المسافر

 كتب للمؤلف

 

 

 

 

« | »

سلسلة سنن منسية (2) صـلاة الـوتــر

لماذا نتكاسل عن صلاة الوتر بعد رمضان

 إعداد/ عزت الجزار           
صلاة الوتر من السنن المنسية التي فرط الناس فيها (إلا من رحم الله!)؛ لأننا لم ندرك حقاً قيمتها، ولم نحس بعد بعظيم أثرها، ولم ندرك أنها من نعم الله علينا، وإلا لجاهدنا أنفسنا وبادرنا إلى فعلها، كم نرى اليوم من المسلمين من يضيّعها، والبعض لا يعرفها إلا في رمضان، وينساها بقية العام! فحريٌّ بكل حريص على مرضاة الله عز وجل أن يأخذ نفسه بالمجاهدة والمصابرة؛ حتى يتغلَّب على شيطانه وهوى نفسه، ويحظى ببركات الطاعة، وينعم بلذة العبادة: {والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلنا وإنَّ الله لمع المحسنين}.فتعالوا إخوانى لنتعرف علي حكمها وفضلها ووقتها وكيفية أدائها.....
تعريف صلاة الوتر:
 هو أن يصلي المسلم آخر ما يصلي من نافلة الليل بعد صلاة العشاء، ركعة تسمى الوتر؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "صلاة العشاء مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى" (رواه البخاري).
فضل صلاة الوتر :
إن صلاة الوتر فضلها عظيم، وأعظم ما يدل على ذلك هو:- أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يدعها في حضر ولا سفر، وهذا دليل واضح على أهميتها.
فضل صلاة الوتر:
عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ” يا أهل القرآن أوتروا ، فإن الله - عز وجل - وتر يحب الوتر ”([1]).
حكم صلاة الوتر:
سنة مؤكدة؛ حثَّ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ورغّب فيه.
عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ” يا أهل القرآن أوتروا ، فإن الله - عز وجل - وتر يحب الوتر ” ([2]).
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ، فإذا أوتر قال : ” قومي فأوتري يا عائشة ” ([3]).
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم ، بثلاث : صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وركعتي الضحى ، وأن أوتر قبل أن أنام ([4]).
واتفق المسلمون على مشروعية الوتر، فلا ينبغي تركه، ومن أصر على تركه، فإنه ترد شهادته عند بعض أهل العلم؛ قال الإمام أحمد: "من ترك الوتر عمداً، فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل شهادته" ([5]).
وقت صلاة الوتر:
 يبدأ من بعد صلاة العشاء الآخرة ويستمر إلى طلوع الفجر.
عن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء - وهي التي يدعوا الناس العتمه - إلى الفجر ، إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ، ويوتر بواحدة([6]).
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله علي وسلم من أول الليل وأوسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر([7]).
وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أنَّ جميع الليل وقت للوتر، إلا ما قبل صلاة العشاء، فمن كان يثق من قيامه في آخر الليل، فإنه يوتر قبل أن ينام، بهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى مسلم من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أيكم خاف ألا يقوم من آخر الليل، فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيامه من آخر الليل، فليوتره من آخره، فإنَّ قراءة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل".
 وقد أجمع العلماء على أنَّ وقت الوتر لا يدخل إلا بعد صلاة العشاء، وأنَّه يمتد إلى الفجر.
وعن أبي تميم الجيشاني رضي الله عنه أن عمرو بن العاص خطب الناس يوم الجمعة فقال: إن أبا بصرة حدثني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله زادكم صلاة، وهي الوتر، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر"، قال أبوتميم: فأخذ بيدي أبو ذر فسار في المسجد إلى أبي بصرة رضي الله عنه فقال: أنت سمعت رسول الله يقول ما قال عمرو؟ قال أبو بصرة: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم"([8]).
أفضل وقت لصلاة الوتر هو آخر الليل:
وردت أحاديث تبين أن أفضل وقت لصلاة الوتر هو آخر الليل، فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا “([9]).
عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله عليه وسلم : ” من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل ، فإن صلاة آخر الليل مشهودة ، وذلك أفضل “([10]).
ما يسن قبل صلاة الوتر:
 من السنة أن يصلى قبل الوتر ركعتان فأكثر إلى عشر ركعات، ثم يصلى الوتر لثبوت ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم.
عدد ركعات الوتر:
 وأقل الوتر ركعة واحدة؛ لورود الأحاديث بذلك، وثبوته عن عشرة من الصحابة رضي الله عنهم، لكن الأفضل والأحسن أن تكون مسبوقة بالشفع.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” الوتر ركعة من آخر الليل “([11]).
وأكثر الوتر إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، يصليها ركعتين ركعتين، ثم يوتر منها بواحدة" (كما رواه مسلم)، وفي لفظ: "يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة". وله أن يسردها، ثم يجلس بعد العاشرة، ويتشهد ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالحادية عشرة، ويتشهد ويسلم. وله أن يسردها، ولا يجلس إلا بعد الحادية عشرة، ويتشهد ويسلم. والصفة الأولى أفضل.
وله أن يوتر بتسع ركعات، يسرد ثمانياً، ثم يجلس عقب الركعة الثامنة، ويتشهد التشهد الأول ولا يسلم، ثم يقوم، فيأتي بالركعة التاسعة، ويتشهد التشهد الأخير ويسلم.
وله أن يوتر بسبع ركعات أو بخمس ركعات، لا يجلس إلا في آخرها، ويتشهد ويسلم؛  لقول أم سلمة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام".
وله أن يوتر بثلاث ركعات، يصلي ركعتين ويسلم، ثم يصلي الركعة الثالثة وحدها، ويستحب أن يقرأ في الأولى بـ (سبِّح) وفي الثانية: بـ (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثالثة بـ(قل هو الله أحد).
وقد تبين مما مر أن لك أن توتر: بإحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة، أو بتسع ركعات، أو بسبع ركعات، أو بخمس ركعات، أو بثلاث ركعات، أو بركعة واحدة، فأعلى الكمال إحدى عشرة ركعة(أو ثلاث عشرة ركعة)، وأدنى الكمال ثلاث ركعات، والمجزئ ركعة واحدة.
القراءة في الوتر:
يسن أن يقرأ بسورة الإخلاص لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر بـ ” سبح اسم ربك الأعلى ” و ” قل يا أيها الكافرون ” و ” قل هو الله أحد ” في ركعة ركعة([12]).
القنوت في الوتر:
 يشرع القنوت في الوتر في جميع السنة؛ لما رواه أحمد وأهل السنن وغيرهم من حديث الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر - وفي لفظ في قنوت الوتر - ” اللهم أهدني فيمن أهديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يُقضى عليك وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت “([13]).
محل القنوت في الوتر:
محل القنوت في صلاة الوتر بعد الركوع ويصح قبل الركوع وبعد القراءة وكلها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الذكر بعد السلام من الوتر:
 يستحب أن يقول المصلي بعد السلام من الوتر: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات يرفع صوته بالثالثة ثم يقول: "رب الملائكة والروح"؛ فعن عبد الرحمن بن ابزى - رضي الله عنه - قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أسلم قال : ” سبحان الملك القدوس ” ثلاث مرات يمد صوته في الثالثة ثم يرفع([14]).
كما يستحب أن يدعو بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"([15]).
لا وتران في ليلة:
 من صلى الوتر ثم بدا له أن يصلي؛ جاز، ولكن لا يعيد الوتر؛ لما رواه أبوداود والنسائي والترمذي وحسَّنه عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا وتران في ليلة". وعن عائشة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليماً يسمعنا، ثمَّ يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد"([16]).
وعن أم سلمة: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يركع ركعتين بعد الوتر وهو جالس"([17])
قضاء الوتر:
 ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية قضاء الوتر؛ لما رواه البيهقي وصححه على شرط الشيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر"([18]).
 وعند أحمد والطبراني بسند حسن: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصبح فيوتر.
 واختلفوا في الوقت الذي يُقضى فيه: فعند الحنفية: يقضى في غير أوقات النهي، وعند الشافعية: يقضى في أي وقت من الليل أو من النهار، وعند مالك وأحمد: يقضى بعد الفجر ما لم تصلّ الصبح.
الوتر في السفر:
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحته حيث توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته([19]).
فوائد:
* قال ابن التين: اختلف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة.
* صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم بالليل ثلاثة أنواع: أحدها (وهو أكثرها): صلاته قائماً.
الثاني: أنَّه كان يصلي قاعداً، ويركع قاعداً.
 الثالث: أنَّه كان يقرأ قاعداً، فإذا بقي يسيرُ من قراءته قام فركع قائماً، والأنواع الثلاثة صحَّت عنه.
وبعد ايها الإخوة:
إنَّ مثل هذه النفحات الإلهية التي تحيي الفؤاد من جديد، وتوقظ النفس من سبات عميق، لا ينبغي لنا أن نفرِّط فيها، فهي ـ والله ـ أثمن لنا من هذه الدنيا ولو حيزت بأسرها. هي ـ والله ـ لذة العبادة التي تغمر القلوب بالإيمان فتجعل الجوارح تتجافى عن الفرش قائمة لله عابدة له.

[[1]] واه أبو داود 1416 والنسائي 1674 وصححه الألباني.
[[2]]رواه أبو داود 1416 والنسائي 1674 وصححه الألباني.
[[3]]رواه مسلم 744.
[[4]]رواه البخاري 1981.
[[5]]وروى أحمد وأبوداود مرفوعاً: "من لم يوتر فليس منا".
[[6]] رواه مسلم 736.
[[7]]رواه مسلم 745.
[[8]]رواه أحمد بإسناد صحيح
[[9]] رواه البخاري 998 ومسلم 751.
[[10]] رواه مسلم 755.
[[11]] رواه مسلم 752.
[[12]]رواه الترمذي 462 وصححه الألباني.
[[13]]رواه أبو داود 1425 والنسائي 1744 وصححه الألباني.
[[14]]رواه النسائي 1752 وصححه الألباني.
[[15]]رواه أحمد وأصحاب السنن عن علي رضي الله عنه
[[16]]رواه مسلم.
[[17]]رواه أحمد وأبوداود والترمذي وغيرهم
[[18]]وروى أبوداود عن أبي سعيد الخدري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره". قال العراقي: إسناده صحيح.
[[19]]رواه البخاري 1000.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد

 
A service provided by Al Bawaba