22 كانون ثاني, 2009
أطرق مفكراً .. تنهد .. رفع رأسه إلى السماء .. أغلق الباب وراءه .. ثم مضى حاملاً حقيبته .. مشى خطوات متعثرة .. عيناه تراقبان كل ما حولها .. قدماه تسيران به بين عشرات من الناس .. وجوه عابسة و أخرى غاضبة .. ذهنه مليء بالذكريات .. لا ينفك يذكر الليلة الماضية .. عادت به الذاكرة إلى أبعد من تلك الليلة .. قطع أفكاره صوت انفجار غاضب فأعاده إلى الواقع .. فزع هو و من حوله .. أحكم قبضته على حقيبته ثم بدأ بالجري .. وصل إلى مدرسته مذعوراً .. دخل صفه المكتظ بالأولاد الذين لوحتهم الشمس ، جالسين على تلك المقاعد الخشبية التي تعاقب عليها الأجيال .. دفاتر و أقلام و ضحكات طفولية أبت إلا أن تعلن أن الطفولة لا تخضع .
هكذا هو المشوار اليومي لنزار ، الطفل ذي الثماني أعوام ، عيناه الصغيرتان لطالما اختفت تحت شعره المنسدل البني ، الطفل الذي حرم منذ سنتين من قبلات والده.. من مداعبته .. من عطفه و حنانه .ساعات تتلوها ساعات ، حروف تكتب و تمسح على السبورة الكالحة .. أصوات انفجارات غير مسبوقة بهذا الكم ، تخيف الأطفال .. يصرخون مذعورين ، يهدئهم معلمهم ، يعود الهدوء ........ و هكذا .انتهى الدوام المدرسي .. عاد نزار من الطريق ذاته الذي أتى منه .. راعه منظر البيت المهدم .. " يا إلهي لقد رأيت هذا البيت قبل ساعات ، رأيت امرأة تمد الملاءات على الحبال ، و رجل عجوز يجلس أما الباب .. أين ذهب الجميع ؟ لماذا دمروا المنزل ؟ من أين هذه الانفجارات تأتي ؟ " لم تجبه أصوات الصواريخ المتتالية على أسئلته ، بل زادته فزعاً .. بدأ بالبكاء .. ثم أطلق العنان لقدميه كي تعيدانه إلى منزله .. توقف أمام زهرة حمراء .. تذكر أمه ، عيد ميلادها – كما يسميه – هو اليوم ، امتدت يده نحو الوردة ، أدمى الشوك أنامله الغضة ، قاوم ألمها ، قطف الوردة و عاد راكضاً نحو منزله ، ركض و ركض و أصوات الانفجارات تلاحقه فتبكيه ، تعود به الذاكرة إلى أبيه ، تذكره الوردة بأمه و هو لا يزال راكضاً و سحب الدخان تحجب الشمس .تجمد فجأة .. توسعت حدقتا عينيه .. فغر فاه .. رأى كومة من الحجارة بدلاً من البناء الذي به بيته و الناس يتصايحون ، رأى أخته مجهشة بالبكاء . لطالما كانت هذه الفتاة ذات الأربعة عشر عام قوية ، تعي ما يحدث ، تسمع و لا ترى ، منحت عيني براقتين ، حرمت النظر . أسرع نزار نحو أخته سعاد ، احتضنته - أين أمي ؟- تحت الركام .. تحت الركام - ما الذي جرى ؟ أخبريني - لا أعلم ! كنا جالستين . أمي كانت تخيط لك ثوباً ، ثم .. ثم سمعنا الصوت .. بدأنا نحس أن الأرض تميد بنا .. وبعدها .. دفعتني أمي بقوة .. تمكنت من الخروج .. و لكني سمعت سقوط أحجار .. ثم سمعت صوت صرخت أمي ، أتمنى أن يخرجوها .لم يتمالك الصبي نفسه ، بدأ بالبكاء ، ضرب قدمي أخته ، صاح بها : لمَ لم تنقذي أمي ؟ أنت لا تحبينها ، تحبين نفسك .. لم تخرجيها .. لماذا ؟أوقف عراكه صوت صوت ناعم أجش : نزار...سعاد .. ولداي . لقد أخرج رجال الإسعاف عشرات الأشخاص و منهم هذه المرأة المغطاة بالدماء مليئة بالجروح العميقة . حضنتهما طويلاً ، أخرج نزار الوردة من حقيبته و قال لأمه : كل عام و أنت بخير يا أمي ، جرحت أصابعي و لكن لا بأس .حاولت الأم نهوض .. أجهشت بالبكاء .. حضنته و قبلته .. قبلت أخته .. تلطخا بالدماء الممزوجة بالدموع المرة . أمسكت يدي سعاد و ضمتها ، قبلت الفتاة يدي أمها و استنشقت رائحتها العطرة الممزوجة براحة الدم .قالت الأم لابنتها : اعتني بأخيك جيداً ، أنتِ كل ما لديه ، كوني عينيه . ثم التفتت إلى ابنها و قالت : وطنك هو وردك أدمي يديك و كل جوارحك من أجله ، و من أجل والدك و من أجل أخويك ، و من أجلي ، عدني أني سأكون مطمئنة عندما أموت . قال باكياً صارخاً : لن تموتي لن أسمح لهم أن يأخذوك في السيارة البيضاء لن أسمح لهم . قالت له : عدني . نكس رأسه و قال : أعدك . صرخت في وجهه و قالت : أنظر إلى الشمس و عدني . رفع رأسه .. مسحت أخته دموعه و قال : أعدك .. أعدك . ضمت الأم ولديها إلى صدرها ، شمت رائحتهما العطرة ، أطالت العناق .. أطالت البكاء ... رفعت سبابتها اليمنى ... لفظت الشهادتين ... ابتسمت ثم ارتخى جسدها ..حضناها ، بكيا .. بل إنهما صرخا ... و في هذه اللحظة .... توقف الزمن . تغيب الشمس ثم تشرق ثم تغيب ثم تشرق ثم تغيب و كلاهما سيان ، فسحب القنابل تغطي ضوء الشمس و ألسنة اللهب نضيء ظلام الليل .مشهد من مشاهد غزة ، و مأساة من مآسي أهل غزة ، انتهت الحرب و لكن .... لا يزال هناك من يتذكر وعده .. و ذات يوم .. سيوف يدمي يديه و كل جوارحه من أجل وطنه و كرامته .
24 ايلول, 2007
أمي الحبيبة :
رحلت مودِعاُ في أفئدتكم أطيافا من ذكريات جمة عشنا لحظاتها و الحبور يحيي قلوبنا,,,
هل لسنيننا الطويلة أن تمحوها البيادي و القفار البعيدة...هل لبسمة ثغرك الوضاح أن تخمد جذوتها
لحظة عن قلوبنا لتمسي دونها قبرا موحشا أو خرابة مقفرة...
هل للغربة أن تمحو كلماتك الرقيقة و لمساتك الحنونة من ذاكرتنا,, هل لبريق عينيك الرائعتين أن يغيب عن أعيننا ولو للحظة واحدة
24 ايلول, 2007
حينما تغادر المرأة طوعاً ثوب أنوثتها و ترتدي بزة الجهاد ، و تصبح المعاني أكثر عمقاً .. تضفي على الطبيعة ألوان مبتكرة .. تعيد صياغة المشهد ... و تفرض نفسها في المعادلة عنصراً فعالاً .. حاسماً .. تلك هي حال المرأة الفلسطينية .. أم أو أخت أو بنت شهيد .. أسير .. جريح .. مطارد .. زوجة تودع زوجها الشهيد الوداع الأخير بدمعتين الأولى حباً و الأخرى فخراً ..
(عرض النص الكامل)
05 ايار, 2007