ترف غير مبرر
21 آب, 2007
تحت شعار الاردن مرحبا بكم نظمت هيئة تنشيط السياحة بالتعاون مع جمعية تطوير سياحة مأدبا والوكالة الاميركية للانماء الدولي، اول مسابقة من نوعها في مادبا لاختيار ملك وملكة جمال الاطفال.

... للعلم هذا جزء من خبر منشور في الصحيفة يوم امس.. والسؤال يا ترى من هو الطفل الذي فاز بلقب ملك الجمال؟ ومن هي الطفلة التي فازت بلقب ملكة الجمال؟ ... مأدبا على اطراف الصحراء، وتاريخيا يسكنها الرجال الذين يعتدّون بتاريخهم العسكري، والذين يحدثون الابناء عن غالب هلسا، وعن رحلة البحث عن الكلأ والماء.. وعن صد الغزو وعن تعاويذ السيف.. يا ترى حين يكبر الطفل الذي فاز بملك جمال مأدبا وتحدثه امه عن طفولته وعن فوزه بلقب الوسامة فهل سيفرح وهل سيعتبر ان هذا اللقب ينسجم وتاريخ العسكرية والصحراء والقصائد الذي نشأ عليه ابناء جيله.

... نبالغ احيانا في الترف.. وتبالغ مؤسسة مثل مؤسسة تنشيط السياحة باللهو اكثر.. فالاطفال في مأدبا يعرفون الان من اجمل واحد فيهم بالمقابل يجهلون ان تلك المدينة صدّرت للعالم العربي الروائي الكبير غالب هلسا الذي وقع بقلمه المأدبي على تاريخ الرواية العربية وسجل سنين الفقر والوعي في ماعين عبر كتاباته.. والاطفال يجهلون تاريخ التآخي الاسلامي المسيحي ويجهلون ان الصليب مثلا في مأدبا كان عربيا قبل ان تولد العروبة نفسها.. ويجهلون رحلة الاهل بين مأدبا والكرك ورحلة التنوير وكيف جاع ابن مأدبا في بداية القرن المنصرم، واصر على الجوع في سبيل ان يعلم ابناءه الحرف ويقدمهم للوطن في صورة اساتذة ومهندسين واطباء.

... حين نضع (الحطة) الاردنية على رأس طفلة في مسابقة لملكة جمال الاطفال فالامر عادي وليس له مضمون ولكن حين (نضع) الحطة على اكتاف طفل انجز لوحة فسيفسائية (فللحطة) نكهة وطعم.. وحين نقلدها لطفلة رسمت الصليب والهلال واكدت على التآخي فسيكون لها ايضا مذاق خاص.. ولكن حين يحمل اطفالنا (الشماغ المهدب) ضمن مشروع كهذا فتلك اسئلة لا يلام الاطفال عليها أبداً.

... مدننا تحتاج لتنمية تحتاج لان نزرع في هذا الجيل نوعا من التحدي، لان نقول لهم ان (البابا) رمز الكنيسة المسيحية انحنى على جبال مأدبا ذات يوم وان العسكر نزلوا هذه الهضاب الى فلسطين.. وان نخبرهم بأن يرفعوا رؤوسهم للشمس.. فالتاريخ الذي كتبه الحب في مأدبا يجيز لهم بأن يكونوا كذلك.

... ولكن في ظل ضياع المشروع القومي في ظل.. تفكك الدول، وفي ظل العولمة التي شطبت الهوية من قواميس الامم يعقد البعض مسابقات لجمال الاطفال.. والاصل ان نعقد مسابقات للوعي.. فألمانيا ما تزال تصر على ان يقوم طلبة المدارس فيها بزيارة مبنى البرلمان كي يشاهدوا آثار احذية الجنود الروس وتواقيعهم على الجدران، حتى يبقى في ذهن الطفل الالماني.. ذاكرة تثير فيه الاسئلة وتجره للاعتراف بأن هذه الامة هزمت في يوم ما.

... لو ان فائض الناتج المحلي عشرات المليارات لقلنا، لو ان الاردن دولة نفطية لشاركنا في اعداد المسابقة.. لو ان حالات التسمم التي حدثت كانت نتيجة استنشاق غبار من الفضاء حملته مركبة اردنية لقلنا ان المجتمعات الثرية تحتاج للترفيه عن نفسها.. ولكن في ظل كل هذا وذاك.. تعقد مؤسسة شبه حكومية مسابقة لملكة جمال الاطفال.

... بصراحة.. يكفي اظن الى هنا ويكفي.
بواسطة hadimajali 06:53 | عام | تعليق(0) | الرابط الثابت

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba