« |
»
فاصل على الطريق......
fusarian | 28 حزيران, 2008 03:46
يغمس الفرشاه فى علبة اللون الأوحد و بخفة يد ساحره يضعها على الطريق كى يعيد رسم ما قد مر عليه الزمان لكن بدهشة متفاجىء يعيد النظر "انه اللون الأسود" و يهمس
- من بدل علب الألوان,اين اللون الأبيض؟
يبحث العامل ما بين محيطه عن علبة اللون الأبيض فيجدها اخيرا و يغير فرشاته باخرى نظيفه و فى الأثناء يستطرق السمع لهمهمة من حوله لملامح اغنيه تصارع للبقاء فى النسمات البارده..
- "عبرت من بوابة الدموع
الى سقيع الشمس و البرد
لا أهل لى
فى خيمتى وحدى"
- من يا ترى المغنى فى هذه الساعة من الفجر؟ (يهمس العامل)
- من الممكن ان يكون أحد هؤلاء الكثره المعتاد و جودهم فى هذا اليوم من العام؟
و يجوب العامل بنظره من حوله و يطوف الوجوه و الأفواه بحثا عن المغنى, فالارجل كثيره و الشارع يدب بالنشاط و الحركه, فشوارع الاسكندريه معتاده ذروة العمل هذه حين يقرروا اعادة رسم العلامات و الخطوط على الطريق مع نهاية كل شتاء كى يجىء المصطافين الى المدينه و هى جديده فى اكمل صورها
-" عشرون عاما و انا يسكننى الحنين و الرجوع
عشرون عام"
تعاود الكلمات الهروب الى نسمات الفجر مرورا باذن العامل الصغير و تاخذه الحيره
- " من المغنى؟ من المغنى يا ترى؟"
و يبحث يمينا و يسارا ما بين الافواه عن المغنى و لكن دون جدوى فالكل فى عمله منهمك ولا أحد ينطق بكلمه, اذا الى العمل, يغمس العامل فرشاته فى الأبيض و يبدأ بتاكيد اللون على اول خطوط الطريق و اذا بالصوت المغنى يعلو من أمام عينيه قائلا:-
- "أتبحث عن المغنى فى ليلتك الهادئه؟"
فلا يكاد العامل يصدق ما يرى و يسمع فقد اعتاد على خيال الحكايا من زمن بعيد و لكن ما لم يمر عليه من قبل خطوط تتكلم و تحزن و تغنى.
- العامل "كيف لك بالكلمات و انت مجرد خط على الطريق؟"
- الخط "و كيف لك ان تجزم بانى مجرد خط على الطريق و كانك متاكد من كل ما فى الدنيا؟"
- العامل "انا لا أصدق غير هاتين العينين و انا لا ارى غير خط مستقيم."
- الخط "مستقيم؟ أضحكتنى فرشاتك, و كيف لك باستقامتى و قد كشف أينشتين باستحالة الأستقامه مادام الكل على ارض عوجاء؟ انت بالكاد ترى يا صديقى."
- العامل " اوتعرف أينشتين ايضا؟ و الله ما عرفت منك اعجب ولا اغرب"
- الخط "نعم نعم , قد نسيت انكم بنى البشر تعرفون كل شىء و المطلق عندكم هو الاساس"
- العامل "دعنا نترك فزيائك و منطقك فانت على السطح تماما, فاذا لم يعرف بنى البشر من سيعرف, انت مثلا؟
- الخط "ألم اقل لك ان عيناك بالكاد ترى شيئا, ترانى على السطح و لى جذور تمتد ألوف السنين الى اعماق هذا الكون, حاول نزعى من على ارضى و ستعلم كم تحملت من الدموع و الالم فى كل يوم و كل ساعه و مطلع شمس لا تغيب عنى, و وحدتى تاكل اطرافى و مع ذللك ارفض الضياع و اظل على الطريق أبد الدهر كمن فى جهنم و الموت يرفضه"
- العامل " الوحده اه من الوحده,لماذا تذكرنى بها؟"
- الخط " و ماذا تعرف انت عن الوحده؟"
- العامل "طالت ايامى او قصرت
فالأمر سواء
قد جئت وحيدا للدنيا
و سارحل مثل الغرباء"
- الخط " ابياتك هذه لا تعرف الا القشور عن الوحده, انت كمن يسكن بين مئات البشر و لا تعرف الوحده سبيل لقلبه,
اليك يا صديقى قصتى, اليك وحدتى, ما رايك فى أن تكون شاهد على الف قصة موت و حياه على الطريق و انت حتى لا تقوى على الصراخ او أزالة قطرات الدم من على وجهك؟
ما رأيك لو كنت على مسمع و مرئى من نهايات حكايا الحب و تصارع و تصارع و لكن ليس بد من الفراق؟
ما رأيك أن تصاحب الشمس و المطر و القمر و ترسم مئات اللوحات من الكلمات و أذا بها جميعا من طرفك انت وحدك و لا غيرك ينطق بالحروف و الهمسات؟
ما رأيك لو تمر عليك كل يوم ما يزيد عن الف قدم ولا احد ينتبه لدموع قد حفرت عليك من الاثر ما قد تأرخ و قدم؟
و بالله عليك قل لى مل رأيك فى ان تبحث عنك بداخللك بين طيات الاحداث و الذكرى ولا تجد غير رتوش على جنبات سرداب حالك السواد؟
ماذا تعرف يا صغيرى عن الوحده حين يصرخ الصمت بداخللك أستنجادا و على وجهك الف صخرة من جمود الحياه؟ ماذا تعرف انت؟
- العامل " الهى او خط مثللك يحمل كل هذا؟
- الخط " هذه مجرد بدايات الحكايا يا صغيرى فما بالك بالنهايات"
- العامل " و الله قد احزننى حكيك, ما رايك فى بدايات جديده للحكايا؟ "
- الخط " او بعد هذا العمر يجىء الصغير بالنصيحه؟ اذهب لشأنك فأنت بالكاد تقوى على ما فى قلبك."
- العامل " بالله ستذرف الدموع من عينى لحالك, دعنى اساعدك بحق أصدقائك الشمس و المطر و القمر"
- الخط " امازلت تدعوهم اصدقائى ؟ المهم امستعد حقا لمساعدتى ام ستسلك درب كل من سبقك من الجبناء؟"
- العامل "أطلب يا صديقى العجوز و لك ما شئت"
- الخط "اعد علبة الأبيض و فرشاته و هيا بنا الى الاسود كى ترحمنى من هذا المصير الرافض لكل نهايه و ممتد امد دهر طويل"
- العامل "هذا أصعب طلب فى اللحظة المرهونه, فقل لى كيف و تحاصرنا عيون المراقبين و المشرفين , فالكل يكد من اجل احسن صوره؟"
- الخط " و ما ادراك عل الصورة تكتمل بغيابى؟"
- العامل " كيف و كمال المنظر لا تراه العين الا بك؟ "
- الخط " الم اقل انك بالكاد ترى يا صغيرى, اقدم , اقدم على فعلتك و ارحمنى من ثرثرة عقلى و بكاء دموعى"
فيترقب العامل بخلسات النظر لكل من هو حوله و تهتز يداه و ترتعش ما بين الفرشتان و يساوره شك المنظر , أحقا سيكتمل بغيابه أم انها قرارات اليأس و الأنتحار؟
- العامل " ماذا انا فاعل, ماذا انا فاعل؟"
- الخط "أقدم يا صديقى أفعلها و لن أنساها لك أبدا"
- العامل " قل لى بالله عليك كيف لصغير مثلى أن يتخذ القرار فأنا فى العشرين من عمرى لا ينقصنى غير من يشغل وحدتى و يكون الكون قطعة من كمال الجنان؟ "
- الخط " يا ليتنى امنت بما علمت, كلكم يا بنى البشر سواء "
و تتعالى الصرخات فى وجه العامل " كلكم جبناء كلكم جبناء" و تعلوا لحظات الغضب المكان و يتيه العامل فى دروب الحيره و الشك ثم يعاود الحديث
" ما رأيك لو نترك الأسود جانبا و ساقدم لك العون بطريقتى"
- الخط (بنبرة سخريه ممزوجه بغضب) " أشرح لى كيف يا فيلسوف الزمان؟"
- العامل " سنحمل معا الأبيض و فرشاته لنعيد رسم رتوش سردابك من جديد و صدقنى حينها ستحمل لى كل الشكرو العرفان على الجميل و تظل مشرقا على الطريق كما ألفتك من ألف عام"
و هنا يعلو بكاء الخط المسن و توسله "أستحلفك بكل ما هو لك أن ترحنى مما أنا فيه,أستحلفك ان تفعلها فأن مر أوانها فلا عودة لنا ألا بعد أربعة فصول من جديد, أستحلفك بوحدتك ان صادقتها كما فعلت بوحدتى, استحلفك يا صغيرى....فقط مر على بأسود اللون و دعنى لكلمات اغنية فيروزيه بدأتها من عام مضى ,دعنى أكمل مراسم الدفن داخل السرداب و هدم الجدران من خلفى كى لا اخرج منه أبدا و تعرف الراحه اخيرا دربا لعقلى "
و هنا يبكى العامل بكاء الاطفال و يطل النهار خلسة على المشهد و يستعجل الخط المصير خوفا من ان يعاود كرة الاربعة فصول من جديد...
و اخيرا يجىء القرار...
يمد العامل فرشاة الاسود و تسيل على خدى الخط الدموع الاخيره , دموع سوداء تأخذ ملامحه شيئا فشيئا مع طلوع النهار بلا أدنى خوف من مراقب أو ملاحظ و تترد الكلمات الفيروزيه من عمق أعماق السرداب بأغنية "احترف الحزن" لينهى العامل أسطورة الف عام و يكف عقل الخط اخيرا عن الثرثرة و التفكير.... و لا يبقى غير فاصل أسود على الطريق يكتمل بوجوده اخيرا جمال المنظر.
احترف الحزن و الأنتظار
أرتقب الأتى ولا يأتى
تبددت زنابق الوقت
عشرون عام
و أنا أحترف الحزن و الانتظار
عبرت من بوابة الدموع
الى سقيع الشمس و البرد
لا اهل لى فى خيمتى وحدى
عشرون عاما
و أنا يسكننى الحنين و الرجوع
.....
تعليقات
الصورة بتاعة التمثال كئيبة اوووى بس معبرةهى احى من الموضوع