محطات

سيرة ذاتية

سيرة ذاتية/ غازي الخليلي

مواليد نابلس عام 1940 ودرس في مدارسها.

متزوج وله ولدان.

بكالوريوس آداب من جامعة دمشق عام 1965 .

عمل مدرسا في مدارس نابلس لأربع سنوات بعد تخرجه من الجامعة.

التحق بصفوف المقاومة الفلسطينية منذ بداياتها الاولى وهو من المؤسسين للمقاومة الفلسطينية المعاصرة

ومن أوائل المؤسسين لخلايا المقاومة المسلحة قبل العام 1967 .

اضطر الى مغادرة ارض الوطن بعد أشهر من الاحتلال الاسرائيلي بعد ملاحقته من قبل قوات الاحتلال لنشاطه المقاوم.

أمضى عدة سنوات معتقلا في بعض البلدان العربية لنشاطه السياسي والمقاوم.

عمل لعدة سنوات في مركز الابحاث الفلسطيني في بيروت (1974-1979) مساعدا للمدير العام للمركز ورئيسا لتحرير اليوميات الفلسطينية ومشاركا في مجلة "شؤون فلسطينية" التي كان يصدرها المركز.

عضو في المجلس الوطني الفلسطيني منذ العام 1972

كاتب و صحفي، وشغل عضوية الامانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين لعدة سنوات.

له عدة مؤلفات وابحاث منشورة منها: المرأة الفلسطينية والثورة، شهادات على جدران زنزانة، الحركة النقابية العمالية الفلسطينية تحت الاحتلال، انتفاضة الارض عام 1976، صحافة المقاومة الفلسطينية، إضافة إلى العديد من الدراسات والابحاث والمقالات في الصحافة الفلسطينية والعربية.

عاد إلى أرض الوطن في منتصف عام 1994 وعمل مديرا عاما للتخطيط والمعلومات في وزارة العمل وكان من أبرز المساهمين في تأسيسها.

أُحيل إلى التقاعد عام 2005 بدرجة وكيل مساعد

لا يزال يمارس نشاطه الصحفي والكتابي ككاتب عمود اسبوعي في الصحافة المحلية.

هل سقط خيار السلام

هل سقط خيار السلام؟

بقلم: غازي الخليلي

 

هل سقط خيار السلام؟ سؤال لم يعد ممكنا تجاهله أو القفز عنه في وقت يجري فيه تمزيق السلام تحت جنازير دبابات شارون وجنرالاته الذين اعادوا اجتياح واحتلال الضفة الغربية من اقصاها إلى أقصاها، ودمروا معظم مرتكزات السلطنة الوطنية، الامنية والادارية وغيرها، ويجري قضم غزة قطعة بعد أخرى بعمليات الاجتياح المتكررة و"الحلاقة" المتواصلة لاطرافها وتجريف مزارعها وتقطيع أوصالها، وبعمليات القتل وهدم المساكن والمنشآت تمهيدا لاعادة اجتياحها واحتلالها بالكامل. وفي الوقت أيضا، الذي حولت فيه القوات الاسرائيلية والمستوطنين، بعمليات القتل والمداهمات والاعتقالات والاغلاقات والحواجز والحد من الحركة والانتقال، حياة المواطنين الى جحيم وعذاب يومي، وإلى شل الحركة الاقتصادية وانتشار البطالة والفقر وارتفاعهما إلى معدلات كارثية. كل هذا يجري في ظل تواطؤ اميركي يبرر العدوان ويشرعه الى حد ما، وفي ظل صمت المجتمع الدولي بشكل لم نشهده حتى في أكثر فترات نضالنا صعوبة وقسوة.

وللحقيقة فإن بدايات انهيار السلام وتهاويه لم تبدأ مع مجيء شارون الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية محمولا باغلبية كبيرة بشعاراته ومواقفه لتدمير عملية السلام والاجهاز النهائي على اتفاقات أوسلو، وإنما كانت المؤشرات الاولية لذلك تتبدى في الاساليب المرواغة والمخادعة التي انتهجتها حكومة رابين نفسها وقيادات حزب العمل لفرض رؤيتها الخاصة في تطبيق اتفاقات اوسلو ومواصلتها للعمليات الاستيطانية. واتضحت هذه البدايات بأوضح ما يكون، مع مجيء ايهود باراك، رئيس الوزراء السابق، الذي جاء إلى الحكم بأغلبية كبيرة بصفته رجل سلام ومنقذ اسرائيل من كابوس نتنياهو وتطرف اليمين الاسرائيلي، إلا أنه بدل ان يدفع للامام ما تعهد به لناخبيه وما جاء من أجله، بدد الوقت في البحث عن تشكيل حكومة موسعة لا يجمع أطرافها أي جامع، وجرفته لعبة المناورة بين المسارين السوري والفلسطيني، دون أن يحقق أي إنجاز حقيقي على أي منهما. تراجع في عقد اتفاق سلام مع سوريا في الوقت الذي كان فيه الاتفاق شبه منجز. وتردد في اللحظات الاخيرة في دفع استحقاقات السلام على الجانب الفلسطيني ودفع العملية السياسية حتى نهاياتها، مع أن الاتفاق كان ممكنا في طابا لو لم يطلب من وفده قطع المفاوضات والعودة. وحاول إخفاء تردده وتراجعه بأكاذيبه وادعاءاته عن عروضه السخية وعدم وجود شريك فلسطيني محملا الجانب الفلسطيني مسئولية انهيار عملية السلام، مسنودا بالموقف الاميركي الذي ألقى باللوم على الجانب الفلسطيني في فشل اجتماعات كمب ديفيد التي عُقدت في شهر تموز العام 2000.

لقد تم تحشيد المجتمع الاسرائيلي وراء ادعاءات باراك وأكاذيبه للمجيء بشارون على انقاض هزيمة باراك نفسه، ولحشد أغلبية المجتمع الاسرائيلي وراء أوسع وأشرس حملة عسكرية ضد الشعب الفلسطيني، بدأها باراك قبل أن يغادر رئاسة الوزارة، واستكملها، ولا يزال يستكملها، شارون، جزار صبرا وشتيلا، الذي خلف باراك وأُعيد انتخابه من جديد في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة، مع أغلبية حاسمة لليمين الاسرائيلي في الكنيست.

في ضوء كل ذلك، هل سقط خيار السلام؟ سؤال لا يزال مطروحا، والاجابة عليه لم تعد بحاجة الى الكثير من الاجتهادات أو قدح زناد الذهن، حيث ان مجمل التطورات التي شهدتها المنطقة والتي قد تشهدها في القادم من الايام، قد أجابت عليه عمليا، هذا على الرغم من أن البعض لا يزال يحمل قسطا من التفاؤل بامكانية أن تبادر الادارة الاميركية إلىإعادة إحياء العملية السياسية وإنقاذ السلام، الحيوي للطرفين الاسرائيلي والفلسطيني، بعد أن تكون الولايات المتحدة قد فرغت من حربها على العراق، كما يشيع ذلك بعض اوساط الادارة الاميركية (تصريحات كولن باول، وزير الخارجية الاميركي في مؤتمر دافوس). ولكن، هل صحيح أن الرئيس الاميركي بعد أن يفرغ من حربه على العراق (هذا إذا فرغ فعلا ولم يغرق في أوحالها) سيتجه باهتمامه نحو المنطقة ويعيد إحياء عملية السلام بحيث يجعل من إنجاز السلام ورقته الرابحة لخوض معركة تجديد ولايته، باعتبار أنه سيكون أول رئيس أميركي ينجح في تحقيق حل نهائي لأعقد مشكلة في الشرق الاوسط، فشل في حلها الكثير من الرؤساء الذين سبقوه، أم أن الأصح، انه سيدير ظهره للمنطقة ويبحث عن روافع أخرى لمعركة تجديد ولايته، مفسحا في المجال لشارون وجنرالاته بحرية التحرك والتصرف في المنطقة، كما ألمح بذلك شاءول موفاز، وزير دفاعه عندما أشار إلى "أن الثمن السياسي الذي يتوقعه بعد الحرب، أن ترفع الادارة الاميركية ضغوطاتها عن إسرائيل وتسمح لها بحرية التحرك والتصرف، سواء إزاء الوضع الفلسطيني، أو تجاه حزب الله وسوريا. وما يعزز مثل هذا الاحتمال ما ذكرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن اتفاق بين بوش وشارون على إزاحة/إبعاد الرئيس عرفات ورجاله المقربين الى خارج المنطقة بعد الاطاحة بالرئيس صدام حسين، إذا لم يلب عرفات ما هو مطلوب منه. وهو ما عبر عنه، إلى حد ما، التحذير الضمني الذي نقله ثلاثي الرباعية (أطراف الرباعية الثلاثة بدون الطرف الاميركي، الذي امتنع عن المشاركة في اللقاء) الى الرئيس عرفات عندما التقوا به مؤخرا وطالبوه بإجراء تغييرات أساسية وسريعة في بنية وهرم السلطة الفلسطينية.

وما يعزز مثل هذا الاحتمال أيضا، ما اورده مارتين انديك، السفير الاميركي السابق في إسرائيل في مقال له في صحيفة "يديعوت أحرونوت"_أنظر الايام 10/2" من "أن بوش لا يريد تكرار خطأ والده والشروع في مواجهة مع الطائفة اليهودية_الاميركية. فخطوة واحدة فقط كانت بينه وبين الخسارة في فلوريدا في الانتخابات الرئاسية للعام 2000، والتي كانت ستحسم مصيره. ومنذئذ وهو يغازل الطائفة اليهودية بنشاط، لعلمه أن ارتفاعا بنسبة 20 في المئة فقط في تصويت اليهود له كفيل بأن يوفر له ولاية أخرى ثانية، ويحول بينه والذهاب الى البيت بعد فترة واحدة مثل والده." ولذلك فإن بوش، كما يقول إنديك " سيؤيد حل الدولتين، ولكنه لن يحرك ساكنا كي يحث هذا الحل إلا بعد أن يبدأ الطرفان نفساهما ببذل الجهد" لانه "لا يريد إضاعة وقته وجهده قي محاولة لتحريك شيء غير قابل للحركة"

ويبدو أن بوش الذي يسرع خطاه لشن الحرب على العراق في أقرب وقت ممكن لا تتجاوز الاسابيع، على الرغم من التحركات الدولية الواسعة المناهضة لهذه الحرب، على الصعيدين الرسمي والشعبي، فإنه يأمل أن يوظف نجاحه فيها في دعم حملته الانتخابية وإعادة انتخابه رئيسا لمرة ثانية، وبالتالي فان الصوت اليهودي سيكون حاسما من أجل ضمان فوزه. وحتى يكسب الصوت اليهودي يجب أن يكسب شارون إلى جانبه، وأن لا يوجه له أي ضغوط بشأن العملية السياسية واستحقاقاتها. وهذا ما يفسر لنا إلى حد كبير، تجاوب الادارة الاميركية مع رغبات شارون في تأجيل إعلان "خارطة الطريق،" للمرة الاولى والثانية، واعتبارها مفتوحة لاستيعاب المزيد من التعديلات. ويبدو أنها ستظل مفتوحة للتعديل وسيجري تأجيلها مرة تلو الاخرى، حتى تتطابق مع رؤية شارون وتصبح نسخة طبق الاصل عنها. ويبدو أن نسخة شارون المعدلة، والتي باتت جاهزة وشملت مئة تعديل، كما ذكرت "هآرتس" هي النسخة التي ستعتمدها الادارة الاميركية .

ويعتقد بوش أن مراهنته على كسب المزيد من المصوتين اليهود هو رهان صحيح، وخاصة انه حقق خطوة في هذا الاتجاه في الانتخابات النصفية للكونغرس التي جرت في شهر نوفمبر من العام الماضي. ويأمل أن يواصل هذا النجاح في انتخابات تجديد ولايته، حيث يشكل كسب الجمهوريين للصوت اليهودي إلحاق هزيمة، قد يطول أمدها، بالحزب الديمقراطي وإنشاء واقع سياسي جديد في الولايات المتحدة. ويعزز ذلك ما تشهده الطائفة اليهودية الاميركية من تحولات ايديولوجية تجعلها تقترب أكثر فأكثر من المعسكر اليميني المتشدد في اسرائيل، كما تشير إلى ذلك استطلاعات الرأي لليهود_الاميركيين خلال السنوات الاخيرة. ففي استطلاع للرأي أجراه البروفيسور ستيفين كوهين، وهو من أبرز علماء الاجتماع المهتمين بدراسة المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة، خلال شهري نوفمبر وديسمبر من العام 2002 على عينة تمثيلية من 1386، تبين أن أغلبية نسبية منهم (38 في المئة مقابل 19 في المئة) أبدت معارضتها لاخلاء معظم المستوطنات، كما عبرت غالبية (44 مقابل 19) عن رفضها وجود سيطرة فلسطينية على الاحياء العربية في القدس الشرقية، كما رفضت أغلبية من 56 في المئة مقابل 12 في المئة إجراء مفاوضات مع اسرائيل بوجود الرئيس عرفات.

في ضوء كل ذلك، أين سيتجه بوش بضغوطاته بعد أن يفرغ من حربه على العراق، هل سيضغط باتجاه شارون واليهود الاميركيين لانجاح عملية السلام، أم انه سيدير ظهره لعملية السلام، ويتجاهل أطراف الرباعية الآخرين والدول العربية؟ مما ورد أعلاه يتضح أن وجهة بوش هي ضمان تجديد ولايته للمرة الثانية، وهذا لن يتحقق الا بشارون والطائفة اليهودية _الاميركية. أما عملية السلام فيمكن لها ان تنتظر. وهذا ما أشارت إليه أوساط أميركية على صلة بتطورات الاوضاع في الشرق الاوسط بتأكيدها ان الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بتحريك الشأن الفلسطيني أو بقيام دولة فلسطينية، وأن موقف الرئيس بوش ومساعديه يقوم بكل بساطة على مساندة حكومة شارون في استراتيجيتها العامة ودعم موقفها في كل ما يتعلق برؤيتها للسلام الممكن والمفاوضات.

 


ر

ديمقراطية بوش: الترويج المسلح للديمقراطية

ديمقراطية بوش: الترويج المسلح للديمقراطية

بقلم: غازي الخليلي

 

منذ مبادرة كولن باول، وزير الخارجية الاميركي في شهر حزيران من العام الماضي عن الشراكة الديمقراطية في الشرق الاوسط وما سماه بناء الامل لسنوات مقبلة، دارت عجلة الدعاية والترويج الاميركية للاصلاح الديمقراطي في العالمين العربي والاسلامي، وانضم إلى حملة الترويج مؤخرا الرئيس الاميركي بوش بخطابه الذي القاه في المعهد الوطني للديمقراطية بواشنطن في السادس من شهر نوفمبر الماضي، والذي مهدت له كونداليزا رايس، مستشارة الامن القومي الاميركي بتصريح أشارت فيه إلى أبرز ما تضمنه الخطاب حول تسريع الاصلاحات السياسية في الشرق الاوسط وإنهاء عقود من الحرمان والغضب المكبوت الذي يغذي الارهاب.

أكد بوش في خطابه على ضرورات الاصلاح الديمقراطي، وانتقد الى حد ما، السياسات الاميركية على مدى الستين سنة الماضية لتجاهلها مطالب الشعوب العربية بالديمقراطية، وقدم اعترافا خجولا بأن الممارسات الغربية في المنطقة خلال العقود الستة الماضية أدت إلى نتائج عكسية، وتفادى الاشارة إلى الدعم الاميركي المادي والسياسي للانظمة العربية والاسلامية السلطوية والاحتضان القوي لاسرائيل، كما تجاهل الخطاب كليا إسرائيل وما تقوم به من عدوان متواصل وممارسات عنصرية ضد الشعب الفلسطيني.

لقد جدد خطاب بوش التساؤلات حول الاهداف الاميركية من هذه الدعوات الانقلابية، وخاصة أن اميركا بحكم تاريخها الطويل في دعم انظمة الاستبداد والديكتاتورية في منطقتنا وفي العالم وسعيها للهيمنة، ليست هي المؤهلة لدعوة الآخرين لترسيخ الديموقراطية. ولا نبالغ في الحقيقة إذا ما رأينا في هذه الدعوات محاولة أميركية لرفد ترتيبات غزو المنطقة والامساك بمقدراتها بترتيبات موازية على الصعيد الايديولوجي والثقافي، وخاصة أن هذه الدعوات تأتي مترافقة مع الغزو الاميركي للعراق ومدعومة بحشود عسكرية وتهديدات أميركية بغزو بلدان أخرى. والخطاب كما يبدو، ليس أكثر من محاولة يقوم بها بوش لتبرير الحرب على العراق وبأنها كانت ضرورية لاقامة الديمقراطية في المنطقة، بعد الانتقادات الواسعة التي تعرضت لها.

خطاب بوش ينتمي، كما يراه البعض، إلى المناخ العقائدي لـ"المحافظين الجدد" ويغرف من أفكارهم، ويحاول أن يقدمها بلغة تبشيرية ونبوية أو ويلسونية جديدة (نسبة إلى الرئيس الاميركي وودرو ويلسون ونقاطه الاربعة عشر حول حق الشعوب في تقرير مصيرها بعد الحرب العالمية الاولى)، والبعض يراها ويلسونية مسلحة لانها تقوم على أفكار "المحافظين الجدد" ونظرياتهم حول الحروب الاستباقية والترويج المسلح للديمقراطية وفرضها بالقوة لمنع الارهاب. فالديمقراطية بنظر "المحافظين الجدد" ليست قيمة أخلاقية فقط، وإنما تشكل هدفا عمليا أساسيا للولايات المتحدة لمنع الارهاب، فالولايات المتحدة صاحبة مصلحة في الذهاب حيث الارهاب لاستئصاله بالمبضع الديموقراطي، وغزو العراق بالنسبة لـ"المحافظين الجدد" ليس إلا البداية، وإنها لم تحصل إلا لاطلاق هذه الورشة الكبرى.

خطاب بوش، كما وصفه البعض، تبسيطي وساذج وخطير، لانه يعتبر أن العرب والمسلمين عندما يدركون جوهر ما تريده اميركا سينحازون إلى مشروع الشراكة الديمقراطية، كما حصل في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وكما حصل في أوروبا الشرقية بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي، ويتجاهل بوش كليا تاريخ المنطقة وثقافتها ولماذا تعمها مشاعر الاستياء وحتى العداء إلى أميركا. فشعوب المنطقة لا تعادي أميركا لقيمها، وإنما تعاديها لسياساتها، وخاصة الخارجية منها، وكما قال جيمس زغبي، رئيس المعهد الاميركي: سياستنا تهزم تصريحاتنا حول قيمنا. وإذا ما تجاوزنا الدعم الاميركي المطلق لاسرائيل وحتى في طبعتها الشارونية الشديدة العدوانية والعنصرية، فإن تاريخ أميركا حافل بدعم الانظمة الديكتاتورية والرجعية، والامثلة على ذلك كثيرة في منطقتنا وفي العالم، فسياسة أميركا في المنطقة اتسمت بالتأييد غير المشروط للانظمة الرجعية والاستبدادية شرط الحصول بأفضل الشروط على نفطها، وعملت للقضاء على الديمقراطية عندما كانت نتائجها غير مرضية لها ولا تتوافق مع مصالحها (الليندي في تشيلي) وحمت الديكتاتورية وساندتها عندما كانت مناسبة لها (بينوشيه في تشيلي)، وإذا ما شجعت المؤسسات الديمقراطية في بلد ما، فلأن ذلك يخدم مصالحها، فديمقراطية أميركا هي ديمقراطية الذين ينسجمون مع مصالحها.

ومما يثير الشك والريبة في الدعوات الاميركية وبرنامجها نحو الشراكة الديمقراطية في الشرق الاوسط، أنها تأتي في سياق سياسة عامة تثير الكثير من النقمة في المنطقة العربية ضد الادارة الاميركية، وضد إدارة بوش بخاصة، فهي تأتي في سياق الانحياز الاميركي المطلق لاسرائيل وحكومة التطرف الشارونية، وبعد غزو العراق والتهديد بغزو بلدان أخرى، والحملات المتصاعدة ضد الثقافة العربية والاسلامية، ولم تأت كسياسة بديلة عن سياسة القوة العسكرية والهيمنة الاقتصادية والسياسية.

وإذا ما ارادت أميركا دعم الديمقراطية فعلا، فعليها أن تعيد النظر في كل سياساتها الداعمة لقوى العدوان والعنصرية في المنطقة، وفي مقدمة ذلك دعمها المتواصل لاسرائيل، وأن تعيد النظر في موقفها تجاه التيارات والقوى الديمقراطية والاصلاحية في المنطقة، حيث شجعت ودعمت أنظمة الاستبداد على قمعها واضطهادها طيلة العقود الماضية، ومشكلة أميركا في الموقف من هذه القوى والتيارات الديمقراطية، أن هذه القوى لا تفصل بين مطالبها في الاصلاح والتحول الديمقراطي، وبين التزامها بمصالح شعوبها والدفاع عنها، وفي مقدمة ذلك رفض الهيمنة الاميركية والاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية.

خطاب بوش، كما تشير بعض المصادر، هو تمهيد لمشروع أميركي_أوروبي حول "الشرق الاوسط الجديد" سيتم إطلاقه قريبا. وتشير المعلومات أن المشروع الجديد يسعى إلى تشكيل إئتلاف أميركي_أوروبي لدفع الدول العربية لاجراء تحولات ديمقراطية في بنيتها وأنظمتها السياسية، وربط تقديم المساعدات والمنح الاقتصادية لأي دولة بمدى تطبيقها لمعايير الديمقراطية وحقوق الانسان. فإلى أي مدى سيشكل هذا المشروع رافعة لتحقيق الديمقراطية في المنطقة، أم رافعة لاعادة الهيمنة والسيطرة الغربية على المنطقة بمفاهيم ووسائل جديدة، وهل ستقبل أميركا وحلفاؤها النتائج التي يمكن أن تترتب على التحولات الديمقراطية المحتملة في المنطقة حتى لو تعارضت مع مصالحهم، أم أن أميركا لن تتعايش إلا مع ديمقراطية بمقاييس مصالحها الاستراتيجية ومواصلة هيمنتها على المنطقة؟

الديمقراطية والحريات العامة والحرص على التعليم وتطويره، كانت ولا تزال مطالب أساسية لكل القوى الديمقراطية والاصلاحية في المنطقة وقبل أن يدعو لها بوش ووزير خارجيته. لقد عانت هذه القوى الكثير من قمع أنظمة الاستبداد والديكتاتورية لها على مدى سنين طويلة. ومحاولة قوى خارجية اختطاف شعارات الديمقراطية وإعادة طرحها بمفاهيم وقوالب جديدة خدمة لمصالحها الخاصة واهدافها السياسية المباشرة لن يوقف أو يحد من نضال هذه القوى من أجل إحداث تحول ديمقراطي حقيقي في مجتمعاتها، فالديمقراطية لا تُصنع أو تُفرض من الخارج لاهداف سياسية قصيرة النظر، إنما هي عملية بنائية ونضالية داخلية، تتطلب جهودا مكثفة ووعيا عميقا بثقافة المنطقة وثقافة شعوبها وتطلعها نحو الحرية والاستقلال والتقدم، وهذا ليس بمقدور أميركا أو أي قوى خارجية، فالديمقراطية ليست مجرد دساتير وانتخابات.

المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال وفي النزاعات المسلحة

المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال وفي النزاعات المسلحة ترتبط اوضاع المرأة الفلسطينية سواء في الاراضي المحتلة أو في الشتات ومخيمات اللجوء بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها. ولا يمكن عزل واقع المرأة وما تعانيه سواء على صعيد قضيتها الخاصة ونيل حقوقها الاجتماعية وتبوء مكانتها في الاسرة والمجتمع وفي سوق العمل دون تمييز بينها والرجل، عما تعانيه من ظلم واضطهاد وإرباك لحياتها وافراد أسرتها والمجتمع بشكل عام من الاحتلال او النزاعات المسلحة. فالاحتلال وما يرافقه من نزاعات مسلحة وما يمارسة من سياسات تعسفية وعنفيه يفرض المزيد من الاعباء على المرأة في تدبير شؤون الاسرة في ظل غياب أو فقدان رب الاسرة باستشهاده اواعتقاله أومطاردته أو تضييق مجالات العمل أمامه بالاغلاق والحصار والحد من حريته في الوصول إلى أماكن عمله. إن الاحتلال وما يرافقه من نزاعات مسلحة واضطراب في حياة المجتمع، يولد إرباكات جمة في حياة الاسر وفي تدبير شؤونها المعيشية وفي مستوى تماسكها الداخلي، وتتحمل المرأة الجانب الاكبر من المعاناة في مواجهة هذه الظروف التي تداهم حياتها وأسرتها وعلاقاتها مع المحيط.وإذا ما تناولنا واقع المرأة الفلسطينة خلال العقود الاربعة الماضية من الاحتلال الاسرائيلي، نجد انها كانت المتضرر الاكبر من سياسات الاحتلال وإحراءاته التعسفية والنزاعات المسلحة التي يثيرها ويلجأ إليها لفرض سيطرته وإحكام قبضته بالوسائل العنيفة، وذلك بحكم الدور المزدوج وربما المثلث الذي تجد المرأة نفسها في خضمه. فهي من جهة شريكة الرجل في النضال من أجل تحرير أرضها ومجتمعها من الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني، ومن جهة أخرى عليها أن تقوم مقام الرجل في تدبير شؤون الاسرة والحفاظ على تماسكها عندما يستشهد اويعتقل او يطارد رب الاسرة أو يفقد عمله لسبب أو لآخر، كما عليها ايضا ان لاتتجاهل قضيتها الخاصة كامراة من اجل المساواة ونيل حقوقها.إن استعراض مسيرة المرأة الفلسطينية الكفاحية على مختلف هذه المستويات طيلة هذه العقود الاربعة الماضية، يضعنا أمام صورة مشرقة لها، بكفاحها وصبرها وثقل معاناتها وحرصها على اسرتها وتماسكها، سواء كانت أما او اختا، عاملة أو ربة بيت. فالمرأة الفلسطينية كانت شريكة كفاح وراعية أسرة ونشيطة اجتماعيا في سبيل حقوقها، ومن أجل قضيتها وحرية وطنها واستقلاله.لن نتناول في هذه الورقة الموجزة هذه المسيرة الحافلة والمشرقة بكل ابعادها وتجلياتها، وإنما سنتناول بلمحات حجم معاناتها من الاحتلال وممارساته واجراءاته العنفية والتعسفية، وما ولدته هذه السياسات، وخاصة سياساته في الحصار ومصادرة الاراضي واقتلاع الاشجار وهدم المنازل وقصفها ومداهمتها واستشهاد أو اعتقال أفراد من اسرتها، من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية عليها وعلى تماسك واستقرار حياة أسرتها وتدبير شؤونها المعيشية والصحية والتعليمية وغيرها. سنتناول في هذاالموجز الآثار المختلفة للاحتلال وما رافقه من عنف وإجراءات تعسفية على واقع المرأة، مستعرضين هذه الآثار من جوانب عدة ابرزها: 1.      كفاح المرأة الفلسطينية من أجل حرية واستقلال وطنهالم تتخلف المرأة الفلسطينية عن الاسهام في النضال من أجل حرية واستقلال شعبها ووطنها، خاصة وهي ترى وتشاهد وتعيش الماساة التي يتعرض لها شعبها، ولا يتسع المجال في هذه الورقة المختصرة استعراض كل مختلف جوانب هذه المسيرة الكفاحية وتجلياتها، وخاصة أن كفاح المرأة بتجلياته وابعاده يغطي مجالات عديدة، فالنشاط الكفاحي للمراة كان متعدد الوجوه والمجالات، وسنستعرض في هذا البند الجانب الابرز من هذا الكفاح، وهو انخراطها المباشر في الكفاح والنضال المقاوم للاحتلال باشكاله المختلفة بما فيه الاشكال العنيفة ردا على ما يقترفه الاحتلال من عنف منظم ومتواصل طال مختلف جوانب حياة المجتمع الفلسطيني. تعرضت المرأة نتيجة لهذا النشاط المقاوم إلى الاستشهاد والاعتقال والمطاردة، وقد استشهدت المئات من النساء خلال سنوت الاحتلال الطويلة، وخاصة حلال انتفاضة الاقصى حيث تجاوز عدد الشهيدات المئتين والعشرين شهيدة، منهن اربعون شهيدة بسبب منعهن من اجتياز الحواجز والمرور إلى المدن المحاصرة. كما جرى اعتقال المئات منهن ولا يزال يقبع أكثرمن 120 امرأة في المعتقلات الاسرائيلية المختلفة.تعرضت المرأة الاسيرة إلى الكثير من صنوف التعذب والاهانة اثناء الاعتقال وفي مراحل التحقيق، كما تعرضت لشتى اعمال التنكيل والقمع والاذلال وشتى انواع الضغط النفسي والتهديد لاركاعها واستسلامها. ولا شك أن ابرز ما تعرضت له المرأة الاسيرة من إجراءات تعسفية تتنافى مع أبسط الحقوق الانسانية، هو ما تعرض له بعض الاسيرا ت الحوامل اللواتي اضطررن إلى وضع أولادهن داخل السجن، ثم فصل الوليد عن أمه بعد بلوغه السنتين. وثمة الكثير من الامثلة عما تعرضت له المرأة الاسيرة من صنوف التعذيب والاهانات. ونعرض فيما يلي كمثال على ذلك، شهادة الاسيرة سمر ابراهيم صبيح التي تم اعتقالها في 29 سبتمبر 2005 بعد زواجها بثلاثة اشهر وهي حامل في الشهر الثاني. شهادة الاسيرة سمر صبيح حول ظروف اعتقالها وما تعرضت له اثناء التحقيق أفادت صبيح أنها قدمت من غزة بتاريخ 25/5/2005 إلى مدينة طولكرم، في شمال الضفة بهدف الزواج، وهو ما كان، ولكن بتاريخ 29/9/2005 داهم الجيش الاسرائيلي منزلها وأمر الجنود جميع الرجال في المنزل بخلع ملابسهم حتى أصبحوا عراة أمام النساء والأطفال.
وأضافت "أمروني بالوقوف جانباً من بين جميع النساء المتواجدات، وأدخلوني إلى كابينة متحركة مزودة بكاميرات، وكان بداخلها جندي أمرني بخلع ملابسي، حتى أنه أمرني بخلع ملابسي الداخلية وعندما رفضت طلبه هددني بالقتل إن لم أخضع لأوامره. بعد ذلك احضروا لي (أفرهول) أبيض وأمروني بلباسه داخل هذه الكبينة دون أن يسمحوا لي بارتداء الملابس الداخلية. بعد ذلك حققوا معي ميدانياً نصف ساعة، وبعدها نقلوني إلى معتقل المسكوبية في القدس".
واضافت "أخذوني بعد أن قيدوا يدي ورجلي وعصبوا عيني، وكان معي بداخل الجيب مجندة إسرائيلية واحدة، وعندما وصلت المسكوبية قامت المجندات بتفتيشي تفتيشاً عارياً. وأخبرتهن بأنني حامل بالشهر الثاني ولم يصدقنني، إلا بعد إجراء فحصي في المستشفى للتأكد من صحة أقوالي، وعندما تأكدن أعدنني إلى المسكوبية ومباشرة أدخلنني إلى غرفة التحقيق".
وتابعت، بأن التحقيق معها في معتقل المسكوبية استمر شهرين "وكان عبارة عن جولات تتراوح كل جولة بين 3-4 ساعات يومياً كنت خلالها مقيدة الأيدي والأرجل والقيود مربوطة إلى كرسي ثابت بالأرض. ومنذ تاريخ 10/11/2005 ولغاية 15/11/2005 اشتد الضغط عليّ أثناء التحقيق، وكان التحقيق يبدأ من الساعة السادسة صباحاً حتى الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، وكل هذا وأنا مشبوحة على الكرسي ولم يأخذوا بعين الاعتبار أني حامل، ولم يراعوا وضعي الصحي، وكان المحققون يرتاحون ويتناوبون ويمنعونني من الراحة ويمارسون ضغوطاً نفسية كبيرة علي".
وقالت سمر، بأن المحققين كانوا يهددوها بقصف منزلها والتهديد بإنزال الجنين من بطنها وباعتقال شقيقاتها ووالدتها، وكل ذلك كان مصحوباً بشتائم بذيئة وصراخ وكلمات نابية.
وأفادت أن أحد أساليب التعذيب النفسي الذي اتبع معها كان إحضار زوجها إلى زنازين معتقل المسكوبية، حيث "أمرني المحققون بالنظر من عين سحرية في باب غرفة التحقيق وإذا بزوجي معصوب العينين ومقيد اليدين والقدمين في الغرفة المقابلة. واستعملوا معي هذا الأسلوب أكثر من مرة خلال التحقيق، مما أثر على وضعي النفسي كثيراً".
وقالت سمر إن نحو 15 محققاً تناوبوا على التحقيق معها ومن ضمنهم كانت المحققة المعروفة بإسم "الكابتن نورا" وهذه المحققة كانت الأشد قساوة من بين المحققين.
وأفادت انه تم نقلها بتاريخ 8/11/2005 إلى المستشفى لإجراء فحوصات، وأخبرها الأطباء أن الجنين نحيف ووزنها آخذ بالنقصان، وبعد ذلك اشتد التحقيق معها وبأشكال عديدة من الضغط النفسي لارغامها على الاستجابة لما يطلبونه منها.
وعن ظروف الزنازين في معتقل المسكوبية، قالت سمر إن وضع الزنازين صعب جداً، ويوجد مكيف هواء بارد جداً في الزنزانة، وهي دون شباك، والرطوبة عالية فيها، والحيطان لونها يميل إلى السواد وخشنة الملمس من الصعب الاتكاء عليها وتوجد فتحة في الأرض عبارة عن مرحاض. والضوء خافت ومزعج للنظر، والفراش وسخ جداً وكذلك البطانيات.
أما بالنسبة للأكل، فقالت أنه "سيء، وكوني حاملاً طلبت أكلا خاصا بذلك، فتم رفض طلبي، حتى أنهم رفضوا إحضار كأس حليب واحد" .
ويذكر أن زوج الأسيرة سمر اعتقل مباشرة بعد اعتقالها بيوم واحد، وحول للسجن الإداري لمدة 6 أشهر.لقد كانت المرأة الفلسطينية صنو الرجل فعلا في كفاحها ومقاومتها للاحتلال ولم ترض لنفسها أن تبقى حبيسة البيت، وإنما اصرت ان تكون مع الرجل ومشاركة له فيما يعتبر أنه حكر على الرجال، وهذا ما عزز ويعزز مكانتها الاجتماعية ومكانتها في الاسرة والمجتمع ويعزز حريتها واستقلالها، إلا ان الاحتلال وما يرافقه من إجراءات عنيفة يؤثر عليها كثيرا نفسيا وجسديا، من الناحية الاخرى. 2.      المرأة الفلسطينية هي الاكثر تضررا من عنف الاحتلال ومن سياساته في الاغلاق والحصارمارست القوات الاسرائيلية المحتلة الكثير من اشكال العنف والاجراءات التعسفية لفرض سيطرتها وإخضاع المواطنيين لهيمنتها، وسنركز في هذا لبند على بعض هذه الاشكال ورصد آثارها المختلفة على المرأة والاسرة بشكل عام، سنتناول فقط بلمحات مختصرة الآثار النفسية للمداهمات المسلحة الليلية وغيرها للمنازل لاعتقال احد أو بعض افراد الاسرة وما تتعرض له النساء من اهانات او تحرشات جنسية خلالها، احيانا، وكذلك للاثار المختلفة النفسية والاقتصادية والاجتماعية للاغلاقات وللحصار على المرأة وحياتها الاسرية.لقد دابت قوات الاحتلال الاسرائيلية على القيام بحملات مداهمة مسلحة، ليلية في غالب الاحيان، على المنازل والبيوت لاعتقال ما تدعيه مطلوبين، وتتم المداهمة بعد محاصرة المنازل باعداد كبيرة من الجنود واقتحام عشرات الجنود المصحوبين بكلابهم البوليسية والشرسة وهم يرتدون الاقنعة السوداء للمنزل المطلوب بطريقة تخلو من الحد الادنى من الانسانية، ويقومون بايقاظ كل من في البيت من اطفال ونساء و يقومون بحجزهم في إحدى الغرف اوعند الجيران، ثم يقومون بعمليات تفتيش يصاحبها في اغلب الاحيان تكسير الاواني وقلب الاثاث راسا على عقب، محدثين الكثير من الفوضى والهلع وإرعاب الاطفال. هذه الحالات تتكرر وباستمرار، وفي يعض الاحيان وهي ليست قليلة، تتم مهاجمة البيوت المطلوبة بالنيران بغض النظر عمن بداخالها.إن هذا الشكل اللا إنساني من المداهمات والاقتحامات يترك آثارا نفسية بعيدة المدى على الاطفال وعلى النسوة انفسهن، كما يربك حياتهن حيث يشعرن انهن بلا حماية او اي مراعاة لحرمتهن، وقد كان لمثل هذه المداهمات تاثير كبير على حياة وصحة وسلوك معظم النسوة اللوتي تعرضن لمثل هذه المداهمات، وخاصة من تعرض منهن إلى تحرشات جنسية وأجبارهن وبناتهن على خلع ملابسهن امام الجنود.إن الحديث عن المداهمات والاقتحامات للمنازل وما يخلفه ذلك من حالات رعب وآثار نفسية بعيدة المدى يطول، وخاصة تلك المداهمات التي كانت تتم بخرق الجدران والانتقال من بيت إلى آخرعبر فح كوات في جدران البيوت المتجاورة للنفاذ منها ومفاجأة اهل البيت وهم نيام، ونترك لخيال القارئ أن يتصور حالة الرعب والهلع التي تنتاب أهل البيت من اطفال وبنات وأمهات وهم يشاهدون الجنود بينهم فجأة وهم نيام في فراشهم، وما هي الحالة النفسية التي تنتاب الام وهي تشاهد بناتها واطفالها وهم في ملابس النوم أمام الجنود المدججين بالسلاح وباقنعتهم السوداء. الحصار والاغلاق مسبب اساسي لانتشار الفقر والبطالة أما سياسات الحصار والاغلاق للمناطق وعزل المدن والقرى عن بعضها وخاصة بعد بناء جدار الفصل العنصري، الذي عزل مئات الآلاف من المواطنين والاسر، ليس فقط عن اراضيهم الزاعية التي يعتاشون منها وعن مراكز الخدمات الصحية والتعليمية، وإنما ايضا، عزل الاسر عن بعضها وتشتيت أفرادها بين من هم داخل الجدار وبين من هم خارجه، فإن آثارها كانت ابعد مدى وأكبر تاثيرا سواء على الصعيد الاقتصادي او الاجتماعي، أو الاعباء الجديدة التي وجدت المرأة نفسها في مواجهتها، ولاتملك الوسائل الكفيلة بالتخفيف أو الحد من آثارها.لقد قامت قوات الاحتلال الاسرائيلي خلال السنوات الماضية على عزل التجمعات السكنية الفلسطينية عن بعضها وتحويلها إلى منعزلات مفصولة عن بعضها بمئات الحواجز، حيث بلغ عدد الحواجز الحالية ما يزيد عن 500 حاجز إضافة الى عزل القدس عن الضفة الغربية كليا، وكذلك عزل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وكذلك وقف تدفق العمالة الفلسطينية الى سوق العمل الاسرائيلي، مما ترك أكثر من مئة عامل فلسطيني بدون عمل.لقد ادت هذه السياسات في العزل والحصار والاغلاقات للمعابر وقطع التواصل بين المدن والقرى الفلسطينية إلى تقييد حرية حركة البضائع والافراد وتقييد حرية حركة العمال والموظفين واصحاب العمل من الوصول إلى اماكن عملهم، مما الحق اضرارا فادحة بالاقتصاد الفلسطيني وضاعف من معدلات الفقر والبطالة والتي وصلت إلى معدلات عالية جدا، حيث أن معدلات البطالة تجاوزت الـ 40% أما معدلات الاسر التي باتت تعيش تحت خط الفقر فقد تروحت بين 80% في قطاع غزة إلى 60% واكثر في الضفة الغربية. ولا شك أن كل فئات وقطاعات المجتمع تضررت من هذا الوضع الماساوي، ولكن قطاع المرأة كان الاكثر تضررا، سواء الفئات العاملة منه أو ربات البيوت. فالبطالة والفقر الناجمين عن سياسات الاحتلال بمختلف اشكالها والقيود على حرية الحركة وتنقل الافراد وتدفق البضائع تؤثر بشكل كبير على النساء وتزيد من شعورهن بالعزلة وتدفع بهن إلى مزيد من اليأس والقنوط. حيث يجدن أنفسهن مدفوعات لتحمل المزيد من الاعباء العائلية لتدبير شؤون أسرهن وتوفير الغذاء والدعم لها، أوالقيام بأدوار جديدة في العائلة لم يعتدن عليها، وخاصة لمن هن ربات بيوت ولم ينخرطن سابقا في سوق العمل.  ففي ظل القيود المشددة على حركة الرجال، تجد الكثير من النسوة أنهن مضطرات لمغادرة منازلهن للبحث عن عمل من أجل إعالة العائلة، بينما يبقى الزوج العاطل عن العمل في المنزل. إن هذا الانقلاب المفاجئ وغير الإرادي في الأدوار داخل الاسرة يخل باستقرار العلاقات العائلية الداخلية، ويعرض النساء إلى مواقف محفوفة بالمخاطر،  حيث يلجأ العديد من الرجال إلى العنف لتأكيد سيطرتهم على العائلة، نتيجة شعورهم بعدم الأمان فيما يتعلق بوضعهم وموقعهم في العائلة، وشعورهم بالإحباط نتيجة مشاعر العجز والضعف.  ووبالتاكيد فإن شعور رب الاسرة الرجل بالإحباط وعدم الأمان له اثر عكسي على المرأة، والتي تصبح ضحية لمعدلات متزايدة من العنف المنزلي بالاضافة إلى الخلل الذي يحدث في حياة العائلة، وانقلاب الأدوار بين المرأة والرجل وارتفاع حدة العنف المنزلي. كذلك فإن المرأة التي تجبر على الخروج إلى سوق العمل تواجه العديد من أشكال الاستغلال من قبل أرباب العمل. خاصة أن النساء في الغالب لسن على دراية باوضاع العمل ويجهلن حقوقهن، وتبدو الامور اكثر مأساوية وإحباطية للمرأة التي بات عليها أن تنتقل من قريتها إلى مكان العمل عابرة الحواجز التي لا تخلو من تحرشات الجنود المراهقين، او سالكة طرقا لم تعد آمنة من تحرشات واعتداءات المستوطنين.  وقد قتلت العديد من النساء وهن في طريقهن إلى العمل، واضطر العديد من الطالبات إلى ترك المدرسة الثانوية أو الكليات نتيجة لصعوبات التنقل بين المدن والقرى. كما أن مشاكل التنقل على الطرق قد أعاقت عملية الاختلاط الاجتماعي والزيارات العائلية، والتي تلعب، تقليديا، دورا هاما ذا مغزى في توفير الدعم المعنوي والمادي بالنسبة للنساء والأطفال بشكل خاص. وقد أدت الظروف الحالية إلى انقطاع العديد من النساء عن عائلاتهن التي تسكن في بلدات أو مدن أخرى ( عندما تتزوج المرأة الفلسطينية فإنها تنتقل عادة للسكن في مدينة عائلة زوجها)، بينما لم تعد تتمكن العديد من طالبات الكليات والجامعات من زيارة عائلاتهن إلا نادرا..  إن كل ما تقدم - من تقطيع أوصال المجتمع، إلى تفتيت العائلات، إلى انحسار الثقة والدعم، واقتلاع سبل العيش والبقاء، يساهم وإلى حد كبير، في تعطل وانهيار التفاعلات الاجتماعية مخلفا فراغا من المعاناة وعدم الاستقرار. حوامل يلدن على الحواجز إن سياسات الحصار وعزل القرى والمدن عن بعضها وتقييد حرية الحركة كانت لها آثار في جوانب جرمية اخرى، وخاصة فيما يتعلق بمنع النساء الحوامل من المرور عبر الحواجز للوصول إلى المستشفيات. وافاد تقرير صادر عن وزارة الصحة الفلسطينية قبل أشهر (آب 2006) أن ما يزيد عن 68 سيدة فلسطينية أُرغمن على وضع مواليدهن عند الحواجز، بعد أن اعاق الجنود وصولهن إلى المستشفى، توفي منهم 34 مولودا لعدم توفر العناية الطبية الملائمة. وتوفيت 4 سيدات حوامل للتاخر في السماح لهن بالعبور، وأضاف التقرير أن العديد من النساء الحوامل منعهن الجنود الاسرائيليون على الحواجز من الوصول إلى المستشفيات في الوقت المناسب، وتم تاخير العشرات منهن ما بين 2-4 ساعات، واشار التقرير أن نقل السيدات الحوامل إإلى المستشفيات لوضع مواليدهن يعد مخاطرة كبيرة بحكم الاجراءات الاسرائيلية المشددة على الحواجز، والتي كانت تطال الجميع بما في ذلك الحالات الانسانية، من مرضى وغيرهم، وخاصة النسوة والرجال الذين يحتاجون إلى غسيل كلى باستمرار. من سياسات الاحتلال تهميش الاسس الاخلاقية والاجتماعية للمجتمعلا شك أن هذه السياسات الاحتلالية التدميرية للنفس والحياة، تكتسب آثارا وتاثيرات ماساوية ونفسية أبعد مدى، عندما تترافق مع السياسات الاحتلالية المتعمدة لتهميش الأسس الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع، حيث أن هذا التهميش المتعمد والممنهج من قبل المحتل يترك شعورا بالعجز. فالاحترام للقوانين والأعراف يتغير، وتزداد الأفعال المدمرة والجرائم، ويتزايد المستوى العام من العنف والعدائية بين الناس. وهذه العناصر تشكل معادلة قاتلة لارتفاع معدلات الجريمة ضد النساء.وهذا ماأكده القسم الخاص بحقوق المرأة ضمن منظمة مراقبة حقوق الانسان Human  Rights Watch حين استخلص في أحد تقاريره أنه يوجد في عدد من مناطق الصراع في العالم علاقة مفزعة بين العنف السياسي والانتهاكات المرتكبة ضد حقوق المرأة. وهذا ما يبدو واضحا في الواقع الفلسطيني،حيث يتضح أن مستوى العنف ضد النساء يترابط بشكل مباشر مع مستوى العنف الممارس ضد الشعب الفلسطيني من قبل القوات الإسرائيلية المحتلة. وهو عنف ذو أشكال متعددة كما اوضحنا، ومن ضمن هذه الاشكال النهج المتواصل للمحتل لتهميش وتدمير الأنظمة والهياكل القانونية، باستثناء ما ينعلق بتكريس هيمنته وسيطرته، والعمل على إنعاش ودعم الهيكليات التقليدية، كبديل، أو مواز لها، مثل النظام القبلي والعشائري، وهي أنظمة تعزز سلطة الرجل على حساب المرأة. وقد منع الاحتلال الإسرائيلي فلسطين من تطوير أنظمة ومؤسسات قانونية وسياسية مستقلة ومستقرة. وأفسح في المجال لاعادة إنعاش الأنظمة والتقاليد العشائرية, وهي أنظمة غير ديمقراطية ومقاومة للتغيير، وتعيد تعزيز القيم والأعراف الأبوية البطريركية، التي تعزز الكثير من القيم والمفاهيم السلفية التي تنظر إلى المرأة نظرة دونية وتعمل على إضعافها وإخضاعها للسلطة المطلقة للرجل.  3.    المرأة هي الاكثر تضررا من السياسات الاسرائيلية في مصادرة الاراضي واقتلاع الاشجار وهدم وتدمير المنازل. دأبت السلطات الاسرائيلية المحتلة على القيام بمصادرة الاراضي لبناء المستوطنات وشق الطرق الواصلة إليها مع ما يرافق ذلك من تدمير للمزارع وآبار المياه واقتلاع الاشجار وحرمان الفلاحين من اراضيهم الزراعية التي يعتاشون منها. واستولت إسرائيل حتى الان على اكثر من نصف الاراضي في الضفة الغربية وحولتها إلى مستوطنات، او حولتها إلى قواعد عسكرية ومعسكرات للتدريب، أو أغلقتها بذرائع عدة ومنعت الفلاحين من الاقتراب منها او فلاحتها وزراعتها، وغالبا ما يعتدي المستوطنون على الاراضي الاخرى للقرويين ويمنعونهم من جني محاصيلهم أو يقومون تخريب هذه المحاصيل أو سرقتها. ومما يزيد الامور تفاقما لجوء إسرائيل إلى تجريف الاراضي المجاورة للمستوطنات أو المواقع العسكرية أوالمشرفة على الطرق الواصلة إليها وتعريتها بالكامل باقتلاع الاشجارمنها ومنع القرويين من زراعتها، وبلغت هذه السياسة الاحتلالية المنافية لابسط الحقوق الانسانية والقانون الانساني الدولي واتفاقية جنيف الرابعة، ذروتها مع المباشرة في بناء جدار الفصل العنصري الذي التهم المزيد من الاراضي وأدى إلى اقتلاع مئات الآلاف من اشجار الزيتون والاشجار المثمرة وتدمير المئات من آبار الحياة، مما افقد الكثير الكثير من الاسر القروية من مصادر رزقها ودمر حياتها، وخاصة النساء القرويات اللواتي هن بالعادة من يقمن بالاعتناء بالاشجار ويشرفن على عملية حرث الأراضي، ويقمن بجمع وعصر الزيتون. فبالنسبة لهن، الأرض أكثر من حياتهن - إنها اتصال بتاريخ وتقاليد أكبر وأعظم منهن أنفسهن. فإضافة إلى كون عملية اقتلاع الأشجار وتجريف الحقول تدمر مصدرا هاما من مصادر الرزق للفلاحين وعائلاتهم، فإنها أيضا محاولة لطمس الهوية الإنسانية والاجتماعية والسياسية، ولضرب وإضعاف حس الانتماء. إن المرأة القروية التي وجدت نفسها مطوقة برجل لايعمل، وارض مصادرة او لم تعد تدر عليها مايسد الرمق، تجد نفسها وكأن كل ابواب الحياة والامل بها قد أنسدت أمامها. وكل هذا الوضع وما ينجم عنه من بطالة وفقر وعنف الاحتلال وقهره، يولد الكثير من العنف داخل الاسرة، من رب عائلة مقهور وعاجز وأطفال جوعى وأم لا تدري ماذا تفعل لحماية أسرتها ومداراة زوجها واتقاء غضبه لاتفه الاسباب. وبالضروة يولد كل ذلك ارهاقا للمرأة وإتعابا لجسدها وأمراضا من سوء التغذية تغزو جسدها وتدمر صحتها وصحة أطفالها. وتشير الكثير من الاحصاءات إلى تزايد امراض الهزال وفقر الدم وسوء الغذية بين الاطفال وإلى قصر قاماتهم عن المعدل العام نتيجة ذلك، وإلى تزايد حالات التسرب من المدارس لصغار العمر خاصة، الذين يضطرون الى الولوج إلى سوق العمل باكرا لتحصيل ما يساعد عائلاتهم. كما تشير أيضا إلى ارتفاع معدلات الاجهاض والطلاق او التهديد به نزقا وغضبا من الرجل الذي يجد زوجته وكانها أصبحت ربة الاسرة.كل ذلك يبعث على الكثير من الخوف والرعب لدى المرأة لعدم قدرتها على توقع ما سيحصل لها في اليوم التالي، او لعدم قدرتها على ضمان أمن اسرتها ولو ليوم واحد، كما يولد لديها الكثير من مشاعر الاحباط والاكتئاب، إضافة إلى الكثير من الألم واليأس. هدم وتدمير المنازل تدمير للاسرة ولحياتها ولتماسكهالا شك أن هذه المآسي والتاثيرات السلبية الضارة تتفاقم حدتها مع السياسات الاسرائيلية في هدم المنازل لاتفه الاسباب اوتهديمها بعمليات القصف حيث زاد عدد المنازل المهدمة عن بضعة آلاف، وباتت عمليات القصف في الآونة الاخيرة تستهدف منازل في الاماكن السكنية والعمارات المكتظة بالسكان بقذائف المدفعية أو الطائرات بحجة اغتيال مطلوبين مما أدى، ويؤدي إلى سقوط ضحايا أبرياء من نساء وشيوخ واطفال، والامثلة على ذلك كثيرة، من ابرزها القنبلة من عيار طن التي استهدف عمارة مكتظة بالسكان في غزة كان يقطنها الشهيد صلاح شحادة واسرته وذلك في شهر تموز 2002، مما ادى إلى استشهاد المستهدف شحادة واكثر من 15 شهيدا منهم تسعة اطفال وعشرات الجرحى من القاطنين في البناية معطمهم نساء واطفال، وعندما سألت صحفية إسرائيلية دان حلوتس، قائد سلاح الجو الاسرائيلي آنذاك، إن شعر بشيء وهو يأمر بإلقاء مثل هذه القذيفة على عمارة سكنية، قال: لا، كنت كانني أحرك جناحي ذبابة.هدم المنازل سواء بالتفجير أو بالقصف وتشريد العائلات جرائم حرب وفق القانون الدولي والقانون لانساني الدولي، وهي جرائم تحيل حياة الاسر وخاصة النساء إلى جحيم، ويولد لديهن الكثير من مشاعر الحزن والكآبة وخاصة عندما يفقدن أعزاء لديهن، ازواج أو آباء، أو أخوة وأخوات، أو ابناء وبنات، فالمرأة في مثل هذه الحالات ترى العالم وقد انهار من حولها، تشعر بالعجز الكامل وباختلاط الفهم، كما عبرت إحدى النساء، أو بالانفصال عن العالم كليا كما عبرت أخرى.إن العنف الاحتلالي اليومي الذي تعيشه المرأة الفسطينية، لا يبقى مجرد حالة خارجية تعيشها المرأة، إنما يتحول إلى اشكال عديدة من العنف داخل الاسرة وفي المنزل وفي علاقات أفراد الاسرة مع بعضهم ومع محيطهم، كما عبرت عن ذلك العديد من النساء بقولهن: إن الاباء والاخوة والأزواج أضحوا أكثر عدوانية وأكثر توترا، واصبحوا يعيشون في حالة من الترقب المستمر. فالرجال لم يعتادوا المكوث في المنزل لاوقات طويلة، ولم يعتادوا التعامل مع احتياجات الاطفال او بكائهم أو صراخهم، إضافة إلى أن افتقاد الرجال لمصدر دخلهم بسبب البطالة أو الاصابة او المرض، يولد شعورار لديهم وكأن منزلتهم في الاسرة والمجتمع قد تراجعت أو انهارت، يرتد ذلك بشكل سلبي على المرأة التي يفرغ الرجل فيها سخطه وإحباطه ويأسه، يثور ويغضب لاتفه الاسباب، وقد يلجا للعنف الجسدي تفريغا لغضبه وتوتره. وكخلاصة نؤكد، أن التنكر الاسرائيلي لقرارات الشرعية الدولية وعدم التزام اسرائيل بالاتفاقات التي وقعتها مع منظمة التحرير الفلسطينية، وانتهاجها سياسة قائمة على التوسع والاستيطان ومصادرة الاراضي والمياه، والامعان في محاولاتها لتهويد القدس وعزلها عن محيطها وشعبها الفلسطيني، وبناء جدار الفصل العنصري الذي ادانته محكمة لاهاي الدولية وطالبت بإزالته، ومواصلة سياساتها في هدم وتدمير المنازل وتهديد وتشريد سكانها، واقتلاع الاشجار وتجريف الاراضي وتدمير البيئة الفلسطينية، واستمرار الحصار وعزل المدن والقرى عن بعضها وتقييد حرية الحركة والمرور للبضائع والافراد وتمزيق الوحدة الجغرافية للوطن الفلسطيني، ومواصلة الاعتقالات للنساء والاطفال والشباب والتنكر لحقوقهم في الحرية والاستقلال. كل ذلك أدى وسيؤدي إذا ما تواصل، الى استمرار الصراع وحالة العنف، ويحرم المجتمع الفلسطيني من إمكانات التطور والبناء والوصول إلى سلام عادل_نوعا ما، ودائم، ويحرم اجيال الشعبين، الفلسطيني والاسرائيلي من أن يعيشوا بسلام وأمن. إن استمرار إسرائيل في التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وبناء دولته المستقلة على كامل الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وبعاصمتها القدس، أعاق ويعيق أي تقدم نحو السلام، فلا امن ولا سلام بدون حرية الشعب الفلسطيني وحقه في بناء دولته المستقلة وحل عادل لقضية اللاجئين وفق القرار 194.إن المرأة الفلسطينية التي حملت على مدى اجيال عديدة القضية العادلة لوطنها في الحرية ولشعبها في الاستقلال، تؤكد على الترابط في النضال من اجل حق شعبها في الحرية والاستقلال ومن أجل حقها في الحرية والمساواة والكرامة  

 

التوافق على الهدف السياسي ووحدة مركز القرار

العودة الى الاصول

التوافق على الهدف السياسي ووحدة مركز القرار

بقلم : غازي الخليلي

 

من أبرز العناصر والمقومات الأساسية التي تتحكم باحتمالات نجاح أو فشل أي حركة مقاومة أو حركة تحرر وطني، عنصران رئيسان هما، وحدة ووضوح الهدف السياسي على المدى المباشر، ووحدة مركز القرار، للتقرير العملاني ولمجمل العملية السياسية والعسكرية. إن غياب هذين العنصرين او ضبابية قدرتهما على التحكم بمسار العملية الكفاحية وضبط أي انفلات من هنا أو هناك، بذريعة حرية التعدد السياسي، او تعددية الرؤى الأبعد لأهداف النضال، سيعزز الى حد كبير، نشوء حالة من الفوضى السياسية، وخلق مراكز قرار متعددة، قد تتحول تدريجيا، إذا لم يتم ضبطها ومعالجتها في وقت مبكر، إلى شكل من أشكال الصراع الذاتي_ الداخلي المدمر.

هذه الخلاصة الهامة، هي أبرز ما يمكن استخلاصه من التجارب الغنية للشعوب في نضالها من أجل حريتها واستقلالها، من فيتنام الى الجزائر إلى جنوب إفريقيا، والى مختلف حركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وغيرها من البلدان. فقد كان دائما ثمة هدف واضح، يوحد ويجمع جهد جميع القوى تحت راياته، مهما تعددت رؤاها السياسية ومنطلقاتها الايديولوجية، وكان دائما ثمة مركز قرار واحد للتوجيه والتقرير، يضبط الحركة السياسية،كما يضبط الممارسات العملية والاشكال والوسائل الكفاحية المتلائمة مع كل مرحلة من مراحل النضال، وفقا لتطور العملية النضالية وما راكمته من خبرات وإمكانيات.

هذه الحكمة أو الخلاصة، هي القاعدة التي حكمت_ إلى حد كبير، حل التعارضات التي كانت تنشأ بين مختلف فصائل العمل الوطني الفلسطيني، وعلى أساسها، كان ممكنا الحفاظ على التعددية السياسية والايديولوجية الحالية، وتوفير هامش من التعايش المشترك الفعال، وضبط التعارضات حتى لاتتحول الى اشكال من الصراع الداخلي.

لم تختلف فصائل العمل الوطني الفلسطيني عند انطلاقها في منتصف الى الستينيات، في المنطلقات وأهداف النضال البعيدة، تعارضت وتباينت إيديولوجيا وفي انتهاج بعض اشكال الكفاح وفي بناء بنيتها التنظيمية_إلى حد ما. لقد شكلت الجبهة الشعبية في مرحلة ما قبل نشوء حركة المقاومة الاسلامية "حماس" أواخر الثمانينيات، مركز المعارضة والانقسام المؤقت في مراحل معينة من نضالنا الوطني، لكن الجبهة الشعبية لم تنجرف في معارضتها او في توجهاتها الانقسامية_في بعض الحالات، الى الحد الذي يلغي أو يطوي مساحات اللقاء الممكنة وإمكانات العمل المشترك، أو إمكانية اللقاء مجددا على قواسم مشتركة أفرزتها المرحلة الجديدة، حتى في أشد الحالات سوداوية خلال سنوات الانقسام الصعبة 1983-1986. لقد ظلت الجبهة الشعبية ومن تحالف معها من فصائل وقوى وطنية، قوة وطنية فاعلة، تستلهم المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني وتغلب عوامل التوحيد والتوافق على عوامل الانقسام والتباعد، حتى لو كان ثمن ذلك ممارسة النقد الذاتي العلني، لتصحيح مواقف سابقة وانتهاج مواقف أكثر صوابية. ومن أبرز محطات نقدها الذاتي العلني، نقدها لذاتها في انتهاج خط خطف الطائرات كوسيلة كفاحية، وتراجعها عنه أواخر العام 197، بعد أن ادركت بالتجربة العملية مضارها السياسية على مجمل الحركة الوطنية الفلسطينية وعلى مشروعية نضالنا الوطني. وكذلك تراجعها عن جبهة الرفض التي أنشأتها بتحالف مع فصائل أخرى ضد التوجهات السياسية الجديدة لمنظمة التحرير الفلسطينيية بعد دورة المجلس الوطني الثانية عشرة في العام 1974، والعودة الى الانتظام في الصف الوطني الموحد في إطار برنامج الاستقلال الوطني بحدود الاراضي المحتلة عام 1967، وذلك في العام 1979. وأيضا تراجعها عن جبهة الانقاذ التي أنشاتها مع القوى التي انشقت عن "فتح" في العام 1983، والعودة مجددا الى الانتظام مع باقي الفصائل في إطار برنامج الاجماع الوطني الذي تقرر في الدورة الثامنة عشرة في الجزائر في العام 1986.

كذلك لم تنجرف "فتح" ومن تحالف معها من فصائل وقوى وطنية، الى دفع الجبهة الشعبية الى خارج الصف الوطني، وتغليب عوامل التعارض والفرقة معها على عوامل الاتفاق وإمكانية اللقاء مجددا، وكان أبرز ما ميز مواقف "قتح" والقوى المؤتلفة معها هو الحرص الدائم للحفاظ على الجبهة الشعبية ومن في صفها، في إطار منظمة التحير الفلسطينية الاطار الجامع لكل فصائل وقوى العمل الوطني، وإعادة جذب الجميع الى برنامج القواسم المشتركة، برنامج الاجماع الوطني.

وعلى هذا الاساس، فإن أبرز ما ميز العمل الوطني الفلسطيني المشترك خلال العقود الماضية، للحفاظ على وحدة الهدف السياسي ووحدة مركز القرار السياسي والعسكري، هو انتهاج خط التوافق على القواسم المشتركة، إذا تعذر الاتفاق بمعناه الاشمل. وقد أمكن بالتوافق وبرنامج القواسم المشتركة، الجمع بين التعددية السياسية مع ما تتيحه من هامش معقول لاستقلالية سياسية، وبين انضباط الجميع للهدف السياسي الموحد والمتوافق عليه، ووحدة مركز القرار السياسي والعسكري، بما في ذلك ضبط الممارسات العملية الكفاحية بحيث لا تتعارض أو تتناقض مع الهدف السياسي المتوافق عليه.

مع نشوء حركة المقاومة الاسلامية "