الاسبوع الماضي، خرجنا جميعا لاستقبال خادم الحرمين الشريفين، اجمل ما في المشهد هو منظر الطائرة العامودية التي رافقت موكب جلالة الملك، وخادم الحرمين الشريفين.
... في علم الطيران، كلما كان الارتفاع منخفضا قلت سيطرة الطيار، والغريب ان الطائرة كانت مسلحة بعشرات الكيلو غرامات من الذخيرة والاسلحة وطارة على ارتفاع ثمانين قدما بسرعة لا تتجاوز الـ(80) كيلو مترا في الساعة.
... هذه المهمات تسمى بالمهمة الدقيقة ومن المستحيل ان تجد طيارا، يستطيع اتمام واجب يتلخص في الطيران فوق موكب بطائرة مسلحة وعلى ارتفاع منخفض جدا، وبسرعة محددة وفي درجة حرارة (42) مئوية.. وعليه ان يبقي الطائرة في حالة ثبات وان يتجاوز الاسطح واسلاك الكهرباء وان تكون عيناه موزعة بين قيادة الطائرة وبين مراقبة الموكب.
... أظن ان الطيار حين انهى المهمة هبط في مطار ماركا، واشرف بنفسه على نقل الذخيرة، وعلى التأكد من سلامة المدافع الرشاشة، واظنه مسح العرق عن جبهته وتحدث بالموبايل مع العائلة وسألهم ''شو طابخين'' فأكدوا له بأن طبق اليوم هو ''ملوخية''.
... أظنه توقف في طريق العودة عند مخبز رغدان واشترى (2) كيلو خبز.. وسمع تمتمات الناس والاطفال عن الموكب المهيب وعن الطائرة.. للعلم نحن لم نفرح باستقبال خادم الحرمين فقط ولكننا شعرنا بالثقة الكبيرة ايضا بجيشنا ومؤسساتنا التي اعدت لهذا الضيف ما يليق به من مظاهر الاستقبال.
... أظن ان الطيار حين عاد لمنزله اخرج مسدسه من تحت كرسي السيارة وحمله للمنزل، وتسابق اطفاله عليه وصعدوا على كتفيه، لا احد يدري بالمهمة التي انجزت، ولكنهم انتظروا طلة الوالد وما يحمل لهم.. من حب وتعب.. تخيلوا طيارا يقود طائرة دقيقة ولا يوجد أي مجال لارتكاب خطأ واحد وعليه ان يكون اشبه بجهاز الكمبيوتر في حركته.. وهو يحمي موكب زعيمين عربيين كبيرين تخيلوا شعوره ومدى الضغط الموجود عليه؟ ... كم فرح الاطفال في عمان بمشهد الطائرة اثناء مرور الموكب، وبالعسكر المعلقين في الحبال وهو يحملون في احضانهم رشاشات ثقيلة ويراقبون الاسطح والزوايا.. وللعلم في هذه الحالات فان العُرف العسكري يقول انه يجب ان تكون (الطلقة ببيت النار).
... نعود الى الطيار، اظنه تناول الملوخية واخذ غفوة، واظنه سمع همس الجيران عن الموكب وعن الطائرة، هو لا يفاخر بنفسه ليس مضطرا لاخبار احد من الجيران او العائلة بأنه هو قائد الطائرة.. أظنه ايضا في المساء اخذ اطفاله الى (لونا بارك) من اجل ان يلهوا.. ويفرحوا بعطايا الوالد.. واظنه اجرى مكالمة هاتفية مع سلاح الجو للتأكيد على جاهزية الخوذة، للعلم الخوذة التي يرتديها ثقيلة وفيها سماعات اللاسلكي.. واجزم انه استفرد بنفسه واعاد قراءة خارطة مسار الموكب من جديد.. وانه اوكل لشقيقه الاصغر في اليوم التالي بأن يذهب لدفع فاتورة الكهرباء، كونه مشغولا ولا يستطيع الذهاب، واظنه ايضا تخلف عن عزومة طارئة قررها الانسباء، فقط من اجل التركيز على المهمة القادمة.
... انا لا اتحدث عن مهمة عادية لطيار ولكني اتحدث عن مهمة خارقة يعجز عن تنفيذها الكثير من الطيارين في العالم.
... نهاية الامر من حقنا ان نفخر بالمؤسسة العسكرية الاردنية، فهي المؤسسة الوحيدة التي تزداد هيبتها مع الزمن وهي المؤسسة الوحيدة التي تفهم الملك من نظرة عيونه وحركة اصبعه.. والاستقبال الكبير الذي اقيم لجلالة خادم الحرمين الشريفين، يؤكد مرة اخرى.. ان الدولة الاردنية هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تميل على كتف واحد وعلى زند واحد، وتفهم اشارة عين واحدة.. ولها اب واحد وهو الملك.
... تحية للذين شاركوا في انجاح الموكب وهذا الاستقبال المهيب وتحية للطيار البطل الذي ادى مهمته على اكمل وجه وأدخل البسمة في قلوب الاطفال.. فاجمل وسام يعلق على صدره هو الاسئلة التي يطرحها الاطفال دوما في شارع (وصفي التل) والذين اخرجوا رؤوسهم من الشبابيك من اجل التلويح له.. اسئلة مرتبطة بالفرح وبحب الجيش.
... هذا الوطن فيه مؤسسة عسكرية لا تجعلك تخاف عليه أبداً ''حماهم الله''.