منجم الاسرار
04 تشرين ثاني, 2007

أنا أكره المراثي، ولا أحب الكتابة عن اصدقائي الذين افقدهم، ولكني يوم أمس ودعت صديقا في الثمانين من العمر أسمه (شريف الجعبري)... والد صديقي سعيد الجعبري ودعته في مستشفى الشميساني وقال لي قبل الموت: حين أشاهدك أرتاح فأرجوك أن تبقى معي:... ولكن سعيدا (كحشني).. قال لي: أنت مصاب بانفلونزا وجلوسك في الغرفة قد ينقل العدوى لوالدي فخرجت وكنت مطمئنا على صحة الحاج وظننت انه سيعاود السير على درب الحياة، وسنعاود نحن الاستماع لحديثه عن العمر، والكفاح وفلسطين ودرب البندقية..

... قبل أن أعرف شريف الجعبري صديقي سعيد إبنه كان قد أهداني كتابا اسمه دروب العمر وقال لي أن هذا الكتاب هو السيرة الذاتية لوالده وقد أنهاه قبل أشهر وقد ظننته كتابا عاديا، يروي سيرة إنسان أظنته النكبة وسنوات الرحيل ولكني حين مررت على اوراقه صدمت بحجم ما فيه من صدق وألقٍ وحقيقة...

... اكتشفت أن هذا الرجل البسيط الذي يسكن بجانب مستشفى الشميساني كان أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية وهو الذراع المالي لها، وهو الذي أمّن التغطية المالية ورافق أحمد الشقيري وياسر عرفات... وكان يقرر من خلف الستار شكل العمل الفدائي... وآليات تمويله وهو الذي استطاع جمع الجالية الفلسطينية في الخليج خلف القضية استطاع ان يقنع قادة دول الخليج في تلك الفترة بضرورة الدعم المالي... لا بل تعدى الامر ذلك الى اصراره على ان يتقبل الشيوخ هناك وفود الجبهة الشعبية برغم الاختلاف الايدولوجي.. وبرغم ان المسلك الماركسي كان مرفوضاً عند البعض في ذلك الحين.

انا اتحدث بالعموميات، ولكن ما رواه لي المرحوم شريف الجعبري عن كيفية تأسيس المنظمة في ذلك الوقت، يجعلك على الاقل تعيد النظر في التاريخ المكتوب وفي روايات (هيكل) وسواليف الساسة العرب، وكل ما روته الجزيرة من احداث.

نحن دائماً نبحث عن الحقائق عبر وسائل الاعلام الاجنبية، ونثق بأسماء لها بريق ولكنها تفتقر

المصداقية، بالمقابل تركنا الحاج (شريف الجعبري) منجم الاسرار، والعقل المالي المدبر للبنك العربي، واحد اهم مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني تركناه يشرب قهوته وحيدا دون ان يزعجه احد بمعرفة الحكاية وفصولها وشخوصها.. دون ان يسأله احد حين كان رئيسا للصندوق القومي الفلسطيني عن التمويل وعن النضال وعن ثمن الصمود.

.. غادرنا يوم امس صديقي (شريف الجعبري) الرجل الثمانيني، وكانت آخر كلماته لي: برتاح لمّا أشوفك .. واليوم سأقف في عزائه متذكرا قصاصات كتبتها حين روى لي.. كيف كان المال يحرك السياسة، وكنت قد عقدت العزم أنا وصديقي سعيد (ابنه) ان ننجز له الكتاب الثاني من مذكراته حول القضية الفلسطينية ومساراتها واسرارها.

.. نحن امة نترك الاسرار ترحل ونترك التاريخ يرحل دون ان نكلف انفسنا بعناء الاسئلة او معرفة الحقائق، ولكني عرفت الكثير من الاسرار وقرأت في كتاب (المرحوم) من دروب العمر الكثير من القصص، وكان قد اخبرني بالسطور التي حذفها عن قصد.. وعن دون قصد.. وعذرا لاني لا استطيع الافصاح بتلك السطور.

.. رحمك الله ايها العزيز الطيب عشت كريما ومت كريما.
بواسطة hadimajali 07:26 | عام | تعليق(1) | الرابط الثابت

تعليقات

Comment Icon

ياي يأستاز عبد الهادي والله العزيم بجنن

إنسانة | 26/11/2007, 14:54 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba