صوبّة
12 تشرين ثاني, 2007
في موسم الشتاء كنّا نعاني، من اصابات تصنّف على أنها حروق من الدرجة الأولى على خلفيّة العبث الطفولي (بالصوبة)..

أتذكر أن أصابعي (انتفخت) جميعها ذات يوم حين أردت أن (أطبّل) على سطح صوبة ماركة (علاء الدين) كانت مشتعلة وظننت أنها مطفأة.. وحين شعرت بألم الاحتراق بدأت بالبكاء.. وشاع الخبر بين افراد العائلة وتم تشخيص الحالة بالقول: همطتو الصوبة .. لا اعرف معنى الفعل ولكنهم، كانوا يصفون الاصابات التي تنشأ بفعل الحرق بكلمة هَمَطَ .. والمصدر هَمْط .. والصفة مهموطْ .

الاجتماع حول الصوبة، كان طقساً عائليّاً مميزاً في الشتاء، وكان لي وظيفة غاية في الدقة تتلخص في تنبيه الوالدة الى عداد الكاز بحكم انشغال الجميع بمسلسل السهرة وبالفعل كانت مهمة مجديّة، يتمخّض عنها قيام أحد أفراد العائلة (مرتب الذكور) بالذهاب إلى الخارج واحضار الكاز، من (الجركن) ومن ثم البحث عن (المحقان) وبالضرورة ان تفقد العائلة (المحقان) يومياً.

ومن ضمن الوظائف الأخرى، قيامي بقراءة نشرة التحذيرات المكتوبة على الصوبة، كنت في الصف الثالث الابتدائي، وقد تعلمت القراءة للتوّ واتذكر ان اول تنبيه هو (لا تملأ الصوبة بالكاز وهي مشتعلة) ولكن أحداً لم يحترم تلك التحذيرات فقد كنّا نعبئها بالكاز وهي مشتعلة والتنبيه الثاني كان (حافظ على الشعلة الزرقاء) بالمقابل فشعلة الصوبة كانت دائماً صفراء وربما هذا سبب الاختناقات المتكررة التي تحدث في العائلة.

اتذكر والدي كان يضع (فروة) على كتفيه ويجلس بجانب الصوبة وذات يوم ونظراً لانشغاله بمتابعة المسلسل المصري (أبناء الضياع) غافله صوف الفروة واشتعل.. كان الصوف مبللاً بالكاز، والذي اثار انتباهه صعود الدخان من طرفها، مما حدا به للقيام بصفعي وتحميلي المسؤولية كاملة وقيل وقتها لي من افراد العائلة وبالتحديد (مرتب الذكور) بأنني (حرقت الفروة)... والحقيقة أنني لست المسؤول عن ذلك ولكن دائماً الفرد الاصغر يتم تحميله المسؤولية.

من ضمن الحوادث الاخرى التي تعرضت لها العائلة، هي سقوط طنجرة العدس.. فقد كان الجميع يتابع المسلسل المصري (أبناء الضياع) ايضا، وقيل لي (حرّك العدس) حرّكته فأدى هذا إلى انسكاب كامل محتويات الطنجرة على (الفروة) الخاصة بالوالد المشكلة ليست بالحادث ولكن المشكلة بالعقاب الذي يحدث، فغالباً ما كان يتم (صفعي).. والصراع عليّ (قوم نامْ)... ومن ثم اذهب للنوم والدموع تسيل نتيجة اخطاء ليس لي علاقة بها.

ذات يوم كان ابي، يضع (قيشانيّة) صغيرة على الصوبة وبها ماء، من اجل الحلاقة ونتيجة انهماكه بالمسلسل غافلتني شقاوة الاطفال، فأدرت الماء في خزّان الصوبة، مما حدا بالعائلة الى الشعور بحالة اختناق حادة، وبعد تداول الامر تبين ان الكاز (مغشوش) ولكنهم اغلقوا الملف سريعاً وعادوا لمتابعة (أبناء الضياع)..

أنا أحنّ لتلك الأيام، فقد كانت الأسرة الأردنية تعيش فيها حالة من البساطة، كان الشتاء لدينا مرتبطاً بالاجتماع حول الصوبة ومتابعة ل(أبناء الضياع) واستنهاض همم (الذكور) من اجل احضار الكاز، او تدوير اللاقط... او شراء علبة سجائر (فيلادلفيا سوبر) للوالد.. ولكن الحياة تغيرت، للآن لم يجرؤ أي باحث على الاجابة عن تغيّر انماطنا الاجتماعية، ولم يجرؤ أي مسؤول عن معرفة سبب انجرار الفرد الاردني وراء الحالة الاستهلاكية والبحث عن الرفاه.

نحن مقبلون على زيادة مفرطة في اسعار الوقود، والفرد الاردني حين يشتري شقة صار يهتم بالتدفئة المركزية او بالتدفئة التي تعمل على الغاز .. وانقرض مفهوم الصوبات... لهذا صرنا نعاني من ازمة طاقة بحكم اننا تركنا الوسائل التقليدية وصرنا نبحث عن وسائل ذات رفاهية عالية وتكلفة اعلى.

امس اشتريت (فروة) وهي اقدم وسيلة تدفئة لدينا، كان والدي يلفني بها ويضعني تحت إبطه ولم اشعر في حياتي بدفءٍ مثل دفئها واشتريتها كي ألف ابنائي بها ايضا.

هل تستطيع الحكومة اقناع الناس (بالفروة) والصوبة كبديل مهم وفعال عن الديزل.

المشكلة ان جيلاً البعض لا يعرفون ما هي الفروة ولا يعرفون (الصوبات) .. ولا يعرفون حتى كيف هو الدفء الذي يمدّك به الوالد وانت محتمٍ في حضنه أيام الشتاء..

للعلم معروف البخيت يعرف الفروة ويعرف (الصوبة).. أسألوه.
بواسطة hadimajali 07:49 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba