« | »

عودة الفتى الضائع

اشتهر وزوجتي بالحرص على وسام واليسار، حتى ان البعض يقولون انكم "بتزيدوها بالتدقيق على كل اشي بيعملوا الاولاد" لكن نعتبر ان ذلك مريحا بالنسبة لنا اكثر من ان يقع الولد في لفظ سيء او تصرف غير محترم لشخص كبير.

 ومع ذلك فقد شاء رب العالمين -وان كنا من الشاكرين الدائمين- اختبارنا في نعمته علينا، فقد فقدنا وسام على الطريق السريع في منطقة مهجورة لعشرة دقائق تقريبا كانت هذه المدة كافية لاصابتنا بانهيار عصبي ونفسي لو طالت اكثر من ذلك.

 يوم الثلاثاء كنا عائدين من مطار عمان بعد ان اوصلنا ام معن زوجة خالي الاعلامية في وكالة الانباء الفلسطينية، حيث توجهت الى بيروت ، ومثل تلك المشاوير اعتبرها فرصة للاولاد لقضاء رحلة عرضية بعيدا عن البرنامج العائلي المصاب اصلا بفقر مشاوير طويلة .

 تعمدت اطالة طريق العودة والسير متمهلا مستمتعا بالمناكفات بين وسام وناديا ، حيث امضى وسام الجالس لوحدة على الكرسي الخلفي طريق العودة بالقيام بـ " مقالب وافلام "، فتارة يعاند اليسار واخرى يقوم بتمثيل دور النائم وهو ما يتعارض مع برنامجه لانه سيستيقظ بعد قليل ويسهر وسيكون مشكلة دوامه المدرسي في الصباح. 

وصلنا الى مساواة المدرسة الاميركية طلب مني وسام الوقوف لقضاء حاجته ،فاعتبرت ان هذا المكان هو الافضل لذلك، وقد تكون هي الطريقة الوحيدة للانتقام من الاميركان ، خلال وجوده في مهمته اتصلت بمنزل شقيقتي ام سامر لاطمئن انها وصلت من دمشق وفيما انا اتحدث فتح وسام الباب واغلقه مجددا ، فاعتبرت انه صعد السيارة وانطلقت. 

لم اتنبه لاحتجاجات اليسار التي كانت تجلس في حضن والدتها بالاتجاه المعاكس أي انها ترى وسام الذي لم يصعد السيارة اصلا ، وعندما فتح الباب واغلقه فذلك كان احد مقالبه ، وظل يركض وراءنا ، وفيما كانت اليسار تصيح "بدها وثام" وانا انهيت مكالمتي وبدات اتحدث مع ناديا.

 رحمة وحكمة رب العالمين جعلتني ادخل في طريق بعيد عن الطريق الرئيسي، وبعيد عن ازمة السير في الصويفية، وامام اصرار اليسار على وسام - الذي اعتقدنا انه عاد للاختباء او تمثيل دور النائم - قطعت ناديا الحديث معي وقالت "لاليسار هاي وسام شوفيه " لكن لا يوجد صوت .

اوقفت السيارة وقلت لاليسار "سوف اخرج وسام من تحت الكرسي واكسرلك اياه لانه ما برد عليكي وما بدو يلعب معك" لكن وسام غير موجود في السيارة وانا قطعت اكثر من كيلو متر. 

لم انتظر ، انطلقت مسرعا ، وسام الان على جانب طريق المطار أي الطريق السريع واي خطوة الى الامام تعني نهايته، انا اعرف تلك المنطقة جيدا لانني عملت فيها سنوات، بدأت افكر في ردة فعل وسام في تلك المنطقة الغريبة والموحشة على طفل في السادسة من عمرة. 

خلال طيراني على الطريق عانيت من بعض الطرشان الذين لم يستجيبوا لنداء اضواء الطوارئ ولا حتى "زامور السيارة" يبدو انهم اعتقدوا اني اسير "بفاردة فرح لوحدي"، لكني قاومت برودهم المقيت والكريه ، وبدات ايضا اعاني من انهيار ناديا وضيق نفسها وفقدانها لاعصابها.

 دخلت الى الطريق المناسب ثم الى طريق المطار في الاتجاة المطلوب لاجد وسام الى جانب سيارة يتحدث مع سائقها الشاب الذي نزل الى جانبه فيما زوجته تراقب الحديث بينهما. كان الرجل يطلب رقما من هاتفه المحمول ، فيما انا بدات اعطيه اشارات من الضوء العالي مع زامور متواصل الا ان ضجيج ذلك الشارع حجب سماعي الى ان وصلت . 

 رآني وسام فقفز الى حضن والدته وانفجرا بكاءا ، فيما نزلت الى الرجل الذي قال ان الطفل اوقفه وقال "عمو معلش احكي مع بابا" واعطاه الرقم الذي يحفظه وسام جيدا ويراجعه يوميا عشرات المرات .

لقد كان رقمي على شاشة الهاتف المحمول لهذا الرجل ويحاول التحدث معي، قال انه كان يبكي، وقال له ان "اهلي نسيوني لما نزلت اعمل نونو" ثم هدأ وتماسك واعطاه رقمي. 

 لم يحملني رب العالمين اكثر من طاقتي، تصرفت بحكمة وطردت أي افكار قد تسيطر على عودتي الى ذلك المكان او قد تربكني، لكن ليس غريبا ان تكون تلك الدقائق كافية لادخل فيها مرحلة بداية النهاية من عذاب الضمير ان جرى للطفل أي شيء، مع اننا نراعي وندادي بشكل لا يوصف، لكن غلطة الشاطر... 

فقداني المؤقت لوسام، تزامن مع اليوم الـ 200 لغياب الطفل ورد الربابعة ، الذي كان يحمل فطوره لعائلته، فاختفى ، واختفت آثاره تماما ، وانهمك الاردن حكومة وشعبا، واجهزة امنية، وطبية، واعلامية بالبحث عن هذا الطفل الذي نتضرع الى رب العالمين ان يعود سالما الى والديه والى شعب الاردن، كما عاد الينا وسام .


تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba