25 تشرين اول, 2008
سيرة ذاتية/ غازي الخليلي
مواليد نابلس عام 1940 ودرس في مدارسها.
متزوج وله ولدان.
بكالوريوس آداب من جامعة دمشق عام 1965 .
عمل مدرسا في مدارس نابلس لأربع سنوات بعد تخرجه من الجامعة.
التحق بصفوف المقاومة الفلسطينية منذ بداياتها الاولى وهو من المؤسسين للمقاومة الفلسطينية المعاصرة
ومن أوائل المؤسسين لخلايا المقاومة المسلحة قبل العام 1967 .
اضطر الى مغادرة ارض الوطن بعد أشهر من الاحتلال الاسرائيلي بعد ملاحقته من قبل قوات الاحتلال لنشاطه المقاوم.
أمضى عدة سنوات معتقلا في بعض البلدان العربية لنشاطه السياسي والمقاوم.
عمل لعدة سنوات في مركز الابحاث الفلسطيني في بيروت (1974-1979) مساعدا للمدير العام للمركز ورئيسا لتحرير اليوميات الفلسطينية ومشاركا في مجلة "شؤون فلسطينية" التي كان يصدرها المركز.
عضو في المجلس الوطني الفلسطيني منذ العام 1972
كاتب و صحفي، وشغل عضوية الامانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين لعدة سنوات.
له عدة مؤلفات وابحاث منشورة منها: المرأة الفلسطينية والثورة، شهادات على جدران زنزانة، الحركة النقابية العمالية الفلسطينية تحت الاحتلال، انتفاضة الارض عام 1976، صحافة المقاومة الفلسطينية، إضافة إلى العديد من الدراسات والابحاث والمقالات في الصحافة الفلسطينية والعربية.
عاد إلى أرض الوطن في منتصف عام 1994 وعمل مديرا عاما للتخطيط والمعلومات في وزارة العمل وكان من أبرز المساهمين في تأسيسها.
أُحيل إلى التقاعد عام 2005 بدرجة وكيل مساعد
لا يزال يمارس نشاطه الصحفي والكتابي ككاتب عمود اسبوعي في الصحافة المحلية.
25 تشرين اول, 2008
هل سقط خيار السلام؟
بقلم: غازي الخليلي
هل سقط خيار السلام؟ سؤال لم يعد ممكنا تجاهله أو القفز عنه في وقت يجري فيه تمزيق السلام تحت جنازير دبابات شارون وجنرالاته الذين اعادوا اجتياح واحتلال الضفة الغربية من اقصاها إلى أقصاها، ودمروا معظم مرتكزات السلطنة الوطنية، الامنية والادارية وغيرها، ويجري قضم غزة قطعة بعد أخرى بعمليات الاجتياح المتكررة و"الحلاقة" المتواصلة لاطرافها وتجريف مزارعها وتقطيع أوصالها، وبعمليات القتل وهدم المساكن والمنشآت تمهيدا لاعادة اجتياحها واحتلالها بالكامل. وفي الوقت أيضا، الذي حولت فيه القوات الاسرائيلية والمستوطنين، بعمليات القتل والمداهمات والاعتقالات والاغلاقات والحواجز والحد من الحركة والانتقال، حياة المواطنين الى جحيم وعذاب يومي، وإلى شل الحركة الاقتصادية وانتشار البطالة والفقر وارتفاعهما إلى معدلات كارثية. كل هذا يجري في ظل تواطؤ اميركي يبرر العدوان ويشرعه الى حد ما، وفي ظل صمت المجتمع الدولي بشكل لم نشهده حتى في أكثر فترات نضالنا صعوبة وقسوة.
وللحقيقة فإن بدايات انهيار السلام وتهاويه لم تبدأ مع مجيء شارون الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية محمولا باغلبية كبيرة بشعاراته ومواقفه لتدمير عملية السلام والاجهاز النهائي على اتفاقات أوسلو، وإنما كانت المؤشرات الاولية لذلك تتبدى في الاساليب المرواغة والمخادعة التي انتهجتها حكومة رابين نفسها وقيادات حزب العمل لفرض رؤيتها الخاصة في تطبيق اتفاقات اوسلو ومواصلتها للعمليات الاستيطانية. واتضحت هذه البدايات بأوضح ما يكون، مع مجيء ايهود باراك، رئيس الوزراء السابق، الذي جاء إلى الحكم بأغلبية كبيرة بصفته رجل سلام ومنقذ اسرائيل من كابوس نتنياهو وتطرف اليمين الاسرائيلي، إلا أنه بدل ان يدفع للامام ما تعهد به لناخبيه وما جاء من أجله، بدد الوقت في البحث عن تشكيل حكومة موسعة لا يجمع أطرافها أي جامع، وجرفته لعبة المناورة بين المسارين السوري والفلسطيني، دون أن يحقق أي إنجاز حقيقي على أي منهما. تراجع في عقد اتفاق سلام مع سوريا في الوقت الذي كان فيه الاتفاق شبه منجز. وتردد في اللحظات الاخيرة في دفع استحقاقات السلام على الجانب الفلسطيني ودفع العملية السياسية حتى نهاياتها، مع أن الاتفاق كان ممكنا في طابا لو لم يطلب من وفده قطع المفاوضات والعودة. وحاول إخفاء تردده وتراجعه بأكاذيبه وادعاءاته عن عروضه السخية وعدم وجود شريك فلسطيني محملا الجانب الفلسطيني مسئولية انهيار عملية السلام، مسنودا بالموقف الاميركي الذي ألقى باللوم على الجانب الفلسطيني في فشل اجتماعات كمب ديفيد التي عُقدت في شهر تموز العام 2000.
لقد تم تحشيد المجتمع الاسرائيلي وراء ادعاءات باراك وأكاذيبه للمجيء بشارون على انقاض هزيمة باراك نفسه، ولحشد أغلبية المجتمع الاسرائيلي وراء أوسع وأشرس حملة عسكرية ضد الشعب الفلسطيني، بدأها باراك قبل أن يغادر رئاسة الوزارة، واستكملها، ولا يزال يستكملها، شارون، جزار صبرا وشتيلا، الذي خلف باراك وأُعيد انتخابه من جديد في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة، مع أغلبية حاسمة لليمين الاسرائيلي في الكنيست.
في ضوء كل ذلك، هل سقط خيار السلام؟ سؤال لا يزال مطروحا، والاجابة عليه لم تعد بحاجة الى الكثير من الاجتهادات أو قدح زناد الذهن، حيث ان مجمل التطورات التي شهدتها المنطقة والتي قد تشهدها في القادم من الايام، قد أجابت عليه عمليا، هذا على الرغم من أن البعض لا يزال يحمل قسطا من التفاؤل بامكانية أن تبادر الادارة الاميركية إلىإعادة إحياء العملية السياسية وإنقاذ السلام، الحيوي للطرفين الاسرائيلي والفلسطيني، بعد أن تكون الولايات المتحدة قد فرغت من حربها على العراق، كما يشيع ذلك بعض اوساط الادارة الاميركية (تصريحات كولن باول، وزير الخارجية الاميركي في مؤتمر دافوس). ولكن، هل صحيح أن الرئيس الاميركي بعد أن يفرغ من حربه على العراق (هذا إذا فرغ فعلا ولم يغرق في أوحالها) سيتجه باهتمامه نحو المنطقة ويعيد إحياء عملية السلام بحيث يجعل من إنجاز السلام ورقته الرابحة لخوض معركة تجديد ولايته، باعتبار أنه سيكون أول رئيس أميركي ينجح في تحقيق حل نهائي لأعقد مشكلة في الشرق الاوسط، فشل في حلها الكثير من الرؤساء الذين سبقوه، أم أن الأصح، انه سيدير ظهره للمنطقة ويبحث عن روافع أخرى لمعركة تجديد ولايته، مفسحا في المجال لشارون وجنرالاته بحرية التحرك والتصرف في المنطقة، كما ألمح بذلك شاءول موفاز، وزير دفاعه عندما أشار إلى "أن الثمن السياسي الذي يتوقعه بعد الحرب، أن ترفع الادارة الاميركية ضغوطاتها عن إسرائيل وتسمح لها بحرية التحرك والتصرف، سواء إزاء الوضع الفلسطيني، أو تجاه حزب الله وسوريا. وما يعزز مثل هذا الاحتمال ما ذكرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن اتفاق بين بوش وشارون على إزاحة/إبعاد الرئيس عرفات ورجاله المقربين الى خارج المنطقة بعد الاطاحة بالرئيس صدام حسين، إذا لم يلب عرفات ما هو مطلوب منه. وهو ما عبر عنه، إلى حد ما، التحذير الضمني الذي نقله ثلاثي الرباعية (أطراف الرباعية الثلاثة بدون الطرف الاميركي، الذي امتنع عن المشاركة في اللقاء) الى الرئيس عرفات عندما التقوا به مؤخرا وطالبوه بإجراء تغييرات أساسية وسريعة في بنية وهرم السلطة الفلسطينية.
وما يعزز مثل هذا الاحتمال أيضا، ما اورده مارتين انديك، السفير الاميركي السابق في إسرائيل في مقال له في صحيفة "يديعوت أحرونوت"_أنظر الايام 10/2" من "أن بوش لا يريد تكرار خطأ والده والشروع في مواجهة مع الطائفة اليهودية_الاميركية. فخطوة واحدة فقط كانت بينه وبين الخسارة في فلوريدا في الانتخابات الرئاسية للعام 2000، والتي كانت ستحسم مصيره. ومنذئذ وهو يغازل الطائفة اليهودية بنشاط، لعلمه أن ارتفاعا بنسبة 20 في المئة فقط في تصويت اليهود له كفيل بأن يوفر له ولاية أخرى ثانية، ويحول بينه والذهاب الى البيت بعد فترة واحدة مثل والده." ولذلك فإن بوش، كما يقول إنديك " سيؤيد حل الدولتين، ولكنه لن يحرك ساكنا كي يحث هذا الحل إلا بعد أن يبدأ الطرفان نفساهما ببذل الجهد" لانه "لا يريد إضاعة وقته وجهده قي محاولة لتحريك شيء غير قابل للحركة"
ويبدو أن بوش الذي يسرع خطاه لشن الحرب على العراق في أقرب وقت ممكن لا تتجاوز الاسابيع، على الرغم من التحركات الدولية الواسعة المناهضة لهذه الحرب، على الصعيدين الرسمي والشعبي، فإنه يأمل أن يوظف نجاحه فيها في دعم حملته الانتخابية وإعادة انتخابه رئيسا لمرة ثانية، وبالتالي فان الصوت اليهودي سيكون حاسما من أجل ضمان فوزه. وحتى يكسب الصوت اليهودي يجب أن يكسب شارون إلى جانبه، وأن لا يوجه له أي ضغوط بشأن العملية السياسية واستحقاقاتها. وهذا ما يفسر لنا إلى حد كبير، تجاوب الادارة الاميركية مع رغبات شارون في تأجيل إعلان "خارطة الطريق،" للمرة الاولى والثانية، واعتبارها مفتوحة لاستيعاب المزيد من التعديلات. ويبدو أنها ستظل مفتوحة للتعديل وسيجري تأجيلها مرة تلو الاخرى، حتى تتطابق مع رؤية شارون وتصبح نسخة طبق الاصل عنها. ويبدو أن نسخة شارون المعدلة، والتي باتت جاهزة وشملت مئة تعديل، كما ذكرت "هآرتس" هي النسخة التي ستعتمدها الادارة الاميركية .
ويعتقد بوش أن مراهنته على كسب المزيد من المصوتين اليهود هو رهان صحيح، وخاصة انه حقق خطوة في هذا الاتجاه في الانتخابات النصفية للكونغرس التي جرت في شهر نوفمبر من العام الماضي. ويأمل أن يواصل هذا النجاح في انتخابات تجديد ولايته، حيث يشكل كسب الجمهوريين للصوت اليهودي إلحاق هزيمة، قد يطول أمدها، بالحزب الديمقراطي وإنشاء واقع سياسي جديد في الولايات المتحدة. ويعزز ذلك ما تشهده الطائفة اليهودية الاميركية من تحولات ايديولوجية تجعلها تقترب أكثر فأكثر من المعسكر اليميني المتشدد في اسرائيل، كما تشير إلى ذلك استطلاعات الرأي لليهود_الاميركيين خلال السنوات الاخيرة. ففي استطلاع للرأي أجراه البروفيسور ستيفين كوهين، وهو من أبرز علماء الاجتماع المهتمين بدراسة المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة، خلال شهري نوفمبر وديسمبر من العام 2002 على عينة تمثيلية من 1386، تبين أن أغلبية نسبية منهم (38 في المئة مقابل 19 في المئة) أبدت معارضتها لاخلاء معظم المستوطنات، كما عبرت غالبية (44 مقابل 19) عن رفضها وجود سيطرة فلسطينية على الاحياء العربية في القدس الشرقية، كما رفضت أغلبية من 56 في المئة مقابل 12 في المئة إجراء مفاوضات مع اسرائيل بوجود الرئيس عرفات.
في ضوء كل ذلك، أين سيتجه بوش بضغوطاته بعد أن يفرغ من حربه على العراق، هل سيضغط باتجاه شارون واليهود الاميركيين لانجاح عملية السلام، أم انه سيدير ظهره لعملية السلام، ويتجاهل أطراف الرباعية الآخرين والدول العربية؟ مما ورد أعلاه يتضح أن وجهة بوش هي ضمان تجديد ولايته للمرة الثانية، وهذا لن يتحقق الا بشارون والطائفة اليهودية _الاميركية. أما عملية السلام فيمكن لها ان تنتظر. وهذا ما أشارت إليه أوساط أميركية على صلة بتطورات الاوضاع في الشرق الاوسط بتأكيدها ان الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بتحريك الشأن الفلسطيني أو بقيام دولة فلسطينية، وأن موقف الرئيس بوش ومساعديه يقوم بكل بساطة على مساندة حكومة شارون في استراتيجيتها العامة ودعم موقفها في كل ما يتعلق برؤيتها للسلام الممكن والمفاوضات.
12 تشرين اول, 2008
ديمقراطية بوش: الترويج المسلح للديمقراطية
بقلم: غازي الخليلي
منذ مبادرة كولن باول، وزير الخارجية الاميركي في شهر حزيران من العام الماضي عن الشراكة الديمقراطية في الشرق الاوسط وما سماه بناء الامل لسنوات مقبلة، دارت عجلة الدعاية والترويج الاميركية للاصلاح الديمقراطي في العالمين العربي والاسلامي، وانضم إلى حملة الترويج مؤخرا الرئيس الاميركي بوش بخطابه الذي القاه في المعهد الوطني للديمقراطية بواشنطن في السادس من شهر نوفمبر الماضي، والذي مهدت له كونداليزا رايس، مستشارة الامن القومي الاميركي بتصريح أشارت فيه إلى أبرز ما تضمنه الخطاب حول تسريع الاصلاحات السياسية في الشرق الاوسط وإنهاء عقود من الحرمان والغضب المكبوت الذي يغذي الارهاب.
أكد بوش في خطابه على ضرورات الاصلاح الديمقراطي، وانتقد الى حد ما، السياسات الاميركية على مدى الستين سنة الماضية لتجاهلها مطالب الشعوب العربية بالديمقراطية، وقدم اعترافا خجولا بأن الممارسات الغربية في المنطقة خلال العقود الستة الماضية أدت إلى نتائج عكسية، وتفادى الاشارة إلى الدعم الاميركي المادي والسياسي للانظمة العربية والاسلامية السلطوية والاحتضان القوي لاسرائيل، كما تجاهل الخطاب كليا إسرائيل وما تقوم به من عدوان متواصل وممارسات عنصرية ضد الشعب الفلسطيني.
لقد جدد خطاب بوش التساؤلات حول الاهداف الاميركية من هذه الدعوات الانقلابية، وخاصة أن اميركا بحكم تاريخها الطويل في دعم انظمة الاستبداد والديكتاتورية في منطقتنا وفي العالم وسعيها للهيمنة، ليست هي المؤهلة لدعوة الآخرين لترسيخ الديموقراطية. ولا نبالغ في الحقيقة إذا ما رأينا في هذه الدعوات محاولة أميركية لرفد ترتيبات غزو المنطقة والامساك بمقدراتها بترتيبات موازية على الصعيد الايديولوجي والثقافي، وخاصة أن هذه الدعوات تأتي مترافقة مع الغزو الاميركي للعراق ومدعومة بحشود عسكرية وتهديدات أميركية بغزو بلدان أخرى. والخطاب كما يبدو، ليس أكثر من محاولة يقوم بها بوش لتبرير الحرب على العراق وبأنها كانت ضرورية لاقامة الديمقراطية في المنطقة، بعد الانتقادات الواسعة التي تعرضت لها.
خطاب بوش ينتمي، كما يراه البعض، إلى المناخ العقائدي لـ"المحافظين الجدد" ويغرف من أفكارهم، ويحاول أن يقدمها بلغة تبشيرية ونبوية أو ويلسونية جديدة (نسبة إلى الرئيس الاميركي وودرو ويلسون ونقاطه الاربعة عشر حول حق الشعوب في تقرير مصيرها بعد الحرب العالمية الاولى)، والبعض يراها ويلسونية مسلحة لانها تقوم على أفكار "المحافظين الجدد" ونظرياتهم حول الحروب الاستباقية والترويج المسلح للديمقراطية وفرضها بالقوة لمنع الارهاب. فالديمقراطية بنظر "المحافظين الجدد" ليست قيمة أخلاقية فقط، وإنما تشكل هدفا عمليا أساسيا للولايات المتحدة لمنع الارهاب، فالولايات المتحدة صاحبة مصلحة في الذهاب حيث الارهاب لاستئصاله بالمبضع الديموقراطي، وغزو العراق بالنسبة لـ"المحافظين الجدد" ليس إلا البداية، وإنها لم تحصل إلا لاطلاق هذه الورشة الكبرى.
خطاب بوش، كما وصفه البعض، تبسيطي وساذج وخطير، لانه يعتبر أن العرب والمسلمين عندما يدركون جوهر ما تريده اميركا سينحازون إلى مشروع الشراكة الديمقراطية، كما حصل في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وكما حصل في أوروبا الشرقية بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي، ويتجاهل بوش كليا تاريخ المنطقة وثقافتها ولماذا تعمها مشاعر الاستياء وحتى العداء إلى أميركا. فشعوب المنطقة لا تعادي أميركا لقيمها، وإنما تعاديها لسياساتها، وخاصة الخارجية منها، وكما قال جيمس زغبي، رئيس المعهد الاميركي: سياستنا تهزم تصريحاتنا حول قيمنا. وإذا ما تجاوزنا الدعم الاميركي المطلق لاسرائيل وحتى في طبعتها الشارونية الشديدة العدوانية والعنصرية، فإن تاريخ أميركا حافل بدعم الانظمة الديكتاتورية والرجعية، والامثلة على ذلك كثيرة في منطقتنا وفي العالم، فسياسة أميركا في المنطقة اتسمت بالتأييد غير المشروط للانظمة الرجعية والاستبدادية شرط الحصول بأفضل الشروط على نفطها، وعملت للقضاء على الديمقراطية عندما كانت نتائجها غير مرضية لها ولا تتوافق مع مصالحها (الليندي في تشيلي) وحمت الديكتاتورية وساندتها عندما كانت مناسبة لها (بينوشيه في تشيلي)، وإذا ما شجعت المؤسسات الديمقراطية في بلد ما، فلأن ذلك يخدم مصالحها، فديمقراطية أميركا هي ديمقراطية الذين ينسجمون مع مصالحها.
ومما يثير الشك والريبة في الدعوات الاميركية وبرنامجها نحو الشراكة الديمقراطية في الشرق الاوسط، أنها تأتي في سياق سياسة عامة تثير الكثير من النقمة في المنطقة العربية ضد الادارة الاميركية، وضد إدارة بوش بخاصة، فهي تأتي في سياق الانحياز الاميركي المطلق لاسرائيل وحكومة التطرف الشارونية، وبعد غزو العراق والتهديد بغزو بلدان أخرى، والحملات المتصاعدة ضد الثقافة العربية والاسلامية، ولم تأت كسياسة بديلة عن سياسة القوة العسكرية والهيمنة الاقتصادية والسياسية.
وإذا ما ارادت أميركا دعم الديمقراطية فعلا، فعليها أن تعيد النظر في كل سياساتها الداعمة لقوى العدوان والعنصرية في المنطقة، وفي مقدمة ذلك دعمها المتواصل لاسرائيل، وأن تعيد النظر في موقفها تجاه التيارات والقوى الديمقراطية والاصلاحية في المنطقة، حيث شجعت ودعمت أنظمة الاستبداد على قمعها واضطهادها طيلة العقود الماضية، ومشكلة أميركا في الموقف من هذه القوى والتيارات الديمقراطية، أن هذه القوى لا تفصل بين مطالبها في الاصلاح والتحول الديمقراطي، وبين التزامها بمصالح شعوبها والدفاع عنها، وفي مقدمة ذلك رفض الهيمنة الاميركية والاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية.
خطاب بوش، كما تشير بعض المصادر، هو تمهيد لمشروع أميركي_أوروبي حول "الشرق الاوسط الجديد" سيتم إطلاقه قريبا. وتشير المعلومات أن المشروع الجديد يسعى إلى تشكيل إئتلاف أميركي_أوروبي لدفع الدول العربية لاجراء تحولات ديمقراطية في بنيتها وأنظمتها السياسية، وربط تقديم المساعدات والمنح الاقتصادية لأي دولة بمدى تطبيقها لمعايير الديمقراطية وحقوق الانسان. فإلى أي مدى سيشكل هذا المشروع رافعة لتحقيق الديمقراطية في المنطقة، أم رافعة لاعادة الهيمنة والسيطرة الغربية على المنطقة بمفاهيم ووسائل جديدة، وهل ستقبل أميركا وحلفاؤها النتائج التي يمكن أن تترتب على التحولات الديمقراطية المحتملة في المنطقة حتى لو تعارضت مع مصالحهم، أم أن أميركا لن تتعايش إلا مع ديمقراطية بمقاييس مصالحها الاستراتيجية ومواصلة هيمنتها على المنطقة؟
الديمقراطية والحريات العامة والحرص على التعليم وتطويره، كانت ولا تزال مطالب أساسية لكل القوى الديمقراطية والاصلاحية في المنطقة وقبل أن يدعو لها بوش ووزير خارجيته. لقد عانت هذه القوى الكثير من قمع أنظمة الاستبداد والديكتاتورية لها على مدى سنين طويلة. ومحاولة قوى خارجية اختطاف شعارات الديمقراطية وإعادة طرحها بمفاهيم وقوالب جديدة خدمة لمصالحها الخاصة واهدافها السياسية المباشرة لن يوقف أو يحد من نضال هذه القوى من أجل إحداث تحول ديمقراطي حقيقي في مجتمعاتها، فالديمقراطية لا تُصنع أو تُفرض من الخارج لاهداف سياسية قصيرة النظر، إنما هي عملية بنائية ونضالية داخلية، تتطلب جهودا مكثفة ووعيا عميقا بثقافة المنطقة وثقافة شعوبها وتطلعها نحو الحرية والاستقلال والتقدم، وهذا ليس بمقدور أميركا أو أي قوى خارجية، فالديمقراطية ليست مجرد دساتير وانتخابات.
30 ايلول, 2008
30 ايلول, 2008
العودة الى الاصول
من أبرز العناصر والمقومات الأساسية التي تتحكم باحتمالات نجاح أو فشل أي حركة مقاومة أو حركة تحرر وطني، عنصران رئيسان هما، وحدة ووضوح الهدف السياسي على المدى المباشر، ووحدة مركز القرار، للتقرير العملاني ولمجمل العملية السياسية والعسكرية. إن غياب هذين العنصرين او ضبابية قدرتهما على التحكم بمسار العملية الكفاحية وضبط أي انفلات من هنا أو هناك، بذريعة حرية التعدد السياسي، او تعددية الرؤى الأبعد لأهداف النضال، سيعزز الى حد كبير، نشوء حالة من الفوضى السياسية، وخلق مراكز قرار متعددة، قد تتحول تدريجيا، إذا لم يتم ضبطها ومعالجتها في وقت مبكر، إلى شكل من أشكال الصراع الذاتي_ الداخلي المدمر.
هذه الخلاصة الهامة، هي أبرز ما يمكن استخلاصه من التجارب الغنية للشعوب في نضالها من أجل حريتها واستقلالها، من فيتنام الى الجزائر إلى جنوب إفريقيا، والى مختلف حركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وغيرها من البلدان. فقد كان دائما ثمة هدف واضح، يوحد ويجمع جهد جميع القوى تحت راياته، مهما تعددت رؤاها السياسية ومنطلقاتها الايديولوجية، وكان دائما ثمة مركز قرار واحد للتوجيه والتقرير، يضبط الحركة السياسية،كما يضبط الممارسات العملية والاشكال والوسائل الكفاحية المتلائمة مع كل مرحلة من مراحل النضال، وفقا لتطور العملية النضالية وما راكمته من خبرات وإمكانيات.
هذه الحكمة أو الخلاصة، هي القاعدة التي حكمت_ إلى حد كبير، حل التعارضات التي كانت تنشأ بين مختلف فصائل العمل الوطني الفلسطيني، وعلى أساسها، كان ممكنا الحفاظ على التعددية السياسية والايديولوجية الحالية، وتوفير هامش من التعايش المشترك الفعال، وضبط التعارضات حتى لاتتحول الى اشكال من الصراع الداخلي.
لم تختلف فصائل العمل الوطني الفلسطيني عند انطلاقها في منتصف الى الستينيات، في المنطلقات وأهداف النضال البعيدة، تعارضت وتباينت إيديولوجيا وفي انتهاج بعض اشكال الكفاح وفي بناء بنيتها التنظيمية_إلى حد ما. لقد شكلت الجبهة الشعبية في مرحلة ما قبل نشوء حركة المقاومة الاسلامية "حماس" أواخر الثمانينيات، مركز المعارضة والانقسام المؤقت في مراحل معينة من نضالنا الوطني، لكن الجبهة الشعبية لم تنجرف في معارضتها او في توجهاتها الانقسامية_في بعض الحالات، الى الحد الذي يلغي أو يطوي مساحات اللقاء الممكنة وإمكانات العمل المشترك، أو إمكانية اللقاء مجددا على قواسم مشتركة أفرزتها المرحلة الجديدة، حتى في أشد الحالات سوداوية خلال سنوات الانقسام الصعبة 1983-1986. لقد ظلت الجبهة الشعبية ومن تحالف معها من فصائل وقوى وطنية، قوة وطنية فاعلة، تستلهم المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني وتغلب عوامل التوحيد والتوافق على عوامل الانقسام والتباعد، حتى لو كان ثمن ذلك ممارسة النقد الذاتي العلني، لتصحيح مواقف سابقة وانتهاج مواقف أكثر صوابية. ومن أبرز محطات نقدها الذاتي العلني، نقدها لذاتها في انتهاج خط خطف الطائرات كوسيلة كفاحية، وتراجعها عنه أواخر العام 197، بعد أن ادركت بالتجربة العملية مضارها السياسية على مجمل الحركة الوطنية الفلسطينية وعلى مشروعية نضالنا الوطني. وكذلك تراجعها عن جبهة الرفض التي أنشأتها بتحالف مع فصائل أخرى ضد التوجهات السياسية الجديدة لمنظمة التحرير الفلسطينيية بعد دورة المجلس الوطني الثانية عشرة في العام 1974، والعودة الى الانتظام في الصف الوطني الموحد في إطار برنامج الاستقلال الوطني بحدود الاراضي المحتلة عام 1967، وذلك في العام 1979. وأيضا تراجعها عن جبهة الانقاذ التي أنشاتها مع القوى التي انشقت عن "فتح" في العام 1983، والعودة مجددا الى الانتظام مع باقي الفصائل في إطار برنامج الاجماع الوطني الذي تقرر في الدورة الثامنة عشرة في الجزائر في العام 1986.
كذلك لم تنجرف "فتح" ومن تحالف معها من فصائل وقوى وطنية، الى دفع الجبهة الشعبية الى خارج الصف الوطني، وتغليب عوامل التعارض والفرقة معها على عوامل الاتفاق وإمكانية اللقاء مجددا، وكان أبرز ما ميز مواقف "قتح" والقوى المؤتلفة معها هو الحرص الدائم للحفاظ على الجبهة الشعبية ومن في صفها، في إطار منظمة التحير الفلسطينية الاطار الجامع لكل فصائل وقوى العمل الوطني، وإعادة جذب الجميع الى برنامج القواسم المشتركة، برنامج الاجماع الوطني.
وعلى هذا الاساس، فإن أبرز ما ميز العمل الوطني الفلسطيني المشترك خلال العقود الماضية، للحفاظ على وحدة الهدف السياسي ووحدة مركز القرار السياسي والعسكري، هو انتهاج خط التوافق على القواسم المشتركة، إذا تعذر الاتفاق بمعناه الاشمل. وقد أمكن بالتوافق وبرنامج القواسم المشتركة، الجمع بين التعددية السياسية مع ما تتيحه من هامش معقول لاستقلالية سياسية، وبين انضباط الجميع للهدف السياسي الموحد والمتوافق عليه، ووحدة مركز القرار السياسي والعسكري، بما في ذلك ضبط الممارسات العملية الكفاحية بحيث لا تتعارض أو تتناقض مع الهدف السياسي المتوافق عليه.
مع نشوء حركة المقاومة الاسلامية "حماس" أواخر الثمانينيات ودخولها قوة جديدة الى ساحة العمل الوطني الفلسطيني بعد تأخر دام أكثر من عقدين، إختلت قاعدة المعادلة هذه، التي تجمع بين التعددية والوحدة في إطار واحد وبرنامج واحد، والتي قام عليها بنيان العمل الوطني الفلسطيني لسنين طويلة منذ نشأته الحديثة منتصف الى الستينيات من القرن الماضي. لقد رفضت "حماس" الانضباط لبرنامج الاجماع الوطني أو المشاركة في أطره التنظيمية "م ت ف " وطرحت نفسها قوة متعارضة، واحيانا متناقضة، مع مجمل فصائل العمل الوطني، واحتفظت لنفسها بهامش واسع من الاستقلالية السياسية والعسكرية والبرنامجية، رفضت برنامج الاستقلال الوطني في حدود الاراضي المحتلة عام 1967، شككت بالعبر المستخلصة من التجربة التاريخية الطويلة للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وتمسكت بالعودة الى منطلقات النشأة الاولى للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بتبنيها برنامج التحرير الكامل لارض فلسطين من النهر الى البحر. وأباحت لنفسها الافتراق عن النشاطات الميدانية الكفاحية الموحدة لمجمل القوى الوطنية إبان الانتفاضة الاولى، وتمييز نفسها بأجندة نشاطات ميدانية خاصة بها، مما خلق العديد من الارتباكات في العمل الميداني، وحمل المواطنين أعباء إضافية
مع اتفاق أوسلو ونشوء السلطة الوطنية الفلسطينية بدأت معالم مرحلة جديدة، استغلتها حماس لتوسيع هامش معارضتها السياسية للاتفاق والسلطة الوطنية الفلسطينية بانتهاجها لسياسة اعتراضية، سياسية وعسكرية لافشال مجمل العملية السياسية وما ترتب عليها من نتائج، وعملت على جذب الفصائل الوطنية المعارضة للاتفاق الى مواقعها الاعتراضية، لعزل ومحاصرة السلطة الفلسطينية والقوى الوطنية المؤتلفة معها.
سياسيا، صعدت "حماس" برنامجها نحو التحرير الكامل ضد برنامج الاستقلال الوطني في حدود الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، أي برنامج العودة وحق تقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، وهو برنامج الاجماع الوطني، ورفضت التعامل مع أي نتائج نجمت عن اوسلو، وأدانت المفاوضات كوسيلة لحل الصراع الفلسطيني_ الاسرائيلي. وأبرز من مثل هذا التصعيد السياسي، الناطق الرسمي لحماس، الاخ عبد العزيز الرنتيسي، بتصريحاته المتكررة صباح مساء من على الفضائيات، وهي تصريحات أقل ما توصف به أنها غير متوازنة وتهييجية، وقد استغلتها قوى التطرف الاسرائيلية لتعبئة وتحشيد المجتمع الاسرائيلي وراءها، واستغلها جنرالات إسرائيل لتبرير حملتهم العسكرية العدوانية للاجهاز على المشروع الوطني الفلسطيني.
عسكريا، إنتهجت حماس ومن معها من القوى الاسلامية خط التصعيد العسكري بعمليات تفجيرية استهدفت المدنيين الاسرائليين مباشرة، لاحراج السلطة الفلسطينية وإعاقة تنفيذ استحقاقات أوسلو، وصولا الى إفشال كل العملية السياسية التي ترتبت عن هذا الاتفاق. وعلى الرغم من أن العديد من هذه العمليات جاء ردا على عمليات أجرامية اسرائيلية، إلا أن توقيت عمليات أخرى عديدة يكشف الاهداف الحقيقيه من هذه العمليات، التي كانت تثير الكثير من الزوابع، وتستدعي في المقابل ردا اسرائيليا أقسى، وهو الاعتراض على العملية السياسية الجارية والعمل على إفشالها، حتى لو أدى الامر الى تدمير السلطة الوطنية الفلسطينية، باعتبارها أحد أبرز نتاجات اوسلو. لقد ارتبط تنفيذ العديد من هذه العمليات مع ترمومتر العملية السياسية، فعندما تبدو ملامح تنشيط للعملية السياسية، يتم تنشيط العمليات التفجيرية ذات الضجيج العالي، وعندما تبدو ملامح جمود أو تعثر في العملية السياسية، تهمد هذه العمليات وتتراجع. إن الامثلة على ذلك كثيرة، لعل من أبرزها ترابط توقيت هذه العمليات في الفترة الاخيرة مع زيارات شارون المتكررة الى واشنطن لتكون حاضرة في لقاءات بوش_شارون، وكانت كل عملية من هذه العمليات وكأنها هدية على طبق من فضة، كان يتلقفها شارون بكل شغف، لتبرير سياساته وإجراءاته العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، وكي يفلت من أي ضغط محتمل من بوش لتخفيف إجراءاته العدوانية، وكذلك توقيتها مع زيارات مبعوثين دوليين الى المنطقة بهدف تنشيط العملية السياسية، والاخطر من ذلك، ارتباط توقيت تنفيذ بعض هذه العمليات في الوقت الذي من المفترض أن تقوم فيه إسرائيل بتنفيذ بعض استحقاقاتها من اتفاق أوسلو.
لا شك أن العلاقات مع اسرائيل ما كانت لتكون سمنا على عسل بدون العمليات التفجيرية، أو أن اسرائيل كانت ستقوم بتنفيذ كل استحقاقاتها والتزاماتها لولا هذه العمليات، فاسرائيل بكل حكوماتها التي تعاقبت على الحكم خلال السنوات الماضية، كانت تتهرب من تنفيذ التزاماتها، وواصلت عمليات الاستيطان بكثافة وعملت جاهدة على فرض تفسيراتها للاتفاق بما يلائم مصالحها. في المقابل، فان اسرائيل ما كان ممكنا لها أن تتمادى في مماطلتها وإعاقتها لتنفيذ التزاماتها لولا هذه العمليات، التي اتخذت منها ذريعة وحجة لتصعيد مطالبها الامنية والتستر وراءها، للتباطؤ_الى حد التراجع في أحيان كثيرة، عن تنفيذ استحقاقاتها.
وعمليا، فإن اتفاق اوسلو قد انهار، ليس فقط بفعل ضربات "حماس" التفجيرية واستهدافها المباشر للمدنيين في إسرائيل، وإنما أيضا، لان أهداف حماس في اسقاط إتفاق اوسلو، تلاقت مع اهداف طغمة الجنرالات وقوى التطرف اليمينية في اسرائيل، والتي كانت بالاساس ضد إتفاق أوسلو، وعملت على إسقاطه بكل الوسائل.
إن شارون وجنرالاته القابضين على زمام الحكم في إسرائيل حاليا، ومنذ أكثر من عشرين شهرا، لا يشكلون قوة سلام، ولا يريدون للعملية السياسية أن تتواصل وتنجح. فشارون لم يوافق على اتفاق أوسلو منذ البداية، وجوهر برنامجه عندما جاء الى الحكم، هو إنهاء اوسلو وكل ما ترتب أو نتج عنه من نتائج. لم يطرح برنامجا أو خطة للسلام، وليس لديه أي برنامج سلامي بالاساس، فبرنامجه الحقيقي هو أحلامه بكسر إرادة الشعب الفلسطيني وإحضاره مهزوما ومكسور الجناح الى مائدة المفاوضات، ليفرض عليه حلا استسلاميا تصفويا للقضية الفلسطينية بكل جوانبها.
ويؤسفني القول أن برنامج شارون تغذى ونهض على أكتاف برنامج "حماس" وخاصة العمليات التفجيرية التي استهدفت المدنيين، ووظف شارون ما اثارته هذه العمليات من ضجيج وزوابع، في حملته التعبوية_الدعاوية لحشد الاكثرية من المجتمع الاسرائيلي وراءه، ولدفع الادارة الاميركية الى الانحياز الكامل له ولبرنامجه، ولتحييد بقية أطراف المجتمع الدولي من اتحاد اوروبي وروسيا وغيرهم، وبالتالي تبييض صورته السابقة كمجرم حرب مسؤول عن العديد من الجرائم ضد الشعب الفلسطيني، وخلق مناخ دولي متفهم_إن لم يكن موافقا، لاجراءاته العسكرية التدميرية ضد الشعب الفلسطيني. وكانت فرصة شارون الكبيرة والتي لاتعوض_برأيه، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول الماضي في الولايات المتحدة، حيث نجح في أن يخلق حالة من التماهي بين إجراءاته العسكرية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني مع حملة الولايات المتحدة الظالمة ضد ما اسمته "الارهاب الاصولي الاسلامي والعربي"، مستفيدا من زوابع العمليات المستهدفة للمدنيين، ومن المناخ الدولي العام الرافض لها والذي يستنكرها بشدة . ولا عجب، فالعالم بات حاليا يدين ما يسميه "الارهاب" الفلسطيني أكثر من إدانته لارهاب الدولة الاسرائيلي المنظم، ولجرائم شارون التي تفقأ كل العيون. وعليه، الا يحق لنا أن نتساءل، لماذا؟
إن الجيش الشاروني يجثم على الضفة الغربية بكاملها حاليا، بآلياته ودباباته ومجنزراته وبكل ما حفلت به آلته العسكرية من قوة تدمير وإرهاب. ناشرا الخراب والدمار في كل مكان، يقتل الاطفال والنساء، يهدم البيوت والمساكن، يدمر المزارع والمصانع والمنشآت، يعتقل الآلاف ويحول حياة المواطنين اليومية الى جحيم، باجراءات منع التجول، بالحواجز والاغلاقات واجراءات الحصار والعزل للمدن والقرى وتقطيع أوصالها وعزلها عن بعضها البعض ومنع التنقل بينها، والى عمليات الاجتياح والمداهمات المتواصلة والتي تزداد عنفا يوما بعد يوم….ألخ.
وفي قطاع غزة، يتعرض القطاع لعمليات مماثلة من عمليات تدمير شبه شاملة بدءا من الاطراف، بعمليات الاجتياح الموقعية وعمليات التدمير للبيوت والمساكن والمزارع والمنشآت الاقتصادية واقتناص المواطنين دون أي تمييز، وصولا الى القلب بعمليات القصف والاغتيالات للمواطنين دون تمييز بطائرات الاف 16 ومروحيات الاباتشي وقذائف المدفعية والدبابات، الى إجراءات الحصار وتقطيع الاوصال وعزل المناطق عن بعضها، ثم إلى عمليات التوغل الواسعة في بعض المناطق كما حصل في رفح مؤخرا.
في المقابل، فإن صورة الوضع الفلسطيني القائمة حاليا تبعث على القلق، فإذا ما استثنينا هذا الصمود الشعبي الرائع في مواجهة هذه الهجمة الشارونية العدوانية الهمجية، فإن مجمل الوضع، إذا ما استمر على وضعه الحالي، ينذر بالخطر. فمن جهة، السلطة الفلسطينية فقدت الكثير من قدرتها في ظل الحصار المفروض عليها وعلى رمزها الاخ الرئيس ياسر عرفات، وبعد تدمير الكثير من بنيتها الامنية والادارية، والأوضاع الأقتصادية في تدهور مستمر بعد توقف الكثير من الاعمال وبعد الدمار الكبير الذي لحق بالعديد العديد من المنشآت والمصانع والمزارع، البطالة تتصاعد وتصل الى مستويات خطيرة ، القدرة الشرائية لغالبية المواطنين تقلصت الى حد كبير، والجوع يدق أبواب الكثير من الاسر وشبه مجاعة تخيم في الافق. وعلى الارض، لم يعد ثمة مركز واحد للقرار، ولم يعد ثمة سلطة واحدة، وإنما مراكز قرار متعدة وسطات ميدانية متعددة، فكل فصيل صار صاحب قرار وصاحب سلطة، والمجموعات المسلحة هي التي تقرر ميدانيا ما تشاء، عسكريا وحتى سياسيا. وعلى الصعيد السياسي فوضى سياسية شاملة، كل يتحدث باسم الشعب وينطق الشعب ما يشاء، تصريحات مهما هب ودب، لا يجمعها جامع ولا يربطها هدف، والفضائيات تتبارى في استضافة هذا وذاك وكأننا في سوق عكاظ من الدرجة العاشرة. إنها حالة من الفوضى الشاملة.
إن استمرار هذه الحالة من الفوضى الشاملة والاستسلام لها ستكون لها عواقب خطيرة، وربما كارثية. وحالة كهذه التي نعيشها حاليا، لن توفر المناخ الملائم ولا المقومات الضروريه لاستمرار الانتفاضة وتواصلها، وأن تكون عنصر قوة للشعب وداعمة لصموده، وليس عبئا عليه ومحبطة لآماله وطموحاته. فالفوضى لن تصنع انتفاضة تحمل مقومات النجاح والانتصار، فالمستفيد الاول من هذه الفوضى هو شارون وبرنامجه التصفوي الذي يحاول فرضه على شعبنا بالقوة وبالارهاب. ولا شك أن إنتاج مثل هذا الوضع هو ما استهدفه شارون من عدوانه التدميري على السلطة الفلسطينية وعلى كل مقومات شعبنا الاقتصادية والمعيشية والادارية.
وللخروج من هذه الحالة قبل أن تستفحل وتتعمق، لابد من العودة الى الاصول التي حكمت الحالة الفلسطينية منذ بداياتها الاولى، الاصول والقواعد التي جعلت ممكنا للتعددية السياسية أن تتعايش، حتى باشكالها المسلحة، ولكن في اطار انضباط الجميع للهدف السياسي الواحد ولمركز قرار واحد سياسيا وعسكريا. فالتعددية السياسية تتحول الى فوضى اذا ما تحولت الى تعددية في السلطات وفي مراكز القرار، وتكون بمثابة أحسن وصفة للتدمير الذاتي والصراعات الذاتية.
إن ما توصل اليه الاخوة في فتح وفي حماس والفصائل الاخرى في الايام القليلة الماضية وقبيل مجزرة الاطفال الشارونية في غزة، وهي المجزرة التي أُريد لها أن تجهض هذه المحاولة باستدعاء رد فعل انتقامي يعيد الامور الى ما كانت عليه، أقول إن ما توصل اليه الاخوة مجتمعين في هذه المحاولة_المبادرة خطوة في الاتجاه الصحيح، لابد من إعادة إحيائها واستكمالها، ليس باعتبارها خطوة موجهة الى الجانب الاسرائيلي فقط، لترشيد عمليات المقاومة العسكرية والتوقف عن الاستهداف المباشر للمدنيين، وإنما باعتبارها مبادرة موجهة للداخل الفلسطيني لاعادة بناء العلاقات الفلسطينية الداخلية بين مختلف الفصائل والقوى ومؤسسات المجتمع المدني على أسس من التوافق-إن تعذر الاتفاق، على القواسم المشتركة سياسيا في اطار برنامج الاستقلال الوطني بحدود الاراضي المحتلة عام 1967 ومن انضباط الجميع لمركز قرار واحد، وإنهاء أي شكل من أشكال تعدد السلطات الميدانية أوغيرها.
إن الوقت لم يفت بعد، ولا يزال ثمة فرصة لاعادة المحاولة بنفس أقوى وبرؤية أشمل، على الرغم من الهجمة الشارونية الجديدة، وما تثيره ردات الفعل الانتقامية والثأرية من هنا ومن هناك، من أجواء ومناخات غير مشجعة. إن ثمة مؤشرات، إذا ما تم متابعتها بعناية وطول نفس وبتفهم مشترك، قد توفر إمكانيات أكبر للنجاح وللوصول الى نتائج إيجابية. فثمة تصريحات من بعض قادة حماس تشير الى أن حماس باتت تقترب أكثر من برنامج الاستقلال الوطني بحدود الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وعلى الرغم من أن هذا الاقتراب لا يزال خجولا ويتسم بالتردد وعدم الثبات، إلا أنه يمكن تشجيعه والبناء عليه. إضافة لذلك فثمة قناعات آخذة بالتعمق والاتساع لدى أوساط عديدة من شعبنا، أن الاستهداف المباشر للمدنيين الاسرائيليين، لم يعد يشكل رافعة للنضال الوطني الفلسطيني، كما اعتقد البعض. وأنه يوما بعد يوم يثبت بالتجربة العملية الملموسة أن هذا الاسلوب لا يتقبله العالم من حولنا، وأنه يؤلب العالم ضدنا، بمن فيه قوى كانت معروفه بالوقوف الى جانبنا، ناهيك عما الحقه بنا من تشكيك بمشروعيتنا الكفاحية وعدالة حقنا في الدفاع عن شعبنا ضد الاحتلال الاسرائيلي وعدوانية شارون الهمجية والفالته من عقالها. إن وقفا لهذا النمط من العمليات بات ممكنا ومطلوبا بالضرورة، لحماية شعبنا وحماية قيمنا الاخلاقية والانسانية التي يتسم بها نضالنا العادل من أجل الحرية والاستقلال وبناء كياننا الوطني.
انني أدعو كل القوى الوطنية والاسلامية ومؤسسات المجتمع المدني وجميع المناضلين على مختلف إتجاهاتهم، للتحلي بالحكمة والموضوعية وطول النفس والمبادرة الايجابية النشطة للخروج من حالة الفوضى الشاملة التي نعيشها، والتي باتت تهدد مجمل مشروعنا الوطني وتهدد بتبديد الانجازات التي تحققت على مدى السنين الطويلة الماضية بتضحيات الآلاف. وأخيرا، لابد من القول، أنه بيدنا يمكن أن نكون على مسافة قصيرة من انتزاع استقلالنا الوطني ودحر الاحتلال عن أرضنا، أو أن نكون على أبعد مما نتصور من هذا الهدف.
1