محطات

سيرة ذاتية

سيرة ذاتية/ غازي الخليلي

مواليد نابلس عام 1940 ودرس في مدارسها.

متزوج وله ولدان.

بكالوريوس آداب من جامعة دمشق عام 1965 .

عمل مدرسا في مدارس نابلس لأربع سنوات بعد تخرجه من الجامعة.

التحق بصفوف المقاومة الفلسطينية منذ بداياتها الاولى وهو من المؤسسين للمقاومة الفلسطينية المعاصرة

ومن أوائل المؤسسين لخلايا المقاومة المسلحة قبل العام 1967 .

اضطر الى مغادرة ارض الوطن بعد أشهر من الاحتلال الاسرائيلي بعد ملاحقته من قبل قوات الاحتلال لنشاطه المقاوم.

أمضى عدة سنوات معتقلا في بعض البلدان العربية لنشاطه السياسي والمقاوم.

عمل لعدة سنوات في مركز الابحاث الفلسطيني في بيروت (1974-1979) مساعدا للمدير العام للمركز ورئيسا لتحرير اليوميات الفلسطينية ومشاركا في مجلة "شؤون فلسطينية" التي كان يصدرها المركز.

عضو في المجلس الوطني الفلسطيني منذ العام 1972

كاتب و صحفي، وشغل عضوية الامانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين لعدة سنوات.

له عدة مؤلفات وابحاث منشورة منها: المرأة الفلسطينية والثورة، شهادات على جدران زنزانة، الحركة النقابية العمالية الفلسطينية تحت الاحتلال، انتفاضة الارض عام 1976، صحافة المقاومة الفلسطينية، إضافة إلى العديد من الدراسات والابحاث والمقالات في الصحافة الفلسطينية والعربية.

عاد إلى أرض الوطن في منتصف عام 1994 وعمل مديرا عاما للتخطيط والمعلومات في وزارة العمل وكان من أبرز المساهمين في تأسيسها.

أُحيل إلى التقاعد عام 2005 بدرجة وكيل مساعد

لا يزال يمارس نشاطه الصحفي والكتابي ككاتب عمود اسبوعي في الصحافة المحلية.

هل سقط خيار السلام

هل سقط خيار السلام؟

بقلم: غازي الخليلي

 

هل سقط خيار السلام؟ سؤال لم يعد ممكنا تجاهله أو القفز عنه في وقت يجري فيه تمزيق السلام تحت جنازير دبابات شارون وجنرالاته الذين اعادوا اجتياح واحتلال الضفة الغربية من اقصاها إلى أقصاها، ودمروا معظم مرتكزات السلطنة الوطنية، الامنية والادارية وغيرها، ويجري قضم غزة قطعة بعد أخرى بعمليات الاجتياح المتكررة و"الحلاقة" المتواصلة لاطرافها وتجريف مزارعها وتقطيع أوصالها، وبعمليات القتل وهدم المساكن والمنشآت تمهيدا لاعادة اجتياحها واحتلالها بالكامل. وفي الوقت أيضا، الذي حولت فيه القوات الاسرائيلية والمستوطنين، بعمليات القتل والمداهمات والاعتقالات والاغلاقات والحواجز والحد من الحركة والانتقال، حياة المواطنين الى جحيم وعذاب يومي، وإلى شل الحركة الاقتصادية وانتشار البطالة والفقر وارتفاعهما إلى معدلات كارثية. كل هذا يجري في ظل تواطؤ اميركي يبرر العدوان ويشرعه الى حد ما، وفي ظل صمت المجتمع الدولي بشكل لم نشهده حتى في أكثر فترات نضالنا صعوبة وقسوة.

وللحقيقة فإن بدايات انهيار السلام وتهاويه لم تبدأ مع مجيء شارون الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية محمولا باغلبية كبيرة بشعاراته ومواقفه لتدمير عملية السلام والاجهاز النهائي على اتفاقات أوسلو، وإنما كانت المؤشرات الاولية لذلك تتبدى في الاساليب المرواغة والمخادعة التي انتهجتها حكومة رابين نفسها وقيادات حزب العمل لفرض رؤيتها الخاصة في تطبيق اتفاقات اوسلو ومواصلتها للعمليات الاستيطانية. واتضحت هذه البدايات بأوضح ما يكون، مع مجيء ايهود باراك، رئيس الوزراء السابق، الذي جاء إلى الحكم بأغلبية كبيرة بصفته رجل سلام ومنقذ اسرائيل من كابوس نتنياهو وتطرف اليمين الاسرائيلي، إلا أنه بدل ان يدفع للامام ما تعهد به لناخبيه وما جاء من أجله، بدد الوقت في البحث عن تشكيل حكومة موسعة لا يجمع أطرافها أي جامع، وجرفته لعبة المناورة بين المسارين السوري والفلسطيني، دون أن يحقق أي إنجاز حقيقي على أي منهما. تراجع في عقد اتفاق سلام مع سوريا في الوقت الذي كان فيه الاتفاق شبه منجز. وتردد في اللحظات الاخيرة في دفع استحقاقات السلام على الجانب الفلسطيني ودفع العملية السياسية حتى نهاياتها، مع أن الاتفاق كان ممكنا في طابا لو لم يطلب من وفده قطع المفاوضات والعودة. وحاول إخفاء تردده وتراجعه بأكاذيبه وادعاءاته عن عروضه السخية وعدم وجود شريك فلسطيني محملا الجانب الفلسطيني مسئولية انهيار عملية السلام، مسنودا بالموقف الاميركي الذي ألقى باللوم على الجانب الفلسطيني في فشل اجتماعات كمب ديفيد التي عُقدت في شهر تموز العام 2000.

لقد تم تحشيد المجتمع الاسرائيلي وراء ادعاءات باراك وأكاذيبه للمجيء بشارون على انقاض هزيمة باراك نفسه، ولحشد أغلبية المجتمع الاسرائيلي وراء أوسع وأشرس حملة عسكرية ضد الشعب الفلسطيني، بدأها باراك قبل أن يغادر رئاسة الوزارة، واستكملها، ولا يزال يستكملها، شارون، جزار صبرا وشتيلا، الذي خلف باراك وأُعيد انتخابه من جديد في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة، مع أغلبية حاسمة لليمين الاسرائيلي في الكنيست.

في ضوء كل ذلك، هل سقط خيار السلام؟ سؤال لا يزال مطروحا، والاجابة عليه لم تعد بحاجة الى الكثير من الاجتهادات أو قدح زناد الذهن، حيث ان مجمل التطورات التي شهدتها المنطقة والتي قد تشهدها في القادم من الايام، قد أجابت عليه عمليا، هذا على الرغم من أن البعض لا يزال يحمل قسطا من التفاؤل بامكانية أن تبادر الادارة الاميركية إلىإعادة إحياء العملية السياسية وإنقاذ السلام، الحيوي للطرفين الاسرائيلي والفلسطيني، بعد أن تكون الولايات المتحدة قد فرغت من حربها على العراق، كما يشيع ذلك بعض اوساط الادارة الاميركية (تصريحات كولن باول، وزير الخارجية الاميركي في مؤتمر دافوس). ولكن، هل صحيح أن الرئيس الاميركي بعد أن يفرغ من حربه على العراق (هذا إذا فرغ فعلا ولم يغرق في أوحالها) سيتجه باهتمامه نحو المنطقة ويعيد إحياء عملية السلام بحيث يجعل من إنجاز السلام ورقته الرابحة لخوض معركة تجديد ولايته، باعتبار أنه سيكون أول رئيس أميركي ينجح في تحقيق حل نهائي لأعقد مشكلة في الشرق الاوسط، فشل في حلها الكثير من الرؤساء الذين سبقوه، أم أن الأصح، انه سيدير ظهره للمنطقة ويبحث عن روافع أخرى لمعركة تجديد ولايته، مفسحا في المجال لشارون وجنرالاته بحرية التحرك والتصرف في المنطقة، كما ألمح بذلك شاءول موفاز، وزير دفاعه عندما أشار إلى "أن الثمن السياسي الذي يتوقعه بعد الحرب، أن ترفع الادارة الاميركية ضغوطاتها عن إسرائيل وتسمح لها بحرية التحرك والتصرف، سواء إزاء الوضع الفلسطيني، أو تجاه حزب الله وسوريا. وما يعزز مثل هذا الاحتمال ما ذكرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن اتفاق بين بوش وشارون على إزاحة/إبعاد الرئيس عرفات ورجاله المقربين الى خارج المنطقة بعد الاطاحة بالرئيس صدام حسين، إذا لم يلب عرفات ما هو مطلوب منه. وهو ما عبر عنه، إلى حد ما، التحذير الضمني الذي نقله ثلاثي الرباعية (أطراف الرباعية الثلاثة بدون الطرف الاميركي، الذي امتنع عن المشاركة في اللقاء) الى الرئيس عرفات عندما التقوا به مؤخرا وطالبوه بإجراء تغييرات أساسية وسريعة في بنية وهرم السلطة الفلسطينية.

وما يعزز مثل هذا الاحتمال أيضا، ما اورده مارتين انديك، السفير الاميركي السابق في إسرائيل في مقال له في صحيفة "يديعوت أحرونوت"_أنظر الايام 10/2" من "أن بوش لا يريد تكرار خطأ والده والشروع في مواجهة مع الطائفة اليهودية_الاميركية. فخطوة واحدة فقط كانت بينه وبين الخسارة في فلوريدا في الانتخابات الرئاسية للعام 2000، والتي كانت ستحسم مصيره. ومنذئذ وهو يغازل الطائفة اليهودية بنشاط، لعلمه أن ارتفاعا بنسبة 20 في المئة فقط في تصويت اليهود له كفيل بأن يوفر له ولاية أخرى ثانية، ويحول بينه والذهاب الى البيت بعد فترة واحدة مثل والده." ولذلك فإن بوش، كما يقول إنديك " سيؤيد حل الدولتين، ولكنه لن يحرك ساكنا كي يحث هذا الحل إلا بعد أن يبدأ الطرفان نفساهما ببذل الجهد" لانه "لا يريد إضاعة وقته وجهده قي محاولة لتحريك شيء غير قابل للحركة"

ويبدو أن بوش الذي يسرع خطاه لشن الحرب على العراق في أقرب وقت ممكن لا تتجاوز الاسابيع، على الرغم من التحركات الدولية الواسعة المناهضة لهذه الحرب، على الصعيدين الرسمي والشعبي، فإنه يأمل أن يوظف نجاحه فيها في دعم حملته الانتخابية وإعادة انتخابه رئيسا لمرة ثانية، وبالتالي فان الصوت اليهودي سيكون حاسما من أجل ضمان فوزه. وحتى يكسب الصوت اليهودي يجب أن يكسب شارون إلى جانبه، وأن لا يوجه له أي ضغوط بشأن العملية السياسية واستحقاقاتها. وهذا ما يفسر لنا إلى حد كبير، تجاوب الادارة الاميركية مع رغبات شارون في تأجيل إعلان "خارطة الطريق،" للمرة الاولى والثانية، واعتبارها مفتوحة لاستيعاب المزيد من التعديلات. ويبدو أنها ستظل مفتوحة للتعديل وسيجري تأجيلها مرة تلو الاخرى، حتى تتطابق مع رؤية شارون وتصبح نسخة طبق الاصل عنها. ويبدو أن نسخة شارون المعدلة، والتي باتت جاهزة وشملت مئة تعديل، كما ذكرت "هآرتس" هي النسخة التي ستعتمدها الادارة الاميركية .

ويعتقد بوش أن مراهنته على كسب المزيد من المصوتين اليهود هو رهان صحيح، وخاصة انه حقق خطوة في هذا الاتجاه في الانتخابات النصفية للكونغرس التي جرت في شهر نوفمبر من العام الماضي. ويأمل أن يواصل هذا النجاح في انتخابات تجديد ولايته، حيث يشكل كسب الجمهوريين للصوت اليهودي إلحاق هزيمة، قد يطول أمدها، بالحزب الديمقراطي وإنشاء واقع سياسي جديد في الولايات المتحدة. ويعزز ذلك ما تشهده الطائفة اليهودية الاميركية من تحولات ايديولوجية تجعلها تقترب أكثر فأكثر من المعسكر اليميني المتشدد في اسرائيل، كما تشير إلى ذلك استطلاعات الرأي لليهود_الاميركيين خلال السنوات الاخيرة. ففي استطلاع للرأي أجراه البروفيسور ستيفين كوهين، وهو من أبرز علماء الاجتماع المهتمين بدراسة المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة، خلال شهري نوفمبر وديسمبر من العام 2002 على عينة تمثيلية من 1386، تبين أن أغلبية نسبية منهم (38 في المئة مقابل 19 في المئة) أبدت معارضتها لاخلاء معظم المستوطنات، كما عبرت غالبية (44 مقابل 19) عن رفضها وجود سيطرة فلسطينية على الاحياء العربية في القدس الشرقية، كما رفضت أغلبية من 56 في المئة مقابل 12 في المئة إجراء مفاوضات مع اسرائيل بوجود الرئيس عرفات.

في ضوء كل ذلك، أين سيتجه بوش بضغوطاته بعد أن يفرغ من حربه على العراق، هل سيضغط باتجاه شارون واليهود الاميركيين لانجاح عملية السلام، أم انه سيدير ظهره لعملية السلام، ويتجاهل أطراف الرباعية الآخرين والدول العربية؟ مما ورد أعلاه يتضح أن وجهة بوش هي ضمان تجديد ولايته للمرة الثانية، وهذا لن يتحقق الا بشارون والطائفة اليهودية _الاميركية. أما عملية السلام فيمكن لها ان تنتظر. وهذا ما أشارت إليه أوساط أميركية على صلة بتطورات الاوضاع في الشرق الاوسط بتأكيدها ان الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بتحريك الشأن الفلسطيني أو بقيام دولة فلسطينية، وأن موقف الرئيس بوش ومساعديه يقوم بكل بساطة على مساندة حكومة شارون في استراتيجيتها العامة ودعم موقفها في كل ما يتعلق برؤيتها للسلام الممكن والمفاوضات.

 


ر

ديمقراطية بوش: الترويج المسلح للديمقراطية

ديمقراطية بوش: الترويج المسلح للديمقراطية

بقلم: غازي الخليلي

 

منذ مبادرة كولن باول، وزير الخارجية الاميركي في شهر حزيران من العام الماضي عن الشراكة الديمقراطية في الشرق الاوسط وما سماه بناء الامل لسنوات مقبلة، دارت عجلة الدعاية والترويج الاميركية للاصلاح الديمقراطي في العالمين العربي والاسلامي، وانضم إلى حملة الترويج مؤخرا الرئيس الاميركي بوش بخطابه الذي القاه في المعهد الوطني للديمقراطية بواشنطن في السادس من شهر نوفمبر الماضي، والذي مهدت له كونداليزا رايس، مستشارة الامن القومي الاميركي بتصريح أشارت فيه إلى أبرز ما تضمنه الخطاب حول تسريع الاصلاحات السياسية في الشرق الاوسط وإنهاء عقود من الحرمان والغضب المكبوت الذي يغذي الارهاب.

أكد بوش في خطابه على ضرورات الاصلاح الديمقراطي، وانتقد الى حد ما، السياسات الاميركية على مدى الستين سنة الماضية لتجاهلها مطالب الشعوب العربية بالديمقراطية، وقدم اعترافا خجولا بأن الممارسات الغربية في المنطقة خلال العقود الستة الماضية أدت إلى نتائج عكسية، وتفادى الاشارة إلى الدعم الاميركي المادي والسياسي للانظمة العربية والاسلامية السلطوية والاحتضان القوي لاسرائيل، كما تجاهل الخطاب كليا إسرائيل وما تقوم به من عدوان متواصل وممارسات عنصرية ضد الشعب الفلسطيني.

لقد جدد خطاب بوش التساؤلات حول الاهداف الاميركية من هذه الدعوات الانقلابية، وخاصة أن اميركا بحكم تاريخها الطويل في دعم انظمة الاستبداد والديكتاتورية في منطقتنا وفي العالم وسعيها للهيمنة، ليست هي المؤهلة لدعوة الآخرين لترسيخ الديموقراطية. ولا نبالغ في الحقيقة إذا ما رأينا في هذه الدعوات محاولة أميركية لرفد ترتيبات غزو المنطقة والامساك بمقدراتها بترتيبات موازية على الصعيد الايديولوجي والثقافي، وخاصة أن هذه الدعوات تأتي مترافقة مع الغزو الاميركي للعراق ومدعومة بحشود عسكرية وتهديدات أميركية بغزو بلدان أخرى. والخطاب كما يبدو، ليس أكثر من محاولة يقوم بها بوش لتبرير الحرب على العراق وبأنها كانت ضرورية لاقامة الديمقراطية في المنطقة، بعد الانتقادات الواسعة التي تعرضت لها.

خطاب بوش ينتمي، كما يراه البعض، إلى المناخ العقائدي لـ"المحافظين الجدد" ويغرف من أفكارهم، ويحاول أن يقدمها بلغة تبشيرية ونبوية أو ويلسونية جديدة (نسبة إلى الرئيس الاميركي وودرو ويلسون ونقاطه الاربعة عشر حول حق الشعوب في تقرير مصيرها بعد الحرب العالمية الاولى)، والبعض يراها ويلسونية مسلحة لانها تقوم على أفكار "المحافظين الجدد" ونظرياتهم حول الحروب الاستباقية والترويج المسلح للديمقراطية وفرضها بالقوة لمنع الارهاب. فالديمقراطية بنظر "المحافظين الجدد" ليست قيمة أخلاقية فقط، وإنما تشكل هدفا عمليا أساسيا للولايات المتحدة لمنع الارهاب، فالولايات المتحدة صاحبة مصلحة في الذهاب حيث الارهاب لاستئصاله بالمبضع الديموقراطي، وغزو العراق بالنسبة لـ"المحافظين الجدد" ليس إلا البداية، وإنها لم تحصل إلا لاطلاق هذه الورشة الكبرى.

خطاب بوش، كما وصفه البعض، تبسيطي وساذج وخطير، لانه يعتبر أن العرب والمسلمين عندما يدركون جوهر ما تريده اميركا سينحازون إلى مشروع الشراكة الديمقراطية، كما حصل في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وكما حصل في أوروبا الشرقية بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي، ويتجاهل بوش كليا تاريخ المنطقة وثقافتها ولماذا تعمها مشاعر الاستياء وحتى العداء إلى أميركا. فشعوب المنطقة لا تعادي أميركا لقيمها، وإنما تعاديها لسياساتها، وخاصة الخارجية منها، وكما قال جيمس زغبي، رئيس المعهد الاميركي: سياستنا تهزم تصريحاتنا حول قيمنا. وإذا ما تجاوزنا الدعم الاميركي المطلق لاسرائيل وحتى في طبعتها الشارونية الشديدة العدوانية والعنصرية، فإن تاريخ أميركا حافل بدعم الانظمة الديكتاتورية والرجعية، والامثلة على ذلك كثيرة في منطقتنا وفي العالم، فسياسة أميركا في المنطقة اتسمت بالتأييد غير المشروط للانظمة الرجعية والاستبدادية شرط الحصول بأفضل الشروط على نفطها، وعملت للقضاء على الديمقراطية عندما كانت نتائجها غير مرضية لها ولا تتوافق مع مصالحها (الليندي في تشيلي) وحمت الديكتاتورية وساندتها عندما كانت مناسبة لها (بينوشيه في تشيلي)، وإذا ما شجعت المؤسسات الديمقراطية في بلد ما، فلأن ذلك يخدم مصالحها، فديمقراطية أميركا هي ديمقراطية الذين ينسجمون مع مصالحها.

ومما يثير الشك والريبة في الدعوات الاميركية وبرنامجها نحو الشراكة الديمقراطية في الشرق الاوسط، أنها تأتي في سياق سياسة عامة تثير الكثير من النقمة في المنطقة العربية ضد الادارة الاميركية، وضد إدارة بوش بخاصة، فهي تأتي في سياق الانحياز الاميركي المطلق لاسرائيل وحكومة التطرف الشارونية، وبعد غزو العراق والتهديد بغزو بلدان أخرى، والحملات المتصاعدة ضد الثقافة العربية والاسلامية، ولم تأت كسياسة بديلة عن سياسة القوة العسكرية والهيمنة الاقتصادية والسياسية.

وإذا ما ارادت أميركا دعم الديمقراطية فعلا، فعليها أن تعيد النظر في كل سياساتها الداعمة لقوى العدوان والعنصرية في المنطقة، وفي مقدمة ذلك دعمها المتواصل لاسرائيل، وأن تعيد النظر في موقفها تجاه التيارات والقوى الديمقراطية والاصلاحية في المنطقة، حيث شجعت ودعمت أنظمة الاستبداد على قمعها واضطهادها طيلة العقود الماضية، ومشكلة أميركا في الموقف من هذه القوى والتيارات الديمقراطية، أن هذه القوى لا تفصل بين مطالبها في الاصلاح والتحول الديمقراطي، وبين التزامها بمصالح شعوبها والدفاع عنها، وفي مقدمة ذلك رفض الهيمنة الاميركية والاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية.

خطاب بوش، كما تشير بعض المصادر، هو تمهيد لمشروع أميركي_أوروبي حول "الشرق الاوسط الجديد" سيتم إطلاقه قريبا. وتشير المعلومات أن المشروع الجديد يسعى إلى تشكيل إئتلاف أميركي_أوروبي لدفع الدول العربية لاجراء تحولات ديمقراطية في بنيتها وأنظمتها السياسية، وربط تقديم المساعدات والمنح الاقتصادية لأي دولة بمدى تطبيقها لمعايير الديمقراطية وحقوق الانسان. فإلى أي مدى سيشكل هذا المشروع رافعة لتحقيق الديمقراطية في المنطقة، أم رافعة لاعادة الهيمنة والسيطرة الغربية على المنطقة بمفاهيم ووسائل جديدة، وهل ستقبل أميركا وحلفاؤها النتائج التي يمكن أن تترتب على التحولات الديمقراطية المحتملة في المنطقة حتى لو تعارضت مع مصالحهم، أم أن أميركا لن تتعايش إلا مع ديمقراطية بمقاييس مصالحها الاستراتيجية ومواصلة هيمنتها على المنطقة؟

الديمقراطية والحريات العامة والحرص على التعليم وتطويره، كانت ولا تزال مطالب أساسية لكل القوى الديمقراطية والاصلاحية في المنطقة وقبل أن يدعو لها بوش ووزير خارجيته. لقد عانت هذه القوى الكثير من قمع أنظمة الاستبداد والديكتاتورية لها على مدى سنين طويلة. ومحاولة قوى خارجية اختطاف شعارات الديمقراطية وإعادة طرحها بمفاهيم وقوالب جديدة خدمة لمصالحها الخاصة واهدافها السياسية المباشرة لن يوقف أو يحد من نضال هذه القوى من أجل إحداث تحول ديمقراطي حقيقي في مجتمعاتها، فالديمقراطية لا تُصنع أو تُفرض من الخارج لاهداف سياسية قصيرة النظر، إنما هي عملية بنائية ونضالية داخلية، تتطلب جهودا مكثفة ووعيا عميقا بثقافة المنطقة وثقافة شعوبها وتطلعها نحو الحرية والاستقلال والتقدم، وهذا ليس بمقدور أميركا أو أي قوى خارجية، فالديمقراطية ليست مجرد دساتير وانتخابات.

 
A service provided by Al Bawaba