نوافذ حسن عبدالله

رواية "البوسطة"

h.abdullah | 04 ايار, 2009 17:57

رواية "البوسطة"
(الحلقة الاولى)
لكاتبها حسن احمد عبدالله
قبل البدء
هذه رواية من زمن ما عن بعض الناس الذين سرقهم النسيان،من هنا تبدأ والى ان تنتهي ربما يكون الزمن انتهى.
بطيئة،مملة احيانا، لا شيء فيها من الرواية احيانا اخرى،لكن في النهاية هي سرد لزمن ما يبدأ بالمعاناة ولا نعرف اين ينتهي.
من يريد ان يشارك في كتابتها يختار الزمان الذي يريد والمكان ايضا ويبدأ منه.
الفصل الاول
ضجر
حين تنبهت الى ما انا فيه من هذيان كان الباص قد قطع مسافة لا بأس بها باتجاه القرية، وعاد هديرمحركه يصم الاذان حين وصل الى بداية الطريق التي تشق الجبل صعودا،وبدأت تعليمات السائق بتتابع احذر يا محمود من انفتاح الباب الخلفي… انتبه للراكب العجوز… انت يا استاذ دخان سيجارتك يعبق في المكان".
قالت المرأة التي تجلس في المقعد خلف مقعدي :"باتت القرية قريبة، استيقظت منذ الخامسة فجرا ،قلت لزوجي :انا حامل ولا احتمل عذاب الباص، الا انه اصر لان اجرة "البوسطة" اقل من اجرة السيارة(…) الغلاء بات لا يحتمل و منذ الخامس عشر من الشهر نبدأ في تقنين المصروف ، ونشد الحزام في العشرين منه الى درجة الاكتفاء بوجبة واحدة في اليوم".
طال الحديث بين المرأة والعجوز التي تجلس الى جانبها بينما كان حمار يمر الى جانب الباص الذي يتسلق الجبل بصعوبة،وصاحبه يحدث نفسه بصوت عال، وحين وصل الباص الى جانبه نظر الى السائق وقال :"لا تسرع الموت اسرع".
***
حين انهى ارتداء ملابسه كان صوت المؤذن يشق عتمة الليل داعيا الى صلاة الفجر،دارت همهمات عدة بينه وبين والدتي لكنني لم افهم منها شيئا،فقط سمعته يقول:" سوف تسبقني "البوسطة" عندما اعود اخر الشهر نحسم هذا الامر".
اغلق الباب خلفه بهدوء،بينما عادت امي الى الفراش لتأخذني الى حضنها وتغط في نوم قلق،كنت اشعر بخفقات قلبها المتسارعة وكأنها تخفي رعبا كبيرا،فجأة بدأت الاصوات تتعالى وهي اخذت تحضنني بقوة، كأنها تريد الاحتماء بي من الاصوات،انا الطفل الذي لم ابلغ السادسة بعد وكنت يومها خائفا اكثر من امي،التي كانت تقول :" طلعت من الدنيا بـ"الجلبوط" الله يسمح لي فيه".
كانت فريدة بنت ابوعاكف الحلواني تزوجت في سن مبكرة جدا من ابي عفيف محمود اللبني.
كان بيتنا في اقصى الطرف الجنوبي من القرية،وحدنا كنا في هذه المنطقة المنعزلة،مرات كثيرة سمعت صوت الذئاب تعوي بالقرب من البيت،وذات ليلة دارت معركة حامية الوطيس بين كلبنا الجعاري وبين شلة من الذئاب انتهت لمصلحة الذئاب، ومات فيها الكلب بطلا يذود عن حمى قن الدجاج،لم تجرؤ والدتي على الخروج من المنزل الا بعد شروق الشمس، يومها بكت كثيرا ليس على الكلب انما على ثروتها من الطيور الداجنة.
جدي اللبان مات من جراء اصابته بمرض "الكوليرا" حين "اجتاح بلادنا في مطالع القرن العشرين،وجدتي لابي ماتت بعده بعشر سنوات غرقا في البئر حين كانت تنظفها، ومنذ ذلك الحين سدت البئر وتحولت الى قبر لها.
جدي الحلواني اصبح في الخامسة والسبعين من العمر، وهو حتى الان لم يحف شاربه،او يحلق ذقنه منذ توفيت جدتي لامي.
سمعت مرة خالتي تقول لابنة عمها "ابي كان يضربها في الليل لانه كان يعتقد ان جنيا يتلبسها،بينما كانت هي تعاني من الصرع، ولم يقتنع بكلام الدكتور ابولطفي حين اخبره ذلك، لا بل يومها كان من القسوة الى درجة انه اقفل باب الحمام الخارجي عليها وتركها محبوسة طوال الليل فيه".
 تعتقد امي اننا من سلالة ملعونة لان الاحداث التي مرت بعائلتي ابي وامي رسخت عندها هذا الاعتقاد،الى درجة انها تعتقد ان خالي فتاح هو من قتل ثور المختار من اجل سلخه وبيع جلده لمدبغة ابو جهجاه للحصول على اجرة البوسطة للفرار من حياته المريرة في القرية.
امس قالت لوالدي منذ خمسة عشر عاما لم نسمع عن فتاح اي خبر، الم تصادفه يوما في المدينة؟
قال والدي: كيف اصادفه وانا من الفجر الى اخر الليل في المرفاء،اعمل كثور الساقية انقل البضائع،الم تلاحظي ان ظهري تقوص من الاحمال الثقيلة التي احملها كل يوم؟
خالي شريف اتهم بالسرقة في حادثة شهيرة وهو منذ خمس سنوات في السجن، تقول امي كلما شارفت مدة حبسه على الانتهاء افتعل مشكلة في السجن ليبقى فيه لان لا مستقبل له، فجدي بالكاد يستطيع تأمين مصروفه من عمله في محل الحلويات.
شريف كان عمره 18 عاما حين دخل السجن،ومنذ سنتين زاره والدي في محبسه، وكانت هذه هي الزيارة اليتيمة له،وامي لا تجرؤ على طلب الاذن بزيارته لان ابي قال لها ان تنسى ان لها اخا اسمه شريف،و كان غاضبا الى درجة كبيرة والى حد جعلني اخاف منه، ولا اتقرب اليه طوال ذلك اليوم.
***
كيس الورق الذي احمله شارف على التمزق، وبت خائفا على البيض الذي فيه و لا ادري هل سيقبل الحلاق مني البيض مقابل ان يحلق شعري؟ واخاف اذا تكسر البيض ان تعاقبني والدتي ويعاقبني الاستاذ فريد الحديد لانه لا يطيق ان يرى تلميذا شعره طويل في المدرسة.
***
اليوم انا في الخامسة والعشرين من العمر،والدي تقاعد من عمله في المرفأ، ووالدتي اصيبت بمرض السكري الذي افقدها نظرها،كل شهر ازورهما في القرية ليومين، وكأن سيرة ابي تعيد نفسها من خلالي، الفارق ان استقبال امي لابي كان حميميا الى درجة يسنيان فيها انني موجود، بينما استقبالي يبدأ بالشكوى من الظروف الصعبة، وقلة المال،وغلاء الدواء.
الشهر الماضي قال لي ابي: "ما تمنحنا اياه من المال لا يكفي يابني تدبر امرك وزده قليلا". وحين اخبرته ان راتبي لا يكفي لزيادة ما ادفعه لهما قال:" شوف حالك… دبر امرك… لا تكن مثلي … لقد افنيت عمري عتالا في المرفاء ولم اجمع ثروة كغيري من الحمالين".
سألته كيف يجمع الحمال ثروة؟
قال:" بسيطة يأخذ من البضاعة التي يحملها القليل الذي لا يلاحظ ويبيعه في السوق،او يمرر تهريبه ويقبض عليها ويستريح من عناء العتالة".
قلت :" انت لم تزر خالي شريف في السجن الا مرة واحدة لانه سرق، و كنت تقول ان ما فعله عار لا يمحى ابدا،فكيف تتكلم الان عن التهريب، وعدم استغلال الفرصة؟"
قال:" خالك شريف كان ثاقب النظرة فهو اراد ان يتخلص من تعاسته في القرية بالسرقة ليهجرها الى الابد،لكن الحظ خانه في السرقة … وفي السجن، ومات سجينا".
نفث دخان سيجارته واردف:"خالك فتاح ترك القرية وذهب الى المدينة ،اشتغل بالبار سنتين جمع راسمال صغير وهاجر الى البرازيل، وطول الوقت امك مفتكرة انه بالمدينة، بتعرف بشو اشتغل بالبرازيل؟ اشتغل ببار وبعد كم سنة فتح بار وصار رجل اعمال، وصار عنده مصاري ونسي القرية واهله والدنيا كلها، خالك فتاح اليوم صار بالستين،وعنده ثروة ، وانا انتظر اخر الشهر حتى تعطيني شوية مصاري لاعيش انا وامك، العلم شو نفعك؟"
***
كانت حياة ابي مجبولة بالانكسارات واليأس،ربما كان يحصد شوك البؤس التاريخي،حين رويت قصتي الى سميحة مسدت شعري بكفها وقالت :" دعك من البؤس وتعال معي نهاجر الى بلاد بعيدة لا يعرفنا فيها احد، وهناك نبني حياتنا من جديد، انا بشتغل بشي كباريه راقي وانت بتشوف شغلة كويسة ونعيش"؟
بين مرارة ابي مما وصل اليه وطموحات سميحة بت اقرب الى الاقتناع ان ما تقوله سميحة هو الحل الامثل،لكن سري الصغير الذي حافظت عليه طوال ثلاث سنوات سوف ينكشف اذا استسلمت الى الضغط اكثر، سرا ادرس في كلية الحقوق بعد ان انهيت تعليمي الثانوي في المدرسة المسائية، اريد التخلص من كل هذا البؤس دفعة واحدة حين اتخرج،لكن ضيق ذات اليد يدفعني احيانا الى التهور والتفكير جديا بالهجرة،فانا لا مستقبل لي حتى بعد الحصول على شهادة الحقوق اذ كيف ساعمل بشهادتي، اي مكتب محاماة سيقبلني لأتدرج فيه، وانا عار  من كل واسطة في بلد الواسطة فيه تفتح كل الابواب؟
اشعر بدوار،اكاد اتقياء كل تعبي…اريد التخلص مما انا فيه…امس ليلا فكرت جديا بالانتحار… لن يكون ابن الحانوتي افضل مني لقد كان جريئا الى درجة انه تجرع قارورة السم دفعة واحدة، وكذلك ابن الحطاب، وبنت ابو شوارب، وزوجة الاسكافي،و …و …و …و ، ثلاث سنوات شهدت فيها قريتنا والقرية المجاورة 25 حالة انتحار وكلها مرت مرور الكرام، لم يهتم اهالي القريتين للامر، وكانوا يعودون الى حياتهم بعد دفن كل منتحر، وكل المنتحرين كانت اسبابهم تافهة اذا قيست بالجحيم الذي اعيشه، وبالتاريخ العائلي الذي احمله.
لماذا لا اتعاطى مع الامر من زاوية اخرى،لماذا لا استغل الانتخابات المقبلة واتقرب من زعيم المنطقة وهو يكون واسطتي حين انهي دراسة الحقوق؟
لا …لا … لا مكان لي بين انصار الزعيم،وهم اصلا لن يقبلوا ان اكون واحدا منهم، فوالدي لم ينتخب الزعيم طوال 25 عاما ، وكان في كل انتخابات يشتغل شتاما للمرشحين ،يقبض من هذا ليشتم ذاك ، ويقبض من ذاك ليشتم ذلك ، وتنقضي الانتخابات وهو لم يدل بصوته ، لكنه يكون شتم كل المرشحين، وهم ينسونه طوال اربع سنوات ويتذكرونه في مهرجان الشتم، الى درجة انه اصبح منبوذا من الجميع في القرية … فكيف سيقبلون بي.
ابي لماذ اورثتني عداوة الزعيم ايضا،لقد احكمت اقفال الابواب امامي، لا ادري فعلا كيف يمكن لي الخروج من الدوامة التي انا فيها ثمة فتاة ليل تريدني ان اهاجر معها. واب الان يرمي من كلامه الى حضي على الانحراف من اجل المال،وام ضريرة، وخال مات سجينا واخر هاجر ليعمل قوادا،وصاحب مواخير،وانا ادرس الحقوق بالسر لانني اخاف فعلا من عدم القدرة على المواجهة في هذا الامر،فاذا علم والدي انني ادفع سنويا 600 ليرة مصاريف دراسة في الجامعة لنصب لي المشنقة،فهو عندما نجحت في امتحانات الشهادة المتوسطة رمى بي في سوق العمل في المدينة، وكان يعتقد انني سأكتفي بهذا القدر من التعليم، وحين طلبت منه مرة السماح لي باكمال تعليمي انزل بي كل غضب الدنيا لدرجة انني بقيت في المنزل ثلاثة ايام للشفاء مما تسبب به من رضوض في جسدي.
تنحنح الرجل الجالس الى جواري مرات عدة قبل ان يقول :"لا تكبرها الهموم تزول سريعا تفاءل بالمستقبل يا بني"،ومن دون ان انبس ببنت شفة اضاف:" انا في الخامسة والستين من العمر،امضيت في السجن عشرين عاما واعود الى قريتي الان بعد كل هذه السنوات وكأنني اولد اليوم،اراك غارقا في همومك الى درجة انك لم تتنبه الى المشاجرة التي وقعت قبل قليل بين امرأتين تجلسان خلفنا".
وكأنه يريد الانتقام من صمت عشرين عاما في السجن قال:"قبل عشرين سنة كنت عريسا في شهر العسل، وكنت يوما امام بقالة القرية،سمعت احدهم يتحدث الى البقال وخيل لي انه يغمز من قناة زوجتي، لم اتمالك نفسي انذاك وانقضضت عليه واخذت اضربه بلا هواده واطبقت على عنقه حتى مات(…) بعد ثلاثة اشهر طلبت زوجتي الطلاق،قبل ان يصدر حكم المحكمة،طلقتها،وحين انتهت عدتها تزوجت من رجل من قرية مجاورة،وعلمت انها انتقلت الى المدينة،وبعد مضي اربعة اشهر على زواجها من ذلك الرجل انجبت ولدا،ولقد سجلته بأسم زوجها! عندها تيقنت ان الرجل الذي قتلته كان على حق،وقد امضيت عشرين عاما في السجن ثمنا لسراب الشرف(…) لا ادري الان كيف ادخل القرية؟ لا ادري اذا كنت استطيع فعلا مواجهة الناس(!) هل تعلم ان منذ 15 عاما لم يزرني اي من اهلي،هل تعلم انني امضيت 25 عاما في المهجر،جمعت فيها بعض المال،وحين عدت تزوجت من امرأة كانت تخطط فقط للحصول على مالي،وبدلا من ذلك دخلت السجن في السنة نفسها التي عدت فيها من المهجر وتزوجت؟"
كان الرجل يريد  الى من يستمع له،وربما انشغالي بهمومي كان الدافع ليسرد علي قصته،لكن المسافة المتبقية لن تسعفه كثيرا،لذلك قلت له:لماذا لا تكون الليلة ضيفي، وغدا صباحا تذهب الى قريتك؟ اجاب:" الليل ستار العيوب، ولن يتنبه لي احد اذا دخلت القرية ليلا،وبيني وبينك لن انزل من البوسطة في القرية ،انما بالقرب من مدخلها،لا اريد لاحد ان يراني الان احتاج الى بضعة ايام من العزلة في البيت، وبعدها اخرج الى الناس".
قلت :انت غادرت القرية منذ عشرين عاما، ومنذ 15 سنة لم يزرك احد من اهلك،فهل متأكد ان البيت مازال كما هو،او مازال بيتك؟
بشيء من الحسرة قال:"مفتاح البيت ارسلته زوجتي الي مع احد رجال الدرك بعد خمسة اشهر من دخولي السجن، ومازلت احتفظ به، لا ادري اذا كان البيت يصلح للسكن، لكن لا مأوى لي غيره… ربك بيفرجها،من نام 20 سنة على فراش الحبس لن يزعجه فراش البيت حتى ولو كان من البلاط".
كانت غربان الدموع تحوم في افق عينيه،ربما هي غربان الخديعة التي دفع ثمنها 20 سنة في السجن،و لا ادري لماذا شعرت بود كبير لهذا الرجل الى درجة لمعت في رأسي فكرة ان ارافقه في الليلة الاولى له في قريته،شعرت انه يعاني من ظلم كبير ومن وحدة هائلة، انفلتت الكلمات مني لا شعوريا اذ قلت:" اتعلم انني ارغب بمرافقتك في اول ليلة لك في منزلك، اشعر انني مسؤول عنك،ارغب فعلا في تمضية الليلة معك، واذا لم يكن بيتك صالحا للنوم فيه نذهب معا الى قريتي سيرا على الاقدام ونبيت فيها ومن ثم نتدبر امرك،فغياب 20 سنة عن المنزل والقرية ليس بالامر الهين،استحلفك بالله الا ترفض اقتراحي هذا،فانت تريد الى من يستمع اليك، وانا اريد ان اروي بعضا مما اعتقده مأستي، وكلانا ياعزيزي في الهم غرقى".
نظر الي بعينين فيهما حنان كبير وقال:" يا بني انت مازلت في مقتبل العمر، لا تجعل نفسك اسير الحيرة،دعك مني فانا الان على مشارف النهاية، بعد كل هذا العمر لا اعتقد انني انفع الناس او نفسي في شيء، ماذا تستفيد اذا استمعت الي، رويت لك بعض مأساتي لانني شعرت من تأففك الدائم انك تحمل جبالا من الهموم اكبر من الجبال التي تحيط بنا".
صمت قليلا ثم  اضاف:" لن ارفض طلبك،سأقبل عرضك، لانني فعلا اذا لم اجد بيتي، او اذا لم يكن صالحا للمبيت فيه احتاج الى بيت امضي فيه ليلة واحدة تنسيني الحبس".
كانت العتمة بدأت تدب في الارجاء،ونحن منذ تسع ساعات في البوسطة، لنقطع مسافة مئة كيلو متر بين المدينة والقرية، وكأننا نمتطي دابة وليس باصا،لكن هذه هي العادة في الانتقال بـ"البوسطة" الى القرية،فهي تتوقف عند كل منعطف وفي كل مدبنة وبلدة وقرية.
في المقعد المقابل لمقعدي كان ولدان من قرية مجاورة ويبان عليهما الجوع الى درجة انهما التهما كل الموز الذي في كيس ورق اشترياه من احدى المحطات، المرأة الاربعينية التي تجلس في المقعد ما قبل الذي امامنا يظهر عليها التعب، وكأنها ترغب في قضاء حاجتها ولكن اين في هذا الخلاء؟ وهل سجروء على الطلب الى السائق التوقف من اجل ذلك؟ ان ذلك سيجعل منها حديث قرى الناحية كلها، وستوصم بعدم الذوق، و انها بلا شرف، على المرأة في مجتمعنا ان تحتمل كل العذابات والا وصمت بابشع الاوصاف.
لقد نهضت من مكانها مرات عدة،تلفتت حولها مرات ومرات، لكن اسقط بيدها،وهي لن تقضي حاجتها الا عندما تصل بيتها، والواضح ان "البوسطة" لن تصل الى وجهتها قبل ساعة من الان.
معاون السائق اعتاد الحياة في "البوسطة" ولذلك اتخذ مقعده وغط في نوم عميق،اغمض عينيه عن شواردها، ولن ينبه السائق الى ما يريده الركاب،عليهم ان يتحملوا ما هم فيه. فجأة علا صوت الولد في المقعد المقابل" ابو فرج وقف "البوسطة" بدي فوت على الحمام"، لكن السائق لم يهتم كثيرا له، نادى رجل سبعيني السائق منبها السائق الى ما قاله الولد، الا ان ابا فرج اجاب:"بس يوصل على بيتهم يفوت على الحمام ما افينا نوقف بهذه الطلعة،الطريق صعبة والبوسطة مش راح تقلع مرة ثانية بس نوصل للسهل الله بيفرجها".
واردف موجها كلامه الى معاونه:"يا ابو خليل اقوم شوف الركاب،مش وقت النوم هلق". وكأنه اعلن في ذلك احتجاجه على كلام السبعيني،قال جاري:"زمان كان الواحد منا يمشي اكثر من ساعتين ليوصل لمكان توقف البوسطة حتى يستقلها اليوم يمكن صارت توصل الى ساحة البلدة، تغيرت البلاد… لكن الطريق بعدها لم تتغير".
وبشيء من التعالي سألني:" هل تعرف قصة الطريق التي نسير عليها؟"
ومن دون انتظار اجابتي قال:" في اواخر القرن الماضي استعانت الحكومة العثمانية بمهندس فرنسي لشق الطريق، وبعد اشهر من المعاينة والدراسة وبعد الكثير من الخرائط، وجد هذا المهندس نفسه امام معضلة حقيقية اذ ان الطريق لن تكون صالحة لمرور العربات،وفي تلك الايام لم تكن السيارات قد صنعت، وفي يوم الايام مر احد الفلاحين بالمهندس،وسأل المترجم منذ اشهر اراكم في هذه المنطقة، وترسمون الخرائط وتعيد رسمها ومعينة المنطقة، لماذا ؟
فقال المترجم ان المهندس الفرنساوي يخطط طريقا لتصل الناحية بالمنطقة الاخرى،فاجاب الفلاح:"قل للمهندس ان الحل عندي،واذا نفحني عشر ليرات ذهبية سأقدم له الحل". نقل المترجم كلام الفلاح الى المهندس،واخذ الاخير الكلام على محمل السخرية من الفلاح،واعتقد ان الرجل بحاجة الى الليرات العشر تلك ولن يطلبها مجانا، فوافق على طلبها، واعطاه الليرات التي طلبها ،حينها قال الفلاح للمترجم قل للمهندس ان يمتطي حماري، نقل المترجم كلام الفلاح الى المهندس،ضحك الفرنسي ساخرا،لكنها ساير الرجل وامتطى الحمار، عندها قال الفلاح للمترجم قل لمهندسك ان يرسم الطريق التي يسير عليها الحمار، وسيكتشف ان طريق الحمار هي اسلم الطرق ، ولن يحتاج الى مزيد من الوقت في البحث والمعاينة والخرائط.
حين ترجم المترجم كلام الفلاح اطلق المهندس ضحكة مجلجلة تردد صداها في الارجاء،عندها اطلق الفلاح العنان لحماره،وسار خلفه بينما بدأ الفرنسي يتابع باهتمام سير الحمار ويخط على ورقة بيده خطوطا لم يدرك الفلاح معناها الى ان وصلا الى القاطع الثاني من الناحية، وهكذا اعتمد المهندس الفرنسي طريق الحمار طريقا لنا، يعني من شق الطريق … حمار".
قصة الطريق كنت سمعهتا عشرات المرات من كبار السن في قريتي والقرى المجاورة، ودخلت الى الادب الشعبي عبر كتاب لسلام الراسي، لكن ما كان يشغلني الورطة التي وضعت نفسي فيها عبر اصراري على مرافقة الرجل،فهو قاتل و لم يمض على خروجه من السجن اكثر من 24 ساعة،ماذا ترك به الحبس ؟ كيف عاش حياته خلف القضبان؟
ربما كان الرجل يقرأ ما يدور في خلدي،فقال من مقدمات:" هل تعرف ان للسجون قوانينها،و عالمها مختلف تماما عما تعرفه خارج اسوار السجن؟"
قلت : ماهي قوانين السجن؟ كيف هو هذا العالم الذي تتحدث عنه؟
قبل ان يجيب كان صوت معاون سائق البوسطة يعلن الوصول الى مشارف قرية رفيقي، وعلى من سينزلون فيها الاستعداد فقال الرجل:" اخبرك عن ذلك لاحقا دعنا نترجل من البوسطة هنا". ونادى على السائق ان يتوقف لنترجل، لم يعر السائق اي اهتمام للامر اذ المنطقة مقفرة وبعيدة الى حد ما عن اول بيوت القرية، توقفت البوسطة وقال سائقها لمعاونه "ساعد الجماعة(…) قبضت التعرفة منهم؟"
ترجلنا وحمل كل منا حقيبته،بينما استمرت البوسطة في رحلتها، ترامى الينا نباح بعض الكلاب، فقال رفيقي :" غريبة طوال عشرين عاما لم يتغير نباح كلاب قريتنا، ياعمي عندهم اصالة اكثر من بني ادم". واردف:" اعتقد ان الساعة الان تقارب السابعة مساء،في مثل هذا الوقت نتناول العشاء في السجن، ونعود الى القاووش،عند التاسعة تطفأ الانوار، ويتفقد السجان كل الزنازين ليتأكد من نوم المساجين.
احيانا كثيرة كنت امضي ليلا مستذكرا الماضي، الايام في الغربة حيث كنت شابا لم تكن الدنيا تسعني، واحيانا كنت اغفو فور وضع رأسي على وسادة القش التي كانت كل سنتين تستبدل".
توقف الرجل قليلا ونظر حوله في الظلام وقال :"كما هو جميل ان ترى الليل بحرية،من دون سجان ومن دون من يطرق على الباب الحديد ويقول لك بلهجة الامر نام يا فلان".
كان الرجل بدأ يدخل في حالة من الحنين الى السجن فهو امضى ثلث حياته فيه ومن الصعب ان يخرج منه بسرعة، سيبقى السجن فيه لزمن، طالما هو يتحدث عنه فهو غارق في السجن،اذ قال :"اول مرة اشعر بالخوف منذ عشرين عاما، يخالجني الشعور انني لن امضي في الحرية الكثير"، و لا شعوريا قال من دون ان ينظر الى الارض:" انتبه بعد قليل سنمر بعليقة الجنية،هذه الجنية كانت تخرج ليلا لتغوي الرجال الذين يمرون في المكان،لقد اصيب ابو جليل بلوثة منها، ففي ليلة من ليالي ايار كان عائدا الى منزله،يجر حماره خرجت اليه الجنية عارية كما خلقت، واغوته، بقي الرجل طوال الليل اسيرها، وفجرا تركته ودخلت العليقة حاول ان يدخل خلفها لكن الشوك مزق جسده،وعندما عاد الى البلدة كان ينزف من كل مكان في جسده، ولم ينبس ببنت شفة طوال اسبوع.
بعد اسبوع استيقظت زوجته على هذيانه،وبدأت بالصراخ،اذ كان الرجل يحدث كائنا غير مرئي، ويضحك،ولم يعر صراخ زوجته اي اهتمام بل استمر بهذيانه الى ان جاء الشيخ ابوعباس ، ولم تنفع رقيته في اخراج الرجل من لوثته،صار لازم يشوفه حكيم لازم ينكوي براسه حتى يشفى، وجاء الحكيم نسيم، وهو بالمناسبة الحلاق والصيدلي والطبيب والمطهر،وفي وقت الفراغ كان يشتغل سمسار زواج، كوى صدغ الرجل لكن الحالة تطورت اكثر، يومها ارسلوه على العصفورية، وانقطعت اخباره".
شعرت بكلام الرجل انه يحاول بعث الخوف في نفسي للسيطرة عليّ،فقلت :هل لا تزال تؤمن بالجن،العالم تطور كثيرا، ولا تخف لا شيء اسمه جن.
فقال :" تعوذ من الشيطان لا تقل ذلك،ان الله خلق الجن والانس ليعبدون". كنا حينذاك قد وصلنا الى جانب عليقة الجنية، ومررنا بمحاذاتها، وكان الرجل خائفا من اغواء الجنية،فأخذ يبسمل ويحوقل ويتعوذ الى ان اصبحت خلفنا بمسافة لا بأس بها،قلت: ها نحن مررنا الى جانبها ولم تخرج الينا الجنية. واردفت : ما رأيك اذا رجعت واشعلت النار في العليقة؟ هل تخرج الينا الجنية؟ بصراحة ارغب باغوائها لي. ووضعت حقيبتي ارضا وعدت مسرعا الى حيث العليقة،ومن ان التفت الى تحذيرات الرجل، اشعلت علبة الثقاب التي كانت معي ورميتها في العليقة،وعدت ادراجي،كانت النار بدأت تعس في العليقة رويدا رويدا بينما منت اقتراب من حيث وقف الرجل،وما ان وصلت اليه حتى قال :" انت مجنون رسمي،دعنا نسرع الخطى حتى لا تلحق بنا الجنية،لكن النار التي شبت بالعليقة احالت المنطقة المحيطة بها الى ما يشبه النهار،واخذت تستعر بينما نحن نحث السير.
حين وصلنا الى اول بيوت القرية،توقف الرجل وقال:"عملها ابو الحن واستولى على الارض وبنى بيت من كيسي"!
قلت : من هو ابو الحن؟
-         انه اخي الصغير
مررنا الى جانب المنزل من دون ان يحاول الرجل حتى الالتفات بينما اخذني الفضول الى الاقتراب من المنزل توقفت قليلا امامه وعدت اليه حيث كان سبقني،قال:"ماذا وجدت؟"
واضاف:" انت لا تزال شابا ولن تستطيع فهم الحياة الا اذا عركت التجربة(…) على كل حال لم يعد البيت بعيدا". وكان الستيني يتحاشى منازل البلدة قدر الامكان لذلك انحدرنا قليلا الى بعض الحقول التي زادت من مشقة الطريق،واخيرا وصلنا الى المنزل الذي كان ينبعث منه ضوءا خافتا،وبشيء من الدهشة قال الرجل :"من استولى على بيتي،اقسم انني سأعود الليلة الى السجن،لن اتنازل عن بيتي،فهو كل ما تبقى لي من هذه الدنيا واريد ان امضي ما تبقى لي من عمر فيه.
امام المنزل كان شجرة زنزلخت ارخت اغصانها على جزء من الباب، طرق الباب بقوة، اكثر من مرة و بعد دقائق معدودات فتحت امرأة ستينية الباب وقالت :من انتما وماذا تريدان؟ وكانت تحمل بيدها عصا غليظة،فقال الرجل:شو عم تعملي هون؟ مين سمح لك ترجعي على البيت؟ واندفع الى الداخل،اطالت المرأة النظر في وجهه من دون ان تنبس ببنت شفة،كنت لا ازال واقفا امام الباب خراجا فقال ادخل…ادخل لا تخف.
التزمت المرأة الصمت واقفلت الباب خلفنا وعادت لتنظر في وجه الرجل بينما ران الصمت في المكان، وكانت الثواني اشبه بسنوات، ولم يكن هو ينظر اليها كان يحدق في الجدار امامه.
النظر في الفراغ احيانا يبعث في النفس كثيرا من المشاعر المختلطة،وبدأت حمم الغضب تتسرب الى ملامح الرجل،وتحولت انفاسه الى مايشبه التأوه،لم تمل المرأة من النظر اليه، وشعرت في تلك اللحظة انني اصبحت دخيلا غير مرغوب فيه،وحين وقفت قالت المرأة: اجلس يا بني لتسمع واحدة من اكثر المآسي غرابة في هذه الدنيا.
قبل عشرين سنة كنا لا نزال عروسين، وكنت حاملا بأبني،كان ابو حاتم في القرية يشتري لنا من الدكان بعض الاغراض حين سمع احدهم يتناولني بالسوء، ومن دون ان يتبصر الامر اطبق على عنق الرجل و قتله،الله لا يسامح من كان السبب لانه دمر اسرة كانت تتكون بالحب والسلام والسكينة.
وبلا طول سيرة، دخل ابوحاتم السجن، وجاء اخوه ابو الحن وطردني من المنزل، و فذهبت الى اهلي لكنهم طردوني ايضا لانهم صدقوا ما قاله الرجل،فذهبت الى المدينة وعملت خادمة في البيوت، مرة التقيت بابن عم زوجي فقال لي :ابو الحن اقنع زوجك ان يطلقك وقد طلقك فعلا منذ شهر،ولم يمض على حبس ابوحاتم شهرين بعد،يومها شعرت انني قد مت،وحين ولدت ابني حاتم اضطررت ان اعود الى القرية،كان استقبال اهلي فاترا، وقال ابي: نحن لا نستطيع اعالتك،جايبه معك ولد كمان روحي ارميه لاهله،رفضت وهددت بالعودة من حيث اتيت،الا ان امي تعهدت لابي بحل الامر بمعرفتها،وفي يوم من الايام استيقظت صباحا لم اجد ابني الى جانبي جننت فقالت امي لا تقلقي سيعود اليك ابنك انه بعهدة عمه،ذهبت الى ابو الحن ورجوته ان يعيد اليّ ابني،وبعد تمنع مصطنع اشترطت علي ان اخذ ابني واغادر القرية فورا،قبلت الامر على مضض، واخذت الرضيع ومضيت في حال سبيلي، وذهبت الى سورية ومنها الى الاردن حيث امضيت 19 عاما هناك اعمل خادمة في البيوت،عشت انا وابني سنوات عدة من دون هوية ، ولم نفكر يوما باستخراج جواز سفر،لقد سافرت الى الاردن مع مجموعة من البدو الرحل من دون المرور على نقاط التفتيش، وكنت حذرة جدا من افتضاح امري.
في يوم من الايام جاءني ابن صاحب البيت الذي اعمل فيه، وكان طالبا جامعيا، وقال الولد يجب ان يذهب الى المدرسة،فاين جواز سفرك لاسجله في المدرسة،وحتى لا اطيل اخبرته حقيقتي من اولها الى اخرها،وكان الشاب شهما فأخذ يعلم الولد في المنزل،وبدأ يبحث عن وسيلة يجعلني فيها مقيمة شرعية في البلاد،فاستخرج لي هوية لاجئة في العام 1948 عندما نزح الفلسطينون من ارضهم، وتحولت من لبنانية الى فلسطينية،واستطعت ان ادخل ابني مدرسة الانروا باسم حاتم كريم العز، مواليد صفد في 15 ايار 1942".
تنحنح ابو حاتم وسألها بشيء من الضيق"وين الولد؟"
من دون ان تلتف اليه قالت بحماس:"اسير عند اسرائيل". وبعد صمت ران على المكان اردفت:"كان من اوائل الذين التحقوا بالمقاومة الفلسطينية، ووقع اسيرا قبل اشهر قليلة بيد الاسرائيليين عندما كان ينفذ عملية فدائية بالارض المحتلة،كان دائما يعتقد انه فلسطيني، وانه يريد العودة الى صفد وكنت خائفة ان اخبره الحقيقة،لكن في يوم من الايام، وبعد التحاقه بالمقاومة،كان متحمسا جدا، اخبرته الحقيقة كاملة وعارية من اي لبوس فقال :لبناني او فلسطيني المصير واحد،المهم القضية،المهم تتحرر فلسطين،وطالما سجل مسقط رأسي صفد يجب ان اصل الى صفد التي منحتني هويتي. كان فرحا جدا بالحقيقة ولم ادر ما السبب،كان دائما يسألني عن ملامح ابيه، ويقول لي مازحا:هل كنت تحبينه؟"
بشيء من الزهو الممزوج بالغصة انفرجت شفتي العجوز عن ابتسامة وقال:"ابني بطل،وانا لا اعرفه"، ثم نظر الى زوجته وقال:"انا صار لي عشرين سنة بالحبس، والزلمة صار له من الصبح بالبوسطة، شوفي شو بدك تعملي بدنا ناكل ونرتاح شوية وبعدها بنحكي".
ثم وجه كلامه اليّ قائلا:" صار عندك حكاية حلوة يمكن تحكيها للناس،لكن تذكر دائما ان كل واحد منا بريء،والغلطان دائما مجهول، الحق على الطليان يا ابني".
 hasana961@yahoo.com

نجيب وبديعة والخادمة

h.abdullah | 04 شباط, 2009 17:35

ناس

   نجيب وبنت الطحان والخادمة

 حسن احمدعبدالله

 وضعت يدها على كتفه وقالت :" انتبه لنفسك، لن تجد بعد اليوم من يمنحك الامان"، اطرق قليلا والتفت خلفه وقال:" اعلم ذلك، لقد امضيت 30 عاما وكنت اشعر كل صباح انني اولد من جديد، لكن الان اصبحت طاعنا في الهم، وليس في السن فقط".في تلك الاثناء كانا اصبحا وحدهما في المقبرة، وكان بضعة عمال يكملون اهالة التراب على ضريح ام نجيب. رفعت رأسها ونظرت الى اعلى وقالت :" يجب ان تتغير حياتك، انت اليوم بحاجة لمن يرعاك، او بالاحرى من ترعاك، انت تعلم انني وزوجي سنغادر بعد اسبوع الى حيث نعيش، ستبقى بمفردك، يجب ان تتزوج".لم يعر الامر كثير اهتمام، وقال:" دعك من هذا الموضوع الان، استطيع تدبر اموري(...) هيا بنا نعود الى المنزل فالمعزون سيتوافدون بعد قليل".حين كانت تغيب بين المسافرين كانت الدائرة تضيق على نجيب، وكانت الاصوات من حوله تبدو وكأنها اتية من كوكب بعيد، لم يتنبه الى من كان يناديه التف على نفسه ، ومضى ساهما .نجيب اعتاد كل صباح على صوت امه يوقظه من النوم، ورغم انه اصبح في الثلاثين من العمر الا انه بقي اشبه بالتلميذ في المرحلة الابتدائية الذي يخضع لامتحان طويل من الاطمئنان الى تناوله الفطور ، وترتيب ملابسه، وقلما كانت ام نجيب تترك اي امر من طقوس الصباح للصدفة او الاعتماد على ابنها فيه، فهي تعتقد ان "الاستاذ" نجيب هو الوحيد بين ابناء القرية الاستاذ، بينما بقية اقرانه هم عندها "معلمين ولاد"، اي في حسبانها لم يرتقوا بعد الى مصاف ابنها، حتى الاستاذ مدير المدرسة،والذي امضى نحو ثلاثة عقود في ادارة مدرسة البلدة هو "معلم اولاد"، نجيب وحده الذي ذهب الى المدينة ونال منها شهادة"استاذ"، لذلك امضت المرأة حياتها غير معترفة بـ"استاذية" زملاء ابنها، واحيانا كثيرة كانت تقول هذا الكلام الى اصدقاء ابنها الذين كانوا يجتمعون في بعض الليالي في منزلها.في سنة من السنوات صممت ام نجيب على اختيار عروس لابنها،واستعرضت في جلسة واحدة مع ابنتها كل بنات القرية، ووجدت في كل واحدة منهن عيبا يمنعها من ان تكون "كنتها"، وحين عجزت قالت:" الزواج قسمة ونصيب، ويمكن كون نسيت واحدة من بنات القرية التي هي مناسبة لنجيب". قالت الابنة:" مارأيك ببديعة بنت الطحان؟" اجابت:" بنت الطحان ما بتليق بابني، ابوها بالنهار غارق بالمطحنة وبالليل مشغول باله بمشاكسة امها، والمثل بيقول :طب الجرة على تمها بتطلع البنت لامها،لا ...لا...لا هذه بتكون مثل امها مشاكسة ، وبتشغل بال اخوك".قالت الابنة:" لكنها تدرس الطب في الجامعة ،وبعد سنتين بتصير دكتوره". ردت المرأة العجوز:" دكتورة شو ... شو يعني كل مين حمل شهادة صار متعلم ، نحن بعنا ثلاث بقرات حتى علمنا خيك، الطحان شو باع؟ بشو ضحى من شأن تتعلم بنته؟" صمتت قليلا وكتعبير عن حنقها من ابنتها قالت لها:" قومي اعملي غذاء لزوجك واخوك ، قومي ... بنت الطحان دكتورة ... دكتورة قال، اخوك استاذ مدرسة فهمتي شو يعني استاذ مدرسة ؟"كانت السماء تمطر بغزارة حين مر نجيب من امام دكان ابو عرب، فناده من الداخل "تعال استاذ نجيب اجلس حتى يخف المطر"،دخل الرجل فوجد الطحان والفحام وابوعرب يتحلقون حول المدفأة ، كان الفحام اشعل للتو لفافة تبغ ، ومج منها نفسا عميقا ، واكمل حديثا كان بدأه منذ قليل، بينما نجيب القى جسده على اقرب كرسي من دون ان ينبس ببنت شفة. كان الطحان ينعم النظر به من دون ان يتنبه له، سكت الفحام ،كأنه يستدرك حضور الاستاذ، والتفت اليه قائلا:" من اي متى انت هنا ياأستاذ، لم اتنبه الى حضور ، لا مؤاخذة". قال نجيب:" منذ تركت الغنم عند مطحنة ابو وديع". قال ابو وديع الطحان :" خبرنا عنك يا استاذ كيف تمضي حياتك بعد رحيل الوالدة؟ الوحدة يا ابني صعبة، وانت بعدك شاب لماذا لا تتزوج؟"لم يجب الاستاذ، بينما تولى ابو عرب زمام الامر وقال:" بلا مؤاخذة ابو وديع انا امون على الاستاذ ، واعتبر نفسي مثل والده" ووجه كلامه الى الاستاذ وقال :" اليس كذلك يا استاذ؟" قال نجيب:" والنعم ابوعرب والد واكثر، ويمون وما يقوله انا اوافق عليه من دون تردد".التفت ابو عرب الى الطحان وقال له:" انا اطلب ايد ابنتك بديعة للاستاذ نجيب". عقدت الدهشة لسان الطحان ، بينما علت ابتسامة وجه نجيب وحاول كتمها الا انها فضحته. استدرك الفحام الامر ، واضاف :" ابووديع الاستاذ نجيب من اوادم القرية وسيرته عطرة بين الناس (...) وانت عارف انه وحده ، واخته تعيش مع زوجها في المدينة وهو يعيش وحده، وموظف وليس بحاجة لاحد ، وهو خير صهر لك ، وبديعة جوهرة يستاهلها هكذا جواهرجي، وهو يقدر قيمة الدكتورة".لم يحر جوابا ابو بديع ، وبقي صامتا بضع دقائق ، وقام مودعا . ما ان خرج من الدكان حتى قال الفحام :" يا جماعة ابشروا خيرا صمت الطحان دليل الرضا لكنه لن يبت بالامر بمفرده يجب ان يستشير زوجته، ويكلم البنت بالامر ، لا تنسيا انها دكتورة، ولها شخصيتها المستقلة".بديعة الدكتورة كانت افتتحت عيادتها في غرفة من غرف منزلهم، واصبحت في الثلاثين من العمر ، وابن الحلال الذي يقدر الدكتوراه لم يأت بعد، ولذلك كانت استقلت، في عرف القرية، قطار العنوسة ،بينما كانت الطبيبة تهتم بتطبيب ابناء القرية كان غرورها يأخذها الى ابعد مما يمكن ان يصل اليه اي غرور، فكانت تشترط على امها ان اي عريس يتقدم لها يجب ان يوافق على شروطها كافة ، والا لا يحدثها احد بأمر الزواج،هذا الحديث شبه اليومي بينها وبين امها كان يتحول احيانا مصدر خلاف بين ابووديع وزوجته ،فالمرأة كانت تنقل حرفيا كلام ابنتها الى الوالد وكان دائما يرد عليها:" شو شايفة العرسان صافين بالدور على الباب، بنتك اصبحت عانس ، وخلصونا من الحكي الفاضي،قومي اعملي ابريق شاي خلينا نسهر شوي على التلفزيون (...) نسمع كلمة اخبار ونروح ننام، شروطها قال ،تحمد ربها انها صارت دكتورة ، بنتك مثلك بدها اعمى قلب يتزوجها ، وان شاء الله ما يكون هو له شروط  ... دكتورة قال(...) وصفت دواء بواسير للحامل، وصبغة شعر لابو ناجي الذي كان يعاني من التهاب بالرئة، ونتيجة فحص الدم لابوخليل طلعت مع بنتك ان الرجل حامل( ...) قومي اعملي شاي وما تجيبي السيرة مرة ثانية، الله يسترها معنا و ماحدا يشتكي على بنتك لنقابة الاطباء او الشرطة وبيرموها بالحبس".في اليوم التالي جلس ابو وديع على كرسي قرب ابنته في العيادة وقال لها:" لن اطيل الكلام في الموضوع. ابوعرب طلب ايدك للاستاذ نجيب. وانا موافق ، لن اسألك عن رأيك ، اقول لك لمجرد العلم بالامر، والان عليك ان تتحضري حتى اكمل الاتفاق مع ابي عرب والاستاذ نجيب".تلقت الدكتورة الخبر بشيء من الفرح الممزوج بالمرارة، فاخيرا هناك من يريد الارتباط بها،لكنه الاستاذ نجيب اقل منها علما، اردف الطحان:" سمعت ما قلت لك؟" قالت الابنة:" ما تراه مناسبا اوافق عليه، ولا شروط عندي".بعد اسبوع من الزواج قالت بديعة لنجيب:" انت تعرف مشاغل العيادة، لذلك نحتاج الى خادمة ،ما رأيك ان نستقدم خادمة من مكتب في المدينة؟" وافق نجيب فورا على طلب زوجته المصون، وبدأ اجراءات استقدام الخادمة، وكانت هي الخادمة الوحيدة في القرية الاتية من دولة اجنبية ،اذ لم تكن ظاهرة الخادمات قد انتشرت بعد، وكانت المسكينة لا تعرف كلمة واحدة من اللغة العربية، وهذا الامر كان مصدر صعوبة في التفاهم بين الدكتورة بديعة وبين خادمتها، وفي يوم من الايام عادت بديعة من المدينة ومعها كتاب طبخ باللغة العربية، دخلت المطبخ وقالت للخادمة:" اسمعي اريد منك يوميا ان تعدي اكلة مما في الكتاب، واياك اذا اخطأت، لن ارحمك".لم تفهم الخادمة ماقالته الدكتورة ، ورمت الكتاب جانبا ، في اليوم التالي عادت الدكتورة من العيادة ولم تجد الغذاء الذي طلبته من الخادمة صباحا، فجن جنونها وانهالت توبيخا على الخادمة التي لم تدر ماهي جريمتها! طرق الباب ففتحته لتجد والدها فقال لها :" لماذا تصرخين على الخادمة؟ ماذا فعلت؟" قالت :" قلت لها ان تعد الطبخة الموجودة في الصفحة 90 من  كتاب الطبخ لكنها لم تطبخها(...) هذه الخادمة لا تنفع سأستقدم غيرها".قال الوالد:" نعم لقد ارتكبت ذنبا يجب ان تحاسب عليه، لكن تذكري انها اتت مباشرة من كوخ في احدى قرى بلادها الى بيتك فورا، وهي لم تتخرج من معهد عال للغة العربية حتى تستطيع قراءة كتاب الطبخ، هي الى الان لم تستوعب انها تنام في غرفة لها سقف من الخرسانة، ليس ذنبها انه ذنبك يادكتورة الا تعرفين انها لا تعرف اللغة العربية؟"لم يرق الامر لبديعة لكنها سكتت على مضض ، وحين حضر نجيب الى المنزل اخبرته بجريمة الخادمة وحملته مسؤولية هذا الذنب الذي لا يغتفر لانه لم يختر خادمة تفقه اللغة العربية، وختمت خطبتها العصماء بالقول :" انا ذاهبة الى بيت اهلي وحين تجلب خادمة تفهم سارجع الى البيت".مضى اكثر من 25 عاما على مغادرة الدكتورة بيت نجيب والى الان تنتظر ان يستقدم زوجها خادمة ، وهي لا تزال تحلم بخادمة تحل عقدتها. hasana961@yahoo.com

وجهي يخاف المرايا

h.abdullah | 02 كانون ثاني, 2009 16:16

حسن احمد عبدالله

احملك على حد السكين

يجرحني صمتي ويدمني الوجع

***

كأني فيك ابعث عالمي من جديد

واقيم مملكة من اغتراب

من ... حنين

***

ياهذا الموغل في الابتعاد

كم برية يحتاج صوتي ؟

كم من عمر سيخمد الانتظار؟

لست الان سوى جذوة من اخر الجمر

يحاصرني في الشوق الحنين

وامضي الى الرماد

***

لست انت الراحل ... المرتحل في الرحيل

نحن اقفلنا ابواب الحياة خلفنا

لست انت الانت الذي لايعود

نحن لسنا الا سحابة تمر خلسة

في زمان المطر

نهطل مرة واحدة

ويشربنا الضياع

***

يأخذنا شغبنا الى اخر الفرح

ونعود الى الخيبة بعض يباب

***

وجهي يخاف المرايا

ويضمحل جسدي في الانتظار

***

كل هذا الغبار الان

 تذروه سنابك خيل الهواجس

ووحدي في المدى

 اقطف من اشرعة السفن

طيفك

***

يا بحر خذني الى المبتدأ

اعيد كتابة العمر

 على افريز نافذة لوحتها تغاريد العصافير

واسمع لثغة طفل الحلم ترن فيّ

***

امر على المضارب كالغريب

اقطف السوسن

واشعل في العشيات بخور التمني

***

تقول العرافة :

 هاهنا على ناصية الوقت

تنهزم جيوشك يافتى

هاهنا على ناصية الريبة

تجف انهار القصيدة

في ليلك المسكون ببقايا عطرها

يدلهم الحزن كلما اقتربت الذكرى

وحدك القتيل يافتى

وحدك القتيل يافتى

وحدك النار تشتعل في المدى ... الى اخر السراب

***

تقول عرافتي :

لك وحدك كل هذا الصمت

ليس لك غير التمني

***

تخترع عرافتي الامنيات

تتركني على المقعد القديم وتمضي

تزيد من حيرتي

ومن وجعي

تضيف ركاما فوق ركامي

وانا التائه في المدينة الغريبة

يلسعني ثلج وحدتي

لا حطب في مدفأتي

لا امرأة تهدهد تعبي لينام الوجع

***

قالت لي زينب ذات مساء :

ماذا سنترك للغد حين يترمد في الموقد الدفء

***

ليس لي زينب الان

ليس لي في الاحشاء صهيل

لن ترفرف اجنحة عصفور  الوعد

على صفحات هذا القلب

***

ماذا تبقى بعد هذي السنين

اتذكرين يازينبتي كل الزنبق والنوار

في ملاعبنا ؟

حين مرت النار على البيت

اخذتنا سوية الى الرماد.

اتذكرين زينبتي

تلك الوردة التي رمتها الغيمة في كفيك

 تسألين : ما كل هذا الشوك ؟

ما كل هذا الحديد ؟

ما كل هذي الغبار ؟

ما كل هذا الهدير ؟

وانا في كفيك اعد وريقات الوقت في وردتي

واروي من ندى الصمت بستان السؤال

تعالي الان زينبتي لنلعب لعبة السؤال

تعالي نمرر خيط الضوء من ثقب في الحصار

ونمضي الى البعيد

تسأليني ... واسأل الصمت

تمررين كفك على خدي

 فيرتجف في دمي الحنين

***

اعود الى عرافتي

بين يديها ارمي ما تبقى من قلق

متى ياهذا الواقف في مهب التمنى

من لوثة العرافات تفيق ؟

***

قبل الرحيل بطرفة عين

وخفقة قلب

وشهقة

سألتني زينب متى تعود ؟

كنت حينها اغرق بالنار والدخان

وازيز الرصاص

كنت كالحطب انتظر دوري في الاتون

التفت الى اللا مكان ... ومضيت

متى يازينب نعود؟

متى نعود ؟

***

مازلت انتظر على المفرق طيفها

كان اليمام يهدل على النافذة

وكنت انت الهديل

سألني شاهدنا

ماذا ستفعل بمشبك الشعر

بالصورة

بالانتظار

غسلت وجه الوقت بهواجسي

ومضيت الى اللا مكان.

قال : اتدري ان لعبة الصهيل عندي

قلت: اتذكر كيف كنا نرهف السمع الى الصهيل

وسمعت في صوت شاهدنا حشرجة الحنين.

***

وضعتك بين ضلوعي ومضيت

حين كان يهدل طائر الحديد في الجو

كنت وحدي اليك اعود

معتذرا عما فات من سهو .

***

انا الان على قاب غيمة منك

على قاب نظرة من ذاك الصهيل

انا الان ياسيدتي بين القتيل والقتيل

قتيل  

اكاد اشعل شمعة في دهليز الوقت

واذلف اليك من السهو

من الصمت

من الشهقة الاخيرة

كان لي  سقف ومدفأة

وامرأة على نافذة قديمة ترسم

 وجهي الذي يطل من شقوق الوقت.

 ***

 يازينب  الان وجهي يخاف المرايا

بات وجهي يخاف وجهي

وصار جسدي رماد انتظار.

 ***

اعود اليك ياسوسنتي

اجر اذيالي هزيمتي

اعود

اعود

اعود

اعود بقايا قصيدة

***

اهمس في عتمتي زينب

يرجع الهمس اليّ عتمة

يرجع قهقهة  جلاد

يرجع الهمس اليّ كفنا

وبقايا صدى لضحكة كانت بالامس

 في ايامنا عيد

***

ظلي في المنفى يطارد امسي

وغدي سراب الفلوات

***

يا موغل في الخصام

نحكي منذ اخترع الكلام

لن يمطر هذا الغيم

سوى الاوهام

سوى الاوهام

سوى الاوهام

***

 لا مبتدأ

لاخبر

لافعل امر

لا فعل زجر

لا فعل اعتذار

لا فعل انتظار

عصرنا عصر شطار

من ضرب ... ضرب

ومن هرب ... هرب

ومن طرب اخذه الغي الى اخر الطرب

هذه امة العرب

طرب وهرب

لعب وسغب

عجب !

ما العجب...

 السنا ياعصفورتي بين ايديهم لعبا

لعبا ... لعب ؟

***

غق الغراب على اطلال ماضينا

غق حتى بح من غقه التعب

ما هز رمش فينا

و لا استفز في النخوة عصب

ونسأل عن الغضب ؟

ونسأل عن الغضب ؟

ونسأل عن العطب

ونسأل عن

عن نسأل

نسأل

نسأل

هل يتكلم الحطب ؟

***

نحكي منذ اخترع الكلام

 لا اليتيم اكل

و لا شبع اللئام

نحكي

ونحكي

مل منا الكلام

 ***

نصف ليل يغمض عينه على قمر

نصف روح تتفتح ازاهيرها على ربيع

***

يسربلني الحنين فأضيع على مفارق ليلك

تهرب مني لغتي واصير الصمت من ابد

يسربلني الحنين الى عطر

فأصير فراشة تدور على اطراف

البوادي تفتش عنك بين الورود

يا انا الضائع في الحنين

عد الى وجهك

عد اليّ

عد الى الحنين لتولد مرة اخرى

انتبه يا ولد انه لبنان

h.abdullah | 02 كانون ثاني, 2009 16:14

حسن احمد عبدالله

 بعيدا من الاخرين

وحدي كنت استرجع السؤال الاف المرات:

كيف تذهب الى الموت بسلام

وسط دوي المدافع

وعويل النساء

وبكاء الرجال؟

انت وحدك الذي تختار

هنا او هناك

قرب هذا الجدار او ذاك.

تقول القصة القديمة الرتيبة الايقاع:

اننا نمضي الى الشيخوخة بسلام

و ننام و لا نستيقظ.

ذلك هو الموت بسلام..!

لا انت هنا تموت و لا تموت

لا شيء في المكان

او في الزمان يوحي بالحياة.

قبل قليل مرت جثة جارنا الستيني

مات بقذيفة عابثة

لم تعرف القذيفة الرجل

وهو ما كان يعرفها.

الرامي في المكان البعيد

لا يعرف ملامح ابو هاني

و لا حتى فكر يوما به...

لكنه شد زناد المدفع ... وانطلق العويل.

امس عصرا قتلت رصاصة ذاك الصبي

الذي كان عائدا الى البيت من ...لهوه.

رأه القناص فاطلق رصاصته

ربما ليتسلى في نهار ضجر

او  كان يجرب البندقية...!

قبل اسبوع ماتت تلك المرأة التي كانت تنشر غسيلها

على حبل شاخ في الشموس

 التي تمر يوميا على الشرفة ...

عشرون عاما تنشر المرأة الغسيل...

كان القناص يراها يوميا

ربما كان يتذكر امه ...او زوجته...او شقيقته

لكن ربما يومذاك كان تخاصم مع احداهن ...!

حين كانت تروي في العشيات الحكايات

كانت الاشباح تلاعب عتمة  الخيال

كنت انام على خوف واصحو على شمس.

الان انام على شمس واصحو على خوف

ماتت الحرب على باب بيتنا القديم

وانا الغريب في البيت الجديد

لا مكان لي ... لا شمس ... لا ذكريات

مرت الطائرة قبل قليل واخذت بيتنا الى اللا مكان

هذه القصيدة مملة

ليست قصيدة

انها هذيان

كلنا هذيان في لحظة عبث ياعزيزي

كلنا هذيان.

...

نسقط اوراق خريف على قارعة النسيان

هل نعود الى ...؟

الى حضن ذاك الغول

يلتهمنا ... ونسكت؟

دعنا يا عزيزي نمضي الى المجهول

مخبول يجر مخبولا

مخفور يجر مخفورا

تابع يجر تابعا

و وطن يغرق في الهذيان

دعنا نسميه النسيان

انتبه يا ولد صحح الاسم

انه : لبنان !


 

ازماننا اوهام

h.abdullah | 02 كانون ثاني, 2009 16:12

حسن احمد عبدالله

ذاهبون الى ازماننا

في متاهات لا تنتهي

ذكريات تمحو اخر

وناس  يسقطون منا على مرمى ضجر

***

اوقاتنا مأساة  لا تستقر ريحها

واصواتنا  تطير في فلوات لا حدود لها.

اشباحنا اسيادنا

يسيرون بنا الى اللا منهتى

***

جنوننا نار

وصبرنا بحر  انتظار

وكلنا في الوقت سيان

قاتل ومقتول

عاقل و مجنون

عاشق و منبوذ

ظالم ومظلوم

كلنا في الوقت ... يا وقت سيان

***

كلنا في الوقت سيان

تلسعنا عقارب الساعة

ويجري في عروقنا سمها

هذا سقط عند العاشرة

وذاك انكسر في التاسعة

وتلك طارت الى جنونها في الثامنة

وذلك انزوى بين دقائق السابعة.

***

صبح وعصر

عصر وصبح

نهار وليل

ليل ونهار

دوامة من عقارب تجوب العمر

... و لا تتعب

دوامة من نار لا تمل منا

نحن الحطب

***

عام ... وعام ... وعام

ما اكثر الاعوام

ما اكثر الاوهام

ما اكثر الاصنام

ما اكثر  الارقام

ما اكثر الاكثر الاكثر

المنتهي الى اقل الاقل

***

احزم يأسك يافتى

واذهب بعيدا في الانكسار

في الاندثار

افتح ابوابك للريح

لن تستكين اعاصيرك

لن تستريح ،

احزم رعونتك يافتى

امض  في خطاياك

 ما انت الا  رقم تمحوه المهزلة

***

ذاهبون الى ازماننا

الى متاهات لا تنتهي

ذاهبون الى الضياع

ذاهبون ... ذاهبون...ذاهبون

لا مضارب لنا في دوامة الوقت

لا وجوه

لا اسماء

***

الف

الفان

ثلاثة

***

واحد

اثنان

ثلاثة

... و سبعة

وثمانية

و عشرة

***

عشرون

ثلاثون

اربعون

خمسون

ارقام مجردة

ساكنة في طيات المفكرة

السنا ذاهبون الى ... المجزرة؟

***

رأس

ورأس

ورأس

وتتحدرج الرؤوس

***

سكين

وسكين

وسكين

وجزار يغويه الدم

تدور السكاكين على الاعناق

تحز الايام والاحلام

والاعوام

اليس هذا العام مثل ذاك الذي مضى

 قبل عشرة  من الاعوام...

 عفوا ..من الاوهام؟

***

تقول عامك  مضى

واذهب الى عام جديد

سأذهب الى وهم جديد

ويأس مديد

ودائرة لا نهاية لها.

سنمضي الى اوقاتنا

وازماننا  مجرد اوهام تمحوها الاوهام

***

من انت؟

من انا؟

من نحن؟

من هم؟

وهم يمر خلسة في الرقم

وتمحوه عقارب الساعة

عند الثانية الاخرى.

ثانية تمحو  ازماننا

ونحن مجرد بقايا على صفحة الوقت

***

اهلا بك يا وهمي الجديد

اهلا  بك يا عامي الجديد

اهلا ... واهلا ... واهلا

ياريح

ابوابي اليك مشرعة

ونوافذي اليك مشرعة

وانا في مهبك وهم

فاعصفي ... واعصفي ... واعصفي

واعصفي الى اخر التعب.

ماذا ستأخذ الريح من اليباب غير اليباب؟

خربشات خيامية

h.abdullah | 02 كانون ثاني, 2009 16:09

  حسن احمد عبدالله

قنديل على الباب يحكينا

يراقص ليلك المعطر بالوشوشات

وخال على الخد يسيل له لعاب نبعك الرقراق

***

هنا الخيام ياولدي

ابواب مشرعة على الاقمار تنادي

هذه الساحة مدى يتسع الى اخر الكون

وذلك الشارع الممتد الى اخر الاحلام

تشاغبه كركرات الاطفال

وشارع العشاق همسات

تنبت في زقزقة العصافير عشاق

***

كانت لنا البيوت حكايات

لاحجار عتيقة

وذاك الزيتون منذ البدء كان هنا

من زيته اوقد المسيح قنديله

وتلك دردارة روت صلاح الدين

حين كان الدين الايمان

***

من هنا مرت على الاجساد المتعبة

حراب وغيلان من حديد

ثمانون فينا في غيابهم حضروا

في المجهول قد ناموا

***

يطل من الجنوب

كابوس يصبغ قناديلك بالعتمة

وسطوح البيوت العتيقة

تئن من هدير غربان السماء

وانت هنا عار حتى من سماء

***

يضيء القمر ليل الحكاية

وتشاركه النساء الامس الذي كان

وفي البعيد يشتعل جنون الفراق

بين الماء والماء نار وجزار

وعيون تسرق من البعيد بعض شمس الخيام

***

يشاغب التلميذ معلمه

وعلى افريز النافذة يغني الدوري مواله

وتلك الكراسي القديمة تكتب رسائل شوق

الى احاديث ملونة بايام خلت

***

قبل ان يقفل النهار دكانه

يستل الطاعن في الامل قصة قديمة

ويحلق ابو اسعد اخبار الايام على مهل

وتنقب الختيارة بين حبيبات القمح عن فارس

لبنت نبت بين اصابعها ريحان الانتظار

هنا الخيام... هنا اذاعة الخيام من الخيمة

***

طارت خيامنا الى الحنين

وطرنا

ايدي سبأ تفرقنا

على دوربنا العتيقة مرت تواريخ

ذاك المصري سنوحي

وهذا ستيفانو الروماني

وذاك ...وذلك

الاف الخيل ضربت سنابكها

وبقيت الحميضة تنبت كعروس ليلة زفافها

والشمس تشرق بلا ضجر على بيوت هادئة

وتحت لمبة الشارع يقرأ الليل دروسه

مروا ...ومروا...ومروا

ورحلوا

وبعده الصوت يصدح جيب الهذيك من تحت الهظاك

هي الخيام لا تنفك تتوالد

من الياسمين والزنبق

من التين والزيتون

من عيون فيها ارتسمت مليون وردة

وقمر

هذي الخيام يا ولدي

الف سلام لحاراتها

والف باقة فل لازقة هرمت وما شاخت 

hasana961@yahoo.com

اذا جاعت الهند شبع العالم..!

h.abdullah | 27 نيسان, 2008 14:48

حسن احمد عبدالله:

  حطت الأزمة الاقتصادية العالمية رحالها أخيرا في الهند،وسيتحمل الهنود مسؤوليتها لأنهم يتناولون وجبتين من الطعام يوميا،هذا الرأي ليس من بنات أفكاري،فهي منذ زمن فاتها القطار أمام بنات افكار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل  التي قالت :" "من يسافر إلى الهند هذه الايام سيلاحظ أن النقاش الرئيس يدور حول الوجبة الثانية، الناس يأكلون مرتين في اليوم، واذا كان ثلث الشعب الهندي البالغ تعداده مليار نسمة يفعل ذلك فهؤلاء عددهم 300 مليون نسمة. ذلك جزء كبير من أوروبا الغربية".(وفقا لما نشر على موقع بي بي سي العربية).بصراحة زادوها الهنود،فكيف إذا اكلوا ثلاث وجبات في اليوم،  ومعهم الصينيون(1.3مليارنسمة) ايضا،ساعتئذ لن يكون امام العالم الا البسكويت،وفقا للقول الشهير لماري انطوانيت، ولان البسكويت مصنوع من القمح فهذا يعني زيادة في اسعاره، وبالتالي ستتفاقم ازمة الغذاء العالمي ،وستندلع الحروب من اجل تعزيز الاحتياط الاستراتيجي من البسكويت، ولن تضطر الولايات المتحدة الاميركية الى اتلاف كميات هائلة من القمح في سبيل المحافظة على اسعاره.    والواضح تماما ان المثل الشعبي"اللي يوفر من غداه لعشاه ما تشمت فيه اعداه"لن ينفع مع الهنود،اذ عليهم البحث عن سبيل ما للاكتفاء بوجبة طعام واحدة في اليوم حتى تنعم اوروبا الغربية بمزيد من وفرة الطعام.ليست الازمة الاقتصادية العالمية نتيجة للسبب الذي قالته المستشارة الالمانية،انما في جزء منها هي نتيجة لاستغلال بعض المحصولات الزراعية في انتاج وقود بديل من النفط الذي اخذت اسعاره تقفز في الاونة الاخيرة بشكل جنوني، واذا كان رئيس الحكومة الايطالية المنتهية ولايته رومانو برودي قال:"الاسعار المرتفعة جدا تثقل كاهل الاقتصاد العالمي، ولا سيما الدول الفقيرة ، وتصل كلفتها الى نحو 500 ملياردولار على مستوى العالم ر مع كل زيادة من 10 دولارات للبرميل"، فهو اوضح سبب ذك عندما اضاف:" ان ما يحصل في سوق المواد الاولية الزراعية مقلق جدا. فارتفاع الاسعار الناجم عن نمو الطلب، وكذلك عن تطوير انتاج الوقود الحيوي، يغذي التوتر الحاد في الكثير من الدول".(أ.ف.ب)يلجأ كثير من الخبراء احيانا الى التضليل لاقناع الناس بوجهة نظرهم التي تخدم الاهداف التي يسعون اليها،و الكلام الذي اطلقته المستشارة الالمانية ، ربما تكون  استندت فيه الى رأى خبراء ومستشارين،وفي هذا الشأن وضعت مسألة التدهور في القيمة الشرائية للدولار الاميركي جانبا، و معها وضع ايضا عدم التوظيف السليم لصندوق النقد والبنك الدوليين في التنمية العالمية ، وعدم استغلال المساحات الهائلة من الاراضي الزراعية في افريقيا ،مثلا، عبر مشاريع تنموية انسانية بعيدا من المصالح السياسية،اي بمعنى اخر عدم ربط التنمية بشروط سياسية تزيد من التوترات والقلاقل الامنية في الدول الواجب اطلاق تلك المشاريع فيها.ان المجاعة التي تهدد العالم ليست مقتصرة على الدول الفقيرة،انما هي ستطال كثيرا من دول العالم، وتهدد بالعودة الى الاساليب الاقتصادية التي كانت متبعة منذ قرون،اي حماية المصالح الاقتصادية بالقوة العسكرية وعودة نظام الاحتلالات الى العالم.لكن يبدو ان العالم ،وبخاصة الدول الصناعية و الاستهلاكية الكبرى لم تتعلم من الماضي، وان استخدام القوة العسكرية يعني تعطيلا لحركة الانتاج الاقتصادي،اذ ان الاهتمام سيتركز على القطاعات الخاضعة للحماية العسكرية فقط وستهمل القطاعات الانتاجية الاخرى، وبذلك ترتفع معدلات البطالة مما يعني مزيدا من الفقر،الذي هو في جانب منه محفزا على كل انواع الجرائم.اذا نظرنا الى الواقع العالمي الحالي لوجدنا ان الحركة الاقتصادية لم تتبدل كثيرا عما كانت عليه في مطالع القرن العشرين،واذا كان احد الخبراء شبه هذا الحركة بالدورة الدموية للانسان ،لوجدنا ان الجسد العالمي يعاني من "جلطات" كثيرة السبب الاول فيها اهمال التنمية الاقتصادية  في العديد من دول العالم،ولاسيما في الدول الوارثة فقرها من القرون الماضية.ان غالبية النفط في دول "اوبك" لا يكلف انتاجه كثيرا،وتصل في بعض الدول تكلفة البرميل الواحد الى نحو دولارين،في حين ان الضرائب المفروضة على النفط في غالبية الدول الغربية تصل الى 30 في المئة من سعره المعلن عالميا،واذا اخذنا في الاعتبار ان العالم يطفو على مخزون هائل من النفط، يكفي، وفقا لرأي العديد من الخبراء، لاكثر من قرن،فان البحث عن بدائل له في المحصولات الزراعية يعني زيادة وتيرة حركة التوتر العسكري في العالم،لان الدول التي تسعى الى الهيمنة على مقدرات الشعوب لتأمين حاجاتها الاستراتيجية من الموارد الطبيعية لن تنتظر طويلا في دفع جيوشها الى الغزو في سبيل ذلك،وبالتالي الى مفاقمة الازمة الاقتصادية العالمية.والسؤال:اذا كانت القوة الشرائية للدولار انهارت  على هذا النحو،واذا كان ارتفاع اسعار النفط يمكن علاجه عبر التخفيف عن كاهل الفاتورة النفطية ضرائبيا ، واطلاق المشاريع التنموية الزراعية العملاقة في الدول الفقيرة، واصلاح صندوق النقد والبنك الدوليين،فلماذا سينحصر الامر في تحميل الهنود المسؤولية؟هل يعني ان المليار هندي ومعهم 1.3 مليار صيني بالاضافة الى اكثر من 900 مليون افريقي يجب ان يصوموا عن الاكل من اجل ان تشبع باقي الشعوب؟ما رأيكم بالسكويت؟

hasana961@yahoo.com    

"القرش" اللبناني امام سيل التسويف

h.abdullah | 19 نيسان, 2008 16:45

 "القرش" اللبناني امام سيل التسويف  حسن احمد عبدالله:  يبدو ان المسؤولين الاقتصاديين في لبنان لم يسمعوا المثل الشعبي "ارفع القرش إن سقط فان السيل من النقط"،اذ في ظل التراجع الحاد في سعر صرف الدولار امام عملات العالم بقيت الليرة اللبنانية صامدة على سعر صرف محدد منذ سنوات،وكأن ثمة توأمة بين الليرة والدولار، او انها متأثرة بالمواقف السياسية للادارة الاميركية، فالليرة تدعم الدولار وتؤازره تيمنا بموقف البيت الابيض من الاحداث في لبنان.ففي الوقت الذي وصل فيه سعر صرف الدولار الى ادنى مستوى امام العملات الرئيسية في العالم، وارتفع سعر هذه العملات امام الليرة اللبنانية، الا ان المصرف المركزي اللبناني لا يزال يسعر الدولار على 1507 ليرات، بينما اسعار السلع في لبنان ارتفعت وفقا لسعر اليورو الذي اصبح نحو2300 ليرة لبنانية.وفي الوقت الذي ارتفع فيه،ايضا، سعر الذهب الى اعلى مستوياته منذ اكثر من ثلاثين عاما، والذهب ضمانة الليرة، فان الاخيرة بقيت مغلوبة على امرها، وذليلة امام غيرها من العملات.استنادا الى ما تقدم فان الدولار امام الليرة يكون بنحو 1200 ليرة، وليس كما هو معلن، اذ ان غالبية واردات السلع الى لبنان تشترى باليورو، وانخفاض قوة الدولار الشرائية تؤثر في سعر الصرف، بينما تعزز سعر صرف الليرة استنادا الى ارتفاع الذهب، وتغير الطلب على الدولار في لبنان، لكن ولحكمة لا يعرفها الا المسؤولون عن الاقتصاد في لبنان ثبت سعر الدولار عند 1507 ليرات من دون تغيير.والسؤال اذا كان الدين العام اللبناني نحو45 مليار دولار،هل  اذا تغير سعر صرف الليرة امام الدولار يمكن ان يكون شبه انعاش ،اقله معنوي، في الاقتصاد، كما يمكن ان يعزز ثقة المواطن بجدية المعالجات الاقتصادية،اذا كانت هناك معالجات حقيقية، فالمواطن الذي يبحث عن القرش في اكوام قش الانتظار بغد يمكن ان يكون افضل من امس المعاناة المستمرة منذ اكثر ثلاثين عاما. يقول بعض خبراء الاقتصاد ان "السعر الحقيقي لبرميل النفط هو 70 دولارا قياسا على القيمة الشرائية للدولار في المرحلة الحالية قياسا على سعر صرف الاخير امام اليورو"، ولبنان ليس من الدول المنتجة للنفط، ويستورد كل حاجته من الاسواق العالمية، ويدفع الفاتورة النفطية باليورو والدولار،وبالتالي يكون من الافضل له اذا عدل سعر صرف الليرة امام الدولار وفقا للواقع الذي بات عليه الاخير.

فهل من الممكن ان يرفع المسؤولون الاقتصاديون "القرش" اللبناني، ويستدركوا ان السيل سيجرف البلد اذا تركوا "النقاط" على غارب التسويف ولم يعدلوا الميزان المائل ، ولان المثل يقول"الفرص اكتساب تمر مر السحاب"، فهل يستغل الاقتصاديون اللبنانيون الفرصة قبل ان " تمر"كسحابة؟ ونتمنى الا تكون سحابة صيف تتسبب بندم في المستقبل.

 Hasana961@yahoo.com 

 

لبنان ... ومليون اينشتاين !

h.abdullah | 13 نيسان, 2008 17:38

  لبنان ... ومليون اينشتاين !

 

 حسن احمد عبدالله:  لماذا نخاف من حرب لم تقع بعد؟ ولماذا نستعد لحرب جربناها سنوات وخرجنا منها اكثر ضعفا وتفككا واحقادا؟ ولماذا تصبح" الحبة قبة" في نظرنا؟ اين الخلل في كل ذلك ؟ اذا كانت كل من المعارضة و الموالاة في لبنان لا تريدان الحرب ،فمن يريدها ومن يستعد لها؟ واذا كان ميشال سليمان الرئيس المتفق عليه،فمن الذي لا يريده؟ واذا الحكومة العتيدة لم تعد محل خلاف  ،فلماذا تتعقد القضية ؟ واذا كانت الموالاة تريد انتخابات نيابية على اساس الدائرة الصغرى، والمعارضة تطالب بقانون العام 1960،وهذا القانون اقرب الى الدائرة الصغرى، فأين الخلاف اذاً؟تكثر الوساطات العربية وغير العربية لحل الازمة اللبنانية،وكل الاطراف في البلد الصغير يتحدثون عن "السعي الى انتخاب رئيس للجمهورية وانهاء الازمة"فلماذا الاتهامات المتبادلة؟ ان ابشع ما في السياسة اللبنانية النكايات،وابشع ما في النكايات عدم ادراك معاناة المواطن يوميا من سلسلة الازمات المتولدة من ازمة النكايات تلك.في خضم مهرجان النكايات هذا الجميع يتحدث عن الدستور، والجميع يعلن مواقف تفرغ الدستور من محتواه،فكيف يستقيم الامر اذاً ؟ وحدهم السياسيون اللبنانيون يعرفون سر ذلك، اذ كيف يتفق اي قانون انتخاب جديد مع اتفاق الطائف الذي اصبح دستورا ونص على المحافظة دائرة انتخابية وعلى انتخاب مجلس نيابي على اساس وطني لا طائفي، و رغم ذلك يقولون "ممنوع مس الدستور حتى لا ينهار التوازن الطائفي" !الجميع قبل بالمبادرة العربية واشاد بها،ورغم ذلك كان دائما الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى يعود من بيروت بخفي حنين.فجأة ينسى الرئيس الاميركي جورج بوش كل المشكلات الاميركية ، والازمة الاقتصادية الاميركية ، ومصاعبه في العراق وافغانستان ويصبح لبنان في مقدم اولوياته، وفي كل مناسبة  وحتى من دون مناسبة يتحدث عن الالتزام  الاميركي حيال لبنان، وفي الصف ذاته  يقف رؤساء فرنسا وروسيا ، ومعهم كل رؤساء الدول الكبرى والصغرى! الا يعني ذلك ان لبنان من اهم من مشكلات العالم، وان الخراب فيه يعني خراب العالم؟هل العالم كله يدرك اهمية لبنان ،والشعب اللبناني لا يدرك اهمية نفسه؟ وكما في المثل اللبناني "القصة تضع العقل في الكف".من يستطيع حل الالغاز اللبنانية هذه ؟ 10452 كيلومترا مربعا تشغل العالم كله ! ثلاثة ملايين نسمة"ينشفون ريق" اكثر من خمسين دولة ،اليست مسألة محيرة؟ هل يستطيع اينشتاين،اذا كان حيا الان، حل المعضلة اللبنانية؟ ربما مليون اينشتاين لا يستطيعون حل ربع هذه المعضلة !  رغم ذلك نريد حلا ،اي حل يخفض سعر رغيف الخبز والدواء ، ويخرج المواطن اللبناني من دوامته. متى ينتهي مهرجان النكايات هذا ؟ لا احد يعلم ! ربما صدق المثل في الحال اللبنانية الراهنة" بعمرك لا تقول للمغني غني دعه  يغني لوحده" ، واذا غنى ربما "يرندح" بقصيدة عصماء تكون يتيمة الدهر،هل هذا ممكن ؟Hasana961@yahoo.com      

هل بدأ عصر اقصاء الموارنة عن الحكم في لبنان؟

h.abdullah | 08 نيسان, 2008 14:58

هل بدأ عصر اقصاء الموارنة عن الحكم في لبنان ؟حسن احمد عبدالله : منذ الان والى ان ينتخب رئيس الجمهورية في لبنان يبقى السؤال يلح: هل بدأ عصر اقصاء الموارنة عن الحكم ،وجعل الدولة اسلامية المؤسسات؟ وهل ما يجري مسيحيا في لبنان والعراق هو افراغ للشرق من مسيحييه؟خلت في الرابع والعشرين من تشرين الثاني(نوفمبر )الماضي سدة الرئاسة اللبنانية،وحتى الان لا يلوح بالافق ما يبشر بانتخاب رئيس ، وفي 21 اب (اغسطس)المقبل يخلو منصب قائد الجيش، وبدأ الحديث يدور عن ان "الحكومة الحالية يمكنها تعيين قائد جيش بدلا من ميشال سليمان"،في الوقت ذاته هناك استحقاق ماروني اخر،وهو منصب حاكم مصرف لبنان الذي تنتهي ولايته في الاشهر المقبلة، وهذه المناصب من اهم ثلاثة مناصب يتولاها موظفون موارنة(رئيس الجمهورية يعتبر موظفا ايضا)،واذا استمر الفراغ على ماهو عليه فان المناصب المخصصة للطائفة المارونية ستخلو الواحد بعد الاخر من دون ايجاد بديل،ما يعني اختلالا في التوازن الطائفي،اكبر مما هو عليه الان في عدم مشاركة الطائفة الشيعية في الحكم من خلال استقالة الوزراء الشيعة.ان هذا الوضع يعني استبعاد طائفتين من المشاركة في الحكم ،الشيعة والموارنة،و كل واحدة منهما تمثل ثقلا في المعادلة السياسية ،وبالتالي لن يكون في مقدرة اي فريق من الفرقاء،ومهما كانت قوته، السير في اي مشروع لترميم الخلل لان الغبن الذي يستشعره الموارنة والشيعة لن ينتهي عند التوصل الى تسوية، فالذهنية السياسية اللبنانية في جانب كبير منها مبنية على الثأر،(كلنا عايشنا  لغة استعادة احداث القرن التاسع عشر ابان الحرب اللبنانية،ونعايش اليوم لغة استعادة الحرب الاهلية الاخيرة)،وسيكون هذا الامر محل جدل ، ومنتج ازمات في المستقبل.ان اخطر ما في الازمة الحالية ذلك التفريغ الممنهج للدولة من مقوماتها،وكأن ما يجري اليوم هو استكمال للحرب الاهلية،اي بمعنى اخر، التعبير عن مفاعيل الحرب واثبات قوة كل فريق في هيمنته على السلطة لتأكيد الغلبة والنصر بعيدا من اصوات المدافع وشلالات الدم.وهذا الخلل الحاصل الان يستكمل باحداث خلل اخر،هو اعلان موت "اتفاق الطائف" عبر الانقلاب عليه للمرة الثانية بجعل قانون انتخابات العام 1960 اساسا للانتخابات المقبلة،واذا كان انتخابات العام 1992 الانقلاب الاول على هذا الاتفاق فان العودة الى قانون من خارج النص الدستوري يعني اعادة انتاج اسباب الحرب، اذ اي انتخابات لا تنتج مجلس نواب على اساس وطني صرف ستؤدي لاحقا الى عودة المطالبة برفع الغبن عن هذه الطائفة او تلك، وستجعل من الشحن الطائفي منصة انطلاق الى تجييش للرؤوس الحامية في جر البلاد الى قلاقل امنية.الوضع اللبناني ليس معزولا عن الوضع الاقليمي ، وما يتعرض له المسيحيون في العراق اضافة الى اقصاء الموارنة عن الحكم في لبنان لا يبشر بخير كثير للمنطقةوبخاصة ان مقولة"الحرب الصليبية" التي اطلقها جورج بوش في العام 2001 اثبتت الاحداث انها لم تكن زلة لسان،فهل المخطط  يهدف الى افراغ الشرق من المسيحيين،او تكون هذه حجة لترسيخ الاحتلال في العالم العربي؟ وعلينا الا ننسى ان الشرق مهد المسيحية.Hasana961@yahoo.com 

عدوان جورج على "الوطن"

h.abdullah | 06 نيسان, 2008 15:45

حسن احمد عبدالله:

 كشف نائب رئيس الهيئة التنفيذية لرئيس "القوات اللبنانية"  جورج عدوان  بعض  مستور "الاكثرية" في تصريحه الاخير،حين قال :"في حال وصلنا الى 21 آب (اغسطس) من دون قائد جيش فإن الحكومة ستختار قائداً". اذ ان كلام عدوان يعني ان لا انتخابات رئاسية ستجرى في لبنان قبل 21 اغسطس المقبل، وان الحكومة الحالية،رغم عدم دستوريتها،ستمارس صلاحيات رئيس الجمهورية كاملة ،من دون اي اعتبار اخر.

والخطورة في كلام عدوان لا تقف عند حدود ابقاء الفراغ سيد الحكم في لبنان فقط،بل ان انها تصل الى حد القول ان "فرط" المؤسسة العسكرية بات واردا في كل لحظة،اذ ان تعيين قائد جيش غير متوافق عليه لبنانيا، وبخاصة في ظل الظروف الاستثنائية هذه، يؤدي الى اثارة البلبلة في صفوف المؤسسة العسكرية،التي هي تعبير واقعي عن تنوع المجتمع اللبناني طائفيا وسياسيا، والانتماء الى هذه المؤسسة يبقى في الحدود الوطنية طالما انها لم تخضع لضغط المرجعيات الطائفية والسياسية،واذا كانت تجربة العام 1976 جعلت الجيش اللبناني يصبح اربعة جيوش، فان الفراغ في قيادة الجيش سيؤدي الى وضع ابشع بكثير مما كانت عليه الحال في ذلك العام.

قائد الجيش العماد ميشال سليمان اختير، ولم يرشح نفسه، ليكون رئيسا توافقيا للبنان ،لكن التوافق عليه لا يكفي ،اذ ان انتخابه دونه عقبات كثيرة ،اقل ما يقال فيها انها اعلى من جبال لبنان الغربية والشرقية معا،اذا نظرنا اليها من الزاوية التي ينظر منها السياسيون ،لكن اذا اردنا النظر بواقعية الى الامر ،علينا ان ندرك ان الرجل موظف في الملاك العام للدولة،والوضع الاستثنائي اللبناني يقبل على مضض برئيس هو عسكري سابق،واذا سنت هذه السنة سيحظى لبنان كل ست سنوات برئيس من المؤسسة العسكرية.

في لبنان  كل فريق يريد رئيس جمهورية يتوافق مع البذلة التي يفصلها له هذا الفريق او ذاك،ولهذا تبقى بذلة البلد معلقة على مشجب الانتظار الى ان يحين الوقت الذي يقتنع فيه الافرقاء كافة ان الامر ليس مكاسب ظرفية، وحتى تلك اللحظة ستبقى ابواب "البازار"مشرعة على احتمالات شتى،اقلها فوضى الاسعار، والمجاعة الزاحفة على الناس،واكثرها العودة الى الخنادق والمتاريس التي يحضر لها في ليل، بينما يبقى النهار للتأكيد الا حرب اهلية في البلد،لكن دائما "وشوشات مخدات الليل"هي التي ترسم الخطوات في النهار.

بكشف عدوان لبعض المستور،بدأت تظهر بوضوح معالم المرحلة المقبلة،التي عنوانها وثيقة وليد فارس واليوت ابرامز وغيرهما من اللاعبين بمصائر الشعوب في الادارة الاميركية وفقا لمصلحة الشركات المتعددة الجنسيات التي تمول المشاريع السياسية العملاقة هذه من اجل الترويج لبضاعتها.

واذا كانت رائحة الاعتداء على وحدة البلاد تشتم من كلام عدوان،فهو قال ما قال بعد عودة قائده من الولايات المتحدة الاميركية التي نقلت صحيفة "الاخبار"البيروتية عن مصادر أميركية، وصفتها بـ" واسعة الاطلاع" ان" المسؤولين الاميركيين الذين التقوا سمير جعجع رأوا أنّ أداءه أفضل بكثير من أداء رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط. إذ لفتهم في شكل خاص أنه أعدّ بعناية لاجتماعاته، وأتى مزوّداً بمذكرات وأوراق عمل". اي ان النائب يعبر عما يحمله قائده في جعبته،وكان كلام سليمان مناسبة للتعبير عن ذلك.

اعان الله المواطن ميشال سليمان اذا اصبح رئيسا للجمهورية على هكذا طاقم من السياسيين اللبنانيين الذين لم يقتنعوا حتى اللحظة ان لبنان وطن نهائي وفقا للنص الدستوري. ولان العسكري في لبنان يقال له "وطن" اعان الله "الوطن" ميشال سليمان على الامانة التي يحملها ،الا وهي ارواح عشرات الالاف من "الوطن" في ظل الوضع اللبناني الراهن، وبخاصة بعد ان اعتدى عدوان على "الوطن".

Hasana961@yahoo.com

 
A service provided by Al Bawaba