بوريه
07 تشرين اول, 2007
الاسبوع الماضي كنت في الزرقاء (بمعية سيدنا) لقد شرّفني الديوان الملكي بأن أمثل جريدة الرأي في هذه الزيارة.. ولأن الحب يولد في (خو) صادقاً حقيقياً وأردنياً.. دعوني اقدم شهادتي في ميلاد الحب وحده.

... حين تكتب من قلب المكان تختلف الكتابة ويختلف طعم الحرف.. وتختلف الصورة تماما، كنت اقول للعقيد محمود الجبور حين لوّح سيدنا للعسكر بالبوريه وحرّك قلوبهم مع حركة ساعده.. أنظر يا محمد لطريقة ارتداء الملك (البوريه) العسكرية.. كان يرتديها باحتراف متقن وكأن العسكرية الاردنية فصّلت على استقامة زنديه.

... في الجيش حتى طريقة ارتداء البوريه لها فن.. فالعسكري حين يرتديها يجب ان يضع الشعار بمحاذاة العين الشمال تماما ويجب ان تكون اليد مستوية لأخذ خط مستقيم.. في لحظة ارتدائها وللعلم عليك اولاً ان تضع مقدمتها ثم تثبتها من الخلف واذا سألت لماذا كل هذا.. الاجابة بسيطة فالعسكري في لحظة الرماية يحتاج لوضع البندقية او المسدس على استقامة العين اليمنى.. لهذا يجب ان يكون الشعار الموجود على البوريه، على خط مستقيم من العين الشمال، حتى يعطي وضوحا في تحديد الهدف.. انا لا اتحدث عن قصة بسيطة او طريقة عسكرية ولكني اتحدث عن عُرف عمره اكثر من 60 عاماً.. وله تقليده واحترامه.

... لو يعيد التلفاز لنا مشهد تلويح الملك بالبوريه، وطريقة وضعها على رأسه الأغر.. ستفهمون معنى العسكرية الاردنية، فهي ليست بندقية وزي وليست ميدانا للرماية ومسيرا عسكرياً.. بل هي ثقافة ومنهج وهوية وطن.

... ملكنا هو الزعيم العربي الوحيد الذي انتقل من العسكرية الى السياسة وبقي محافظا على فن ارتداء البوريه وطريقة سحب (أقسام) المسدس وظل محافظا على التسديد الاحترافي في ميدان الرماية.. والأهم ان روح البداوة وألق العشيرة واهداب الشماغ لم تغب عنه ابداً.

... كنّا الاسبوع الماضي بمعيته، وكانت الزنود تحمله وتطوف به في ميادين الكلية العسكرية، وكانت عيون العسكر تحيط به من كل صوب.. وكان القلب يخفق مع كل صرخة تطلق في الميدان، وكأني عدت لأهلي بعد اغتراب عمره الف عام.. والجيش وحده وليس غير هو الذي يعيدنا الى اهلنا الطيبين وزمن (الروفر)، و(الميم 16) ويعيدنا الى حياة تنسى فيها كل الاحزان الوطنية.. وكل تناقضات السياسة.

... يا الله كم هي جميلة طريقة ارتداء الملك (للبوريه) العسكرية لو يعيدها التلفاز مرة ثانية سيفهم الناس معنى احتراف العسكرية وسيفهمون لماذا يوضع الشعار على العين الشمال بمحاذاة القلب وسيفهمون كيف يشع وجه الفارس، وكيف يعيدك صوته من ضياعك واغترابك.

... علمتني الزيارة امس ان الوطن الاردني هو المسافة الفاصلة بين الحاجب والشعار في وجوه العسكر.. هو تلك المسافة وليس غيرها بمحاذاة القلب وأعلى الرأس.. وعلمتني الزيارة ان تلك المساحة ينبت فيها العرق.. وينبت فيها الحكم الاردني.. مثل الزعتر والدحنون، علمتني الزيارة أيضا ان الوطن ليس هو المسافة الفاصلة بين بقايا حنّاء اللحية وموضع الانف.. ذلك ان الجغرافيا تقاس بمساحات تسديد النار.. وتقاس بالجباه العسكرية السُمر.. ومخطئ من يعتقد ان في بقايا الحناء على اللحى ثمة وطن او ضمير وطني.. أو حتى حبات من عرق الصدق.

... هذا هو الأردن الذي شاهدته على جبهة الملك الاسبوع الماضي وتلك هي مساحاته وذاك هو حجم كبريائه فليحمي الله بلادنا.. وعاش الملك.
بواسطة hadimajali 09:03 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba