هَزُلـــت
10 ايلول, 2007
... قال زكي بني إرشيد في لقاء صحفي أول أمس وأنا اقتبس مما نشر على لسانه ''إن أبناء البادية الأردنية وساكني المناطق النائية هم أقل تعليماً ومعرفة وثقافة'' وأنهم لا يجوز أن يشكلوا أغلبية ''في البرلمان'' ناهيك عن نعته للقانون الذي يسمح لهم بذلك بانه قانون متخلف ومعيق لعملية الاصلاح السياسي.

... المشكلة ، في أن زكي ربما لم يقرأ سطراً من تاريخ ''عودة أبو تايه'' ... ولو قرأ ربما لفهم، كيف أن المجتمعات العربية بمجملها قادت البداوة فيها، حالات النهضة وعلى أكتافها ثم تأسيس الجيوش بحكم ان الإنضباطيّة والروح المعنوية ... والقيم المرتبطة بالبسالة هي جزء من تكوين البدوي ... لكن بني رشيد لا يعرف عودة ابو تايه، ولا يعرف زمناً كانت فيه البادية الأردنية توحد في الدم والفؤاد بين فلسطين والأردن ... وتؤكد ان الكفاح واحد وأن السبابة حين تضغط على الزناد في مشارف القدس تنطلق زغاريد صبايا الصحراء في معان ...

... لم يقرأ (زكي) أو كما يدلّع المصريون هذا الإسم (كوكو) ... لم يقرأ ''كوكو'' تغريبة حاكم الفايز ... البدوي الأسمر الذي شابت القوميّة على أنامله ولم يشب هواه اليعربي، لو قرأ ذلك الفتى ليل المنافي الطويل ... لو قرأ إصرار (ابن الفايز) ... على أن لا يسجد أو يحني الرأس إلاّ للعروبة وأمضى ما يقارب (3) عقود من العمر في المعتقل دفاعاً عن المبدأ وفلسطين وعن المعتقد لما نَعت البادية بالتخلف ...

... هل يعرف زكي (مثقال الفايز)... وكيف قرّر ربط (المندوب السامي) البريطاني في إسطبل الخيل ... عفواً يا صديق زكي ... مثقال لم يتحاور مع مستعمريه في ذلك الوقت حول آليات دعمه في الانتخابات ولكن حين يتدفق الدمّ في العيون البدوية وفي الوريد .. تصبح معادلة (الموت ولا الدنية) هي الأساس ... وأنا أعرف أنك يا سيد زكي ربما تجهل ألق الكبرياء في لحظة الموت، ولا تعرف معنى (الدنية) إستناداً الى صفاء روحك وعذوبة آرائك ولكن عليك ان تعرف شيئاً عن مثقال الفايز، الذي هدم كرامة المستعمر .. ومرّغ وجه المندوب السامي ... لو كنت قد قرأت هذا التاريخ لما أطلقت نظريتك المشهورة في البداوة وشكلها وتاريخها.

... لنصعد من سفح الكلام الى قمته ولولا وطن أحببته حدّ الموت وقصائد بدوية نسجها اهلنا في السيف والخيل ما رددت ... ولكن حين يتطاول المتطاول على أصل الدولة والقاعدة الاولى في تشكيلها فعلينا ان نعلمه بعضاً من فنّ الكلام وفنّ الخُلق وفنّ الردّ.

... لو يقرأ زكي بني إرشيد أسماء شهداء الدولة في فلسطين ... لوجد أن نصفهم قد توزع بين الحويطات وبني صخر والحجايا ... لوجد نصفهم قد توزع في المنشأ بين بيت الشعر والقصائد النبطية ... وهل نكرّم البداوة التي قدمت لفلسطين دماً أزكى من الطهر وأجلّ من الكبرياء بأن نقول عن مناطقهم بأنها متخلفة.

... حتى في الشعر ... كانت البداوة هي موطن عرار ... ونعذر الأخ زكي بني إرشيد في أنه يحب شعر المقاومة أكثر ولا يقرأ في كتاب عرار : ''يا أخت رمّ'' كيف حال رمّ'' ... وكيف حال بني عطية هل ما تزال هضابهم شمّاً وديرتهم ابية ... وبنو عطية، قبل ان تولد الدولة ولدوا على هضاب الأردن سيوفاً مشرعة وخيلاً لا تعرف التعب وفرساناً تزغرد الريح لضرب حوافر خيلهم ... هل صار كلّ هؤلاء نكرة في تاريخ الوطن وعبئاً ثقيلاً بحسب ما يدعي ذاك الرجل.

... لو قرأ زكي بني رشيد تفاصيل معركة اللطرون والشيخ جرّاح ... لو قرأ فقط عن تاريخ الجندي ''عباطة عيد'' وحمدان ''البلوي'' الذي حين وجه العربة الى جدار بنته ''الهاجاناه'' لم يسعفه إرتفاع المدفع فصعد عليه وأنزله الى مستوى الجدار وقال لرفيق السلاح إرمِ فرمى وارتدت الطلقة الى يده فقطعتها وأصرّ على الرامي بأن يسدد الثانية، ومع فجر الصباح الأول اقتحمت تلك الكتيبة الجدار واشتبكت بالسلاح الأبيض وكان ينشدُ بعد أن دبت الحمية في نفسه : وش علمك بالمراجيل يا ردي الحيل وش علمك بالمراجيل والمشي بالليل حنّا رجال البلد حنّا كراسيها حنا رماح القنا لا تعكزت فيها.

وكأن حمدان يدرك أنه سيأتي زمن ينتقد فيه البعض رجولة البادية ... فأطلق النشيد ، وهل الوفاء للصحراء التي أنجبت شهداء من شاكلة هؤلاء الأبطال يكون بنعتها بالتخلف.

... '' بدو الأردن'' ... وإن غابت شمس الإنصاف عنهم، ولكنهم يشرقون في صباحاتنا كل يوم عسكراً وأساتذة جامعات وأطباء ويشرقون وطناً على الوطن ... فهم الذين قاتلوا وما استكانوا حين وجب القتال ، وهم الذين أسسوا أولّ مداميك العسكرية والخير وهم الذين اسمعوا صوت صهيل خيلهم للعدا، وما ''جفُلت'' تلك الخيل ولا عادت بفرسانها ، ... ولا نريد للذين يجهلون التاريخ، ويعتقدون أن (تمسيد اللحّى) وشتم الناس صار وظيفة، بأن يتطاولوا على مكون مهم من مكونات الدولة وعلى ألقها وكبريائها...

... مع ذلك ، كلّه لا نملك الا ان نقول جملة واحدة نعاتب فيها الزمن الذي أصبح فيه البعض يتطاول على المسلّمات والمقدسات وضمير شعبٍ كامل...

... نهاية المقال كلمة واحدة تشفي من غليل القلب قليلاً وهي:''هَزُلتْ''
بواسطة hadimajali 07:06 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba