« |
14 شباط, 2007
نثرت الشمس خصال أشعتها المتوهجة على صفحة ذلك النهر الأزرق المتلألئ الذي يتربع بين النخيل حيث يجلس غلام اعتاد النخل بسط ظلاله ليتمتع بالتأمل بهذا المنظر البديع و يحمد الله على ما أنعم عليه .- ألا يزال جالساً في مكانه المعتاد ؟- نعم ،لا يزال جالساً جلسته الأبدية ،أتصدق أني بتّ أعده جزءاً من شاطئ دجلة .- حقاً .. خذني إليه أريد التحدث إليه .- و هل حضرتك تعرفه قبل الآن ... أقصد قبل أن التقيت والدته قبل أسبوع ؟- لا .. و لكني أريد إجراء لقاء صحفي معه .- سيرفض التحدث ... و خاصة إليكم أنتم ، و لكن لا بأس من المحاولة ..
..هيا بنا ذلك الحوار دار بين الصحفي الأشقر و حسين في منزل فقير يطل عل كوثر الدنيا .. دجلة . وصل الاثنان سوياً إلى ذلك الغلام ،إذ أسند ظهره إلى جذع النخلة ثم رفع جسده ببطء فانتصب قائماً تملأ الطفولة ملامح وجهه البريء ، و تتلألأ بشرته التي لوحتها الشمس بضياء الوسامة ، و لكن عينيه الواسعتين -التي تصل إليهما بضع خصل ناعمة من شعره –ترسمان في داخلهما كل صور الألم و الحزن و تظهران الكآبة المقنعة بقناع البهجة الطفولية .مد الصحفي يده إلى الغلام و قال : مرحباً أنا جونسون إدوارد، يمكنك مناداتي بـ (( جون )) أعمل صحفياً ، هل لي بإجراء لقاء صحفي معك ؟نظر الغلام إلى يد الصحفي و ابتسم ابتسامة شاحبة دون أن يحرك ساكناً ، فسحب الصحفي يده ، حينها قال الغلام : أهلاً سيدي .. أنا علي و عليك مناداتي بعلي و من الأفضل لك ألا تناديني أبداً ، أو تتكلم معي لأني لن أرد أو أجيب عليك و على أسئلتك ، اتفقنا ؟قال ذلك بجرأة و شجاعة ونظر إليه نظرات كنظرات الليث ثم أدار له ظهره و مشى ، مع العلم أن علي في العاشرة أما جون فهو في الثلاثين من عمره . هرول حسين إلى علي و قال له : يا بن عمي ... لا تغضب ، كلهم هكذا ، أجبه عن أسئلته عله ينفعك حتى و لو بشيء بسيط و تذكر أن هؤلاء أناس أسخياء . رد علي : لا يلزمني أي شيء من قتلة والدي و أخيمضت بضع دقائق و حسين يحاول إقناع علي بإجراء اللقاء ، فوافق شرط أن يجيب عن سؤال واحد فقط ؟خطا علي خطوات و نظر إلى النهر و تمتم قائلاً : لكم أحلم أن أغرف من مياهك و امسح بها على ذراعاي التي كانت موجودة يوماً ما ... التفت إلى جون قائلاً : تفضل يا سيدي هات ما لديك . – هل بإمكانك أن تخبرنا عن قصة إعاقتك ؟ - إنها ليست إعاقة .. إنها جريمة حرب أنتم ارتكبتموها بحقي و حق آلاف غيري .. الآلاف .. الآلاف ..آلاف القصص عن جرائم الحرب البشعة و آلاف القصص عن ضحايا الحرب الأبرياء. آآآآآآآآآه .. لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .. حسنا ً هاك قصتي ...
عشت حياة هادئة و جميلة تخلو من أي نوع من المشكلات حتى استقدام أحبابنا لكم حينها فقط انقلبت الموازين رأساً على عقب ، و تدهورت أوضاعنا الأمنية و الاقتصادية وغيرها و فقدت أخي الأكبر حينما هجم على جنودٍ و هو يزمجر و يزأر ، استل من جيبه خنجراً و طعن به أول جندي و بخفة انغرس الخنجر في عنق الآخر ثم نزعه بقوة بعد أن قطع الوريد ، و لكن سرعان ما وصلت إمدادات أخرى فتحوط أكثر من عشرة جنود حول أخي و هو يدور حول نفسه قابضاً على خنجره المضرج بسم الجنديين و ينظر إليهم و يصيح : جبناء ... أوغاد ... سمع الجميع سواءً كان في منزله أو خارجه أو حتى في أقصى الزقاق هديراً قوياً .... ذلك هو صوت عشرة رشاشات صوبت باتجاه قلبٍ لطالما فرَّ فئرانكم خوفاً من سماع خفقاته الجبارة ، خفقاته التي هزتكم هزاً عنيفاً ، حتى و إن تجمعتم و صوبتم باتجاه قلبه و لم ترتجف أيديكم .. فقلوبكم ترتجف كورقة التوت في مواجهة العاصفة الهوجاء .
في ذلك اليوم كنت على الرمل الندي ألعب مع أصدقائي كرة القدم و فجأة سمعنا صوت غارة فهرع كل منا باتجاه منزله نتراكض يميناً و يساراً على دون هدى .. و على بعد ليس بالكثير رأيت والدي يركض و يناديني بأعلى ما آتاه الله من قوة في صوته : علي .. علي .. هرعت إلى والدي أبكي فحملني و ركض بي بسرعة باتجاه المنزل .. يركض خلال الأزقة .. و خلال الشوارع الفرعية ... و من بين تقاطعات الأزقة قبل منزلنا بقليل خرج إلينا جندي فوضعني والدي جانباً ثم دفعني ببطء خلفه و هو قابض على يدي بإحكام . قال الجندي : هكذا إذاً .. نحن لا نعجبك ..أليس كذلك ؟... ها ماذا أرى ، أليس هذا ابنك ؟.. هيا يا بني ودع والدك وداعاً لا لقاء بعده و انقل سلامي لأخيك. صاح والدي قائلاً : خسئت .. خسئت ، و استمر في تكرارها حتى وجه الجندي مسدسه باتجاهي فانقض والدي عليه كما ينقض الصقر من أعلى السماء على فريسته ..أصبح الجندي يطلق النار بشكل عشوائي و جنوني فأصاب والدي في منتصف صدره ، فكأنما كانت الإصابة في قلبي أنا .. لكن والدي لملم ما بقي له من أشلاء طاقة و قوة و انتشل المسدس من يده و أطلق عليه فخر كلاهما صريعاً و كان والدي يردد و هو يلفظ أنفاسه الأخيرة : (قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار .. أبشر بني .. أبشر )ثم نطق بالشهادتين و فاضت روحه من جسده الغارق في بحر دمائه الطاهرة و دماء الآخر النجسة وغارق في دموعي و صرخاتي لطلب المساعدة له ...... و لكن ما حدث حدث ....ما حدث حدث ........نعم لقد حدث . بعد دقائق عدت راكضاً إلى والدي مع المساعدة ، و لكن على بعد خطوات عن والدي سمعت صوت صاروخ ، أسرعت بالجري فانفجر في بناءٍ أدى إلى هدمه و تطايره في الهواء ، كنت أمام هذا البناء فأحسست بحرارة تكاد تذيب جلدي و ضغط قوي يدفعني فارتطم رأسي بجدار البناء المقابل فكاد أن ينفجر رأسي هو الآخر ، أما البناء خلفي فقد لمحته يهتز، و زجاج نوافذه أصبح أنعم من الملح ، و طارت أبوابه ، ثم ... انعدمت الرؤية عن عينيّ إطلاقاً فلم أعد أرى سوى دخان و نيران حولي ثم سواد حالك، فتحت عيني فإذا بجدران المستشفى البيضاء تحيط بي . حاولت أن أرفع يديّ لأمسح وجهي فلم أستطع ، في بادئ الأمر ظننته بسبب التعب و الإرهاق ، و لكن حينما حاولت مراراً و تكراراً و لم تجدِ محاولاتي نفعاً ، صرخت خوفاً فاستيقظت أمي و أختي زينب اللتان كانتا نائمتين جلوساً على مقاعد خشبية قرب سريري في غرفة تكتظ بأكثر من عشرة مرضى بالإضافة إلى من يرافقهم من عائلاتهم.و في صبيحة اليوم التالي ، لم يكن أمامي من خيار إلا أن تبتر ذراعاي من الإبطين ، فوافقت مجبراً على ذلك . و بعد العملية رأيت أمي تبكي بحرقة و أنهار الدموع تسيل على وجنتيها البيضاوين المحمرة و هي تقول : حسبي الله و نعم الوكيل .. حسبي الله و نعم الوكيل .. أبدلك الله خيراً منها .. أبدلك الله بخير منها في الجنة .. في الفردوس الأعلى ، مع والدك و أخيك و النبي و الصحابة و الأنبياء و الصالحين. حينها وضعت رأسي على صدرها الدافئ ، فضمتني إليها بعطف و قبلتني و قالت : لا تظن يا بني أن حياتك قد انتهت فهي قد بدأت و إني و الله لأراها كحياة والدك و أخيك .
هكذا أنتم .. تختبئون تحت أقنعة المبادئ التي تلبسونها و تغطي حقيقتكم الجبانة ...هذه قصتي أنا علي .. و العراق يزخر بألف علي و علي .. كل منهم له قصته المؤلمة و جريمة بشعة قد ارتكبت في حقه ، فيا من سمعتم قصتي ، تذكروا أن الزمان يدون قصتي بأصابع مضرجة بالدماء على صفحات بيضاء زاخرة ببطولات غيري ، فقصتي لن تنتهي هنا ، و حينما أصعد إلى السماء على أجنح الملائكة فإن قصتي ستبقى فوقكم تعظكم و تذكركم منسوجةً ببريق الأمل الذي يقدح من عيني ألف فتىً فيغطي نوره نور الشمس و يرسم في السماء نجمات كلها تصيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح :
الله أكبر
الله أكبر فوق كيد المعتدي ... والله للمظلوم خير مؤيـدي ...
seimo
| 17/02/2007, 17:23
صحيح أن الأحداث مروعة ، لكن الأسلوب أكثر من رائع
Wafa
| 17/02/2007, 18:34
كتير الأسلوب رائع وشيق .يسلم هاليدين .واتمنى لك النجاح دائما
.
sareeta
| 18/02/2007, 12:56
بدي أقول القصة مخيفه جدا وكل شي بالقصة متل الواقع المر
مع حبي ألك
حالة من الموت
حالة من الموت
| 22/02/2007, 21:51
الله أكبر
ألصراااااحة الاسلوب وااااايد حلو
القصة وااايد حلوة ومشكورين
بنت زايد
| 22/03/2007, 16:34
الصراحة يجنن وتستاهلي جائزة نوبل عليه .
بنت فلسطين
| 02/04/2007, 11:55
ماأجمل أسلوبك ...ماشاء الله
رلئحة التفاح
| 17/06/2007, 11:15
أين جديدك ياعين
أم الشبلين
| 17/06/2007, 11:17
أشكر الجميع على التعليق و هذه القصة نموذج لما يحدث من واقع مر على أراضينا المحتلة سواء في العراق أو في أي مكان آخر محتل
نسأل الله أن يعز الإسلام و ينصره
آمين اللهم آمين
عين الجنة
| 18/07/2007, 20:12
شكراً
توبيكات ملونة
| 13/06/2008, 19:49
عفواً
عين الجنة
| 14/06/2008, 06:45
تحياتي لك وبالتوفيق إن شاء الله
wahid2
| 02/07/2008, 21:02
تسلم ايدك اخي العزيز
كريزي مان
| 23/10/2008, 09:30
عن جد الله أكبر
روعة