يزعجني المشهد، اتذكر مدرستي كنت اصحو جاهزا، دائما على اهبة الاستعداد، الشيء الوحيد الذي افعله هو ارتداء الحذاء، بالطبع لسنا بحاجة لتمشيط الشعر لأن اساتذتنا كانوا يصرون بأن يكون الشعر (ع الصفر).. ولسنا بحاجة لتغيير الملابس، هي تصلح لكل شيء للنوم، للمدرسة، وللعب.. اتذكر ان الوجبة الوحيدة المتوفرة على الافطار كانت زيت وزعتر ... وأحياناً سمن بلدي .. بالطبع لم تكن تدلعني امي وتقول لي سمورة .. كانت تقول لي هيه يا عيّلْ .. واحياناً اذا احصل بيننا خلاف على المصروف اليومي البالغ شلن اتلقى صفعة على الخد.

اشكال (سموره) ليست مؤهلة في المستقبل بأن تنزل الى سوق العمل وتكدح من اجل الرغيف .. بالمقابل نحن كنا على استعداد ان نكدح ونتعب لأننا نعرف قيمة الانتماء وطعم الأرض ولون الشقاء..

...لقد جعنا، حين قسمنا الى اثرياء وفقراء.. بالمقابل في قرانا لم نكن نعرف معنى الثراء.. لأن القرى الاردنية شكل الحياة فيها واحد والمباني واحدة والجوع واحد.. والأهم ان التربية واحدة.. كان الثراء مرتبطاً بالسندويشة فحين يحضر احد الطلبة سندويشة مرتديلا، يصبح في عرفنا ثرياً بحكم ان (المرتديلا) ليست متوفرة..

..كثيراً ما نتحدث بالاسعار وارتفاعها ولكن للأسف لم تتحدث عن رفع الرجولة لدى الجيل القادم..

لو ان مناسيب الاعتداد والوطنية ترتفع بنفس ارتفاع مشتقات النفط لكان الاردن اعظم دولة في العالم.. في هذه اللحظة الحرجة وقد تبشر بزيادة منسوب الفقر وقد تكون انعكاساتها سلبية على المنظومة الاجتماعية والاخلاقية علينا ان نستثمر قليلا في الشباب.. في وعيهم وانتمائهم وصلابتهم، في زرعهم ببرامج وطنية وتثقيفية، في تفعيل المجلس الاعلى للشباب..

انا خائف ليس من ارتفاع الاسعار، ولكني خائف من منسوب الخشونة المنخفض في الجيل الحالي.. فاشكال (سموره) بدأت تغزو المدارس والشوارع والبرامج المطروحة المتعلقة بالشباب كلها استهلاكية وترف غير مبرر.. خائف من جيل (سموره).. واتحسر على جيلي جيل الزيت والزعتر والصفعة.

في بطني كلام كثير.. ولكن الى هنا يكفي
بواسطة hadimajali 08:53 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba