ولأن لصلاة الضحى زمناً محددا يكون الناس مشغولين خلاله بأعمالهم فالموظف في وظيفته ،والطالب في فصله ، والعامل في عمله ، والتاجر في محله ، والطبيب في عيادته ، والجندي في ثكنته ، والمرأة في بيتها ؛ إلا أن هناك من يوفقه الله سبحانه وييسر له اغتنام بعض الشيء من وقته لتأدية صلاة الضحى تقرباً إلى الله جل وعلا ، وطمعاً في ثوابه ، وليكون بذلك واحداً من الموفقين الذين يحرصون على إحياء شعيرة من شعائر الدين ، ويواظب على سنة من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم فعن أبي الدرداء وأبي ذرِّ رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عن الله تبارك وتعالى أنه قال : ابن آدم ، اركع لي أربع ركعاتٍ من أول النهار أكفك آخره ([1]) ".... فهنيئاً لمن حافظ على صلاة الضحى ، وهنيئاً لمن لم يشغله عنها شاغل ، وهنيئاً لمن عمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ورد في شأنها عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : " أوصاني خليلي بثلاثٍ : صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كل شهر ، وركعتي الضحى ، وأن أوتر قبل أن أنام ([2])" . الأدلة على سنية صلاة الضحى: *حديث أم هانئ السابق :" أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات" . * عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر". وعن عائشة رضي الله عنهـا قالت:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله". وعن عبد الله بن شقيق قال:قلت لعائشة رضي الله عنها: "أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه". وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه: "رأى قوماً يصلون الضحى، فقال: لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعـة أفضل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الأوابين حين ترمض الفصال". وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح سبحة الضحى وإني لأسبحها". وفي رواية عنها: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح سبحة الضحى، وإني لأسبحها، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم". وقد وصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر وأبا الدرداء، كما وصى أبا هريرة رضي الله عنهم. عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يُصبح على كل سُلامي من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك : ركعتان يركعهما من الضحى . قال الحافظ ابن حجر :(وقد جمع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى في جزء مفرد، وذكر لغالب هذه الأقوال مستنداً، وبلغ عدد رواة الحديث في إثباتهـا نحو العشرين نفساً من الصحابة. فضل صلاة الضحى : وردت أحاديث في فضل صلاة الضحى ، أذكر منها الأحاديث التالية : عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال :" يصبح على كل سلامى([3]) من أحدكم صدقة ؛ فكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" . أخرجه مسلم. ([4]). عن أبي الدرداء و أبي ذر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الله عز وجل؛ أنه قال :" ابن آدم! اركع لي من أول النهار أربع ركعات ؛ أكفك آخره". أخرجه الترمذي ([5]). عن أبي هريرة ؛ قال : قال: " لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب" . قال: "وهي صلاة الأوابين". أخرجه ابن خزيمة والحاكم ([6]). عدد ركعاتها: أقل صلاة الضحى: ركعتــان. أفضلها: أربع ركعـات، مثـنى مثـنى. أكثرها: ثمان ركعات، وقيل اثنتا عشرة ركعة، وقيل لا حدَّ لأكثرها. خرج البخاري في صحيحه بسنده قال:سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: "ما حدثنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ، فإنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات " . وعن عائشة عند مسلم: "كان يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء" وعن نعيم بن همار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يقول الله تعالى : ابن آدم، لا تعجزني من أربع ركعات من أول نهارك أكفك آخره". وعن جابر عند الطبراني في الأوسط كما قال الحافظ في الفتح: "أنه صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ست ركعات"، وعن أنس مرفوعاً: "من صلى الضحى ثنتي عشرة بنى الله له بيتاً في الجنة". حكم صلاة الضحى: صلاة الضحى سنة مؤكدة، وهذا مذهب الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة مندوبة. قال مؤلف سبيل السعادة المالكي عن صلاة الضحى: سنة مؤكدة عند الثلاثة ، مندوبة عند أبي حنيفة. وقال النووي: (صلاة الضحى سنة مؤكدة. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وجمع ابن القيم في الهدي الأقوال في صلاة الضحى فبلغت ستة، ملخصها: 1. مستحبـة. 2. لا تشرع إلا لسبب. 3. لا تستحب أصلاً. 4. يستحب فعلها تارة وتركها تارة بحيث لا يواظب عليها، وهذه إحدى الروايات عن أحمد. 5. تستحب صلاتها والمواظبة عليها في البيوت. 6. أنها بدعة. والراجح ما ذهب إليه الجمهور أنها سنة مؤكدة، لما يأتي من الأدلة. صفة صلاة الضحى: كان صلى الله عليه وسلم يخفف فيها القراءة، مع إتمام الركوع والسجود، فهي صلاة قصيرة خفيفة، فعن أم هانئ رضي الله عنها في وصفها لصلاته لها: " فلم أر قط أخَـفًّ منها، غير أنه يتم الركوع والسجود". وفي رواية عبد الله بن الحارث رضي الله عنه: "لا أدري أقيامه فيها أطول أم ركوعه أم سجـوده، كل ذلك يتقارب". قال الحافظ: ( واستدل به على استحباب تخفيف صلاة الضحى، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون السبب فيه التفرغ لمهمات الفتح لكثرة شغله به، وقد ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم الضحى، فطوَّل فيها أخرجه ابن أبي شيبة من حديث حذيفة. اختلف العلماء في حكم صلاة الضحى على عدة أقوال: فقول الجمهور أنها عبادة مستحبة فمن شاء ثوابها فليؤدها وإلا فلا تثريب عليه في تركها واستدل أصحاب هذا القول بجملة الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها آنفا في الحديث عن فضل صلاة الضحى ورغم أنه أصح الأقوال فلا مانع من ذكر رأى مخالفيهم وكيف رد جمهور العلماء عليهم مما يكشف لنا كيف تجتهد العقول وتعمل الأدلة لإدراك الصواب. قال بعض العلماء أنها لا تشرع إلا لسبب واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا لسبب فاتفق وقوعه وقت الضحى واستدلوا بعدة أحاديث منها: * ما رواه البخاري عن عبد الله بن أبى ليلى يقول: ما حدثنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلى الضحى غير أم هانىء فإنها قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات فلم أر صلاة قط أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود. قال المحتجون بهذا الحديث: وصلاته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ثمان ركعات ضحى إنما كانت من أجل الفتح وأن سنة الفتح أن تصلى عنده ثمان ركعات وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح وذكر الطبري في تاريخه عن الشعبى قال: لما فتح خالد بن الوليد الحيرة صلى صلاة الفتح ثمان ركعات لم يسلم فيهن ثم انصرف قالوا: وقول أم هانىء وذلك ضحى في بعض روايات الحديث تريد أن فعله لهذه الصلاة كان ضحى لا أن الضحى اسم تلك الصلاة. هل تقضى صلاة الضحى إذا خرج وقتها ؟ الجواب: أولا : وقت الصلاة الضحى من ارتفاع الشمس قدر رمح ، وذلك بمضي ربع ساعة أو ثلث ساعة بعد طلوعها ، إلى قبيل الزوال ( والزوال هو دخول وقت صلاة الظهر( ، وقبيل الزوال ما بين عشر دقائق إلى خمس دقائق فقط ، أي قبل دخول وقت النهي " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله" (14/306) . قال ابن مفلح رحمه الله : " ووقتها من خروج وقت النهي إلى الزوال , والمراد والله أعلم قبيل الزوال ؛ للنهي " انتهى من "الفروع" (1/567) . ثانيا : اختلف أهل العلم في قضاء صلاة الضحى إذا فات وقتها ، فذهب بعضهم إلى أنها تقضى ، وهو الصحيح عند الشافعية ، وقال به بعض الحنابلة ، وذهب آخرون إلى عدم قضائها ، وهو قول الشافعي القديم ، ومذهب الحنفية والمالكية . قال النووي رحمه الله في "المجموع" (3/532) : " قال أصحابنا : النوافل قسمان ( أحدهما ) غير مؤقت وإنما يفعل لعارض كالكسوف والاستسقاء وتحية المسجد , فهذا إذا فات لا يقضى ( الثاني ) مؤقت كالعيد والضحى والرواتب مع الفرائض كسنة الظهر وغيرها ، فهذه فيها ثلاثة أقوال : الصحيح منها أنها يستحب قضاؤها , قال القاضي أبو الطيب وغيره : هذا القول هو المنصوص في الجديد . والثاني : لا تقضى وهو نصه في القديم ، وبه قال أبو حنيفة . والثالث : ما استقلّ كالعيد والضحى قُضي ، وما لا يستقل كالرواتب مع الفرائض فلا يقضى , وإذا [ كانت ] تقضى فالصحيح أنها تقضى أبدا . وحكى بعض أصحابنا قولاً ضعيفا أنه يقضي فائت النهار ما لم تغرب شمسه , وفائت الليل ما لم يطلع فجره , وعلى هذا تقضى سنة الفجر ما دام النهار باقيا ... وهذا الخلاف كله ضعيف والصحيح استحباب قضاء الجميع أبدا , ودليله قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) وحديث أبي قتادة رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم فاته الصبح في السفر حتى طلعت الشمس فتوضأ ثم صلى سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة ) رواه مسلم ، والمراد بالسجدتين صلاة السنة الراتبة التي قبل الفجر . وحديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد العصر فسألته عن ذلك فقال : ( إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان الركعتان بعد العصر ) رواه البخاري ومسلم ، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يصل ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما ) رواه البيهقي بإسناد جيد , وعن أبى سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من نام عن وتره أو نسيه فليصل إذا ذكره ) رواه أبو داود بإسناد حسن ... وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ) رواه مسلم ... وفي المسألة أحاديث كثيرة غير ما ذكرتها وفي هذا أبلغ كفاية , وبالله التوفيق " انتهى باختصار وتصرف يسير . وقال المرداوي في "الإنصاف" (2/191) : " وقال الشيخ عبد القادر : له فعلها بعد الزوال , وإن أخرها حتى صلى الظهر قضاها ندبا – يعني استحباباً - " انتهى . وصرح الحنفية بأن السنن إذا فاتت لا يقضى منها إلا سنة الفجر إذا فاتت مع الفرض ، فإنها تقضى إلى الزوال . "الفتاوى الهندية" (1/112). وإلى هذا ذهبت المالكية أيضا ، فلا يقضى عندهم نفل سوى ركعتي الفجر ، تقضى إلى الزوال ، سواء كان معها الصبح أم لا . "بلغة السالك" (1/408). وينظر : "الموسوعة الفقهية الكويتة" (34/37). واختار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله القول بأن صلاة الضحى لا تقضى إذا فات وقتها ، فقد سئل رحمه الله : إذا فاتت سنة الضحى هل تقضى أم لا ؟ فأجاب : " الضحى إذا فات محلها فاتت ؛ لأن سنة الضحى مقيدة بهذا ، لكن الرواتب لما كانت تابعة للمكتوبات صارت تقضى وكذلك الوتر لما ثبت في السنة ) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إذا غلبه النوم ، أو المرض في الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ) . فالوتر يقضى أيضا " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (14/305). والأمر في ذلك واسع ، والحمد لله . خاتمـــة: وفي النهاية ... نعاود التذكير بصلاة الضحى وسنيتها .. فـفضلها عظيم كأجر الصدقة ..فلنحرص أخوتي على المداومة عليها ولو بركعتين .. فخير الأعمال أدوامها وإن قل.
------------------------------------ [1] - رواه الترمذي ، الحديث رقم 475 ، ص 126 . [2] - رواه البخاري ، الحديث رقم 1981 ، ص 319. [3] - سلامى : مفرد ، جمعه : السلاميات ، وهى مفاصل الأصابع ، ثم استعمل في جميع عظام البدن ومفاصله. "شرح مسلم للنووي" (5/233). [4] - حديث صحيح . أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب استحباب صلاة الضحى و أن أقلها ركعتان وأكملها ثمان ركعات وأوسطها أربع ركعات أو ست والحث على المحافظة عليها ، حديث رقم 720) 0 وانظر: "جامع الأصول" (9/436). [5] - حديث حسن .أخرجه أحمد في "المسند" (6/440، 451) ، و أخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة ، باب ما جاء في صلاة الضحى ، حديث رقم 475). والحديث قال عنه الترمذي :" حسن غريب" ، وصححه الشيخ أحمد شاكر في " تحقيقه" للترمذي، والألباني في "صحيح سنن الترمذي" (1/147) ، وحسنه محقق " جامع الأصول" (9/437). [6] - حديث حسن.أخرجه ابن خزيمة (2/228)، والحاكم في "المستدرك" (1/314) واللفظ لهما ، و أخرجه الطبراني في "الأوسط" (2/279 – مجمع البحرين) ؛ دون قوله :" وهي صلاة الأوابين" . والحديث صححه الحاكم على شرط مسلم ، وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (حديث رقم 1994). |