... هذا عام سيء، صرت أخاف ان اقلب في دفتر هاتفي.. ما مررت على صفحة فيه الا وجدت اسما او اسمين قد قمت بشطبهما.. بسبب الموت.. وكنت فيما مضى اشطب اسم الحج (محمود سعيد).. بحكم انه يغير ارقام هواتفه كثيراً.. ولكن الموت طواه، طوى الشيب والنكتة والحكاية والحب لقد قرر ان يموت الرجل دون ان يخطرنا.
... قبل اسبوع تحدث معي د. محمد ابو هزيم واخبرني ان الحج يريد رؤيتك! أسألوا محمد.. قلت له السبت عطلتي، ولكن الحج مسك الهاتف، وقال لي: تعال فوراً للمكتب.. لو كنت ادري انه اللقاء الاخير ما جئت.. لو كنت ادري بأنها القبلة الاخيرة على باب السيارة ما جئت ايضا، ولو كنت ادري بأنها الضحكة الاخيرة التي سأشاهدها على محياه لحظة مغادرته.. ما جئت.. قال لي: ''رح اتظل طول عمرك طفران'' ثم ادار وجهه وذهب.
... تعبت من كتابة المراثي، وتعبت من شطب اسماء اصدقائي من دفتر الهاتف.. تعبت حد القلق من هذا العام فقد ذهب أناس كنت التقي معهم على فناجين القهوة وجغرافيا الدولة، والحب.
... محمود سعيد.. كان الوحيد الذي يجمع المتناقضات في مزرعته، ولو قدر لي ان اتحدث في رصيد الاصلاح السياسي والعصف الفكري.. فسأجد ان تلك المزرعة المتواضعة في عين الباشا قد قدمت للدولة ما لم تقدمه مؤسسات كثيرة، الحج بذاته كان مؤسسة اجتماعية سياسية.. وهو الذي علمنا فن السخرية بكل امتيازات هذا الفن.
... آسف فقد شطبت اسمك من دفتر الهاتف، وسال دمعي في الجزء الاخير من خطوط القلم، ادري اننا لن نزور مزرعتك، ادري ان هاتفا لن يغافلني على دوار صويلح ويقول لي: ''جيب خبز'' وادري.. انني لن اتجول بعد اليوم في دكاكين الجبيهة بحثاً عن سجائر (كنت) عيار ''6'' للحج.. ادري تماما.. بأن ذاك الصوت الاجش الخشن لن يطل عبر الهاتف بعد اليوم ''ويشتمنا'' هو الرجل الوحيد الذي كان يعاتبنا بحب ويشتمنا بحب ويطعمنا بحب والاخطر.. من ذلك كله انه كان هو الحب الطاعن في الشيب والسن.
... محمود سعيد ليس لي وحدي بل هو الارث الموزع بين ممدوح العبادي، وعبدالرؤوف الروابدة، ومصطفى باشا القيسي، وعبدالله العتوم، ومكرم القيسي.. وجيل من المسؤولين في الدولة الذين كانوا يجلسون على طاولته.. كي يتعلموا ابجديات الكوميديا السياسية، وفن جمع المتناقضات وفن التوفيق بين الناس، واحياء الحب في النفوس.
... يا موت كن طيبا مع ''محمود سعيد'' فقد تركنا في عزلة وقلق.. ودون ان يوعز للعامل الوافد بأن يوزع علينا ''كاسات الشاي'' دون حتى ان يخطرنا بأن نار الموقد تحتاج لمزيد من الفحم، دون ان يبلغنا عبر الهاتف بأن هناك نواقص في ''العزومه'' وعلينا احضارها دون حتى ان يجاهرنا بحقيقتنا وان يكتب في دفتر الايام كيف كانت (العباسية) مدرسة في الوحدة والتوفيق بين الشعبين.
ودون ان يطل على شجرات الزيتون في المزرعة وعلى عدد الكراسي وهل تكفي للحضور، وعلى الذين تاهوا عن المزرعة، وكلفني بالذهاب لاحضارهم.. كان يقول لي انت الدليل هنا وعليك باحضار التائهين.
... كن طيباً يا موت مع ''محمود سعيد'' فقد كان واسع القلب، واحذروا ان تتركوا فجوات بين بلاطات القبر كي لا ينسل التراب الى كفنه الابيض، محمود لم يترك فجوة بين الاردن وفلسطين.. كان هو الاردني الفلسطيني بامتياز، قولوا للذي سيضعه في القبر بأن يحل الكفن رويداً رويداً، هو كان يحل الخلافات بيننا هكذا.. قولوا له بأن يمسد لحيته ووجهه الطاهر.. وحين تضعوا الشاهد على القبر انصبوه جيداً دون ان يميل شمالا او يميناً فالرجل مات واقفا مستقيما دون ان يميل في فراش المرض..
... تعبت يا محمود من كتابة المراثي تعبت جداً جداً.. وقلبي شاب حد الوهن.. واسمح لي ان اقول لك.. بأنني شطبت اسمك من الدفتر.. بل مزقت الدفاتر كلها.. فالموت يوجعنا.
... ''يا حج'' عليك الرحمة.. اسمح لنا بالبكاء قليلاً مع ان البكاء لم يعد يكفي